الاحتجاجات تكمل أسبوعها الأول... والقتلى تجاوزوا 25

الحرس الثوري يقر بالتدخل ويوجه أصابع الاتهام إلى نجاد والنظام يحشد أنصاره

الاحتجاجات تكمل أسبوعها الأول... والقتلى تجاوزوا 25
TT

الاحتجاجات تكمل أسبوعها الأول... والقتلى تجاوزوا 25

الاحتجاجات تكمل أسبوعها الأول... والقتلى تجاوزوا 25

تواصلت الاحتجاجات الشعبية في عدة مدن إيرانية ليلة أمس في سابع أيام الاحتجاجات ضد الأوضاع المعيشية وسلوك النظام، في حين وجه قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري أصابع الاتهام إلى مواقع تابعة لمسؤول سابق بالوقوف وراء إطلاق شرارة الاحتجاجات معلنا «هزيمة فتنة 2017».
وتحدث وسائل الإعلام الموالية للرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، عن عودة الهدوء إلى طهران وأصفهان وسط إجراءات أمنية مشددة. فيما كانت تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع تظهر نقيض ذلك. وشهدت كثير من المدن الإيرانية احتجاجات لليوم السابع على التوالي وبلغت عدد المدن التي تشهد احتجاجات 90 مدينة، بحسب التقارير.
وذكرت تقارير أن عدد القتلى بلغ 25 في مختلف المدن الإيرانية، فيما تقول السلطات إن الحصيلة 22.
واتهم قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري ضمنا مواقع تابعة للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بالوقوف وراء الدعوات لأول مظاهرة شهدتها إيران الخميس الماضي في مشهد.
وقال جعفري في أول موقف له على الاحتجاجات إن «مواقع تابعة لشخص تحول هذه الأيام إلى معارض للنظام ومبادئ الثورة تقف وراء احتجاجات مشهد».
وأشار جعفري إلى فتح تحقيق في الأجهزة الأمنية حول إمكانية تدخل المسؤول السابق و«إذا توصلوا إلى تدخل هذا المسؤول السابق فمن المؤكد أنه سيتم التعامل معه».
كما كشف جعفري عن دخول قوات الحرس جزئيا على خط الاحتجاجات في محافظات أصفهان ولرستان وهمدان.
وادعى جعفري أن أكثر الاحتجاجات المدنية في هذه الاحتجاجات «في ذروتها شهدت تجمعات بلغت ألف و500 شخص»، مضيفا أن «مجموع المحتجين في البلد تجاوز 1500 شخص».
لكن موقع «آمد نيوز» المعارض اتهم الحرس بإرسال عناصر من ميليشيا «فاطميون» التابعة للحرس الثوري في مهاجمة المتظاهرين بمدينة خميني شهر ليلة الثلاثاء.
وقال جعفري إنه «يعلن هزيمة فتنة 2017»، لافتاً إلى أن «حجم التخريب واتساع الاحتجاجات في عام 2009 أوسع من احتجاجات 2017». وقال: «تلك كانت فتنة سياسية أما الفتنة الأخيرة فكان انتشارها أوسع».
وتطلق السلطات الإيرانية على احتجاجات شهدتها البلاد على مدى ثمانية أشهر منذ يوليو (تموز) 2009 اسم الفتنة.
من جهته، المتحدث باسم الحكومة محمد رضا نوبخت نفى في تصريح لصحيفة «جهان صنعت» الاقتصادية، أن الحكومة الإيرانية تنفق على «الحرب في سوريا والعراق واليمن».
وكان أمين عام «حزب الله» في لبنان حسن نصر الله قال في يونيو (حزيران) إن إيران تدفع المال والسلاح لـ«حزب الله» لبنان.
وردد المتظاهرون شعارات تنتقد دور طهران الإقليمي مثل: «اترك سوريا... فكر بأحوالنا»، و«لا غزة ولا لبنان حياتي فداء إيران».
ونشر ناشطون أمس فيديوهات من «مواجهات احتجاجية في تبريز» وإطلاق النار على المتظاهرين في مسجد سليمان وأخرى تظهر مواجهات قوات الباسيج والمتظاهرين في مدينة كرج غرب طهران ووقفة احتجاجية من أسر المعتقلين أمام سجن أوين واحتجاجات في خرم آباد وبوشهر وعبادان. وفي شيراز وكازرون في محافظة فارس نشر ناشطون مقاطع تظهر ترديد المتظاهرين شعارات تندد بالدور الإيراني في سوريا وتجاهل أوضاع الناس.
وتجاوز عدد القتلى 25 شخصا خلال الأيام الأسبوع الأول فيما ذكرت السلطات أن عدد الاعتقالات تجاوز ألف شخص.
وبعد أقل من يومين من تلويح روحاني بخروج مظاهرات مضادة للاحتجاجات الشعبية خرجت أمس في عدد من المدن الإيرانية مظاهرات مؤيدة للنظام. وركز التلفزيون الرسمي ووكالات الأنباء الموالية للحكومة الإيرانية على نقل تفاصيل المظاهرات، في حين اقتصرت تغطية الاحتجاجات على تصريحات المسؤولين الحكوميين والعسكريين.
