الأقمشة الهندية... تاريخ عريق وحاضر مبهر

من قرى الهند النائية إلى منصات عروض الأزياء

قماش «بيزلي» بترجمة دار «إيترو» الإيطالية
قماش «بيزلي» بترجمة دار «إيترو» الإيطالية
TT

الأقمشة الهندية... تاريخ عريق وحاضر مبهر

قماش «بيزلي» بترجمة دار «إيترو» الإيطالية
قماش «بيزلي» بترجمة دار «إيترو» الإيطالية

تتميز صناعة المنسوجات في الهند بتاريخ موغل في القدم يعود إلى 6000 عام ماضية. والكل يعرف أنها لا تزال تهيمن على المشهد العام لصناعة الموضة عالمياً. فلو أمعنا النظر شرقاً وغرباً، لوجدنا أمثلة كثيرة على أنواع ذات جذور هندية جرى دمجها في ملابس محلية تقليدية وفلكلورية. على سبيل المثال، يدين أسلوبا «إيكات» و«باتيك» لصباغة الملابس في إندونيسيا، بالفضل في بدايتهما إلى الهند، ويتميز الأسلوبان بلمسة جمالية لافتة ومستوى فني رفيع. وبالمثل، تضرب جذور نسيج «ساراسا» الياباني في نسيج «كاليكو» الهندي الذي انتقل إلى اليابان، على يد تجار برتغاليين في القرن الـ16.
أما أوروبا، فحدث بلا حرج، إذ هناك كثير من الأمثلة على منسوجات ذات أصول هندية. فمدينة بيزلي الاسكوتلندية اكتسبت شهرتها بمحاكاتها الشال الكشميري، وتعديله من خلال الاستعانة بالقماش القطني الإنجليزي والفرنسي المزدان برسوم الأزهار والنباتات. أيضاً، يحاكي الأسلوب البروفنسي الفرنسي الشهير في المنسوجات أسلوب الطباعة الخشبية، الذي انتقل إلى فرنسا عبر «طريق الحرير» على أيدي تجار أميركيين. وبذلك يتضح كيف أن المنسوجات الهندية تركت بصمتها المميزة على الموضة الشعبية والعالمية.

التاريخ

بحلول القرن الـ15، كان تجار المنسوجات الهندية قد نجحوا في بناء شبكة معقدة من الصين حتى أفريقيا. وعندما وصل الأوروبيون إلى الشواطئ الهندية، شعروا بانجذاب نحو الأقمشة والمنسوجات الهندية المصنوعة من مواد رفيعة المستوى، وصبغات مميزة، ونماذج زخرفية نباتية وأشكال هندسية.
ورغم أن غالبية التصميمات الزخرفية ركزت على صور تقليدية مرتبطة بالحياة في الهند، مثل الحيوانات، خاصة الأفيال، وصفوف من الراقصين المتحمسين، استجاب صناع المنسوجات كذلك إلى حاجة وأذواق الأجانب، ونجحوا في تعديل تصميماتهم لتتناسب مع أذواق شعوب أخرى.
إضافة إلى ذلك، أثرت تصميمات المنسوجات الهندية على أذواق المصممين بشتى أرجاء العالم، فمثلاً وجدت الرسومات النباتية البراقة والتصميمات الثرية الكثيفة طريقها إلى بريطانيا، في الحقبتين الفيكتورية والإدواردية، التي تنتمي جذورها بصورة مباشرة إلى النسيج القطني الهندي، الذي نقله التجار إلى أوروبا قبل بضعة مئات من السنين.
وخلال ذروة حركة التجارة العالمية في القرن الـ17، كان يجري بيع الأقمشة الهندية في الأسواق بمناطق شتى من العالم، منها اليابان وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وبدا موقع الهند المركزي المطل على المحيط الهندي مثالياً لخدمة تجارة الأقمشة والمنسوجات للشرق والغرب على حد سواء.
من أشهر موجات الموضة الحالية التي تعود جذورها إلى الهند نذكر:

«بيزلي»

