الثمار الروسية في سوريا... كسب الحرب لا يعني الانتصار

بوتين ووزير دفاعه لدى زيارتهما قاعدة حميميم الشهر الماضي (إ.ب.أ)
بوتين ووزير دفاعه لدى زيارتهما قاعدة حميميم الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

الثمار الروسية في سوريا... كسب الحرب لا يعني الانتصار

بوتين ووزير دفاعه لدى زيارتهما قاعدة حميميم الشهر الماضي (إ.ب.أ)
بوتين ووزير دفاعه لدى زيارتهما قاعدة حميميم الشهر الماضي (إ.ب.أ)

مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2017، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جولة كبرى في الشرق الأوسط وزار ثلاث دول، هي تركيا وسوريا ومصر. اللافت أن جولة بوتين في الشرق الأوسط تزامنت مع إعلانه عزمه الترشح في الانتخابات الرئاسية عام 2018. في ظل هذه الظروف، كان من المهم بالنسبة للرئيس الروسي استغلال فعاليات الجولة لتذكير المواطن الروسي بـ«نجاحات» الدبلوماسية الروسية بقيادة بوتين. وبالفعل، نجح الرئيس الروسي في تحويل جولته إلى حدث لافت للأنظار. وخلال زيارته لسوريا، أعلن بوتين الانتصار أمام الإسلاميين الراديكاليين، وبدء الانسحاب العسكري الروسي من البلاد. وبناءً على هذا الإعلان، نرى من الضروري طرح تقييم للنتائج الحقيقية للوجود الروسي في سوريا عام 2017.
يمكن النظر إلى تشكيل شراكة ثلاثية بين موسكو وطهران وأنقرة وبناء منصة آستانة للتفاوض باعتبارهما الإنجازين الرئيسين للدبلوماسية الروسية في سوريا. وجاء الحوار بين الدول الثلاث انطلاقاً من عدد من الحاجات العملية والاعتبارات البراغماتية لدى كل من الدول الثلاث. وبحلول نهاية 2017، بدا واضحاً أن التعاون الثلاثي بين روسيا وإيران وتركيا يخدم مصالح الأطراف الثلاثة بالفعل.
من جهتها، نجحت أنقرة في استغلال هذه الصيغة التعاونية في التعبير عن قلقها بخصوص دور الأكراد المتنامي في الصراع السوري. كما نجحت تركيا بالفعل في الحد من تدفق اللاجئين السوريين على أراضيها وبناء «مناطق نفوذ سنية» داخل سوريا، بالتعاون مع موسكو وطهران. على الجانب الآخر، تمكنت إيران من ضمان نفوذها فيما يتعلق بالعمليات السياسية داخل سوريا، بجانب استعانتها بمساعدة روسية لبناء ما وصف بأنه جسر بري من طهران إلى بيروت.
أما روسيا، فكان من المهم للغاية بالنسبة لها استغلال هذا التحالف الثلاثي في بناء اتصالات مع المعارضة المسلحة لبشار الأسد، الأمر الذي حققته بالفعل بمساعدة تركيا، وإلزام كل من إيران وتركيا بالتزامات مختلفة تضمن إبداءهما قدراً أكبر من المرونة خلال مناقشة مبادرات روسية لتسوية الصراع في سوريا.
في الوقت ذاته، تدرك موسكو تماماً أن مثل هذا التحالف وليد ظروف معينة، وليس دائماً. عليه، فإنه ينبغي استخدام لفظ «تحالف» هنا بحرص شديد. في الواقع، تتبع روسيا وإيران وتركيا آراء مختلفة تجاه سوريا ما بعد الحرب، ولكل جانب أهدافه الخاصة داخل البلاد. ومع هذا، فإنها وجدت نفسها مضطرة للتعاون مع بعضها البعض سعياً وراء تحويل إنجازاتها العسكرية في سوريا إلى مكاسب سياسية، ومحاولة إطلاق عملية سياسية داخل سوريا بناءً على الشروط الموائمة للدول الثلاث. من دون ذلك، لن تتمكن أي منها من الاضطلاع بهذا الأمر بمفردها، وستفوق التكاليف المتفاقمة للوجود العسكري في سوريا أي مكاسب حالية.