وانتشرت مقاطع تظهر مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن في عدة مدن محافظة أصفهان ليلة أول من أمس. وحرق متظاهرون مقر الحوزة العلمية في خميني شهر.
وفيما يسود الغموض حول حصيلة القتلى والجرحى في محافظة أصفهان، لوح أمس النائب عن مدينة أصفهان، حيدر علي عابدي، بانسحاب جماعي لنواب محافظة أصفهان من البرلمان، مضيفا أن القرار حول الانسحاب ينتظر اجتماع نواب المحافظة بحسب ما أورد عنه موقع «انتخاب» المقرب من حكومة روحاني.
وقال محافظ كرمان علي رضا رزم حسيني أمس، إن المخابرات اعتقلت عددا من المشاركين في التجمعات الأخيرة، وأضاف أن «المعتقلين كانوا على صلة بمواقع حرضت على التظاهر أو قادت الاحتجاجات»، وفق ما نقلت عنه وكالة «فارس».
ومن تبريز، قال ناشطون إن قوات الأمن انتشرت في مناطق المدينة غداة مواجهات بين المتظاهرين وعناصر الشرطة. وبحسب شهود عيان، فإن المدينة تشهد توترا بسبب اعتقال العشرات في المدينة.
وقال ممثل خميني شهر إن قتيلا على الأقل من صفوف المتظاهرين سقط ليلة أول من أمس وأوضح محمد جواد أبطحي لوكالة أنباء «خانه ملت» التابعة للبرلمان، أن «في الاحتجاجات غير القانونية التي شهدتها المدينة أصيب شخص ما أدى إلى وفاته».
ويطالب الناشطون الأطراف الدولية بممارسة الضغط على إيران لرفع القيود عن الإنترنت. وأفادت وسائل حكومية أمس بأن السلطات رفعت الحجب عن تطبيقي «إنستغرام» و«تلغرام»، إلا أن صحافيين نفوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي مزاعم وزارة الاتصالات.
وفي شأن متصل رهن وزير الاتصالات والتكنولوجيا محمد جواد آذري جهرمي رفع الحجب عن تطبيق «تلغرام» بحذف حسابات ناشطين معارضين للنظام الإيراني، كما قال إن حجب مواقع التواصل الاجتماعي «مؤقت».
في سياق متصل، قال الباحث والمحلل المختص في الشؤون الإيرانية حسن هاشميان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن الاحتجاجات الإيرانية تشهد ثلاث مفارقات أساسية وفي توضيح المفارقة الأولى، قال إنها «تتعلق برؤية حسن روحاني لمواجهة المظاهرات تصطدم مع رؤية ميليشيا الحرس الثوري الذي يريد مواجهة مباشرة وفي غطاء إعلامي رهيب يشمل قمعا وتخويفا».
وتابع هاشميان أن «حسن روحاني يريد معالجة الأزمة من خلال قوات الأمن والمخابرات والوزارات الأمنية التابعة له، بينما الحرس يعتقد أن هذه الطريقة لا تكفي لإخماد الحراك الشعبي». ويتابع قائلا: «لذلك رأينا تخبطا بين الجانبين خلال الأيام الست التي فاتت على الرغم من نفي المتحدث باسم الحرس مشاركة هذه الميليشيا بالعملية القمعية».
أما المفارقة الثانية في رأي هاشميان فهي فشل النظام الإيراني بتلبيس تهمة التعلق بالأجنبي أو «داعش» أو الجماعات المتطرفة، وفي المقابل فإن تصريحات الدول الأوروبية وبعض المسؤولين في حكومة روحاني تتعارض تماماً مع تصريحات علي خامنئي وقيادات الحرس على هذا الصعيد.
وبشأن المفارقة الثالثة، أوضح أن «النظام الإيراني يطلب الهدوء وترك الشوارع من المحتجين ولكن لا يقدم أفقا سياسية اقتصادية لحل الأزمة».
وعن المفارقة الرابعة يتابع هاشميان أنه على الرغم كل التضييق على الحريات وتزايد سلطة الإعلام المضلل للنظام الإيراني، فإن المحتجين استطاعوا أن يوصلوا رسالة أن لبنان وسوريا والعراق واليمن أمور لا تهمهم، وبقوة سلطوا الأضواء على مشكلاتهم الداخلية، والمكسب الثاني استطاعوا أن يكسبوا تعاطف دول العالم من المنطقة إلى أوروبا وأميركا وكندا.
وبشأن آفاق الأزمة ذكر هاشميان أن في المرحلة القادمة إذا حصل المتظاهرون على مساعدات في موضوع الإنترنت وخرجوا من تحت سيطرة الشبكات المحلية التي هي بالأساس تخضع لمراقبة الحرس، فسنشهد بداية حقيقية لسقوط النظام الحاكم في إيران. القيادة الحالية لهذه الانتفاضة الجديدة في إيران تأتي من قبل الشبكات الاجتماعية على الإنترنت لذلك أكبر هم النظام الآن هو قطع هذه الشبكات.



