الثمار الروسية في سوريا... كسب الحرب لا يعني الانتصار

بوتين ووزير دفاعه لدى زيارتهما قاعدة حميميم الشهر الماضي (إ.ب.أ)
بوتين ووزير دفاعه لدى زيارتهما قاعدة حميميم الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

الثمار الروسية في سوريا... كسب الحرب لا يعني الانتصار

بوتين ووزير دفاعه لدى زيارتهما قاعدة حميميم الشهر الماضي (إ.ب.أ)
بوتين ووزير دفاعه لدى زيارتهما قاعدة حميميم الشهر الماضي (إ.ب.أ)

مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2017، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جولة كبرى في الشرق الأوسط وزار ثلاث دول، هي تركيا وسوريا ومصر. اللافت أن جولة بوتين في الشرق الأوسط تزامنت مع إعلانه عزمه الترشح في الانتخابات الرئاسية عام 2018. في ظل هذه الظروف، كان من المهم بالنسبة للرئيس الروسي استغلال فعاليات الجولة لتذكير المواطن الروسي بـ«نجاحات» الدبلوماسية الروسية بقيادة بوتين. وبالفعل، نجح الرئيس الروسي في تحويل جولته إلى حدث لافت للأنظار. وخلال زيارته لسوريا، أعلن بوتين الانتصار أمام الإسلاميين الراديكاليين، وبدء الانسحاب العسكري الروسي من البلاد. وبناءً على هذا الإعلان، نرى من الضروري طرح تقييم للنتائج الحقيقية للوجود الروسي في سوريا عام 2017.
يمكن النظر إلى تشكيل شراكة ثلاثية بين موسكو وطهران وأنقرة وبناء منصة آستانة للتفاوض باعتبارهما الإنجازين الرئيسين للدبلوماسية الروسية في سوريا. وجاء الحوار بين الدول الثلاث انطلاقاً من عدد من الحاجات العملية والاعتبارات البراغماتية لدى كل من الدول الثلاث. وبحلول نهاية 2017، بدا واضحاً أن التعاون الثلاثي بين روسيا وإيران وتركيا يخدم مصالح الأطراف الثلاثة بالفعل.
من جهتها، نجحت أنقرة في استغلال هذه الصيغة التعاونية في التعبير عن قلقها بخصوص دور الأكراد المتنامي في الصراع السوري. كما نجحت تركيا بالفعل في الحد من تدفق اللاجئين السوريين على أراضيها وبناء «مناطق نفوذ سنية» داخل سوريا، بالتعاون مع موسكو وطهران. على الجانب الآخر، تمكنت إيران من ضمان نفوذها فيما يتعلق بالعمليات السياسية داخل سوريا، بجانب استعانتها بمساعدة روسية لبناء ما وصف بأنه جسر بري من طهران إلى بيروت.
أما روسيا، فكان من المهم للغاية بالنسبة لها استغلال هذا التحالف الثلاثي في بناء اتصالات مع المعارضة المسلحة لبشار الأسد، الأمر الذي حققته بالفعل بمساعدة تركيا، وإلزام كل من إيران وتركيا بالتزامات مختلفة تضمن إبداءهما قدراً أكبر من المرونة خلال مناقشة مبادرات روسية لتسوية الصراع في سوريا.
في الوقت ذاته، تدرك موسكو تماماً أن مثل هذا التحالف وليد ظروف معينة، وليس دائماً. عليه، فإنه ينبغي استخدام لفظ «تحالف» هنا بحرص شديد. في الواقع، تتبع روسيا وإيران وتركيا آراء مختلفة تجاه سوريا ما بعد الحرب، ولكل جانب أهدافه الخاصة داخل البلاد. ومع هذا، فإنها وجدت نفسها مضطرة للتعاون مع بعضها البعض سعياً وراء تحويل إنجازاتها العسكرية في سوريا إلى مكاسب سياسية، ومحاولة إطلاق عملية سياسية داخل سوريا بناءً على الشروط الموائمة للدول الثلاث. من دون ذلك، لن تتمكن أي منها من الاضطلاع بهذا الأمر بمفردها، وستفوق التكاليف المتفاقمة للوجود العسكري في سوريا أي مكاسب حالية.