محادثات آستانة ومستقبلها
ومع هذا، جاء نجاح عملية آستانة جزئياً فقط. كان المشاركون في اجتماعات آستانة خلال 2017 أخفقوا في تحقيق أي تقدم ملموس في إطلاق حوار سياسي مستدام بين الأطراف المتناحرة. بيد أنه في المقابل، نجحت المفاوضات في إقرار مناطق خفض التصعيد والحد من مستوى إراقة الدماء على الأرض. وعليه، أصبحت الصيغة التي أقرت في آستانة منصة مهمة لتسوية قضايا عسكرية وأخرى تتعلق بوقف إطلاق النار، في الوقت الذي تبقى مسألة التسوية السياسية حكراً على عملية جنيف. وبذلك يتضح أن منصتي آستانة وجنيف تحولتا إلى مسارين تفاوضيين يكملان بعضهما البعض، وليسا متعارضين.
ومع ذلك، فإنه في أعقاب إطلاق عملية آستانة، سرعان ما أدركت موسكو عيوبها: ذلك أن الانضمام إلى تركيا وإيران لم يكن كافياً لتسوية الأزمة السورية، ناهيك عن نشر إجراء وقف إطلاق النار في كامل أرجاء البلاد. ولذلك، نشطت موسكو خلال 2017 في بناء اتصالات مع أطراف إقليمية أخرى، ودعمت مفاوضات في القاهرة وعمان لإقرار وقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية وراستان وجنوب سوريا.
إلا أن هذه الخطوة الروسية خلفت تداعيات مثيرة للجدل. من ناحية، ساعدت المفاوضات في القاهرة وعمان في تحقيق استقرار في الموقف على مستوى البلاد. وجاء فحوى ما تمخضت عنه المفاوضات متناغماً مع إطار عمل اتفاقات مايو (أيار) 2017، وإن كانت هذه المفاوضات منفصلة بوضوح عن عملية آستانة. من ناحية أخرى، أثارت الاتصالات الروسية ـ الأميركية أثناء محادثات عمان قلقاً بالغاً داخل إيران إزاء إمكانية أن تحل المفاوضات الجارية في الأردن محل عملية آستانة التي تتمتع إيران بنفوذ فيها. لكن هذه المخاوف تراجعت تدريجياً عندما شرعت روسيا في استغلال منصة آستانة في التأكيد وإضفاء الشرعية على قرارات جرى اتخاذها في عمان والقاهرة، مشددة على أن مفاوضات الأردن ومصر من المفترض أن تجذب عناصر إضافية نحو عملية التسوية السياسية في سوريا من أجل إطالة أمد عملية آستانة، وليس الحل محلها.
وعليه، أدت تحركات موسكو خلال النصف الثاني من عام 2017 إلى تحويل المفاوضات حول سوريا إلى منظومة متعددة المستويات. وما تزال عملية جنيف على رأس المنظومة باعتبارها منصة التفاوض التي تضفي الشرعية على جميع القرارات المحورية المرتبطة بسوريا، بينما يتمثل المستوى الثاني في عملية آستانة، التي ينبغي النظر إليها باعتبارها منصة تفاوض وسيطة تعين على تعزيز فاعلية محادثات جنيف من خلال استثناء القضايا العسكرية منها. بجانب ذلك، تساعد آستانة في فرض وإضفاء الشرعية على القرارات التي تتمخض عنها محادثات القاهرة وعمان، والتي تشكل بدورها المستوى الثالث من المفاوضات.

الرحيل عن سوريا؟
أثناء زيارته القاعدة العسكرية في حميميم في إطار جولته في الشرق الأوسط في ديسمبر (كانون الأول) 2017، أعلن بوتين انتصار روسيا في مواجهة تنظيم داعش، وبدء انسحاب تدريجي للقوات الروسية من سوريا. وليست هذه المرة الأولى التي يعلن الكرملين عزمه سحب قواته من سوريا، إذ في مارس (آذار) 2016 أعلنت روسيا بالفعل عزمها إنهاء عملياتها العسكرية في سوريا بدعوى أنها أنجزت. لكن بدلاً عن إعادة القوات الروسية إلى أرض الوطن، تورطت روسيا على نحو أعمق في الصراع الدائر في سوريا. ومع هذا، تبدو روسيا عاقدة العزم هذه المرة على الوفاء بوعدها مع تبدل الموقف داخل سوريا على نحو واضح.
في الواقع، تنظر روسيا إلى تحرير الموصل والرقة (المعقلين السياسي والآيديولوجي لتنظيم داعش) من جانب تحالف محاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، علاوة على النجاحات التي حققها جيش الأسد في دير الزور وفي شرق سوريا باعتبارها نصراً حاسماً أمام «داعش». والاحتمال الأكبر على صعيد المستقبل المنظور أن تبدأ روسيا وإيران وتركيا عملية مشتركة ضد جماعة «تحرير الشام» داخل ما يطلق عليه إدلب الكبرى، ثم تقسيمها إلى مناطق نفوذ. ورغم أن هذا لا يعني نهاية الصراع المسلح في سوريا، فإنه بالتأكيد سيصبح أقل حدة.
جدير بالذكر أنه نتيجة الجهود الروسية والإيرانية، لحق ضعف كبير بقوات المعارضة غير الراديكالية أمام الأسد. واليوم، أصبحت هذه القوات على درجة أقل من الاستعداد للاستمرار في القتال عن ذي قبل. أيضاً، طرأ تحول على المزاج العام للمجتمع السوري في الفترة الأخيرة، ذلك أنه بعد مرور ما يقرب من سبعة أعوام على الصراع الدموي المدمر، اكتسبت قضايا السلام والاستقرار أهمية أكبر بكثير عن مشكلات السلطة والنظام السياسي المستقبلي. وبالتالي، فإن المرحلة الحالية من الصراع لن تتطلب الكثير من الوجود الروسي على الأرض.