إشارات دبلوماسية تسبق الاتفاق أو الانفجار بين واشنطن وطهران

ترمب وويتكوف يتحدَّثان إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وويتكوف يتحدَّثان إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

إشارات دبلوماسية تسبق الاتفاق أو الانفجار بين واشنطن وطهران

ترمب وويتكوف يتحدَّثان إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وويتكوف يتحدَّثان إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة في 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

رغم الإشارات الدبلوماسية المفاجئة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية خمسة أيام، لا تبدو المنطقة أمام وقف وشيك للحرب، بقدر ما تبدو في لحظة اختبار حرج بين مسار تهدئة هش واحتمال تصعيد أكبر.

فترمب يتحدث عن «محادثات جيدة وبنّاءة للغاية»، وعن فرصة لاتفاق، بينما تنفي طهران وجود مفاوضات مباشرة، وتتعامل مع إعلاناته بكثير من الشك، بل وتخشى، وفق تقارير، أن تكون تصريحاته جزءاً من مناورة لكسب الوقت وتهدئة الأسواق أو لإعداد الأرضية لجولة ضغط أشد.

وفي المقابل، يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستواصل ضرباتها في إيران ولبنان، وإن أقر بأن ترمب يرى فرصة لترجمة «الإنجازات العسكرية» إلى اتفاق يحقق أهداف الحرب.

