الهاتف الجوال... وصحة الأطفال

نصائح صحية لتفادي تأثيراته الضارة

الهاتف الجوال... وصحة الأطفال
TT

الهاتف الجوال... وصحة الأطفال

الهاتف الجوال... وصحة الأطفال

أصبحت الهواتف الجوالة الآن عاملاً أساسياً من ضروريات الحياة الحديثة، خصوصاً بعد ظهور الهواتف الذكية التي أقرب ما تكون إلى الكومبيوتر الشخصي، ولم تعد قاصرة على المجتمعات المتقدمة أو الفئة الأوفر حظاً من التعليم.
وبطبيعة الحال، فإن شيوع استخدام الهاتف الجوال جعله موجوداً في متناول الأطفال، منذ ظهور الجوال منذ ربع قرن على وجه التقريب. وهناك دائماً مخاوف صحية من الإفراط في الحديث في تلك الهواتف أو استعمالها بشكل مبالغ فيه، خصوصاً أن الآلية التي يعمل بها الهاتف الجوال والتي تنقل الصوت بشكل لاسلكي لم يتم حسم الجدل على أثرها في صحة الإنسان، وهناك دائماً دراسات تعدد مخاطره وتحذر من تعرض الأطفال له.
-- مخاطر الجوال
وعلى الرغم من أن المنظمة العالمية لأبحاث السرطان (International agency for research on cancer) حذرت في عام 2011 من أن الترددات المنبعثة من الهواتف الجوالة يمكن أن تسبب سرطان المخ ويجب التعامل معها كما لو كانت مهيأة للإصابة بالسرطانات (Carcinogenic) مثل السجائر أو الأشعة الضارة وغيرها، فإن الجمعية الأميركية للأمراض السرطانية أوضحت أنه ليست هناك دلائل قوية على ذلك، ولكنها نصحت بألا يتم استخدام الهاتف الجوال إلا في الضرورة وفي حالة عدم توفر الهاتف العادي. ونصحت بأنه من المفضل أن يتم التحدث من مكبر الصوت، أي عدم وضع الهاتف على الأذن أو الرأس، لتفادي الأثر المباشر، كما نصحت بضرورة أن يكون هناك وقت محدد لاستخدامه بالنسبة للأطفال لا يتعدى ساعة على مدار اليوم بالكامل
ما يزيد من خطورة استخدام الهاتف الجوال في الأطفال هو أن مخ الأطفال وخلاياهم العصبية في حالة نمو وغير مكتملة، ويمكن أن تؤثر الموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة منه على الجهاز العصبي لهم، كما يمكن أن تؤدي إلى حدوث اضطرابات في النوم، خصوصاً للمراهقين في حالة استخدامه قبل النوم مباشرة، إذ إن مخ الأطفال يمتص 60 في المائة من حجم طاقة الموجات المنبعثة من الجوال أكثر من البالغين بمرتين، نظراً لأن عظام الجمجمة أقل سمكاً، وكذلك طبقات الجلد، بالإضافة إلى أنسجة المخ نفسها الأقل مقاومة لتلك الإشعاعات. ويكفي أن نعرف أن استخدام دقيقتين فقط من الحديث عبر الهاتف يؤثر على مخ الطفل ما يقرب من ساعة للكبار. ويمكن أن تؤثر هذه الإشعاعات على قدرة الطفل على التعلم في حالة الاستخدام لفترات طويلة.
-- توصيات صحية
كانت الجمعية الأميركية لطلب الأطفال (APP) قد أوصت بعدة توصيات لاستخدام الجوال للأطفال تبعاً لعمر الطفل:
- ضرورة الابتعاد عن استخدام الجوال للأطفال أقل من عمر 18 شهراً. وبالنسبة للأطفال من عمر 18 شهراً وحتى عامين يجب على الآباء الذين يريدون أن يستخدموا الجوال في تعليم أطفالهم أن يتم استخدام برامج عالية الجودة.
- الأطفال من عمر عامين وحتى 5 أعوام. يجب ألا يزيد وقت استخدام الجوال على ساعة واحدة طوال اليوم، كما يجب أن يشاهد الآباء البرامج والألعاب نفسها لتوضيح ما يراه الأطفال لهم وتعليمهم كما يجب أن تكون البرامج عالية الجودة أيضاً.
- الأطفال أكثر من 6 أعوام. يجب أن يلاحظ الآباء نوعية البرامج والألعاب التي يلعبها الطفل دون تدخل مباشر منهم، كما يجب أن يكون هناك وقت كافٍ للرياضة والنوم وقضاء أوقات مع الأسرة بعيداً عن استخدام الجوال.
- يجب ألا يكون الجوال في غرفة نوم الأطفال أو المراهقين لتجنب مخاطره الصحية.
ونظراً لوجود جدل كبير بين مخاطر الجوال الصحية وعدم ثبوت أي من هذه المخاطر بشكل قاطع ووجود دراسات وكذلك دراسات مضادة، هناك دائماً بعض الإجراءات الوقائية التي يمكن بها تقليل أخطار الاستخدام، ومنها على سبيل المثال:
- يفضل أن تكون هناك مسافة بين الأذن وسماعة الهاتف، كما يفضل أن يكون الحديث من خلال سماعة أو (هاند فري - من دون استخدام اليدين).
- يفضل عدم استخدام الجوال حينما تكون البطارية على وشك النفاد، لأن الهاتف يضاعف من قوة الإشعاعات حتى يحتفظ بأداء أفضل.
- يفضل عدم استخدام الجوال في الحافلات أو القطارات، كما يفضل عدم الحديث إذا كانت الإشارة منخفضة low signal.
- يجب على الأطفال عدم الذهاب للمدرسة بالجوال وعدم الحديث فيه أثناء الفسحة الدراسية.
- يفضل عدم الرد بشكل سريع على الجوال والانتظار لمدة 10 ثوانٍ قبل الرد.
- يجب أن تكون أبراج تقوية الهواتف الجوالة بعيدة عن المدارس والنوادي والتجمعات السكنية قدر الإمكان.
-- تأثيرات وإصابات
دائماً سيظل هناك قلق من استخدام الجوال في احتمالية الإصابة بالأمراض المختلفة، ومن أهمها السرطان، نظراً لأن طبيعة الموجات التي يرسلها يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على خلايا الجسم وتغير تركيبتها وتسبب طفرات تؤدي إلى ظهور الأورام.
ويمكن اختبار تأثير تلك الموجات من خلال السخونة التي يسببها استخدام الجوال بكثرة في الأجزاء التي يلامسها مثل الأذن والرقبة. وبطبيعة الحال لا تزيد درجة الحرارة بشكل يمكن قياسه بالمحرار، نظراً لضعف الترددات. كما أن هناك بعض الدراسات التي تشير إلى دور الجوال في التمثيل الغذائي للغلوكوز ونقصه في المخ في الجانب الذي تم استخدام الجوال به.
وهناك كثير من الدراسات التي تناولت تأثير استخدام الجوال ونوعية النوم Sleep Quality التي أشارت إلى أن ما يقرب من 80 في المائة من المراهقين الأميركيين ينامون وهواتفهم الجوالة بجانبهم على الفراش، خصوصاً الذين يستخدمون الرسائل النصية باستمرار ويسهرون حتى ساعات متأخرة ولا ينالون قسطاً كافياً من النوم جراء الكتابة (Texting)، ما ينعكس بالسلب على صحتهم البدنية وأيضاً على استيعابهم في الدراسة وقدراتهم الإدراكية.
وهناك كثير من الآثار النفسية السلبية جراء الاستخدام المفرط للهاتف الجوال، ومنها:
- العزلة الاجتماعية للطفل أو المراهق على حد سواء، حيث يقضي الطفل معظم الوقت يطالع شاشة متحركة ولا يشارك أفراد الأسرة أو الأقران حياة حقيقية.
- عدم ممارسة الرياضة والحركة بشكل كافٍ، ما يؤدي إلى زيادة معدلات البدانة وانتشار الكسل بين صغار السن.
- تمثل الهواتف الذكية الآن نوعاً من أنواع الإدمان لا يستطيع المراهق تخيل حياته دونه، حتى إن كثيراً من المراهقين يتعرضون للحوادث أثناء سيرهم نتيجة لمطالعتهم الدائمة لهواتفهم.
- هناك دراسة تشير إلى أن معظم المراهقين من مستخدمي الجوال يضطرون للكذب بشكل أو بآخر عن تعرضهم للسؤال عن أماكن وجودهم أو سبب تأخرهم عن الرد، سواء على المكالمات أو على الرسائل النصية، ما يشير إلى الأثر السلبيى الأخلاقي له.
في النهاية ينصح الأطباء وخبراء التربية بضرورة الاعتدال في استخدام الجوال لتجنب الآثار الجانبية الصحية له والاستفادة من تقنياته الحديثة بالشكل الأمثل مع عدم إغفال دور الآباء في حماية الأطفال وتوجيه المراهقين.

