قلق هندي من تطويق الصين لـ«عقد اللؤلؤ»

أبرمت اتفاقية تجارة حرة مع المالديف وعزّزت نفوذها في «فناء نيودلهي الخلفي»

شي جينبيغ لدى استقباله عبد الله يمين في بكين في 7 ديسمبر الماضي (رويترز)
شي جينبيغ لدى استقباله عبد الله يمين في بكين في 7 ديسمبر الماضي (رويترز)
TT

قلق هندي من تطويق الصين لـ«عقد اللؤلؤ»

شي جينبيغ لدى استقباله عبد الله يمين في بكين في 7 ديسمبر الماضي (رويترز)
شي جينبيغ لدى استقباله عبد الله يمين في بكين في 7 ديسمبر الماضي (رويترز)

في إطار استراتيجيتها المحكمة لتطويق «عقد اللؤلؤ»، سجلت الصين انتصاراً جيوسياسياً جديداً بربطها اتفاقية التجارة الحرة والاتفاق البحري بأرخبيل المالديف، ما أدى إلى تعزيز التوتر مع الهند.
وأفادت تقارير واسعة بأن المالديف رحبت بالانضمام إلى اتفاقية التجارة الحرة مع الصين وصادقت عليها في جلسة برلمان انعقدت بمنتصف الليل دون أي من أعضاء أحزاب المعارضة. وتعد هذه الاتفاقية أول اتفاقية تجارة حرة توقعها المالديف مع أي دولة في تاريخها، وهي ثاني اتفاقية توقعها الصين مع دول جنوب آسيا بعد باكستان.
جدير بالذكر أن اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع الصين جاءت بعد عام واحد من تصريح رئيس وزراء المالديف، عبد الله يمين، بأن شعب الجزيرة سيوقع أولى اتفاقيات التجارة الحرة مع الصين. وبالنظر إلى تأثيرها الأمني على ما تعتبره الهند «فناءها الخلفي الاستراتيجي»، فإن هذه الخطوة أدت إلى تأجيج التوتر مع بكين.
تقع المالديف على مقربة من الطرق البحرية المهمة في المحيط الهندي، وهي قريبة من خليج عدن ومضيق ملقا. وتضم هذه المنطقة البحرية المهمة أكثر الممرات البحرية حركة وازدحاماً في العالم، حيث يمر من خلالها نحو 100 ألف سفينة كل عام تحمل نصف حاويات العالم، ونصف شحنات البضائع، وثلثي سفن حاويات النفط في العالم. ويمثل تنامي الوجود الصيني في المحيط الهندي تحدياً للهند التي تتطلع إلى تحسين موقعها فيما يعرف بتجمع «المحيطين الهندي والهادي». ورغم وجودها القوي في منطقة المحيط الهادي، فقد سار تعزيز الصين لوجودها في دول الجوار الهندي بخطوات بطيئة لسنوات، بدءاً من باكستان ونيبال في الشمال، إلى سريلانكا والمالديف في الجنوب، وهو ما أطلق عليه الخبراء الاستراتيجيون الهنود تطويق الصين لـ«عقد اللؤلؤ». وقد منحت سريلانكا شركة تابعة للحكومة الصينية عقد إيجار لميناء «همبانتوتا» الاستراتيجي لمدة 99 عاماً، ويرجع السبب في ذلك إلى ديون سريلانكا للصين التي بلغت 1.1 مليار دولار أميركي.
وفي الأسبوع نفسه، اكتسح تحالف ضم حزبين شيوعيين اقتراعاً برلمانياً في نيبال بعد قيامهما بحملة لتأسيس روابط وثيقة مع الصين والهند، وإن كانت الأخيرة بدرجة أقل. بيد أن اتفاقية التجارة الحرة التي وقعت مع بكين شكّلت المفاجأة الكبرى للهند.
فاقتصاد الصين العملاق يبدو كأنه يُملي شروطه الجديدة قبل قبول الشراكة. فللصّين وجود قوي في ميناء غاودار في باكستان، وقد افتتحت قاعدتها العسكرية في جيبوتي منذ شهور قليلة. وأفاد المحللون بأن التطور الأخير أشار إلى تأكيد الصين على توجهها الجديد صوب جنوب آسيا الذي يخضع كثير من دوله إلى نطاق النفوذ الهندي التقليدي.
ويرى براهما شيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية بمركز الأبحاث السياسية: «يعدّ اقتصاد المالديف صغيراً، لكن أهميته الاقتصادية كبيرة. وفي ضوء تنامي الاقتصاد الصيني، عمدت المالديف إلى الحد من اتخاذ قرارات تتعلق بسياستها الخارجية. ولاتفاقية التجارة الحرة أهمية استراتيجية للهند، إذ إن هذه الاتفاقية من شأنها تعزيز الهيمنة الاقتصادية للصين وزعزعة الاستقرار في منطقة المحيط الهادي. ورغم أن المالديف صرّحت بأنها ستستمر دولة منزوعة السلاح، قد تدفع الصين في اتجاه بناء مرافق كمراسٍ لسفنها الحربية في الجزيرة، لتوفير متطلبات أسطولها البحري في همباتونا وجيبوتي وغاودار». وفي أغسطس (آب) الماضي، رست 3 سفن صينية في ميناء العاصمة المالديفية مالي في زيارة للتعبير عن النيات الحسنة. واستطرد شيلاني أنه «بالإضافة إلى حالة القلق، هناك أيضاً حقيقة أن الأرخبيل وحده مدين بنحو 70 في المائة من الديون للصين، ما يزيد المخاوف من أن يقع الأرخبيل بالكامل تحت قبضة بكين، كما هو الحال بالنسبة لباكستان».
