مأكولات الشوارع في مصر تطعم الملايين

عشرات الوجبات بعضها غير معروف في العالم

أكل الشوارع في مصر ليس ظاهرة جديدة ولكنه منتشر بكثرة
أكل الشوارع في مصر ليس ظاهرة جديدة ولكنه منتشر بكثرة
TT

مأكولات الشوارع في مصر تطعم الملايين

أكل الشوارع في مصر ليس ظاهرة جديدة ولكنه منتشر بكثرة
أكل الشوارع في مصر ليس ظاهرة جديدة ولكنه منتشر بكثرة

التنوع والابتكار هو عنوان وجبات الشوارع في مصر. ومن عربات يد تنتشر في الأركان بتصميمات ملونة وتحمل داخلها مواقد لتسخين الطعام يأتي الملايين يوميا لتناول أطعمة اعتادوا عليها.
من ألوان التنوع أن هناك وجبات صباحية وأخرى مسائية والبعض الآخر طوال اليوم. وإلى جانب الوجبات تنتشر أيضا المشروبات بأنواعها ومنها ما يعتبر من الفولكلور المصري مثل شراب العرقسوس وأسلوب بيعه من قارورات زجاجية كبيرة يحملها البائع مع أكواب.
من معالم عربات الطعام المصرية إلى جانب ألوانها البراقة نماذج من الخط العربي سواء كان في آيات قرآنية أو أقوال مأثورة أو إعلانات عن نوعية الطعام وشخصية بائعه. وتتخذ العربات مواقع استراتيجية لجذب الزبائن ولكل عربة زبائنها الذين اعتادوا عليها. ويقال إن أكبر المطاعم المشهورة في القاهرة الآن بدأت كعربات طعام صغيرة.
وتنتشر عربات الطعام في جميع الأحياء تقريبا، خصوصا في الأحياء الشعبية وبالقرب من محطات القطارات والباصات وهي تتيح الأكل حول العربة أو الحصول على ساندويتشات لتناولها فيما بعد (تيك أواي). وتعمل بعض العربات على فترات معينة وفقا لنوع الأطعمة التي تبيعها، بينما تباع أطعمة أخرى على عربات متجولة تجوب الأحياء يوميا.
النصيحة الوحيدة التي يتعين الالتزام بها هي توخي النظافة في اختيار عربات الطعام التي يحبذ شراء الأطعمة منها والتأكد أنها تتبع شروطا صحية لعدم نقل أي عدوى. ولكن معظم الأكلات المطبوخة التي تقدم طازجة تعد صحية بالمقاييس المصرية وبالمقارنة إلى وجبات أفخم المطاعم في البلاد.
- فول وفلافل وكشري
هذه النخبة المتنوعة من أكلات الشوارع في مصر تعطي فكرة عامة عن مدى التنوع الذي لا يوجد في أي مكان آخر:
- الكشري: وهو من أشهر الوجبات المصرية ويمكن تناوله في المطاعم أو من عربات بيعه المنتشرة في الأحياء. وتحمل العربات مكونات الكشري من الأرز والعدس والحمص والصلصة والبصل، ولا يتم خلطها إلا في الأطباق عند طلبها. وهي وجبات تؤكل ساخنة ويمكن إضافة «الشطة» لها عبر الصلصات الخاصة المتاحة. ويتم غسل الأطباق على جانب العربة قبل استخدامها مرة أخرى لخدمة زبائن جدد.
- الفول والفلافل: وهي وجبة أساسية شعبية في مصر وتقدمها إلى جانب المطاعم المشهورة عربات مزودة بمواقد لتسخين الفول وقلي الفلافل. ويختار الزبائن بين إضافة أنواع السلاطات والزيت المختلفة للفول وبين تناول الوجبات حول العربة أو شرائها كساندويتشات. وتعتمد بعض العربات على الخبز البلدي المصنوع من الطحين الأسمر أو الخبز «الشامي» من الدقيق الأبيض. بعض هذه العربات يعمل في فترات الصباح فقط وبعضها الآخر يقدم وجباته طوال ساعات اليوم وحتى المساء.
- الكباب والكفتة: وهو أيضا من الأنواع التي تباع أحيانا على عربات لزبائن يشترونه لتناوله في المنازل. ويعتبر الدخان الكثيف ذو الرائحة الطيبة هو خير إعلان عن هذه الأطعمة التي يتم طهيها على الفحم ولفها في الورق مع البقدونس. وهي وجبة مفضلة لدى الطبقات الوسطى وتعتبر بديلا راقيا من وجبات الفول والفلافل. ويطهى اللحم الطازج كل ليلة كطلب الزبائن ويتم البيع مع الخبز والسلاطة.
- الحمص الشامي: تنتشر هذه العربات في فترة الظهيرة والمساء لتقدم أكوابا ساخنة من الحمص الشامي بصلصة الطماطم وتوابل الكمون والثوم والليمون والشطة. وهي وجبة خفيفة يقبل عليها المصريون في فصل الشتاء وتقدم من عربات بها قدور ضخمة على مواقد وتقدم في أكواب زجاجية. وتعمل عربات الحمص حتى ساعات متأخرة ليلا وهي لا تقدم وجباتها صباحا.
- البطاطا: وهي تباع على عربات متجولة ويتم شوي البطاطا في أفران خاصة فوق العربات تعمل بحرق الخشب والفحم داخلها ويتم رص البطاطا فوقها لعدة ساعات حتى يتم طهيها تماما وتباع البطاطا الساخنة لمن يطلبها ملفوفة في ورق الصحف. وتجول هذه العربات في الأحياء الشعبية في فترات الظهيرة والليل وتعد البطاطا من الأطعمة الخفيفة التي يتم تناولها بين الوجبات.