- استشاري طب الأطفال


مقالات ذات صلة

6 أشياء لا يجب عليك إضافتها إلى الشاي

صحتك إضافة السكر قد تُقلل من محتوى الشاي من البوليفينولات (رويترز)

6 أشياء لا يجب عليك إضافتها إلى الشاي

يميل من يشربون الشاي بانتظام إلى العيش لفترة أطول، كما أن خطر إصابتهم بأمراض القلب أقل مقارنةً بمن لا يشربونه. لكن، بعض الإضافات قد تقلل من فوائده.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك إفراط الأطفال في استهلاك السكر يرتبط بقائمة مقلقة من المشكلات الصحية طويلة الأمد (جامعة موناش)

نصائح لإبعاد الأطفال عن تناول السكريات

أفاد بيان صادر حديثاً عن «جمعية القلب الأميركية (AHA)»، بأن تناول الأطعمة والمشروبات الغنية بالسكريات المضافة خلال مرحلة الطفولة يشكل خطورة على صحة الأطفال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تلوث الهواء يُرجَّح أن يؤدي إلى مرض ألزهايمر في الغالب عبر «مسارات مباشرة» (رويترز)

ازدياد ألزهايمر بين كبار السن الأميركيين... وخطر خفي قد يكون السبب

كشفت دراسة جديدة، أجرتها جامعة إيموري في أتلانتا بالولايات المتحدة، عن أن الأشخاص الأكثر تعرضاً لتلوث الهواء قد يواجهون خطراً أعلى للإصابة بمرض ألزهايمر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مجموعة من الفوانيس بمنطقة السيدة زينب في مصر (د.ب.أ)

ما شروط الصيام الآمن للأطفال؟

ما أفضل سن لبداية الصيام لأطفالنا؟ وما أبرز التعليمات الصحية التي يُنصح باتباعها مع بداية صيامهم؟

يسرا سلامة (القاهرة)
صحتك مضادات الأكسدة على وجه الخصوص تُعد عنصراً أساسياً في مكافحة شيخوخة الخلايا (بيكسلز)

كيف تدعم صحتك مع التقدم في العمر؟ 3 مكملات مهمة

يؤكد الخبراء أن هناك ثلاثة مكملات غذائية أساسية يمكن أن تساعد الإنسان على التقدم في السن ليس برشاقة فحسب بل بأفضل حالة صحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.