يشتهر اسم «بيزلي» باعتباره الاسم المستخدم للإشارة إلى التصميم الذي يتخذ شكل قطرة الماء، والذي جرى استخدامه على نحو كاسح في شتى المجالات، بدءاً من «هوت كوتور» إلى مجموعة واسعة النطاق من السلع المنزلية والهدايا.
كان «بيزلي» قد تحول لصيحة في عالم الموضة، عندما نجاح مصممون كشميريون في تحويل هذا الرسم المنتمي إلى فارس القديمة إلى تصميم يزين الشال الرقيق المصنوع من صوف كشميري، يعرف باسم «باشمينا». بحلول أواخر القرن الـ18، كان هذا الشال قد لاقى رواجاً في صفوف سيدات أوروبا وتحول إلى صيحة بمجال الموضة؛ لكن تركزت المشكلة في نقص المعروض منه وسعره الباهظ. وعليه، عمد صانعو المنسوجات والأقمشة البريطانيون إلى محاكاته وبيعه مقابل عُشر سعر النسخة الهندية فقط.
إضافة لذلك، جرى تعديل التصميم الهندي لقطرة الماء على نحو يوافق الذوق الأوروبي. وبالفعل، ترك هذا التعديل تأثيراً هائلاً، وزاد الطلب على النسخ المقلدة من الشال الهندي، لدرجة جعلت مراكز النسيج في أدنبره ونوريتش وبيزلي ترزح تحت وطأة طلبات الشراء الضخمة التي تنهال عليها. وكانت مدينة بيزلي الاسكوتلندية واحدة من أكبر الجهات المنتجة لهذا النسيج، لدرجة أنه - أي النسيج - حمل اسمها نهاية الأمر. ومن هنا، اكتسب «بيزلي» شهرته بشتى أنحاء العالم.

«سيرساكر»

يعتبر هذا النسيج القطني المخطط من الكلاسيكيات الأميركية. ظهر في عدد لا حصر له من مجموعات أزياء الصيف، منها «هاسبل» و«بروكس براذرز» و«جورجيو أرماني»، مع حرص كل دار أزياء على إضفاء لمستها الخاصة على النسيج. ومع هذا، من الواضح أن القليلين للغاية يعرفون أن أصول هذا النسيج تنتمي إلى الهند. وقد دخلت كلمة «سيرساكر» ذاتها إلى الإنجليزية من الهندية، وتتمثل جذورها في لفظي «شير» و«شاكار»، ويعنيان حرفياً «الحليب والسكر»، ربما في إشارة إلى تشابه الخطوط الناعمة والخشنة في النسيج، مع نعومة الحليب وخشونة السكر.
اللافت أن «سيرساكر» يجري غزله على نحو يجعل بعض الخيوط يلتف على البعض، على نحو يمنح النسيج مظهراً مجعداً ببعض المناطق. يذكر أنه خلال فترة التوسع الاستعماري البريطاني، كان «سيرساكر» من الأقمشة المنتشرة في المستعمرات البريطانية التي تتميز بدفء مناخها، مثل الهند البريطانية.
وعندما انتقل «سيرساكر» إلى الولايات المتحدة للمرة الأولى، جرى استخدامه على نطاق واسع ومتنوع؛ لكن أول استخدام له على الإطلاق هناك كان الاستعانة به بديلاً عن نسيج «الفلانيل» الثقيل الذي يدخل في صناعة السترات الرجالية، ذلك أن النسيج الهندي بدا أكثر موائمة للطقس الحار بجنوب البلاد. ومن هنا، ولدت السترة الصيفية الأميركية الشهيرة المؤلفة من خطوط بيضاء وزرقاء.
اليوم، يقتصر إنتاج «سيرساكر» داخل الولايات المتحدة على عدد محدود من جهات تصنيع النسيج، نظراً لقلة أرباحه وارتفاع تكلفته وبُطء عملية تصنيعه.

«مادراس بليد»

تحول «مادراس بليد» إلى رمز للرفاهية الأميركية. في المقابل نجد أنه داخل الهند، يجري النظر إلى هذا النسيج باعتباره يخص أبناء طبقة المزارعين أكثر، ما يخلق مفارقة مذهلة أن تجد أن العنصر المشترك بين الفلاح الفقير في كولكاتا بالهند والمصرفي الثري في «وول ستريت» بالولايات المتحدة يكمن في «مادراس بليد». يتميز هذا القماش بكونه نسيجاً قطنياً خفيفاً يحمل نقوشاً مربعة، ويستخدم بصورة أساسية في صنع الملابس الصيفية، مثل السراويل الداخلية والفساتين والسترات.
وتبعاً لما ذكره مؤرخون معنيون بصناعة النسيج، ظهر أول مصنع لغزل نسيج «مادراس بليد» من أطراف قشرة أشجار عتيقة في مادراس بالهند (تشيناي حالياً). وعرف «مادراس بليد» طريقه إلى الشرق الأوسط وأفريقيا بحلول القرن الـ13 تقريباً، واستخدم في صنع أغطية الرأس. مع دخول القرن الـ14، شهد مزيداً من التطور، وازدان بتصميمات نباتية. وبمرور الوقت، أصبح الملبس التقليدي لأبناء مادراس. وانتشر هذا النسيج الذي تضرب جذوره في جنوب الهند، داخل أعرق مدارس نيو إنغلاند.
في عام 1718، أرسل حاكم مادراس التابع لـ«شركة الهند الشرقية»، إليهو ييل، شحنة من السلع، بينها أقمشة، إلى مدرسة في مسقط رأسه بكونيتيكت على سبيل الهدية. لاحقاً، أطلق على هذا المدرسة اسم «جامعة ييل»، التي أصبح «مادراس بليد» جزءا منها، وكذلك بـ«هارفارد» وبعض أعرق المؤسسات التعليمية الأميركية، ليتحول إلى رمز للرفاهية والتميز بداخل الولايات المتحدة.
جدير بالذكر أن نسيج «مادراس بليد» الهندي الأصلي، يصنع يدوياً من خيوط غزل مصبوغة بألوان طبيعية مستخرجة من خضراوات.

