السرد بقوة الرمز

عصام حسين في «سرير عنكبوت»

السرد بقوة الرمز
TT

السرد بقوة الرمز

السرد بقوة الرمز

يبدو السرد بقوة الرمز مفتاحا رئيسا ومهما لفهم عوالم هذه المجموعة القصصية «سرير عنكبوت» للقاص عصام حسين، فلا تخلو قصة من قصصها، بقسميها الأول «حرائق الروح»، والثاني «سرير غريب» من دلالة رمزية ما، مباشرة أو مضمرة في نسيج القص، مفتوحة على براح الإيحاء والتأويل، بل إن الراوي نفسه بكل تقلباته في لعبة الضمائر يظل أسير العلاقة بين الرمز وظله، لا ينفك منها، بل يحاول دائما التواؤم معها، والعيش في تخومها.
فبالتوالي مع عناوين قصص القسم الأول من المجموعة يمكننا أن نرصد مستويات متشابكة ومتجاورة للرمز، بداية من رمزية الفراغ، والجسر، والذكريات، والمرض، والخوف، واللحظات المفاجئة، والعبور، والحلم، والصورة، والغربان، حتى رمزية التناص مع تشيكوف.
يوظف الكاتب الرمز - غالبا - بمنطق الواقع المعيش، فالشخوص تتحرك دخل أجواء القصص بانفعالاتها ومشاعرها، وكأنها تحاول للوصول إلى رمز ما، مفتقدٍ وغائب، ومضطربٍ ومشوش، وصدى لحركة حياة مبتورة وهشة وناقصة، تختلط فيها لحظات الألم بلحظات اللذة، هنا يصبح الرمز عاريا ومتوقعا، ويأخذ طابعا له سمت الحكمة بإيقاعها المعتاد المألوف. نلمح ذلك على نحو خاص في القصص التي تبرز فيها أجواء المرض، مثل قصة «الأنفاس الضيقة»، حيث تسود رمزية الأماكن المغلقة، وتنعكس على طبيعة الشخوص، وتصبح مرادفا لضيق التنفس وانقطاع الحياة ومجابهة الخوف من الموت... تكتسي هذه الرمزية بطابع الحكمة في استعادة البطل لحديث أمه وهو يرد على صديقه قائلا: «لم أجد ردا، غير أني تذكرت كلمات أمي لزوجتي بعد الزفاف: إياكِ أن تغلقي نوافذ الغرفة مهما كان، واحرصي على سريرك مهما تأخر الصباح. لكنها ظلت تغلق الأبواب والنوافذ صيفا وشتاء، ويجيء الظهر، وربما من بعده العصر، ولا يدخل الصباح».
في المقابل يصعد النص دراميا حين يقترب من تخوم الشعر، وتتراجع صدارة حكمة الرمز لصالح إيقاع المشهد وتداعياته بصريا ونفسيا، (الداخل والخارج)، يتجسد هذا على نحو لافت في قصة «الآخر»، حيث محاولة البطل ورفيقته اجتياز الجسر الشجري المتهالك، معا، لكن الرفيقة في نهاية المطاف تتركه معلقا في ظلال نصيحة أمه، بأن «خلاص روحه لن يكون فرديا، وأن عليه أن يعبر الجسر، ولا بد أن يمر بالآخر كشرط»... تعبر الرفيقة الجسر قائلة له: «سأسير وحدي، أحب اكتشاف الأشياء بمفردي، إذا تشابهت الجسور سأعود إليك».
هذا الدفق الشعري في ثنايا القص، يتكثف في شكل مناجاة داخلية شفيفة في قصة «مجرد أسئلة»... لا تتجاوز القصة الصفحة الواحدة، لكنها تتخذ من النافذة مرآة لاكتشاف الذات والحبيبة المفتقدة، وتتناثر في النص أصوات الريح والكمان ورائحة القهوة ورعشة الدموع، فيبدو كأنه مشهد من مشاهد الطبيعة الصامتة.
يتسع هذه المشهد بمناورة أعلى فنيا في قصة بعنوان «القصة في مغارة»، حيث يستعير الكاتب السارد من المسرح تقنية «كسر إيهام الخشبة»، ومحاولة مشاركة الجمهور في مسرحة اللعبة، وذلك بخلق حالة مجاورة داخل الحالة الأساسية، أو بمعنى آخر خلق نص على هامش النص الأصلي، وهو هنا نص تشيكوف، القصصي الشهير «موت موظف»، بينما نص الهامش المجاور يدور حول رجل يحاول أن يكتب حياته على أرصفة الحياة، لكنه يمزق الكثير من الورق تحت ضغط سؤال يلح عليه بقوة «من الذي يجب عليه أن يقدم اعتذارا لي عن سنوات عمري؟». وفي اللحظة نفسها الذي ينهي الراوي قصته على البطل، ينتقض الأخير واقفا كأنه على خشبة مسرح قائلا: «حان الآن أيها الأصدقاء أن أقدم اعتذارا طويلا لنفسي عن هذه الحياة»، لكن يبقى شاخصا في الخلفية مشهد بطل تشيكوف، الموظف الذي مات كمدا، لعدم قبول اعتذاره عن عطسة غير مقصودة، طال رذاذها رقبة رجل عجوز.