البقاء داخل سوريا
مع هذا، ينبغي التنبيه هنا إلى أن روسيا تنسحب من الصراع المسلح فحسب، وليس الأزمة السورية ككل، بل على النقيض تنوي موسكو الاستمرار داخل سوريا لفترة طويلة. والملاحظ أنه خلال نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول)، تكثفت الجهود الدبلوماسية الروسية. ولم تنشط روسيا في مناقشة إمكانية تسوية الصراع مع الولايات المتحدة وعدد من دول الشرق الأوسط فحسب، وإنما بعثت كذلك بإشارات إلى الأسد بخصوص استعدادها لمساعدة دمشق في عملية إعادة الإعمار بعد الحرب.
وعليه، زار دميتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، دمشق، لمناقشة مشاركة شركات روسية في إعادة إعمار سوريا مع الأسد. وكشفت هذه الخطوة بدورها أن روسيا تعي جيداً أهمية اللحظة الراهنة لمستقبل وجودها بالبلاد.
ومع أن نظام الأسد المدعوم من روسيا بمقدوره اليوم اعتبار نفسه المنتصر في الحرب الأهلية، فإن هذا لا يضمن وجوداً مستقراً وآمناً لموسكو داخل سوريا ما بعد الحرب. المعروف أنه خلال الفترة النشطة للصراع المسلح، كانت المساعدات العسكرية للنظام السوري هي التي منحت موسكو نفوذاً داخل دمشق. لكن مع الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب، تتراجع أهمية العامل العسكري باستمرار، ما يفسح الطريق أمام الجوانب المالية والاقتصادية للتعاون. ولا تزال هناك شكوك فيما إذا كان الاقتصاد الروسي المتداعي سيتمكن من إمداد موسكو بالموارد اللازمة لإطلاق عملية إعادة الإعمار. واللافت أن روسيا لم تبد في عجلة من أمرها بخصوص الإعلان عن استعدادها للمشاركة في عملية إعادة إعمار سوريا بعد الحرب. وجاءت زيارة روغوزين لدمشق فقط بعد محادثة هاتفية جرت بين الأسد ونظيره الإيراني حسن روحاني في 25 نوفمبر. وخلال لقائهما، شدد روحاني على أن إيران «على استعداد للمشاركة بنشاط في إعادة إعمار سوريا». وجعلت هذه التصريحات من زيارة روغوزين أمراً حتمياً، ذلك أنه كان من الضروري لموسكو أن تظهر أنها لن تتقهقر إلى موقع خلف طهران داخل سوريا ما بعد الحرب.
وبسبب محدودية مواردها، تحاول موسكو الحفاظ على أهميتها بالنسبة لدمشق عبر المسار الدبلوماسي من خلال الاضطلاع بدور نشط في صياغة العملية السياسية لتسوية الصراع. في الوقت الحالي، تركز موسكو جهودها الدبلوماسية على العمل مع الدول التي تملك نفوذاً على الأرض داخل سوريا.
وعليه جاءت الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2017؛ أكدت روسيا أهمية تشكيل جبهة معارضة موحدة لتمثيل القوى المناهضة للأسد خلال اجتماع جنيف التالي. وعليه، عقد لقاء لهذه الجبهة بالفعل داخل الرياض نهاية نوفمبر. وفي الوقت ذاته، كثف الكرملين مشاوراته مع طهران وأنقرة لمناقشة الوضع حول عفرين وإدلب ومستقبل مناطق خفض التصعيد. أيضاً، تولي موسكو اهتماماً منفصلاً لتهدئة المخاوف الإيرانية والتركية إزاء ولاء روسيا تجاه شريكيها. كان لقاء بوتين وترمب، والاجتماعات الروسية المتكررة مع مسؤولين إسرائيليين والصمت الروسي تجاه استفتاء الاستقلال داخل كردستان العراق قد أثاروا مخاوف من أن روسيا تتحرك نحو التخلي عن إيران داخل سوريا.
لذلك، أصدر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في نوفمبر 2017، بياناً حول شرعية الوجود العسكري الإيراني داخل سوريا، يحمل في طياته إشارات إلى تل أبيب مفادها أن الكرملين يولي اهتماماً لتعاونه مع إيران لا يقل عن اهتمامه بالتعاون مع إسرائيل. أيضاً، جمد الكرملين الاستعدادات الجارية لعقد مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي شكل محاولة لتعزيز أهمية المعارضة شبه الرسمية ودمج الأكراد فيها، سعياً نهاية الأمر لتعزيز مواقف جماعات المعارضة الموالية لموسكو في جنيف. إلا أن الاجتماع أرجئ من أجل التخفيف من حدة المخاوف التركية إزاء مشاركة الأحزاب الكردية كقوى مستقلة.