محادثات آستانة ومستقبلها
ومع هذا، جاء نجاح عملية آستانة جزئياً فقط. كان المشاركون في اجتماعات آستانة خلال 2017 أخفقوا في تحقيق أي تقدم ملموس في إطلاق حوار سياسي مستدام بين الأطراف المتناحرة. بيد أنه في المقابل، نجحت المفاوضات في إقرار مناطق خفض التصعيد والحد من مستوى إراقة الدماء على الأرض. وعليه، أصبحت الصيغة التي أقرت في آستانة منصة مهمة لتسوية قضايا عسكرية وأخرى تتعلق بوقف إطلاق النار، في الوقت الذي تبقى مسألة التسوية السياسية حكراً على عملية جنيف. وبذلك يتضح أن منصتي آستانة وجنيف تحولتا إلى مسارين تفاوضيين يكملان بعضهما البعض، وليسا متعارضين.
ومع ذلك، فإنه في أعقاب إطلاق عملية آستانة، سرعان ما أدركت موسكو عيوبها: ذلك أن الانضمام إلى تركيا وإيران لم يكن كافياً لتسوية الأزمة السورية، ناهيك عن نشر إجراء وقف إطلاق النار في كامل أرجاء البلاد. ولذلك، نشطت موسكو خلال 2017 في بناء اتصالات مع أطراف إقليمية أخرى، ودعمت مفاوضات في القاهرة وعمان لإقرار وقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية وراستان وجنوب سوريا.
إلا أن هذه الخطوة الروسية خلفت تداعيات مثيرة للجدل. من ناحية، ساعدت المفاوضات في القاهرة وعمان في تحقيق استقرار في الموقف على مستوى البلاد. وجاء فحوى ما تمخضت عنه المفاوضات متناغماً مع إطار عمل اتفاقات مايو (أيار) 2017، وإن كانت هذه المفاوضات منفصلة بوضوح عن عملية آستانة. من ناحية أخرى، أثارت الاتصالات الروسية ـ الأميركية أثناء محادثات عمان قلقاً بالغاً داخل إيران إزاء إمكانية أن تحل المفاوضات الجارية في الأردن محل عملية آستانة التي تتمتع إيران بنفوذ فيها. لكن هذه المخاوف تراجعت تدريجياً عندما شرعت روسيا في استغلال منصة آستانة في التأكيد وإضفاء الشرعية على قرارات جرى اتخاذها في عمان والقاهرة، مشددة على أن مفاوضات الأردن ومصر من المفترض أن تجذب عناصر إضافية نحو عملية التسوية السياسية في سوريا من أجل إطالة أمد عملية آستانة، وليس الحل محلها.
وعليه، أدت تحركات موسكو خلال النصف الثاني من عام 2017 إلى تحويل المفاوضات حول سوريا إلى منظومة متعددة المستويات. وما تزال عملية جنيف على رأس المنظومة باعتبارها منصة التفاوض التي تضفي الشرعية على جميع القرارات المحورية المرتبطة بسوريا، بينما يتمثل المستوى الثاني في عملية آستانة، التي ينبغي النظر إليها باعتبارها منصة تفاوض وسيطة تعين على تعزيز فاعلية محادثات جنيف من خلال استثناء القضايا العسكرية منها. بجانب ذلك، تساعد آستانة في فرض وإضفاء الشرعية على القرارات التي تتمخض عنها محادثات القاهرة وعمان، والتي تشكل بدورها المستوى الثالث من المفاوضات.

الرحيل عن سوريا؟
أثناء زيارته القاعدة العسكرية في حميميم في إطار جولته في الشرق الأوسط في ديسمبر (كانون الأول) 2017، أعلن بوتين انتصار روسيا في مواجهة تنظيم داعش، وبدء انسحاب تدريجي للقوات الروسية من سوريا. وليست هذه المرة الأولى التي يعلن الكرملين عزمه سحب قواته من سوريا، إذ في مارس (آذار) 2016 أعلنت روسيا بالفعل عزمها إنهاء عملياتها العسكرية في سوريا بدعوى أنها أنجزت. لكن بدلاً عن إعادة القوات الروسية إلى أرض الوطن، تورطت روسيا على نحو أعمق في الصراع الدائر في سوريا. ومع هذا، تبدو روسيا عاقدة العزم هذه المرة على الوفاء بوعدها مع تبدل الموقف داخل سوريا على نحو واضح.
في الواقع، تنظر روسيا إلى تحرير الموصل والرقة (المعقلين السياسي والآيديولوجي لتنظيم داعش) من جانب تحالف محاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، علاوة على النجاحات التي حققها جيش الأسد في دير الزور وفي شرق سوريا باعتبارها نصراً حاسماً أمام «داعش». والاحتمال الأكبر على صعيد المستقبل المنظور أن تبدأ روسيا وإيران وتركيا عملية مشتركة ضد جماعة «تحرير الشام» داخل ما يطلق عليه إدلب الكبرى، ثم تقسيمها إلى مناطق نفوذ. ورغم أن هذا لا يعني نهاية الصراع المسلح في سوريا، فإنه بالتأكيد سيصبح أقل حدة.
جدير بالذكر أنه نتيجة الجهود الروسية والإيرانية، لحق ضعف كبير بقوات المعارضة غير الراديكالية أمام الأسد. واليوم، أصبحت هذه القوات على درجة أقل من الاستعداد للاستمرار في القتال عن ذي قبل. أيضاً، طرأ تحول على المزاج العام للمجتمع السوري في الفترة الأخيرة، ذلك أنه بعد مرور ما يقرب من سبعة أعوام على الصراع الدموي المدمر، اكتسبت قضايا السلام والاستقرار أهمية أكبر بكثير عن مشكلات السلطة والنظام السياسي المستقبلي. وبالتالي، فإن المرحلة الحالية من الصراع لن تتطلب الكثير من الوجود الروسي على الأرض.