إن الرمز في قصص هذا القسم، رغم أنه يلون الأشياء ومناخات القص المتقلبة ما بين عالمي القرية والمدينة، لكنه يظل قاصرا عن مساءلة الأشياء، فهو يتعامل معها كوسيط عابر بين الذات الساردة والموضوع، مما يحد كثيرا من طاقة الحكي كبذرة أساسية لفعل القص.
حيث تبدو الكثير من النصوص أشبه بـ«الكبسولات السردية» أو الخاطرة القصصية التي ينحصر جل همها في تقطير الحكاية، وإيصالها عبر رمز ما، ودلالة ما، تظل الحكاية أسيرة لهما، بعيدا عن إمكانية تفتحها على رموز ودوال شتى ربما أكثر طزاجة وعمقا.
يشكل القسم الثاني من المجموعة انقلابا على الرمز كإطار محدد، ويتسع بشكل فني ويكون مشرّبا بروح من الخرافة والأسطورة، فيما تلعب اللغة بإيقاع الحكي على وتر المصادفة والمسكوت عنه، المهمش، الهارب في تجاويف الماضي والحاضر... فشقة المصيف في قصة «سرير غريب»، تتحول تحت ضغط شعور حاد بالوحدة إلى سرير للعنكبوت، لا يجد البطل حيلة لكسر هذا الشعور الضاغط، سوى محاولة نسج حوارية مع العنكبوت، وجره إلى منطقة الأنسنة، كأنه صديق قديم، أو عين الحياة المجردة، الأكثر تماثلا في نسيجها مع واقعه الإنساني المضطرب، لكن لطشة النهاية تأتي مفارقة لهذا الشعور حيث يقول: «شيء ما يهاتفه بأن رغبته في أن يجرب الوحدة لن تتحقق، عندما لامست أصابعه إحدى الأرجل الثماني للعنكبوت».
هذا التماثل بين سرير العنكبوت وعين الحياة في واقعها الراهن المعيش، يصبح أكثر حضورا حين يطل من الماضي، من شرفة الفقد والحنين، فالبطلة المخدوعة التي تتأهب للحظة الزفاف في قصة «وجه آخر للغواية»، سرعان ما تجد تبريرا لهذه الخديعة، حين تفتح غرفة والدها التي ظلت موصدة منذ رحيله قبل عشر سنوات على أشيائه الخاصة. لتفاجأ «بأن عنكبوتا نسج خيوطه في السقف المقابل لسريره، وحشرة قذرة وحيدة عالقة به». تغلق الغرفة عازمة على تنظيفها فيما بعد، وحين تطل من الشرفة على البحر ترى خطيبها متأبطا ذراع امرأة أخرى على حافة الشاطئ، تلقي بنفسها على سرير أبيها، وهي تنظر من خلال دموعها لسرير العنكبوت، وكأنه سرير الحياة، المتخفي تحت أقنعتها السمجة السميكة.
لا يتوقف اللعب على مفارقات الخرافة عند هذا التماثل، بل يمتد إلى الموروث الشعبي خاصة في بيئة القرية المصرية، حيث تكثر الحواديت عن الجن والغيلان والشياطين، التي تسلب أعمار الناس وتغتالهم ليلا في أماكن موحشة... يطالعنا هذا العالم في قصة «العائدون ليلاً»، مقترنا بالبطولة الشعبية أيضا، في مواجهة الخرافة ودحض أوهامها، ويتم ذلك عبر حوار خاطف شيق بين الجن والبطل: «هنداوي» بحمارته الصبور، يكلل بالانتصار على الجن وحرقه وتخليص القرية من شروره.
تبقى قصة «من النافذة أحكي» درة هذا القسم فنيا - برأيي -، فالقصة تحيل الواقع المادي الحي إلى شكل من أشكال الفانتازيا، يصبح في ظلالها محتملا وأكثر رشاقة وخفة من خلال كذب يشبه الحقيقة، وحقيقة تشبه الكذب، لا فواصل بينهما ولا عقد، الأمر طبيعي جدا، الرجل المسيج جسده كله بالشاش والجبس ولا يظهر منه سوى عينيه وفمه، يطلب من البطل الذي يجاوره بغرفة المستشفى، أن ينقل له صورة ما يجري في الخارج من خلال النافذة... فيفعل ذلك بقوة اللعب والحلم معا، لينتشي بلحظة استثنائية أعلى من الواقع نفسه، تصورها القصة بمشهدية رائقة في الختام، قائلة: «انفرجت أسارير الرجل، ودبت حركة ما في معظم جسده، وابتسم، ثم قال: ألم تر شيئا آخر؟ قلت: طائرات الأطفال الورقية التي زينت سماء العمارات، أنقذت العصافير المجهدة، ومدت لها ذيلها فتعلقت به، وطارت بعيداً بعيدا عن سيارة الشرطة».



حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
TT

حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)

قال الفنان المصري حمادة هلال إنّ الجزء السادس من مسلسل «المدّاح» يُعد الأصعب لجهتَي التنفيذ والتصوير، مؤكداً أنّ معظم مَشاهده تحمل مجهوداً بدنياً ونفسياً كبيراً، خصوصاً المَشاهد الخارجية التي صُوِّرت في المغرب، وتحديداً في مدينة شفشاون وسط الجبال والشلالات.

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»: «الوصول إلى بعض مواقع التصوير تطلَّب السير لأكثر من ساعة وربع الساعة داخل مناطق جبلية شديدة الوعورة، بالإضافة إلى الطقس البارد، وهي أمور استطاع فريق العمل التغلُّب عليها لحماستهم للتجربة».

حماده هلال شدَّد على أنّ «المدّاح» قائم على بطولة جماعية حقيقية (حسابه في «فيسبوك»)

وعن عنوان الجزء الجديد «أسطورة النهاية»، أوضح هلال أنّ «كلّ جزء من أجزاء العمل حمل اسم أسطورة مختلفة، مثل (أسطورة العهد)، و(أسطورة العشق)، و(أسطورة العودة)، بينما تأتي (أسطورة النهاية) ذروة المسار الدرامي للحكاية، إذ تتجمَّع الخيوط الكبرى للصراع وتُطرح الأسئلة المصيرية عن التحولات الكبرى للشخصيات، وهو ما سيتكشَّف تباعاً في الحلقات».

وعلَّق على عودته لتقديم جزء سادس بعد الإعلان سابقاً أنّ الجزء الخامس سيكون الأخير، فقال إنّ «القرار كان حقيقياً في وقته»، موضحاً أنّ «الفريق أراد التوقف قليلاً لالتقاط الأنفاس وتجديد الطاقة والبحث عن أفكار جديدة»، لكنه أشار إلى أن «الضغط الجماهيري الكبير، إلى جانب حماسة قناة (إم بي سي مصر)، والمنتجَيْن صادق الصباح وأنور الصباح، لعبا دوراً أساسياً في إعادة إحياء المشروع وتقديم الجزء الجديد هذا العام».