هذه المفارقة تختصر المشهد: القنوات السياسية مفتوحة، لكن النار لم تخمد. بل إن ما يجري حتى الآن هو تعليق لبعض أدوات التصعيد، لا إنهاء للحرب نفسها. لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت هناك اتصالات، بل ما إذا كانت هذه الاتصالات قادرة على تجاوز الفجوة الواسعة بين مطالب الأطراف، وسط استمرار الضربات والاستعدادات العسكرية، واتساع دائرة الدول المتأثرة مباشرة أو غير مباشرة بالقتال.

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

لا اختراق واضحاً

المعطيات المتوافرة تشير إلى حراك دبلوماسي كثيف تقوده أطراف إقليمية عدة. فقد برزت باكستان بوصفها موقعاً محتملاً لاجتماع مباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، فيما نقلت مصر وتركيا ودول خليجية رسائل بين الطرفين. ووفق التقارير، طُرحت فكرة اجتماع في إسلام آباد يشارك فيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وربما نائب الرئيس جي دي فانس إذا اقتربت المباحثات من نتيجة جدية. لكن البيت الأبيض حرص على إبقاء هذه الاحتمالات في إطار «المناقشات الدبلوماسية الحساسة»، مؤكداً أن الوضع «غير مستقر»، ولا ينبغي اعتبار أي تكهنات نهائية قبل إعلان رسمي.

المشكلة أن هذه الحركة الواسعة لا تعني بالضرورة اقتراب اتفاق. فإيران أعلنت بوضوح أنها لم تُجر مفاوضات مع الولايات المتحدة، مع اعترافها في الوقت نفسه بأنها تلقت «رسائل من دول صديقة» بشأن طلب أميركي لإجراء محادثات.

هنا تظهر عقدة أساسية: من يتخذ القرار فعلاً في طهران بعد الضربات التي شملت رأس الهرم الأمني والسياسي؟ اسم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف برز في تقارير غربية وإسرائيلية بوصفه قناة محتملة أو شخصية تحظى بشرعية داخل النظام، لكنه نفى أي تفاوض، وعدّ الحديث عن ذلك «أخباراً كاذبة» هدفها التلاعب بالأسواق النفطية والمالية.

وفي هذا السياق، قال أليكس فاتانكا الباحث في معهد الشرق الأوسط لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك نشاطاً دبلوماسياً ملحوظاً، لكنه لا يترجم بعد إلى تقدم حقيقي، ويعود جزئيا إلى عدم وجود شريك واضح في طهران». وأضاف أن الفجوة لم تعد مجرد خلاف على شروط صفقة، بل باتت خلافاً على شكل النهاية نفسها: إيران تريد ضمانات واعترافاً بنفوذها وأوراقها، بينما ما زالت واشنطن تدفع في اتجاه تراجع إيراني واسع، في وقت لا يبدو فيه الموقف الغربي موحداً بالكامل، لأن الولايات المتحدة تبدو باحثة عن مخرج، بينما تبدو إسرائيل مستعدة لحرب أطول وأكثر تحويلاً. هذا التوصيف ينسجم إلى حد بعيد مع ما تنقله التقارير الغربية عن اتساع الفجوة بين المطالب الأميركية والإيرانية، لا سيما في ملفات التخصيب، والمخزون النووي، والصواريخ الباليستية، ومستقبل مضيق هرمز.

(بدءاً من أسفل اليمين) الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر (أ.ف.ب)

وقف الحرب ليس قريباً

أول ما يفسر هذا التشاؤم النسبي هو أن تأجيل الضربات الأميركية على منشآت الطاقة الإيرانية لا يعني وقف العمليات العسكرية. فالهدنة المعلنة جزئياً تتعلق بنوع معين من الأهداف، بينما بقيت الأهداف العسكرية الأخرى في دائرة الاستهداف. كما أن إسرائيل لم تربط عملياتها بأي تهدئة، بل واصلت التأكيد أنها ستستمر في قصف إيران ولبنان. وفي المقابل، لم تُظهر إيران استعداداً سياسياً واضحاً للانتقال من تبادل الرسائل إلى تفاوض معلن، بل تمسكت بخطاب يربط أي حديث جدي بوقف الهجمات الأميركية والإسرائيلية.