البقاء داخل سوريا
مع هذا، ينبغي التنبيه هنا إلى أن روسيا تنسحب من الصراع المسلح فحسب، وليس الأزمة السورية ككل، بل على النقيض تنوي موسكو الاستمرار داخل سوريا لفترة طويلة. والملاحظ أنه خلال نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول)، تكثفت الجهود الدبلوماسية الروسية. ولم تنشط روسيا في مناقشة إمكانية تسوية الصراع مع الولايات المتحدة وعدد من دول الشرق الأوسط فحسب، وإنما بعثت كذلك بإشارات إلى الأسد بخصوص استعدادها لمساعدة دمشق في عملية إعادة الإعمار بعد الحرب.
وعليه، زار دميتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، دمشق، لمناقشة مشاركة شركات روسية في إعادة إعمار سوريا مع الأسد. وكشفت هذه الخطوة بدورها أن روسيا تعي جيداً أهمية اللحظة الراهنة لمستقبل وجودها بالبلاد.
ومع أن نظام الأسد المدعوم من روسيا بمقدوره اليوم اعتبار نفسه المنتصر في الحرب الأهلية، فإن هذا لا يضمن وجوداً مستقراً وآمناً لموسكو داخل سوريا ما بعد الحرب. المعروف أنه خلال الفترة النشطة للصراع المسلح، كانت المساعدات العسكرية للنظام السوري هي التي منحت موسكو نفوذاً داخل دمشق. لكن مع الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب، تتراجع أهمية العامل العسكري باستمرار، ما يفسح الطريق أمام الجوانب المالية والاقتصادية للتعاون. ولا تزال هناك شكوك فيما إذا كان الاقتصاد الروسي المتداعي سيتمكن من إمداد موسكو بالموارد اللازمة لإطلاق عملية إعادة الإعمار. واللافت أن روسيا لم تبد في عجلة من أمرها بخصوص الإعلان عن استعدادها للمشاركة في عملية إعادة إعمار سوريا بعد الحرب. وجاءت زيارة روغوزين لدمشق فقط بعد محادثة هاتفية جرت بين الأسد ونظيره الإيراني حسن روحاني في 25 نوفمبر. وخلال لقائهما، شدد روحاني على أن إيران «على استعداد للمشاركة بنشاط في إعادة إعمار سوريا». وجعلت هذه التصريحات من زيارة روغوزين أمراً حتمياً، ذلك أنه كان من الضروري لموسكو أن تظهر أنها لن تتقهقر إلى موقع خلف طهران داخل سوريا ما بعد الحرب.
وبسبب محدودية مواردها، تحاول موسكو الحفاظ على أهميتها بالنسبة لدمشق عبر المسار الدبلوماسي من خلال الاضطلاع بدور نشط في صياغة العملية السياسية لتسوية الصراع. في الوقت الحالي، تركز موسكو جهودها الدبلوماسية على العمل مع الدول التي تملك نفوذاً على الأرض داخل سوريا.
وعليه جاءت الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2017؛ أكدت روسيا أهمية تشكيل جبهة معارضة موحدة لتمثيل القوى المناهضة للأسد خلال اجتماع جنيف التالي. وعليه، عقد لقاء لهذه الجبهة بالفعل داخل الرياض نهاية نوفمبر. وفي الوقت ذاته، كثف الكرملين مشاوراته مع طهران وأنقرة لمناقشة الوضع حول عفرين وإدلب ومستقبل مناطق خفض التصعيد. أيضاً، تولي موسكو اهتماماً منفصلاً لتهدئة المخاوف الإيرانية والتركية إزاء ولاء روسيا تجاه شريكيها. كان لقاء بوتين وترمب، والاجتماعات الروسية المتكررة مع مسؤولين إسرائيليين والصمت الروسي تجاه استفتاء الاستقلال داخل كردستان العراق قد أثاروا مخاوف من أن روسيا تتحرك نحو التخلي عن إيران داخل سوريا.
لذلك، أصدر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في نوفمبر 2017، بياناً حول شرعية الوجود العسكري الإيراني داخل سوريا، يحمل في طياته إشارات إلى تل أبيب مفادها أن الكرملين يولي اهتماماً لتعاونه مع إيران لا يقل عن اهتمامه بالتعاون مع إسرائيل. أيضاً، جمد الكرملين الاستعدادات الجارية لعقد مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي شكل محاولة لتعزيز أهمية المعارضة شبه الرسمية ودمج الأكراد فيها، سعياً نهاية الأمر لتعزيز مواقف جماعات المعارضة الموالية لموسكو في جنيف. إلا أن الاجتماع أرجئ من أجل التخفيف من حدة المخاوف التركية إزاء مشاركة الأحزاب الكردية كقوى مستقلة.