هلال في لقطة من كواليس «المدّاح» (حسابه في «فيسبوك»)

وأضاف أنّ «صناعة جزء سادس بعد 5 أجزاء ناجحة تُعد تحدّياً شديد الصعوبة كتابةً وتنفيذاً، نظراً إلى طبيعة العمل والصراعات والأحداث فيه بشكل رئيسي»، مشيراً إلى أنّ «طبيعة العمل يفترض أن تجعل تصويره يستمر لأكثر من عام، وتحضيرات أطول، لكن إتقان الفريق، بالإضافة إلى الجهد المُكثَّف للمخرج أحمد سمير فرج، جعلا المسلسل يُنجَز في وقت قياسي رغم كل العقبات».

وتحدَّث هلال عن تأثير شخصية «صابر المدّاح» فيه فنياً، مشيراً إلى أنها نقلته إلى منطقة أكثر نضجاً في الأداء والوعي بالتمثيل، لكنها لم تؤثّر في حياته، لكونه يتعامل مع الشخصية على أنها عمل فنّي له بداية ونهاية، مع قدرته على الفصل الكامل بينها وبين حياته الخاصة، وقدرته على تقديم أدوار أخرى مختلفة.

وعن تحضيراته للجزء الجديد، أشار إلى أنه «كان دائم النقاش مع المؤلفين حول ضرورة تكثيف الأحداث والاعتماد أكثر على الصورة والإيقاع السريع»، مشيراً إلى أنّ «جمهور (المدّاح) يميل إلى التشويق البصري والحركة والتصاعد الدرامي المستمر، من دون الإغراق في الحوارات الطويلة، رغم أهميتها الدرامية».

وتوقّف عند عودة عدد من النجوم الذين غابوا عن أجزاء سابقة، فقال هلال إنها عودة أسعدته كثيراً، فالمسار الدرامي فرض عودة بعض الشخصيات المحورية لاستكمال الصراع بشكل منطقي ومتوازن، والشخصيات العائدة هذه المرّة تحمل تحوّلات مختلفة وصراعات أكثر حدّة، الأمر الذي ارتبط بالسيناريو المُحكم المكتوب للأحداث.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب في ملصق ترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وأكد هلال أنه لا يؤمن بفكرة «البطل الأوحد»، مشدّداً على أنّ «المدّاح» قائم على بطولة جماعية حقيقية، وأنّ نجاح العمل يعود إلى تكامل أداء جميع العناصر، من ممثلين وصنّاع، وليس إلى فرد واحد فقط، لافتاً إلى أن فريق العمل في «المدّاح» أسرة واحدة.

ووعد حمادة هلال الجمهور بأن يشاهدوا في الجزء الجديد صورة مختلفة على مستوى التنفيذ البصري، وأفكاراً جديدة في بناء الشر والصراع الدرامي، إلى جانب مستوى إنتاجي أكثر طموحاً بشكل متصاعد بالحلقات المقبلة، مشيراً إلى «دور المخرج أحمد سمير فرج الذي ينجز العمل في زمن قياسي، بينما التنفيذ يفترض أن يستغرق وقتاً مضاعفاً».

وعن ارتباط الجمهور بشخصية «المدّاح» وتأثير ذلك على خياراته الفنية، قال هلال إنّ «هذا الارتباط يمثّل مسؤولية كبيرة وضغطاً مضاعفاً، لكنه في الوقت عينه يشعر بالامتنان لكون العمل أصبح علامة مميزة في مسيرته الفنّية»، مؤكداً أنه يسعى دائماً إلى التنوّع في أدواره من دون التفريط في هذا النجاح.