العامل الثاني هو أن جوهر الخلافات ما زال قائماً من دون تعديل جوهري. فحسب ما رشح من المواقف، تريد طهران ضمانات بعدم تكرار الهجمات، وتعويضات عن الأضرار، واعترافاً فعلياً بدورها وأمنها، بينما تصر واشنطن على شروط أقرب إلى ما كانت تطلبه قبل الحرب: وقف مسار التخصيب المثير للقلق، والتخلي عن المخزونات الحساسة، والقبول بقيود على البرنامج الصاروخي، ووقف دعم الوكلاء الإقليميين. وهذه ليست تفاصيل فنية يسهل حلها، بل هي شروط تمس صلب مفهوم «الانتصار» لدى كل طرف.

من هنا، قال مايكل أوهانلون الباحث في معهد بروكينغز لـ«الشرق الأوسط» إنه يشك في أننا قريبون من نهاية الحرب. وأوضح أنه لا يرى أساساً حقيقياً لتسوية على الملفين النووي والصاروخي، حتى لو تراجعت واشنطن وتل أبيب عن هدف تغيير النظام، مضيفاً أن إيران تريد على الأرجح أن تدفع الولايات المتحدة الثمن لفترة أطول، عبر إبقاء الضغط في مضيق هرمز وعبر أسعار النفط. وهو تقدير ينسجم مع واقع أن طهران، رغم الضربات الموجعة التي تلقتها، ما زالت تمتلك أوراق تعطيل مؤثرة، وفي مقدمها تهديد الملاحة والطاقة والضغط على دول الجوار.

الوساطات الإقليمية

أهمية التحرك الدبلوماسي الإقليمي لا تكمن فقط في محاولة إنهاء الحرب، بل أيضاً في منع تحولها إلى مواجهة أوسع تشمل مزيداً من دول المنطقة. فالدول العربية وتركيا وباكستان لا تتحرك فقط بدافع الوساطة التقليدية، بل بدافع الخوف من أن تصبح هي نفسها جزءاً من الحرب، ولو بشكل غير مباشر. وهذا ما يفسر الحساسية العالية في ملف مضيق هرمز، الذي بات مركزياً في التفاوض والقتال معاً. فإيران تربط إعادة فتحه بوقف الهجمات عليها، بينما ترى الدول الخليجية أن أي ترتيب يمنح طهران يداً عليا دائمة في المضيق سيكون خطراً استراتيجياً طويل الأمد.

كما أن بعض هذه الدول لم تعد بعيدة عن النيران. فالهجمات الإيرانية أو التهديدات المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة والتحلية والمواني جعلت دول الخليج جزءاً من معادلة الردع والرد المضاد، سواء أرادت ذلك أم لا. والواقع أن جزءاً من النشاط المصري والتركي والباكستاني والخليجي لا يستهدف فقط تأمين قناة اتصال بين واشنطن وطهران، بل أيضاً حماية المنطقة من الانزلاق إلى حرب منشآت وطاقة وممرات بحرية يصعب ضبطها لاحقاً.

لكن في المقابل، تواصل الولايات المتحدة تحضيراتها العسكرية، بما يعني أن المسار الدبلوماسي يجري تحت سقف ضغط ميداني مستمر. فالتقارير عن بحث خيارات تتعلق بوحدات من الفرقة 82 المحمولة جواً، أو إمكان الاستعانة بوحدات المارينز في حال التوسع نحو أهداف حساسة مثل جزيرة خرج، تكشف أن واشنطن لا تفاوض من موقع خفض الاشتباك الكامل، بل من موقع الجمع بين فتح باب التفاهم والإبقاء على بدائل التصعيد جاهزة. وهذا ما يفسر جزئياً خشية طهران من أن يكون إعلان ترمب مجرد فخ تفاوضي أو استراحة تكتيكية.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