التحديات القادمة
رغم ما سبق، ما تزال روسيا بعيدة تماماً عن إبقاء العملية السياسية في سوريا تحت سيطرتها الكاملة. ومع أنها قد تبدو جيدة على الورق، فإن بعض المبادرات الروسية لا يجري دوماً تنفيذها بنجاح على أرض الواقع. على سبيل المثال، كان من المفترض أن يساعد الاجتماع الثلاثي لرؤساء روسيا وإيران وسوريا في 22 نوفمبر 2017، الدول الثلاث، في الحد من التوترات القائمة بينها، والعمل على صياغة موقف مشترك إزاء مستقبل العملية السياسية في سوريا. ومع هذا، لم تتحقق هذه الأهداف على نحو كامل.
وبينت المشكلات التي تواجه روسيا أنه رغم الدور المحوري لها في عملية التفاوض بخصوص سوريا، فإنه من الواضح أن مواردها وقدراتها ليست على المستوى المطلوب. في المقابل، لا تبدو أي من إيران أو تركيا على استعداد للاضطلاع بدور ثانوي في عملية التفاوض، الأمر الذي اتضح خلال المحادثات رفيعة المستوى الأخيرة. وربما تتمثل النتيجة الأهم لهذه المحادثات في إرجاء عقد مؤتمر الشعب السوري في سوتشي، الذي كان مقرراً له بادئ الأمر مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2017، لأجل غير مسمى. وفي تلك الأثناء، يبدو أن كل ما يربط الدول الثلاث مصالح ظرفية وتشابهات تكتيكية، وليس أهدافاً استراتيجية مشتركة. ويكشف هذا بدوره أن أي طرف سيسعى لصياغة العملية السياسية لتسوية الصراع السوري سيواجه تحديات خطيرة لن يكون من السهل التغلب عليها.
إضافة لذلك، ثمة مشكلة أخرى تواجه موسكو وتدفعها نحو العمل بسرعة ـ شعورها باليأس. بمرور الوقت، يبدو واضحاً على نحو متزايد أن الأسد نجح في البقاء في السلطة، ومن غير المحتمل أن تتمكن أي قوة من إجباره على الخروج من الرئاسة، ناهيك عن إقناع النظام «البعثي» بالمشاركة في حوار وطني بالمعنى الحقيقي.
من جانبهما، أعربت مستشارة رئيس النظام السوري بثينة شعبان ونائب وزير الخارجية فيصل المقداد بالفعل عن تشككهما إزاء جدوى عملية التفاوض تحت رعاية الأمم المتحدة. ويتمحور الموقف السوري الرسمي حول فكرة ضرورة عقد أي مفاوضات مع المعارضة فقط بعد «إنجاز نزع تسليح» الأخيرة وضمان «عدم تدخلها في الشؤون الداخلية للبلاد».
تبعاً لهذه الرؤية، فإن الحوار الوطني الشامل الذي ينبغي أن يرسم ملامح مستقبل الدولة السورية سيتحول إلى مفاوضات بين طرف منتصر وآخر مهزوم. أما موضوع التفاوض فيدور حول وضع تعريف لحدود دمج المعارضة في الكيانات الواقعة تحت سيطرة الحزب «البعثي»، شرط أن تلتزم بجميع مطالب دمشق. وتنظر القيادة الروسية لدورها هنا باعتبارها قوة وسيطة قادرة على التأثير على النظام السوري. وحتى التوصل لتسوية لا يعني بالضرورة بالنسبة للمعارضة السورية أن النظام لن يحاول معاقبة خصومه بعد إلقائهم السلاح.
وتكشف نتائج الصراع المسلح السوري أن النظام بمعاونة حلفائه نجح في الفوز في الحرب، لكنه عجز عن تحقيق السلام وتسوية المشكلات التي أدت لاشتعال الأزمة في المقام الأول عام 2011.
* نيكولاي كوزانوف ـ زميل باحث في «تشاتام هاوس» بلندن ومحاضر في الجامعة الأوروبية في سان بطرسبورغ
* ليونيد إيسايف ـ محاضر لدى المدرسة العليا للاقتصاد التابعة للجامعة الوطنية للبحوث، موسكو، روسيا
*خاص بـ«الشرق الأوسط»



لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

وصل التحريض الإسرائيلي المستمر ضد مصر، إلى درجة تحدَّث فيها الإعلام العبري عن «استعداد لخوض حرب»، بينما تتجاهل مصر تلك المواقف، مع تركيزها على الوساطة في ملف قطاع غزة التي تستضيف بشأنها مفاوضات متكرِّرة منذ نحو شهر.

ذلك المسار التحريضي بدأ مع اشتعال حرب غزة قبل نحو عامين، وعدّته القاهرة «تهديداً خطيراً» لمعاهدة السلام مع إسرائيل. وتَجدُّده حالياً هدفه جذب شرائح الناخبين قبل الانتخابات المقرَّرة بعد أشهر في إسرائيل، لكنه بطبيعة الحال له تأثيرات سلبية على مستوى العلاقات، خصوصاً أنَّ مصر لم تقبل بعد أوراق سفير جديد لإسرائيل، وليست هناك حالياً اتصالات رفيعة المستوى بين البلدين، ما يجعل «التدهور غير المسبوق مستمراً»، بحسب خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط».

تحريض يتواصل

ودعت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، الثلاثاء، إلى «ضرورة أن تنظر إسرائيل بجدية نحو حدودها الجنوبية، وتستعد لاحتمال نشوب حرب مباشرة مع مصر، مع وجود تهديد متنامٍ من القاهرة»، زاعمة أن «هناك حالياً حرباً باردة مع مصر، وليس سلاماً بارداً».

ورغم اتفاقية السلام المُوقَّعة عام 1979، فإنَّ القاهرة تعمل، حسب ادعاءات التقرير العبري، «مراراً ضد المصالح الإسرائيلية، لا سيما بمعارضتها الشديدة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (في ديسمبر/ كانون الأول الماضي)، وصولاً إلى التدخل في المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وكان ذروة ذلك تنظيم مناورات عسكرية استفزازية تماماً على الحدود الإسرائيلية الشهر الماضي».

وقبل أيام، لم يستبعد الجنرال المتقاعد إسحاق بريك، في مقال له، دخول إسرائيل في «حرب صعبة» ضد التحالف التركي - المصري، مع تعزيز البلدين قدراتهما العسكرية.