التحديات القادمة
رغم ما سبق، ما تزال روسيا بعيدة تماماً عن إبقاء العملية السياسية في سوريا تحت سيطرتها الكاملة. ومع أنها قد تبدو جيدة على الورق، فإن بعض المبادرات الروسية لا يجري دوماً تنفيذها بنجاح على أرض الواقع. على سبيل المثال، كان من المفترض أن يساعد الاجتماع الثلاثي لرؤساء روسيا وإيران وسوريا في 22 نوفمبر 2017، الدول الثلاث، في الحد من التوترات القائمة بينها، والعمل على صياغة موقف مشترك إزاء مستقبل العملية السياسية في سوريا. ومع هذا، لم تتحقق هذه الأهداف على نحو كامل.
وبينت المشكلات التي تواجه روسيا أنه رغم الدور المحوري لها في عملية التفاوض بخصوص سوريا، فإنه من الواضح أن مواردها وقدراتها ليست على المستوى المطلوب. في المقابل، لا تبدو أي من إيران أو تركيا على استعداد للاضطلاع بدور ثانوي في عملية التفاوض، الأمر الذي اتضح خلال المحادثات رفيعة المستوى الأخيرة. وربما تتمثل النتيجة الأهم لهذه المحادثات في إرجاء عقد مؤتمر الشعب السوري في سوتشي، الذي كان مقرراً له بادئ الأمر مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2017، لأجل غير مسمى. وفي تلك الأثناء، يبدو أن كل ما يربط الدول الثلاث مصالح ظرفية وتشابهات تكتيكية، وليس أهدافاً استراتيجية مشتركة. ويكشف هذا بدوره أن أي طرف سيسعى لصياغة العملية السياسية لتسوية الصراع السوري سيواجه تحديات خطيرة لن يكون من السهل التغلب عليها.
إضافة لذلك، ثمة مشكلة أخرى تواجه موسكو وتدفعها نحو العمل بسرعة ـ شعورها باليأس. بمرور الوقت، يبدو واضحاً على نحو متزايد أن الأسد نجح في البقاء في السلطة، ومن غير المحتمل أن تتمكن أي قوة من إجباره على الخروج من الرئاسة، ناهيك عن إقناع النظام «البعثي» بالمشاركة في حوار وطني بالمعنى الحقيقي.
من جانبهما، أعربت مستشارة رئيس النظام السوري بثينة شعبان ونائب وزير الخارجية فيصل المقداد بالفعل عن تشككهما إزاء جدوى عملية التفاوض تحت رعاية الأمم المتحدة. ويتمحور الموقف السوري الرسمي حول فكرة ضرورة عقد أي مفاوضات مع المعارضة فقط بعد «إنجاز نزع تسليح» الأخيرة وضمان «عدم تدخلها في الشؤون الداخلية للبلاد».
تبعاً لهذه الرؤية، فإن الحوار الوطني الشامل الذي ينبغي أن يرسم ملامح مستقبل الدولة السورية سيتحول إلى مفاوضات بين طرف منتصر وآخر مهزوم. أما موضوع التفاوض فيدور حول وضع تعريف لحدود دمج المعارضة في الكيانات الواقعة تحت سيطرة الحزب «البعثي»، شرط أن تلتزم بجميع مطالب دمشق. وتنظر القيادة الروسية لدورها هنا باعتبارها قوة وسيطة قادرة على التأثير على النظام السوري. وحتى التوصل لتسوية لا يعني بالضرورة بالنسبة للمعارضة السورية أن النظام لن يحاول معاقبة خصومه بعد إلقائهم السلاح.
وتكشف نتائج الصراع المسلح السوري أن النظام بمعاونة حلفائه نجح في الفوز في الحرب، لكنه عجز عن تحقيق السلام وتسوية المشكلات التي أدت لاشتعال الأزمة في المقام الأول عام 2011.
* نيكولاي كوزانوف ـ زميل باحث في «تشاتام هاوس» بلندن ومحاضر في الجامعة الأوروبية في سان بطرسبورغ
* ليونيد إيسايف ـ محاضر لدى المدرسة العليا للاقتصاد التابعة للجامعة الوطنية للبحوث، موسكو، روسيا
*خاص بـ«الشرق الأوسط»



بعد 59 عاماً... هل أنستنا النكبات المتوالية «نكسة 67»؟

جنود إسرائيليون يحتفلون خلال حرب الأيام الستة عام 1967 (رويترز)
جنود إسرائيليون يحتفلون خلال حرب الأيام الستة عام 1967 (رويترز)
TT

بعد 59 عاماً... هل أنستنا النكبات المتوالية «نكسة 67»؟

جنود إسرائيليون يحتفلون خلال حرب الأيام الستة عام 1967 (رويترز)
جنود إسرائيليون يحتفلون خلال حرب الأيام الستة عام 1967 (رويترز)

بينما تحل ذكرى هزيمة يونيو (حزيران) 1967، على العالم العربي في موعدها من كل عام ثقيلة ومريرة، فإن مرارتها تأخذ في الخفوت، ليس لأن آثارها القاسية انمحت، ولكن لأن كثيراً من النكبات توالت على المواطن العربي بعدها.

وفي 5 يونيو 1967، شنت إسرائيل هجمات واسعة استهدفت بشكل رئيسي مصر بجانب سوريا والأردن، أدت مع توقفها في 10 من الشهر ذاته، لاحتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية، قبل أن تأخذ مصر بعد انتصار أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أراضيها وتبقى المأساة مستمرة.

وبعد 59 عاماً، تحل ذكرى «النكسة» بينما في الوطن العربي نكبات أخرى، بين قطاع غزة الذي تسيطر إسرائيل على أكثر من 60 في المائة من مساحته، بحسب تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل أيام، بعد حرب مستعرة منذ أكتوبر 2023، لم تضع أوزارها بعد، وطالت شرارتها لبنان مخلّفة خسائر فادحة بالأرواح والاقتصاد وحتى في الأرض حيث وسعت إسرائيل سيطرتها حتى «قلعة الشقيف» (جنوب لبنان).