انتقادات إيجابية وسلبية

في الداخل الأميركي، لا يوجد إجماع على كيفية قراءة خطوة ترمب. فأنصاره وبعض المدافعين عن نهجه يرون أن تأجيل ضرب البنية التحتية للطاقة الإيرانية يعكس براغماتية سياسية واقتصادية، لأن توسيع الحرب نحو المنشآت المدنية الحيوية كان سيعني ارتفاعاً أشد في أسعار النفط، ومزيداً من الضغوط على الأسواق والناخب الأميركي. ومن هذا المنظور، فإن ترمب حاول استخدام أقصى الضغط للوصول إلى تفاوض من دون التورط في تصعيد قد ينقلب عليه داخلياً.

لكن في المقابل، هناك انتقادات سلبية حادة تعد أن ما يفعله ترمب هو إدارة للحرب عبر الإشارات المتضاربة: تهديدات قصوى، ومهل نهائية، ثم تراجع مفاجئ، ثم حديث عن اتفاق شبه مكتمل تنفيه طهران. هذا النمط، في نظر منتقديه، قد يخفف التوتر مؤقتاً لكنه لا يصنع سلاماً مستقراً، بل يعمق انعدام الثقة، ويجعل كل طرف يعتقد أن الآخر يناور ولا يفاوض بجدية. كما أن بعض الأوساط القريبة من الإدارة نفسها تبدو منقسمة بين من يريد «مخرجاً» سريعاً، ومن يرى ضرورة مواصلة الضغط لتحصيل مكاسب أكبر.

أما خارج الولايات المتحدة، فالانتقادات أشد تعقيداً. فهناك من يرى أن وقف الانزلاق إلى استهداف شامل للبنية التحتية الإيرانية خطوة ضرورية، خصوصاً مع اتساع المخاوف الإنسانية والاقتصادية. وفي المقابل، هناك من يرى أن المشكلة لم تعد في حجم الضغط العسكري فقط، بل في غياب تصور واضح وواقعي لنهاية الحرب، سواء بالنسبة إلى مستقبل النظام الإيراني أو شكل الردع المطلوب أو حدود ما يمكن انتزاعه من طهران بالقوة.

لذلك، فإن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة، إمّا بداية خفض تدريجي للتصعيد، وإما الانتقال إلى جولة جديدة من الحرب أكثر تعقيداً وأشد إقليمية.


نتنياهو يراقب مفاوضات واشنطن مع طهران بـ«الشك والمخاوف»

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يراقب مفاوضات واشنطن مع طهران بـ«الشك والمخاوف»

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

قال مسؤولون إسرائيليون إن تل أبيب تعمل الآن على ضمان أن يلبي أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران مطالبها، مع إعطاء الأولوية لإنهاء برنامج إيران النووي وفرض قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم.

وأكّد مسؤولون إسرائيليون لـ«القناة 12» الإسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تواصل مع مساعده الأكثر ثقة، رون ديرمر، للعمل نيابة عن إسرائيل مع الولايات المتحدة بشأن هذا الاتفاق.

وجاءت توجيهات نتنياهو في ظل تقديرات مسؤولين إسرائيليين أن قادة إيران قد يكونون مستعدين لاتفاق، لكن هناك شكوكاً حول ما إذ سيكون وفق ما تريده إسرائيل.

وحذّرت مصادر إسرائيلية من أن أي اتفاق ناجح من منظور تل أبيب سيتطلب فعلياً استسلام إيران، وهذا مشكوك فيه.