وأواخر أبريل (نيسان) الماضي، زعم عضو الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أنَّ مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقَّعة منذ عقود مع إسرائيل «بشكل ممنهج، بإنشاء بنية تحتية قتالية في سيناء، وتشييد جيش ضخم وحديث، وإجراء تدريبات على الحدود»، داعياً الجيش الإسرائيلي إلى «تغيير نهجه، ونشر قواته بشكل مختلف تماماً على الجبهة الجنوبية الحدودية مع مصر».

ازدياد الاحتكاك

ويلاحظ السفير حسين هريدي، المساعد السابق لوزير الخارجية المصري، ازدياد الاحتكاك الإسرائيلي، سواء على مستوى الإعلام أو التصريحات شبه الرسمية، في ظلِّ الموقف المصري الرافض للعدوان، ولتهجير الفلسطينيين، ولوجود إسرائيل بقطاع غزة، بخلاف العقيدة الإسرائيلية التي تتخوَّف باستمرار من قوة الجيش المصري.

وأشار هريدي إلى أن ما يحدث هو «ابتزاز هدفه وضع القاهرة في موقف دفاعي أمام الإدارة الأميركية»، عادّاً أن «إسرائيل بشكل عام لا تستطيع أن تعيش في حالة سلم، وعادة تلجأ لإيجاد عدو أو خصم لشعبها».

يضاف لذلك أن «التجاذبات الانتخابية التي بدأت مبكراً تتغذى على مثل هذه الأجواء من التحريض والتوتر؛ لتقديم المرشحين أنفسهم كأنهم حماة إسرائيل»، وفق هريدي.

ضغط وابتزاز

ويعدّ الدكتور أحمد فؤاد أنور، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الأكاديمي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أنَّ ما يحدث حالياً من تحريضات إسرائيلية «ليس سوى محاولة ضغط على مصر وابتزاز تحت مزاعم لا أساس لها، ما يعزِّز أجواء السلام البارد، لا، بل الحرب الباردة أيضاً، في ظلِّ غضب شعبي مصري مما تفعله إسرائيل بالمنطقة»، مرجحاً «استمرار تلك المزاعم مع فشل إسرائيلي في غزة ولبنان وإيران، ومحاولة جذب شرائح الناخبين قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ومنذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979 لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثل الحادث حالياً؛ بسبب الحرب في غزة، خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ثم نقضها اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصُّل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 بوساطة القاهرة، ثم احتلالها محور «موراغ»، فضلاً عن احتلال القوات الإسرائيلية معبر رفح من الجانب الفلسطيني قبل القبول باتفاق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتواصل خرقه يومياً.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، وفي خضم أزمة افتعلها نتنياهو بشأن اتفاق الغاز بين القاهرة وتل أبيب، تطرَّق وزير الإعلام المصري ضياء رشوان (الذي كان وقتها رئيس هيئة الاستعلامات المصرية) إلى حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل، ووصفها بأنها كانت «نزهة»، مضيفاً: «الآن الأسلحة تطوَّرت، والمسافات قصرت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة، إذ حشدت تل أبيب 5 فرق لمحاولة السيطرة على قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، فماذا ستفعل في مواجهة جيوش نظامية حقيقية في المنطقة؟».

وخلال أغسطس (آب) 2025، وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، للمرة الأولى، ما تقوم به إسرائيل في غزة من حرب تجويع بأنه «إبادة ممنهجة»، وفي يناير 2024، عدّت هيئة الاستعلامات المصرية أن تحركاً إسرائيلياً باتجاه احتلال محور صلاح الدين (محور فيلادلفيا) في قطاع غزة سيؤدي إلى تهديد خطير وجدي للعلاقات المصرية - الإسرائيلية.

رسالة مصرية

وبشأن رد فعل مصر على تصاعد تلك التحريضات، يرى السفير هريدي، أن «مصر دولة قوية، ومدركة أبعاد ما يحدث، وتتخذ قرارها في الوقت المناسب، ولم تتحدَّث من قبل حول المساس بمعاهدة السلام رسمياً»، مشيراً إلى أن «العلاقات ليست في أحسن أحوالها مع إسرائيل ولا يُتوقَّع تحسن في ظلِّ هذا التحريض الحالي».

أما بالنسبة إلى الرد المصري، فيرى أنور أنه ليس على مستوى التصريحات «بل بعدم قبول أوراق السفير الإسرائيلي بعد، وعدم حدوث اتصال بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونتنياهو، وهذه رسائل مصرية واضحة المعالم بأنَّ هناك تدهوراً غير مسبوق في العلاقات، وإن كان لم يصل لتهديد اتفاقية السلام، مع أن كل السيناريوهات واردة ومفتوحة».


مهاجرو القرن الأفريقي... ضحايا الحوثيين وشبكات التهريب

أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
TT

مهاجرو القرن الأفريقي... ضحايا الحوثيين وشبكات التهريب

أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)

في طرق وعرة تمتد بين السواحل والحدود اليمنية، يمضي آلاف المهاجرين من القرن الأفريقي رحلة محفوفة بالمخاطر، بحثاً عن فرصة نجاة لا يجدها كثير منهم، لكن هذه الرحلة، التي تبدأ بالأمل، تنتهي غالباً في مناطق مغلقة تتحول فيها معاناتهم إلى سلعة بيد شبكات التهريب، وسط اتهامات للحوثيين باستغلال المهاجرين، وتوظيف وجودهم في أنشطة غير مشروعة.