وبينما ينتظر العقد السادس من «نكسة حزيران»، كما تعرفها سوريا والأردن، أو «نكسة 67» كما تصفها دوائر مصرية، لا يرى مفكرون عرب عاصروا تلك النكسة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الانقسامات والنزاعات المسلحة الحادة كما في اليمن والسودان ولبنان، وغيرها ستكتب فصلها الأخير، لأسباب بينها بقاء غياب الوحدة العربية وضعف الهوية الوطنية وغياب الدولة في بعض البلدان بخلاف بقاء إسرائيل وأطماعها ومخططاتها، ما يجعل النكبات تنكأ باستمرار جراح «نكسة 67» وتبقيها مع أسباب أخرى على قيد الحياة، دون استخلاص دروس التاريخ.

تشابه سنوات الوجع العربي

يوم الخامس من يونيو 1967، لا يستطيع المفكر المصري، أحمد يوسف أحمد، أن ينساه حيث كان طالباً في الجامعة، يتصور أن الهزيمة ستكون بداية حقبة ممتدة من التبعية والخضوع، كما تقول دروس التاريخ، لكن «المقاومة من اللحظة الأولى» جعلت تلك النظرة تتغير نسبياً لديه.

ويعتقد يوسف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «النكسة نُسيت عملياً بحد أقصى مع انتصار حرب 6 أكتوبر 1973، لكنها لم تُنس كدرس في التاريخ للمصريين، لأنها كانت هزيمة عسكرية فادحة مرتبطة بأسباب داخلية وخارجية مهمة».

ولا تزال تلك النكسة، بحسب أحمد يوسف أحمد، «باقية بوصفها جزءاً من الجدل السياسي داخل مصر، وإن خفتت مرارتها خاصة أن نظام يوليو (تموز) 1952 له خصوم ويتهم حتى الآن بالفشل في حماية الأمن القومي المصري، ويرد عليه من أنصار نظام يوليو، بأنه تم تجاوز أسباب ذلك الفشل ببناء الجيش والانخراط في حرب استنزاف وصولاً لانتصار أكتوبر».

واسترجع المفكر المصري «سنوات الوجع» عندما بدأ يقارن بين النكبات الحالية و«نكسة» 5 يونيو، إذ يرى أن الأخيرة قدمت نموذجاً فريداً من التضامن العربي، لا يوجد الآن في ظل انقسام عربي حاد وغياب كامل لمفهوم الأمن القومي العربي.

هذه الوحدة التي تشكلت منذ قمة الخرطوم في ديسمبر (كانون الأول) 1967، نجحت في إزالة الخطر الإسرائيلي الذي كان يهدد الموقف العربي وقتها، لكن بحسب أحمد يوسف أحمد، ليس له منظور الآن في ظل النكبات الحالية من غزة للبنان واليمن والعراق وصولاً للسودان الذي يعيش أزمة غير مسبوقة.

وذلك الوضع الحالي يجعل الهزيمة العربية في النكبات الحالية أفدح اليوم من «نكسة» 1967، خاصة أنها لم تتعلم أو تستفد من دروس النكسة مع وجود 5 دول على الأقل بين انفصال واقعي وعدم استقرار مزمن، وغياب المفهوم المشترك للأمن القومي العربي وعدم اتفاق على مصادر التهديد والخطر بين إسرائيل وإيران، وفقاً ليوسف أحمد.

غياب موجع ومستقبل مهدد

وبرأي المفكر المصري عبد المنعم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، لا تتشابه النكبات الحالية مع «نكسة» 67 التي تحل ذكراها، باعتبار أن لكل منهما تاريخاً مختلفاً عن الآخر حتى وإن كان كلاهما يُذّكر البعض بالآخر.

ويحسم سعيد، طرحه، واضعاً «نكسة» 1967 في خانة خطأ تقديرات وطنية تصورت أن شعارات القومية والعربية والشجاعة دون حسابات موازين القوى يمكن أن تحقق لها مكاسب، بينما النكبات الحالية سببها الأساسي هو ضعف الهوية الوطنية وغياب الدولة لدى بعض البلدان، وليس ضعف الوحدة أو الأمن القومي العربي وما يدور في فلكها من شعارات.

ويستدل المفكر المصري، عبد المنعم سعيد، بلبنان، والعراق واليمن والسودان، بعدّهم مثالاً في ضعف الهوية الوطنية، تحاول فيها مجموعات أن تصارع الدولة وتشكل هوية خاصة تنازع مفهوم الدولة وهويتها، بخلاف 5 يونيو التي تعلمت نخبتها الدرس وقادت حرباً «معقولة»، ومن ثمّ السلام الذي أعاد بعض الاستقرار.

في المقابل تقف 12 دولة عربية بينها السعودية ومصر والإمارات والكويت والمغرب والأردن والجزائر، على آليات تحفظ تماسكها وهويتها ودولتها، ولم تر تهديداً كمثل الذي يطرحه «حزب الله» في لبنان بامتلاكه المنفرد لقرار الحرب والسلام وعدم قبوله بالمشروع الوطني الجامع، بحسب تقديرات سعيد.

لذا يخلص المفكر المصري إلى أن النكسة وإن وقعت فإنه قد تم تجاوزها في مصر، بسبب قوة الهوية الوطنية ووجود الدولة، لكن إنهاء نكبات اليوم محض مخاض عسير ربما يطول.