نسيج «شينتز» القطني

يستخدم لفظ «شينتز» اليوم في الإشارة إلى أي نسيج يحمل تصميمات نباتية، بينما ينتمي هذا اللفظ في الأصل إلى الكلمة الهندية «تشينت» أو «تشيتا»، أي منقط أو مرقط. وقد جرى إنتاجه داخل الهند خصيصاً للسوق الأوروبية، عبر عملية فنية عرفت باسم الصباغة ثابتة اللون. أما الرسومات، فجرى صنعها يدوياً بالاعتماد على قلم بسيط مصنوع من البامبو.
عام 1600 تقريباً، حمل تجار برتغاليون وهولنديون عينات من الـ«شينتز» الهندي إلى أوروبا في شحنات صغيرة؛ لكن القرن ذاته شهد بدء إرسال تجار إنجليز وفرنسيين لكميات ضخمة منه إلى أوروبا. بحلول عام 1680 كانت إنجلترا تستورد أكثر من مليون قطعة نسيج مصنوعة من الـ«شينتز» سنوياً، وعرفت كميات مشابهة طريقها إلى كل من فرنسا وهولندا.
منذ مطلع القرن الـ17 حتى منتصف الـ19، انتشر استخدام «شينتز» على الصعيد الأوروبي، في البداية في صنع أغطية الأسرة والستائر، ثم لاحقاً في أحدث صيحات ملابس الرجال والنساء. وبدا الأوروبيون بوجه عام في حالة انبهار بهذا النسيج الهندي.
وبمرور الوقت، أصبح من العناصر الرئيسية في الديكورات الداخلية خلال القرن الـ19، ولاقى إقبالاً خاصاً من جانب أبناء الطبقة الراقية الأوروبية. اللافت أن الطلب على «شينتز» الهندي ارتفع لدرجة أثارت قلق بعض الدول الأوروبية، مع عجز مصانع الغزل الأوروبية عن محاكاة النسيج الهندي. وقد دفع هذا القلق فرنسا إلى فرض حظر على استيراد «شينتز» بمختلف صوره.
في نهاية الأمر نجحت الطابعات الآلية الأوروبية في محاكاة التصميمات الهندية اليدوية، وبحلول منتصف القرن الـ19 جرى إنتاجه على نطاق واسع داخل بريطانيا، واكتسبت تصميماته طابعاً أوروبياً متزايداً، واتسعت رقعة العملاء الذين يقبلون على شرائه، وبلغ الإقبال عليه حد الشغف خلال الحقبة الفيكتورية.

الديباج

توحي اكتشافات أثرية في الفترة الأخيرة في هارابا وتشانهودارو، بأن صناعة خيوط الحرير من أنواع محلية من دودة الحرير، كانت موجودة في جنوب آسيا في عصر حضارة وادي السند، التي يعود تاريخها إلى ما بين 2450 قبل الميلاد و2000 بعد الميلاد، ما يعود لحقبة أقدم عن ظهور صناعة الحرير في الصين.
جدير بالذكر أن نسيج «كهينخواب» الأسطوري المرتبط في الوقت الحالي بمدينة فارانساي الهندية، اعتمد على أسلوب غزل الحرير مع خيوط من الذهب أو الفضة.
وكان له عملاؤه من كبار الأثرياء وجرى تصديره إلى بابل بالعراق قديماً في حقب ما قبل الميلاد. وقد أسهم هذا النسيج في تعزيز صورة الهند باعتبارها أرض الثراء والوفرة.
الملاحظ أن مراكز غزل الديباج ظهرت وتطورت داخل وحول عواصم الممالك الكبرى والمدن المقدسة؛ نظراً للطلب عليه من جانب الأسر المالكة وكهنة المعابد.


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

لمسات الموضة هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.