وقال ناشطون حقوقيون لـ«الشرق الأوسط» إن تجمعات المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في منطقة الرقو بمحافظة صعدة اليمنية الحدودية (شمال) باتت تمثل نموذجاً صارخاً لاستغلال معاناة هؤلاء، واستخدامها لتحقيق مكاسب مالية، وإدارة أنشطة غير مشروعة.

وأشار الناشطون إلى أن قوافل بشرية من المهاجرين، الذين تقطعت بهم السبل، يقعون ضحايا لعصابات تهريب مرتبطة -بحسب تلك الإفادات- بأجهزة أمنية حوثية، تعدهم بإيصالهم إلى دول الخليج للعمل هناك.

ووفق هذه الإفادات، فإن آلاف المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل اليمنية أسبوعياً يقطعون مسافات طويلة سيراً على الأقدام عبر طرق وعرة للوصول إلى هذه المنطقة، حيث يتم استقبالهم من قبل عناصر تابعين للحوثيين، قبل أن يُسلَّموا إلى عصابات من جنسيات أفريقية تتولى إدارة الموقع، وتنظيم حركة من فيه، في إطار شبكة معقدة تستفيد من استمرار تدفق المهاجرين، وتحوّل أوضاعهم المأساوية إلى مورد مالي دائم.

المئات من الأفارقة في طريقهم إلى المناطق الحدودية اليمنية (إعلام محلي)

ونقلت المصادر عن بعض العائدين من المنطقة تفاصيل عن الأوضاع هناك، حيث تدير هذه الجماعات الموقع، وتفرض قواعد صارمة للإقامة، والتنقل، وتشرف -وفق تلك الروايات- على عمليات تهريب البشر، والمخدرات، والسلاح، مستغلة هشاشة أوضاع المهاجرين، وغياب أي مظلة حماية قانونية أو إنسانية لهم.

كما تُلزم هذه العصابات أسر الضحايا بدفع مبالغ مالية مقابل وعود بنقل أقاربهم إلى دول الخليج بحثاً عن العمل، في عمليات ابتزاز منظمة تستنزف العائلات الفقيرة في بلدانهم الأصلية.

ومع تأكيد السلطات اليمنية وصول أكثر من 40 ألف مهاجر غير شرعي إلى البلاد منذ بداية العام الجاري، توقع ناشطون أن يتجه جزء كبير منهم نحو هذه المنطقة الحدودية، حيث يواصل المهربون استدراجهم بوعود العبور إلى دول الخليج. كما أشاروا إلى أن السلطات العُمانية ضبطت مؤخراً عشرات المهاجرين الأفارقة الذين تسللوا من اليمن إلى أراضيها، في مؤشر على استمرار نشاط هذه الشبكات، واتساع مسارات التهريب عبر الحدود.

تجمع في شبوة

على صعيد متصل، أفادت مصادر يمنية محلية بتحول منطقة نائية في شمال محافظة شبوة (وسط اليمن) إلى مخيم مفتوح للمهاجرين غير الشرعيين، والذين يعيشون في مساكن بدائية من القماش، أو الصفيح، وفي ظل غياب شبه كامل للجهات الحكومية، والمنظمات الدولية.

وذكرت المصادر أن بعض المهاجرين يواصلون المغامرة باتجاه الشريط الحدودي، فيما يسعى آخرون إلى كسب لقمة العيش داخل اليمن، عبر العمل في النقل، أو الزراعة، لكنهم يتعرضون -وفق منظمات حقوقية- لأشكال مختلفة من الاستغلال، وسوء المعاملة.

وحتى وقت قريب كانت منطقة رفض التابعة لمديرية الصعيد في محافظة شبوة معزولة، وتفتقر إلى مقومات الحياة، لكنها تحولت اليوم إلى مركز لتجمع المهاجرين، حيث أقيمت فيها ثلاثة مخيمات متتالية خلال فترة وجيزة، لتصبح أكبر نقطة تجمع للمهاجرين غير الشرعيين في مناطق الحكومة الشرعية.

مهاجرون أفارقة فشلت رحلتهم في الوصول إلى السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

وتشير البيانات إلى أن مساحة المنطقة لا تتجاوز 18 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها الأصليين نحو 10 آلاف نسمة، ويتوزعون في قرى متناثرة ضمن تضاريس جبلية وعرة، مع غياب شبه تام للخدمات الأساسية.

وخلال الأشهر الماضية تحولت إلى نقطة تجميع للمهاجرين الذين يُنقلون من داخل المحافظة، ومحافظات مجاورة، في محاولة لاحتواء انتشار المخيمات العشوائية في المدن والمناطق الساحلية.

عبء إنساني

وأوضحت مصادر محلية أن غياب مخيمات رسمية، وتزايد تدفق المهاجرين الأفارقة أسبوعياً إلى السواحل اليمنية دفعا السلطات إلى نقل أعداد كبيرة منهم إلى هذه المنطقة النائية، بعيداً عن التجمعات السكانية.