جهد عربي منتظر

وستبقى «النكسة» وإن خفتت مراراتها مع تذكرنا لها ولعبرها كل عام، وفق ما يعتقد أيضاً الأكاديمي والمفكر السوري جورج جبور، ويرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «أن العرب يحتاجون للتعامل مع النكبات الحالية استعادة روح مقاومة الاستعمار وإنهاء التفرقة التي تهدد عالمنا العربي وتزيد من نكباته حالياً خاصة أن النكبات لن تنتهي بين يوم وليلة وتحتاج لجهد كبير عربي في هذا الصدد».

بقاء إسرائيل بقاء للنكسة وللنكبات

ويذهب المفكر الأردني، منذر الحوارات، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى نقطة محورية جديدة تتمثل في أن بقاء إسرائيل وأطماعها هو بقاء للنكسة وللنكبات الحالية، وإن خفتت مرارة الأولى وزادت مأساة الثانية.

وباعتقاد الحوارات، فإن «النكبات التي تمر بها المنطقة العربية في جميع أرجائها قد شكلت ضباباً كثيفاً ربما حجب الرؤية عن (نكسة حزيران) أو لعلها جعلتها تتراجع ظاهرياً، غير أنها تظل موجودة في الذاكرة العربية، وفي الذاكرة الجمعية كجرح عميق لم يندمل ولم يلتئم بعد».

لذلك «تبقى (نكسة حزيران الأليمة) حاضرة ولن تختفي، وإن تراجعت قليلاً وربما تبدو وكأنها قد نُسيت أو قل الاهتمام بها، ولكن إذا ما سُئل أي مواطن عربي عن همه الأول، فسيُجيب بأن تتحرر فلسطين، وذلك على الرغم من كل الصعوبات المحلية وكل المعاناة التي مرت بها المنطقة»، وفق ما أكده الحوارات.

ويخلص المفكر الأردني إلى أن «النكسة ستبقى حاضرة وموجودة عملياً في الوجدان العربي، ومهما تجاوزتها النكبات، فالشارع العربي يبدو أنه بانتظار لحظة معينة، لتصحيح المسار خاصة أنه لا يزال لا يرضخ لإسرائيل كما أن تل أبيب لا تريد التراجع».


موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
TT

موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

بعد عامين من الغياب القسري، لا تزال عشرات العائلات اليمنية تعيش على وقع الانتظار والترقب أملاً في عودة أبنائها المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، فيما يكبر أطفالٌ بعيداً عن آبائهم، وتواجه أسر كاملة أعباء نفسية ومعيشية متفاقمة، وسط مخاوف متصاعدة بشأن أوضاع عدد من المعتقلين الصحية.

وفي ظل هذه المعاناة الإنسانية المتواصلة، جدد «مجلس الأمن الدولي» مطالبته بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والدبلوماسية المحتجزين لدى الجماعة.

وبينما تدخل حملة الاعتقالات الواسعة؛ التي طالت موظفين في الأمم المتحدة ومنظمات دولية ومحلية ومؤسسات مجتمع مدني وبعثات دبلوماسية، عامها الثالث، تزداد الشهادات التي تروي آثارها على العائلات التي وجدت نفسها فجأة أمام واقع جديد فرضه غياب العائل أو الأب أو الابن سنوات متواصلة.

في هذا السياق، تحدثت أسرة عبد الحكيم العفيري، المدير التنفيذي لمنظمة «شركاء اليمن»، عن معاناة مستمرة منذ اعتقاله، واصفة إياه بأنه لم يكن مجرد رب أسرة، «بل كان مصدر أمان وسنداً لعائلته ومحيطه الاجتماعي».

الحوثيون يواصلون استهداف العاملين الإغاثيين في المنظمات الدولية (أ.ف.ب)

وقال نجله عبد الرقيب إن والده عُرف طيلة سنوات عمله بحب الخير ومساعدة الآخرين، مؤكداً أن الأسرة تعيش منذ اعتقاله حالة مستمرة من «الترقب والأمل في عودته، رغم قسوة الظروف وطول فترة الاحتجاز».

وأضاف أن اللقاءات المحدودة التي أتيحت لهم خلال الفترة الماضية أظهرت إصرار والده على التماسك والصمود، إلا إنها لم تبدد حجم المعاناة التي تعيشها الأسرة نتيجة استمرار احتجازه وحرمانه من ممارسة حياته الطبيعية.

وفي شهادة أخرى، تحدث عماد الدين العشاري عن الآثار التي تركها اعتقال شقيقه عاصم على أفراد أسرته، مشيراً إلى أن السنوات التي تلت احتجازه غيّرت حياة العائلة بالكامل.

وأوضح أن والدته لا تزال تنتظر عودته، بينما يكبر أطفاله في غيابه، مؤكداً أن الأسرة اكتشفت خلال هذه التجربة حجم الألم الذي يمكن أن يخلفه قرار اعتقال واحد على حياة عشرات الأشخاص المرتبطين بالمحتجز.

مخاوف صحية ومحاكمات

ازدادت المخاوف بشأن أوضاع بعض المحتجزين الصحية، خصوصاً بعد تداول معلومات عن تعرض عاصم العشاري لمضاعفات صحية خطيرة داخل السجن الحوثي، أدت إلى فقدان بصر إحدى عينيه، رغم أنه لم يكن يعاني من مشكلات صحية معروفة قبل اعتقاله.

كما تعرضت أسرة العشاري لانتكاسات إضافية بعد إصابة والده بجلطة دماغية خلال فترة احتجازه، وهي مضاعفات تقول العائلة إنها ارتبطت بالضغوط النفسية التي رافقت القضية.