«اتفاق سيئ»

تخشى إسرائيل بحسب «القناة 12» و«يديعوت أحرونوت» ومواقع أخرى من احتمال تبلور «اتفاق سيئ» مع إيران، يفشل في معالجة المخزون الذي يتجاوز 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو ما يكفي لإنتاج 11 قنبلة نووية.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إسرائيل متشككة للغاية بشأن إمكانية أن تؤدي المفاوضات إلى اتفاق ينهي الحرب، ولكن من ناحية أخرى - بما أن الرئيس هو دونالد ترمب - فإنهم لا يستبعدون أي شيء، ويتابعون المحادثات من كثب.

وأوضح مصدر إسرائيلي أن «الأميركيين قدّموا للإيرانيين مسودة تتضمن 15 بنداً، ويبدو ظاهرياً أنها مستحيلة التحقيق، لأنه من المستبعد أن يتخلى الإيرانيون عن كل شيء». وقال: «إنها أشبه باتفاقية استسلام إذا قبلوها؛ إزالة اليورانيوم المخصب، والتخلي عن البرنامج النووي، ووقف برنامج الصواريخ، ووقف تمويل الوكلاء».

من جهة أخرى، تخشى إسرائيل أن يكون ترمب يرغب في وقف الحرب بسبب ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والضغوط الداخلية والخارجية، وبالتالي قد يتنازل عن بعض خطوطه الحمراء، ساعياً إلى «صورة النصر» وإنهاء الحرب.

وأعربت مصادر أمنية لـ«القناة 12» عن قلقها بشأن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وقال أحد المصادر إن إسرائيل لا تعرف ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق في المستقبل القريب أم أن هذه مناورة نموذجية من ترمب.

وقالت المصادر: «إذا تم إبرام اتفاق لا يتضمن إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، فإن أي كلمات رنانة عن الدمار وتقويض القدرات لن تكون حقيقية. حينها ستكون النهاية فشلاً ذريعاً».

مع ذلك، تأمل إسرائيل أن يصرّ ترمب على موقفه، ووفقاً لمصدر إسرائيلي لـ«يديعوت» قال إن تل أبيب «لا تتوقع من الرئيس الأميركي التنازل عن القضايا الرئيسية، على الأقل ليس فيما يتعلق بالملف النووي».

وأضاف: «إذا استجابت إيران للمطالب الأميركية، فسترحب إسرائيل بمثل هذا الاتفاق حتى لو لم يسقط نظام المرشد الإيراني في نهاية المطاف».

سحب الدخان تتصاعد من موقع قصفه الطيران الإسرائيلي في طهران (رويترز)

«عدم يقين»

وفي ظل حالة عدم اليقين بشأن الاتفاق، تسعى إسرائيل إلى تكثيف الضربات، لكن الأحوال الجوية بحسب «يديعوت» تعيق ذلك.

وقال مسؤول إسرائيلي: «نحاول تدمير كل شيء، لكن الأحوال الجوية تؤثر على عدد الرحلات الجوية المتاحة. فقد كان الطقس سيئاً طوال الأسبوعين الماضيين تقريباً، ورغم الضربات القوية التي نفذناها، فإن الهجوم لا يزال أكثر صعوبة بسبب مخاطر التحليق في طقس سيئ».

وواصل الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، ضرب إيران، لكن الإسرائيليين تلقوا بدورهم ضربات غير مسبوقة وصادمة إلى حد ما.

وأصاب، الثلاثاء، صاروخ برأس حربي يزن 100 كيلوغرام شارعاً صغيراً في وسط تل أبيب، وكانت النتيجة صادمة بالنسبة للإسرائيليين الذين لم يصدقوا ما شاهدوه وسط تل أبيب، حيث دمار هائل في الشارع؛ 3 مبانٍ ومركبات محطمة.

وعنونت «يديعوت أحرونوت»: «مبانٍ مدمرة وسيارات محطمة تماماً».

وقالت «يديعوت» مع بثّ كثير من الصور إن قصفاً صاروخياً برأس حربي يزن 100 كيلوغرام في شارع صغير بوسط تل أبيب تسبب بأضرار جسيمة.