وكانت السلطة المحلية قد نفذت حملة لإزالة مخيمات المهاجرين العشوائية في مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، ونقلتهم إلى منطقة رفض، حيث أُقيم أول مخيم، قبل أن تتكرر الإجراءات ذاتها في محافظتي أبين، وشبوة، مع إنشاء مخيمين إضافيين استقبلا مهاجرين جرى نقلهم من لودر وأحور عقب حملات أمنية استهدفت مراكز تهريب واحتجاز للمهاجرين.

منطقة رفض في شبوة تحولت إلى موقع لمخيمات المهاجرين الأفارقة (إعلام محلي)

وسبق للسلطات اليمنية أن جددت التزامها بالتعامل الإنساني مع المهاجرين، لكنها أكدت عجزها عن توفير مخيمات ورعاية كافية بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد جراء الحرب، ودعت المنظمات الأممية والدولية إلى دعم جهودها من خلال إنشاء مخيمات تستوفي المعايير الإنسانية، وتوفير الغذاء، والرعاية اللازمة.

ويرى ناشطون أن تحول مناطق معزولة تفتقر إلى الخدمات إلى مراكز لاستقبال هذا العدد الكبير من المهاجرين يعكس حجم التحديات التي تواجهها الحكومة اليمنية التي تخوض حرباً مستمرة، وتواجه أزمة إنسانية ومالية غير مسبوقة، وبالتوازي مع محاولاتها تفكيك شبكات التهريب.

وأكد الناشطون أن تراجع التمويل الدولي، في بلد يعاني أكثر من 21 مليوناً من سكانه من انعدام الأمن الغذائي، سيؤدي إلى تفاقم الأزمة، ويقوض القدرة على التعامل مع موجات الهجرة غير الشرعية القادمة من القرن الأفريقي، والتي تُقدَّر بنحو 100 ألف مهاجر سنوياً.


الحوثيون يعيدون تشكيل القضاء ويضيّقون على النساء

قضاة حوثيون خلال جلسة لمحاكمة أشخاص تتهمهم الجماعة بالتخابر مع أميركا (إعلام حوثي)
قضاة حوثيون خلال جلسة لمحاكمة أشخاص تتهمهم الجماعة بالتخابر مع أميركا (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يعيدون تشكيل القضاء ويضيّقون على النساء

قضاة حوثيون خلال جلسة لمحاكمة أشخاص تتهمهم الجماعة بالتخابر مع أميركا (إعلام حوثي)
قضاة حوثيون خلال جلسة لمحاكمة أشخاص تتهمهم الجماعة بالتخابر مع أميركا (إعلام حوثي)

بدأت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، تنفيذ حملة إقصاء واسعة طالت عشرات المنتمين للسلك القضائي من غير الموالين لها، وحتى من الموالين في إطار صراع الأجنحة، بالتوازي مع تضييق متزايد على النساء في الوظيفة العامة، في صورة تكشف عن توجه منهجي لاستكمال إعادة هندسة مؤسسات الدولة والمجتمع بما يخدم أهداف الجماعة.

وكشفت مصادر مطلعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء عن أن حملة إقصاء واسعة طالت أكثر من خمسين قاضياً من المحاكم والنيابات، تمثل بعضها في إجبار قضاة وأعضاء نيابات على التوقف عن العمل دون مسوغات قانونية، وإحلال آخرين من المعممين الموالين لها، وبينهم من لا يملكون أي مؤهلات سوى دورات قصيرة تنفذها الجماعة.

وتشير المصادر إلى أن إجراء تحولات عميقة في بنية القضاء، لا تقف عند حدود التغييرات البشرية، بل تمتد لتشمل القانونية، بتعديلات تمنح السلطة التنفيذية التابعة للجماعة صلاحيات مباشرة للتدخل في شؤون القضاء، في تقويض واضح لمبدأ الفصل بين السلطات.

وعززت الجماعة ذلك بقرارات مركزية، مثل حصر صلاحيات التعيين والنقل في قطاع التوثيق بيد وزارة العدل في حكومة الجماعة غير المعترف بها، لحصر السلطة القضائية في الدائرة السياسية الضيقة.

قادة حوثيون في مبنى المجلس الأعلى للقضاء الخاضع لهم في صنعاء (إعلام حوثي)

ووفقاً للمصادر، فمن المتوقع أن تشمل قرارات الإزاحة والإقصاء قضاة ومعممين من المنتمين للجماعة، ضمن صراع الأجنحة داخل الجماعة، وفي إطار التنافس على النفوذ.

ويرى قضاة ومختصون قانونيون، أن مؤسسة القضاء أصبحت بعد كل ما تعرضت له خلال سيطرة الجماعة مجرد جهاز إداري يتم تشكيله بصياغة معايير التعيين والترقية وفق اعتبارات الولاء؛ ما ينسف نزاهة الإجراءات والقرارات، ويصادر حقوق السكان بالانتهاكات الخطرة، ويسلبهم المزيد من حرياتهم ويحرمهم من ممتلكاتهم، وينتج بيئة قانونية هشة بشكل غير مسبوق.

حصار على النساء

ويتقاطع المشروع الحوثي بشكل لافت مع اتجاه موازٍ يستهدف النساء، سواء داخل مؤسسات الدولة أو في المجال العام بشكل أوسع، فبالتوازي مع تقليص فرص النساء في العمل العام، تتصاعد مؤشرات الانتهاكات التي تطالهن، من الاعتقال خارج الأطر القانونية إلى إنشاء مرافق احتجاز خاصة بهن.