طفل يمني ينتظر عودة والده المحتجز لدى الحوثيين منذ أكثر من عامين (إعلام محلي)

وفي السياق ذاته، روت هدى الرعدي، زوجة سامي الكلابي، الموظف في مكتب المبعوث الأممي، تفاصيل ما وصفتهما بعامين من القلق والخوف والترقب، مؤكدة أن أسرتها عاشت مناسبات وأعياداً متتالية في غيابه.

وأشارت إلى أن المعاناة لم تعد مرتبطة فقط بالاحتجاز، بل تفاقمت بسبب التدهور الصحي الذي تعرض له زوجها داخل السجن، حيث واجه سلسلة من المشكلات الصحية التي استدعت نقله إلى المستشفى أكثر من مرة بعد تراجع حالته بصورة خطيرة.

وتقول أسر المعتقلين ومنظمات حقوقية إن المحتجزين يواجهون تهماً يصفونها بالملفقة، إلى جانب إجراءات ومحاكمات تفتقر إلى الضمانات القانونية والشفافية، مع استمرار حرمان عدد منهم من التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم.

ضغوط دولية متجددة

بالتزامن مع الذكرى السنوية الثانية لحملة الاعتقالات، صعّد «مجلس الأمن الدولي» من ضغوطه على الجماعة الحوثية، مجدداً مطالبته بالإفراج الفوري وغير المشروط عن عشرات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والدبلوماسية المحتجزين لديها.

وأكد أعضاء «مجلس الأمن» في بيان لهم إدانتهم الشديدة عمليات الاحتجاز التي نفذتها الجماعة الحوثية بحق العاملين في المجالين الإنساني والدبلوماسي، معربين عن قلقهم البالغ إزاء سلامة المحتجزين الذين لا يزال بعضهم رهن الاعتقال منذ أعوام متعاقبة.

وجدد «المجلس» مطالبته بالإفراج الفوري والآمن وغير المشروط عن جميع المحتجزين، بمن فيهم عشرات الموظفين التابعين للأمم المتحدة، مشدداً على أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يمثل انتهاكاً غير مقبول ويؤدي إلى تعقيد الاستجابة الإنسانية في اليمن، الذي يواجه إحدى كبرى الأزمات الإنسانية في العالم.

عنصر حوثي أمام مبنى أممي في صنعاء اقتحمته الجماعة (رويترز)

وربط «مجلس الأمن» بين استمرار الانتهاكات بحق العاملين الإنسانيين وتدهور الأوضاع المعيشية في اليمن، مؤكداً أن التهديدات التي تطول موظفي الإغاثة والمنظمات الدولية تقوض قدرة المؤسسات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين وتقديم الخدمات الأساسية لهم.

وشدد أعضاء «المجلس» على ضرورة التزام جميع أطراف النزاع تسهيلَ وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومن دون عوائق، وضمان حرية حركة العاملين في المجال الإنساني وتأمين مقارهم وممتلكاتهم وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني.

كما حذر «المجلس» بأن الوضع الإنساني مرشح لمزيد من التدهور في ظل استمرار الصراع وتعثر التسوية السياسية، مذكراً بأن أكثر من 22 مليون يمني ما زالوا بحاجة إلى أشكال مختلفة من المساعدات الإنسانية والحماية.

وفي الوقت ذاته، جدد «المجلس» دعمه جهود الأمم المتحدة الرامية إلى تأمين الإفراج عن المحتجزين عبر مختلف القنوات المتاحة، كما أكد مساندته مساعي المبعوث الأممي للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي سنوات الحرب وتفتح الباب أمام معالجة القضايا الإنسانية العالقة.

دعوات حقوقية

في موازاة ذلك، أطلقت منظمات حقوقية ومدنية دعوات جديدة إلى الإفراج عن جميع المحتجزين العاملين في المنظمات الإنسانية والمحلية والدولية، عادّةً أن استمرار احتجازهم يشكل انتهاكاً للقوانين الوطنية والمواثيق الدولية.

وأكدت مؤسسة «سلام لمجتمعات مستدامة» أن حملة الاعتقالات التي استهدفت موظفين في المنظمات الإنسانية والأمم المتحدة والبعثات الأجنبية ألقت بظلال ثقيلة على العمل الإنساني في اليمن، مشيرة إلى أن المحتجزين ما زالوا يواجهون قيوداً واسعة على حقوقهم الأساسية.

المحتجزون لدى الحوثيين يواجهون اتهامات ومحاكمات ظالمة (إعلام محلي)

كما عبرت المؤسسة عن قلقها من استمرار احتجاز نساء عاملات في المجالين الإنساني والمدني، عادّةً أن ذلك يمثل انتهاكاً مضاعفاً للقوانين والأعراف الاجتماعية اليمنية.

ودعت إلى الكشف عن مصير المُخفَين قسراً، ووقف الإجراءات والمحاكمات التي لا تتوافر فيها شروط العدالة، وتمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، ووقف حملات التشهير التي تستهدفهم وعائلاتهم.