«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
TT

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

أطلقت منظّمة «كير» الدولية في لبنان حملة «كرامة بلا مساومة» في محاولة لإعادة طرح قضايا حسّاسة مثل الوقاية من الاستغلال والانتهاك، والأمان في السكن، والوصول إلى المساعدة، بلغة أكثر اتصالاً بتجارب الناس اليومية، وبما يُعيد وضعهم في مركز الخطاب الإنساني.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يضع ممثل «كير» الدولية في لبنان، سيريل باسيل، الحملة في سياق أوسع من فيديوهات وأرقام. يقول إنّ دور المنظّمة «أن تُغني الخطاب الإنساني باستمرار عبر مبادرات مُبتكرة تخلق مساحات جديدة للنقاش حول القضايا الاجتماعية المُلحّة»، ويضيف أنّ الهدف الدائم هو «إبراز حاجات المجتمعات التي نعمل معها، والدفع نحو إجراءات جماعية تُسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وشمولاً». خلف هذه العبارات يبرز التحدّي الأساسي الذي واجهته الحملة، المتمثّل في إيجاد لغة قادرة على تناول قضايا حسّاسة، مثل الوقاية من الاستغلال والانتهاك، وحماية النساء والفتيات، وآليات الإبلاغ، بطريقة تحافظ على وضوحها وقوتها، من دون أن تنزلق إلى خطاب تعليمي جاف أو تفقد معناها وسط كثافة المنشورات اليومية.

خلف كلّ حركة يد معنى يبحث عن طريقه إلى مَن حُرموا طويلاً من الوصول (منظّمة «كير»)

يشرح باسيل أنّ اللغة المعتادة وطرق التواصل المألوفة «تصل إلى حدودها»، خصوصاً في زمن تحكمه المنصّات الرقمية. ومن هذا المنطلق، اتجهت «كير» إلى مقاربة تقوم على سرد إنساني قريب من الناس لكسر إرهاق الجمهور الذي يمرّ سريعاً فوق المحتوى المُتشابه. كانت الحملة، وفق ما يوضح، بحثاً عن «أساليب ديناميكية» قادرة على الوصول إلى فئات جديدة، مع وضع الشمولية في صميم الرسالة لضمان وصول المعلومات إلى المجتمعات المهمَّشة التي لا تصلها الرسائل عادة عبر القنوات التقليدية.

هذا المنطق انعكس في اختيار الإعلامية اللبنانية نسرين الظواهرة لتكون وجهاً أساسياً في المواد المرئية. باسيل يرى أنّ حضورها في الحملة لم يكن تفصيلاً. يقول إنها مِمّن يملكن قدرة على مخاطبة جمهور «من مختلف الفئات العمرية والخلفيات»، مع مساحة ثقة لافتة يتشاركها «نساء ورجال»، وهو ما يمنح الرسائل الحسّاسة فرصة لعبور الحواجز النفسية قبل الحواجز المعرفية. ويضيف أنّ قدرتها على الإيصال «بوضوح وثقة وتأثير» ضرورية عندما تُناقش قضايا اجتماعية معقّدة، خصوصاً أنها تستخدم منصاتها للحديث عن حقوق النساء والفئات المهمَّشة وحاجاتها، بما ينسجم مع جوهر الحملة.

أما الظواهرة فتقرأ مشاركتها من زاوية شخصية ومهنية تتقاطع مع مرحلة جديدة في مسارها. في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، تقول إنها تعلَّمت منذ بداياتها أنّ الإعلام «رسالة مرتبطة بالضمير»، ولا ترى المهنة مساحة للتسلية أو للاستثمار في العلاقات العامة. تصف موقع الإعلامي بما يشبه «المسؤولية الأخلاقية» التي تتجاوز نقل الخبر، وتضيف: «أحبُّ أن يكون لي أثر وأترك بصمة. هذه رسالتي، ولا أريد أن أمرَّ مثل مَن لا يقولون شيئاً». في هذا المنعطف من نضجها الإعلامي، بدا لها أنّ الانخراط في حملة حقوقية امتداد طبيعي لالتزامها.