وقال أحد السكان لـ«يديعوت»: «دخلت أنا وزوجتي إلى غرفة الطوارئ، وأغلقنا الباب، وفجأة انفجر الصاروخ. اختفت غرفة النوم بأكملها». وقال آخر: «تركت المنزل في خضم كارثة»، ولاحقاً تم إجلاء عشرات السكان.

عامل طوارئ في موقع ارتطام شظايا صاروخ إيراني في تل أبيب (رويترز)

رشقات إيرانية

وكان الهجوم على تل أبيب واحداً من رشقات صاروخية عدة أطلقت من إيران باتجاه إسرائيل، ليل الاثنين وصباح الثلاثاء، استهدفت شمال وجنوب ووسط إسرائيل، ما دفع كثيرين لهروب متكرر إلى الملاجئ.

وصرّح العقيد ميكي دافيد، المسؤول في قيادة الجبهة الداخلية، بأن الرأس الحربي الذي سقط في تل أبيب ألحق أضراراً جسيمة بالمباني. كذلك، صرّح رون حولدئي، رئيس بلدية تل أبيب، لصحافيين في موقع الحادث: «العديد من المنازل قد تضررت، وأفترض أنه سيتم اكتشاف منازل أخرى بمجرد انتهاء عمليات الفحص».

وقال دورون، أحد سكان الحي المتضرر، لصحيفة «معاريف»، إنه لم يتوقف عن الارتجاف بعد الاصطدام. وقال: «كان دوياً هائلاً. ذهبت إلى الدرج مع شريكتي، وفجأة سمعت دوياً هائلاً».

وفي الأيام الأخيرة، تراجعت وتيرة الضربات الإيرانية على إسرائيل إلى نحو 10 صواريخ يومياً، بعد أن كانت 90 صاروخاً في اليوم الأول للحرب، لكن لوحظ أن الصواريخ الأخيرة تضرب في كل مكان شمال ووسط وجنوب وتنجح أحياناً كثيرة في ترك دمار واسع.

ومع استمرار الصواريخ، أعلنت وزارة الداخلية أن موسم السباحة لن يبدأ في هذه المرحلة، وستبقى الشواطئ مغلقة بتوجيهات قيادة الجبهة الداخلية. وكان من المقرر أن يبدأ موسم السباحة الأربعاء.

وتوجد تقييدات كثيرة في إسرائيل، من بينها أن المدارس مغلقة، ويمنع التجمهر أو الفعاليات، ويجب على السكان البقاء قرب الملاجئ.


إردوغان: نعمل على إحلال السلام في إيران

​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
TT

إردوغان: نعمل على إحلال السلام في إيران

​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)

كشف ​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم (الثلاثاء)، عن أن أنقرة ‌ستواصل بذل ‌كل ​ما ‌في ⁠وسعها ​من أجل إحلال ⁠السلام خلال الحرب على إيران التي ⁠أثَّرت سلباً ‌على ‌الاقتصاد التركي ​والعالم ‌بأسره.

وأضاف ‌إردوغان أن الحكومة تدرس اتخاذ تدابير ‌مختلفة لحماية الاقتصاد من الحرب الأميركية - ⁠الإسرائيلية ⁠على إيران، التي اجتاحت المنطقة، وأدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة.

من جهته، قال وزير ​الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار للصحافيين عقب اجتماع لمجلس الوزراء، ‌اليوم، ‌إنه ​لا ‌توجد ⁠أي ​مشكلات في تدفق ⁠الغاز الطبيعي من إيران، وإن مرافق التخزين التركية ⁠ممتلئة بنسبة ‌71 ‌في المائة.

ونقلت ​وسائل ‌إعلام ‌تركية عن الوزير قوله: «لا توجد أي مشكلات ‌في تدفق الغاز من إيران».

وجاء هذا ⁠التصريح ⁠بعد أن أشار تقرير إعلامي في وقت سابق إلى توقف التدفقات.