- الترمس: تعتبر حبوب الترمس المالحة من أنواع التسالي التي تباع للمشتري في قراطيس يصنعها البائع بنفسه. وتنتشر عربات الترمس التي تبيع أيضا الحمص على كورنيش النيل في القاهرة وتعتبر من المعالم المصرية التقليدية. وتحمل العربات المياه الباردة في قلل خاصة بالزبائن فقط. ويقبل بعض الزبائن على شراء القليل من الترمس من أجل الحصول على بعض المياه الباردة في الليالي الحارة.
- الذرة المشوية: لا تكتمل ليالي القاهرة من دون الذرة المشوية التي تباع على عربات أو على الأرض على حوامل أفران الفحم التي تشبه الباربيكيو. ويباع الذرة ساخنا إلى الزبائن ويتم لفه في أوراق الذرة الخضراء لكي يتم تناوله أثناء المشي أو الجلوس على ضفاف النيل. وهي وجبة خفيفة تنتشر ليلا في مواسم الذرة خصوصا في موسمي الخريف والشتاء.
- السميط: وهو نوع من الكعك المصري يحمله الباعة على أقفاص ويطوفون بها في الأماكن العامة. وهناك عدة أنواع من السميط منها الطازج والجاف ويتم تناوله مع الجبن أو البيض أو خلطة الملح والتوابل التي تسمى «دُقة» بضم الدال. وهي وجبة يحبها الأطفال أثناء التنزه على النيل ويقبل عليها الفقراء أحياناً كبديل رخيص للوجبات في المطاعم.
- الكبدة: وتباع ساندويتشات الكبدة المقلية في الزيت والثوم على عربات ثابتة في مواقع معروفة. وهي مثل عربات الفول تقدم وجباتها طازجة على عربات بها مواقد لإعداد الكبدة الساخنة قبل بيعها. وهي وجبات ليلية تشتهر برائحتها الجذابة ويقبل عليها الشباب بعد يوم عمل طويل. وتقدم الساندويتشات في خبز «فينو» من الحجم الصغير. ومن أنواع المأكولات التي تقدم في ساندويتشات مماثلة من عربات أو مطاعم، السمك والجمبري.
- المشروبات: لا تقتصر وجبات الشوارع في مصر على المأكولات وحدها، وإنما تشمل أيضاً المشروبات والتي تشمل أنواع المياه الغازية التي يتناولها الزبائن وقوفا قبل إعادة الزجاجات للبائع. ويمكن أيضا تناول الشاي من أركان تحضيره في مواقع بعيدة عن المقاهي التقليدية خصوصا على شواطئ النيل. وفي الأسواق يباع شراب العرقسوس والخروب وعصير البرتقال والمانجو والرمان.
- المكسرات: وهي تباع من صوان يحملها باعة جائلون وتشمل اللب والفول السوداني والحمص والفستق وتباع في أكياس صغيرة. ويقبل المشترون على شراء المكسرات لتناولها أثناء المشي على ضفاف النيل أو التجول في منطقة وسط القاهرة. ويضيف بعض الباعة إلى المكسرات بيع شرائح البطاطس المقلية (تشيبس) وأحيانا السجائر أيضا.
- الحلويات: وهي تباع على عربات ثابتة أو من باعة متجولين. وهناك كثير من الأنواع أشهرها السمسمية والحمصية. وينتشر باعة هذه الأنواع أمام المدارس لبيعها إلى الأطفال. وهي من الأنواع التي يتوخى الحذر عند شرائها من عربات مكشوفة لأنها تجذب الذباب. ويجب التأكد من أن الحلويات مغلفة أو تباع من صناديق زجاجية مغلقة.
- الآيس كريم: وهو يباع من ثلاجات تشبه الصناديق على دراجات ثلاثية العجلات. ويطوف الباعة بهذه الدراجات على الأحياء والمناطق المزدحمة، خصوصا في فصل الصيف لبيع الآيس كريم للأطفال والكبار على السواء. وهنا أيضا من الأفضل اختيار الأنواع المغلفة حفاظا على الصحة العامة.
ولا تمثل أطعمة الشوارع في مصر كل أنواع المطبخ المصري، حيث تتنوع الأصناف التي تباع في المطاعم والمنازل والتي تتطلب الجلوس على مائدة لتناولها كما أنها تتطلب وقتا وجهدا لإعدادها. ويتبع المطبخ المصري وجبات البحر المتوسط، وهو في أغلبه نباتي وصحي ولا يعتمد على التوابل الحريفة. ولعل العامل المشترك بين معظم الوجبات المصرية هو الخبز البلدي الذي يعد مكوناً رئيسياً في كل الوجبات. وهو يؤكل أحياناً بلا طعام آخر عند خروجه طازجا من الأفران. ويعد الخبز من الوجبات المدعمة التي تضمن عدم جوع الفقراء في مصر.
- أقوال مأثورة شوهدت على عربات المأكولات المصرية
هذه هي بعض العبارات التي كتبها الباعة على عرباتهم باللغة العامية لكي يتأملها الزبائن أثناء تناول وجباتهم، وهي تعبر عن أحوالهم وكيف ينظرون إلى العالم:
- دنيا زي الميزان بترفع الناقص
- احترام الكبير واجب
- عين الحسود فيها عود
- يا ناس يا شر كفاية قر
- الحلوة (العربة) من حلوان وصاحبها غلبان
- لو خايف من بكرة نام واصحى بعد بكرة
- لا تأخذ الأمور بشكل جدي، خذها بشكل جدك أنت
- اللي باعك بيعه واللي ما باعكش بيعه برضه الاحتياط واجب
- إذا كان صديقك ذهب، بيعه!
- الصبر مفتاح الفرج
- فاقد الشيء لا يعطيه وأنا مال أمي بيه


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».