تتوقّف الظواهرة عند تفاصيل تُضيء ما تحاول الحملة الاقتراب منه، مشيرةً إلى أنّ العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان. تتحدَّث عن منازل لا خصوصية فيها، عن غياب الأقفال، وازدحام يُنتج واقعاً يومياً مُثقلاً بالانكشاف، وعن نساء وفتيات يحتجن إلى معرفة حقّهن في الرفض. تقول: «اشتغلنا على معنى كلمة (لا). كلمة كاملة، لا تحتاج صاحبتها إلى أن تُبرِّر ما بعدها». وتضيف أنّ العمل جرى «بمباشرة وجرأة من دون ابتذال»، مع الحرص على تقديم الرسالة بطريقة جاذبة تبتعد عن الصياغات النمطية.

في امتداد هذا التوجُّه، جاءت مشاركة نادرة سماحة، خبيرة لغة الإشارة وامرأة من ذوي الإعاقة السمعية، لتضيف طبقة أخرى إلى معنى الوصول. سماحة تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها وافقت فوراً عندما طُلبت منها المشاركة، مع اعتقاد أولي بأنّ دورها سيقتصر على ترجمة الكلام داخل «مربّع صغير» في زاوية الشاشة كما يحدث غالباً. لكنها فوجئت بأنّ الحملة تمنحها حضوراً أوسع: «هنا شعرتُ بالمساواة. جميل أن يتساوى الصمّ مع مَن يسمعون كلّ شيء». وتشرح أنّ المساحة ليست تفصيلاً بصرياً، فـ«المربّع الصغير قد يُتعب المتابعين الصمّ»، بينما حضورٌ أوسع يمنحهم إحساساً حقيقياً بالمشاركة ويجعلهم جزءاً من الرسالة منذ البداية.

مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا غالباً ما تبقى خارج الضوء (منظّمة «كير»)

تربط سماحة هذا الخيار بصورة أشمل عن الدمج. تؤكد أنّ إشراك الأشخاص الصمّ في العمل والحياة العامة ضروري، لأنّ كثيرين ما زالوا ينظرون إليهم بعين الشفقة أو يفترضون عجزهم. تقول إنّ التكنولوجيا ساعدت في تغيير الواقع، وهذه المُشاركات «زادت الوعي وعمَّقت فكرة الدمج»، فلم يعد مجتمع الصمّ هامشياً أو منفصلاً. وتلفت إلى حقّ الوصول إلى المعلومات: «نحن أفراد صمّ لدينا حقوق مثل أيّ إنسان»، وتضيف أنّ الترجمة بلغة الإشارة شرط للفَهْم والمشاركة، مع التوقّف عند نقص عدد مترجمي لغة الإشارة في لبنان وأملها في سدّه مستقبلاً.

على هذا الخطّ، يعود باسيل ليؤكد أنّ الشمولية في عمل «كير» مشاركة فعلية ذات معنى، موضحاً أنّ إشراك سماحة وجهاً أساسياً كان خياراً مقصوداً لضمان «التمثيل الحقيقي والملكية المشتركة للرسالة». وربما يفسّر ذلك كيف خرجت الحملة من إطارها التنظيمي إلى مساحة تداول أوسع عبر 5 مواد مرئية تناولت الرضا والموافقة، والسكن الآمن ودور المساعدات النقدية، وأثر انعدام الأمن الغذائي، وآليات المساءلة وسبل الإبلاغ الآمن، مع الترويج لخطّ الطوارئ 1745 على هيئة قناة موثوقة لتقديم الشكاوى وطلب الدعم. بعض الفيديوهات تجاوز 200 ألف مشاهدة عضوية، وانتشر تلقائياً عبر مُشاركات من أطباء وخبراء لغة إشارة ومؤسّسات إعلامية وفنانين وشخصيات عامة، في مؤشّر على أنّ الرسالة وجدت طريقها إلى الناس، وفتحت مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا غالباً ما تبقى خارج الضوء.