اليمن يُشدد على تعزيز استقرار الاقتصاد ومواصلة الإصلاحات

العليمي يترأس اجتماعاً حكومياً مصغراً لمتابعة تقدم الإصلاحات (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً حكومياً مصغراً لمتابعة تقدم الإصلاحات (سبأ)
TT

اليمن يُشدد على تعزيز استقرار الاقتصاد ومواصلة الإصلاحات

العليمي يترأس اجتماعاً حكومياً مصغراً لمتابعة تقدم الإصلاحات (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً حكومياً مصغراً لمتابعة تقدم الإصلاحات (سبأ)

كرّس اجتماع حكومي مصغر، ترأسه رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» رشاد العليمي، بحضور عدد من أعضاء المجلس والقيادات الحكومية والاقتصادية، لمراجعة مستوى تنفيذ القرارات والإصلاحات الحكومية، في وقت تسعى فيه السلطات اليمنية إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة، وسط تحديات مالية واقتصادية مستمرة.

وحسب الإعلام الرسمي، ناقش الاجتماع، الذي حضره عضوا «مجلس القيادة الرئاسي» سلطان العرادة، وسالم الخنبشي، ورئيس الوزراء ووزراء ومسؤولون اقتصاديون، مدى تنفيذ قرارات «مجلس القيادة الرئاسي»، وفي مقدمتها القرار رقم «11» لسنة 2025، إضافة إلى الالتزامات الحكومية المرتبطة بملفي صرف الرواتب واستدامة خدمة الكهرباء.

واستمع المجتمعون إلى إحاطات من رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي وعدد من الوزراء المعنيين حول الأداء المالي والاقتصادي، والتقدم المُحرز في برنامج الإصلاحات الحكومية، إلى جانب جهود تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل الإعلامي، وما وصف بأنه تنامٍ في ثقة الشركاء الدوليين بمؤسسات الدولة اليمنية.

وفي هذا السياق، توقف الاجتماع عند إعلان مجموعة البنك الدولي اعتماد إطار الشراكة القطرية الجديد لليمن للفترة 2026 - 2030، والموافقة على حزمة تمويلات جديدة بقيمة 285 مليون دولار، بوصفها مؤشراً على تحسن الثقة الدولية بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة، ودعماً لجهودها الرامية إلى تحسين الخدمات العامة وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

وجدد الاجتماع الحكومي اليمني المصغر، برئاسة العليمي، الإشادة بالدعم السعودي المقدم، لا سيما المنحة الجديدة الخاصة بالمشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء، والبالغة قيمتها 150 مليون دولار، والتي عدّها المجتمعون عاملاً مهماً في تعزيز استقرار الخدمة الكهربائية خلال الفترة المقبلة.

وأكد رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني أن هذه المنحة جاءت في توقيت بالغ الأهمية، في ظل تصاعد الطلب على الطاقة خلال أشهر الصيف، مشدداً على ضرورة الاستفادة المُثلى منها عبر خطة تشغيلية واضحة، تضمن رفع كفاءة الإنتاج والتحصيل وتحسين جاهزية المحطات الكهربائية.

كما رأى أن استمرار الدعم السعودي يعكس متانة الشراكة بين البلدين، ويُسهم في تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، ودعم جهود التعافي الاقتصادي التي تقودها الحكومة.

وخلال الاجتماع، شدد العليمي على أن نجاح أي برنامج إصلاحي سيظل مرتبطاً بمدى انعكاسه المباشر على حياة المواطنين، وفي مقدمة ذلك انتظام صرف رواتب الموظفين، وتحسين أوضاعهم المعيشية، واستدامة الخدمات الأساسية.

وأكد أهمية إجراء تقييمات دورية لقياس أثر الإصلاحات الاقتصادية المتخذة، وما تحقق على صعيد تعزيز الإيرادات العامة، والحد من الهدر، ومكافحة التهريب والفساد، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، بما يُعزز ثقة المواطنين والشركاء الدوليين في مسار الإصلاح.

كما دعا إلى مواصلة العمل بروح الفريق الواحد، وتسريع تنفيذ الإجراءات الحكومية، مع التركيز على تعزيز الحوكمة والشفافية، وإطلاع الرأي العام بصورة منتظمة على النتائج المتحققة.

الكهرباء والإيرادات

وأقر الاجتماع -وفق ما ذكرته المصادر الرسمية- عدداً من الإجراءات الهادفة إلى الحد من أزمة الكهرباء، شملت تأمين إمدادات الوقود إلى العاصمة المؤقتة عدن، ودعم خطط زيادة القدرة التوليدية وفق الجداول الزمنية المحددة.

مسؤولون يمنيون حضروا اجتماعاً مصغراً للحكومة عبر الاتصال المرئي (سبأ)

كما ناقش المجتمعون مراجعة أداء المؤسسات الإيرادية بهدف رفع كفاءتها وتعزيز موارد الدولة، إلى جانب توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، واعتماد برنامج إعلامي حكومي يهدف إلى تعزيز الشفافية ودعم جهود مكافحة الفساد.

ويرى مراقبون أن التركيز الحكومي المتزايد على ملفات الإصلاح الاقتصادي والخدمات الأساسية يأتي في ظل ضغوط معيشية متفاقمة وتحديات مالية كبيرة، ما يجعل نجاح الإجراءات المعلنة مرهوناً بقدرة المؤسسات الحكومية على تحويل التعهدات والخطط إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطنون في حياتهم اليومية.