مبنى معهد القضاء العالي في صنعاء حيث يحصر الحوثيون الدراسة على أتباعهم (فيسبوك)

وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن الجماعة ماضية في تقليص حضور النساء وأدوارهن في الوظيفة العامة بشكل ممنهج، ويتضمن ذلك تقليص فرص حصولهن على الوظائف العامة من ناحية، واستحداث إدارات خاصة بهن في مختلف القطاعات بمهام محدودة وهامشية.

وطبقاً للمصادر، فإن الجماعة ارتأت المضي بهذه السياسة دون الإفصاح عنها بأي قرارات معلنة، أو إبداء أي مواقف صريحة؛ تجنباً لأي ردود فعل أو إدانات مجتمعية أو دولية من جهات حقوقية أو معنية بالدفاع عن النساء، وأي محاولات رفض أو تمرد داخل مختلف القطاعات التي تسيطر عليها.

وأوضحت المصادر أن الجماعة تنفذ هذه السياسة بشكل حثيث من خلال إصدار قرارات تعيين لموالين لها في المواقع القيادية التي تتولاها النساء في مختلف القطاعات، واللواتي يجري إزاحتهن إلى مواقع أخرى في إدارات مستحدثة من دون صلاحيات أو مهام حقيقية.

كما يجري إنشاء إدارات مخصصة لتقديم الخدمات العامة للنساء وإجراء المعاملات الخاصة بهن في إطار مساعي الجماعة لمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في مختلف القطاعات العامة، ويشمل ذلك تخصيص بوابات ونوافذ خاصة للنساء، مع تشديد الإجراءات الخاصة بتمكينهن من الحصول على الخدمات العامة، وفرض الرقابة عليهن.

الحوثيون يستحدثون سجوناً للنساء ويجندون مزيداً من المواليات لهم في الشرطة النسائية (رويترز)

وذكرت المصادر أن الجماعة أصدرت تعليمات للعاملات في تلك الإدارات بإلزام النساء المترددات عليها بالإفصاح عن أسباب عدم قيام محارمهن (الأقارب من الذكور) بمتابعة الإجراءات الخاصة بهن، أو مرافقتهم لهن خلال زياراتهن للمؤسسات العامة، على الأقل.

ومنذ سنوات ألزمت الجماعة الحوثية النساء باصطحاب محارمهن خلال السفر والتنقل، حتى في المشاوير القريبة من منازلهن داخل المدن والأرياف، وفرضت عقوبات مشددة جراء مخالفة تلك التعليمات.

وحظرت الجماعة التحاق النساء بالمعهد العالي للقضاء، وحصرت فرص الدراسة فيه على الرجال فقط، في مخالفة صريحة للدستور اليمني والقوانين النافذة التي تكفل مبدأ المساواة وعدم التمييز. وإلى جانب ذلك، تُتهم الجماعة بالسيطرة التامة على المعهد، وحصر الالتحاق به على الموالين لها.

سجون وملاحقات

وفي سياق مرتبط، تحدثت مصادر مطلعة عن تجهيز عشرة سجون مخصصة للنساء في صنعاء، تُدار من قِبل عناصر الشرطة النسائية التابعة للجماعة الحوثية (الزينبيات)، مع تدريبهن على أساليب تحقيق تتضمن الضغط والإكراه، في إطار حملة أمنية تستهدف نساءً تجري ملاحقتهن بتهم التجسس.

وطبقاً للمصادر، فإن الجماعة بدأت بتوسيع نطاق الرقابة على السكان، ولم تعد تهمة التجسس تخص الرجال وحدهم، وسط مخاوفها وشكوكها بأن يجري تجنيد نساء من قِبل السفارات الغربية والمنظمات الدولية، وفي أوساط اجتماعية مختلفة.

النساء في مناطق سيطرة الحوثيين يواجهن التضييق والملاحقة والحرمان من العمل (رويترز)

وتفيد المعلومات بأن السجون التي سيتم استحداثها لهذه الأغراض، ستكون منازل خاصة بقيادات في الحكومة اليمنية ومعارضين للجماعة الحوثية، بينما تعكس الإجراءات المزمعة تحولاً نوعياً في التعامل مع النساء، من التقييد الاجتماعي، وملاحقة العاملات في الشأن العام، إلى إخضاع النساء كافة للضبط الأمني المباشر.

ويربط مراقبون للوضع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية بين السيطرة على القضاء والانتهاكات بحق النساء وإقصائهن من المجال العام، حيث إن إخضاع القضاء يوفّر غطاءً لمختلف ممارسات الجماعة، بينما يؤدي تهميش النساء إلى تقليص مساحة الاعتراض المجتمعي؛ ما يخلق بيئة أكثر قابلية لإعادة تشكيلها وفق رؤية أحادية.

ولا تبدو هذه الإجراءات مجرد استجابات ظرفية لاعتبارات أمنية أو إدارية، بل تبدو جزءاً من مشروع متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الجماعة والمجتمع، ويحوّل مؤسسات يفترض أنها ضامنة للحقوق، وفي مقدمها القضاء، إلى أدوات لفرض مشروع الجماعة وترسيخ سطوتها.