دراسة حديثة: وزن الأطفال المبكر لا يعني بالضرورة سمنةً مستقبلاً

السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
TT

دراسة حديثة: وزن الأطفال المبكر لا يعني بالضرورة سمنةً مستقبلاً

السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)

تشير أبحاث علمية حديثة إلى أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI) لدى الأطفال في سن مبكرة لا ينبغي أن يُفسَّر تلقائياً بوصفه مؤشراً دائماً على خطر الإصابة بالسمنة لاحقاً، في نتائج قد تخفف من قلق كثير من الأسر، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

فقد خلصت دراسة أجراها باحثون من جامعة كوينزلاند في أستراليا إلى أن العوامل الجينية التي تؤثر في حجم جسم الرضيع قد تختلف عن تلك التي تتحكم في حجم الجسم خلال مرحلة المراهقة؛ ما يعني أن مسار النمو أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.

واعتمد الباحثون على تحليل بيانات 6291 طفلاً مشاركين في دراسة «أطفال التسعينات» التابعة لـجامعة بريستول، مستخدمين نماذج تحليلية متقدمة لاستكشاف دور العوامل الوراثية في اختلاف مسارات الوزن بين عمر عام واحد و18 عاماً. وأظهرت النتائج أن الإسهام الجيني في هذه التغيرات يظل محدوداً نسبياً، ولا يتجاوز نحو الربع.

وقال الدكتور غينغ وانغ: «إن كثيراً من الآباء يشعرون بقلقٍ مشروع عندما يلاحظون زيادة مبكرة في وزن أطفالهم أو نمواً مختلفاً عن أقرانهم»، مضيفاً أن النتائج تشير إلى أن التباين الجيني قد يكون أحد أسباب هذه الفروق الطبيعية. وأوضح أن العوامل الجينية المرتبطة بحجم جسم الرضيع ليست بالضرورة هي نفسها التي تحدد حجم الجسم في مرحلة المراهقة، مؤكداً أن اختلاف حجم الجسم في الطفولة المبكرة لا يعكس حتماً خطراً دائماً للإصابة بالسمنة.

رجل يعاني من السمنة (رويترز)

ومع ذلك، تلفت الدراسة الانتباه إلى أن مؤشر كتلة الجسم عند حدود سن العاشرة، إضافةً إلى معدل النمو الكلي بين عمر سنة و18 عاماً، قد يكونان أكثر دلالةً من الناحية الصحية، نظراً لارتباطهما الأقوى بمخاطر الإصابة بالسكري وارتفاع الكوليسترول وأمراض القلب في مراحل لاحقة من الحياة.

من جانبها، قالت الدكتورة نيكول وارينغتون، من جامعة كوينزلاند، إن النتائج المنشورة في مجلة «Nature Communications» تُظهر أن الاعتماد على المتوسطات السكانية وحدها في تقييم نمو الأطفال قد يؤدي إلى إغفال معلومات مهمة. وأضافت أن ثمة حاجةً إلى مزيد من الأبحاث لتحديد الأعمار الأكثر فاعليةً للتدخل الوقائي، بما يحقق فائدةً صحيةً طويلة الأمد.

بدوره، أوضح البروفسور نيكولاس تيمبسون، الباحث الرئيسي في دراسة «أطفال التسعينات»، أن النتائج تكشف عن علاقات جينية مهمة في كيفية تغير مؤشر كتلة الجسم بين عمر عام واحد و18 عاماً، وكذلك في المستويات المتوسطة عند أعمار مختلفة، مشيراً إلى أن هذه المعطيات تساعد على فهمٍ أعمق للأنماط المتغيرة والعواقب الصحية المرتبطة بحجم الجسم عبر مراحل الحياة.

وتفتح هذه النتائج باباً لقراءةٍ أكثر هدوءاً وإنسانيةً لنمو الأطفال، بعيداً عن القلق المبكر، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية المتابعة الصحية المتوازنة في المراحل العمرية المفصلية.