إلى ذلك، وقّعت المالديف اتفاقية للمشاركة في مبادرة «حزام واحد، طريق واحد»، أو ما يعرف بمبادرة «أوبور» الصينية. ويهدف مشروع «أوبور» الضخم إلى بناء الموانئ وشق الطرق ومد خطوط السكك الحديدية لربط الصين بأوروبا، ويضم المشروع حالياً 60 دولة، ونحو 70 في المائة من تعداد سكان العالم. غير أن الهند لم تشارك في «أوبور» حتى الآن، رغم أن جميع جيرانها تقريباً انضموا إلى المبادرة الصينية.
وقد أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ أن بكين تعتبر المالديف «شريكاً مهماً في بناء طريق الحرير التي تقرر إنشاؤها في القرن 21». والغرض من مبادرة «أوبور» هو مواجهة جهود واشنطن الرامية إلى تطويق الصين، وإضعاف مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في آسيا وفي مختلف أنحاء العالم.
ولطالما اعتبرت المالديف جزءاً من الفناء الخلفي للهند، ويرجع السبب في ذلك إلى موقعها القريب من الحافة الجنوبية الغربية للهند. وكانت الهند من أولى الدول التي اعترفت بالمالديف بعد استقلالها عام 1965، وافتتحت الهند بعثتها الدبلوماسية هناك عام 1972. وتعد الهند من أهم المستثمرين في المالديف، حيث تعمل في عدد من المشروعات الجاهزة للاستثمار هناك في مجالات العقارات والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وكذلك الطاقة المتجددة. وهناك عدد كبير من الوافدين الهنود المقيمين في الجزيرة.
جدير بالذكر أنه حتى عام 2011، لم تكن للصين سفارة في العاصمة المالديفية مالي، لكن بعد الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2014، وهي الأولى لرئيس صيني، تعززت العلاقات العسكرية والدبلوماسية بوتيرة سريعة.
وتأثّرت علاقات الهند مع المالديف بزيادة الوجود الصيني في الجزيرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن النفوذ الصيني في المالديف بدأ في التدهور بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد نشيد الذي كان قريباً من الهند، وكان ذلك في عام 2012.
وقامت الصين باستبعاد الهند من مشروعين كبيرين للبنية التحتية في تلك الجزيرة، حيث أقدمت حكومة الرئيس يمين على نحو مفاجئ على إيقاف كثير من المشروعات التي كانت قد منحتها للشركات الهندية في ظل حكم الرئيس محمد نشيد، مفضلة الصين.
وتخشى نيودلهي أن تؤدي العلاقات الدبلوماسية بين الصين والهند إلى تمهيد الطريق لبداية التعاون العسكري والأمني بين الدولتين. وكشف الدكتور سريكانيث كوندبالي، أستاذ الدراسات الصينية بجامعة جواهر لال نهرو، أن «الصينيين شرعوا في دخول مشروعات في المجالات الاقتصادية والسياسية مع قادة من بنغلاديش وباكستان وسريلانكا ونيبال، وسيكون هناك تعاون على المدى البعيد».
وتعدّ المالديف الدولة الوحيدة في جنوب آسيا التي لم يزرها مودي منذ توليه مهام منصبه. ورغم أن تلك الزيارة كانت ضمن جدول رحلته لدول المحيط الهادي في مارس (آذار) 2015، فقد ألغيت بسبب بعض الاضطرابات السياسية في المالديف في ذلك الوقت.
بالإضافة إلى ذلك، كانت العلاقات الثنائية على وشك اتخاذ منحى سيئ أخيراً عندما قررت إدارة الرئيس يمين اتخاذ موقف ضد مجموعة معارضة اجتمعت بالمبعوث الهندي.
وعلقت صحيفة «نيكي أشيان ريفيو» اليابانية بأن «التدخل الصيني الأخير في المالديف جاء استناداً إلى القاعدة التي وضعتها هناك من خلال القروض، والمنح والاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تهدف جميعها إلى ضمان موطئ قدم في المحيط الهادي على حساب الهند».
في غضون ذلك، صرح المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الهندي، رافيش كومار، في رد حذر عبّر عنه خلال مؤتمر صحافي عقد أخيراً، قائلاً: «نتوقع أن تتعامل المالديف كدولة صديقة وجارة وأن تكون أكثر حساسية تجاه قلقنا بشأن تطبيق سياسة الهند أولاً». بمعنى آخر، يتحتم على جميع دول المنطقة قبول النفوذ الهندي والالتزام بكل ما تمليه عليهم.
وحوّل كومار دفة الحوار لينتقد ترتيبات سريلانكا الأخيرة مع شركة صينية لتأجير ميناء همبانوتاتا، مشيراً إلى أن الهند «ملتزمة بالتعهد بمراعاة الشأن السريلانكي فيما يخص المخاوف الأمنية في المنطقة».
وعلق الصحافي المستقل والمحلل الاستراتيجي رجايف شارما: «بالنسبة للهند، فإن هذا الوضع يمثل تدهوراً سياسياً واستراتيجياً حاداً، حيث يعكس تنامي النفوذ الصيني في المالديف التي تمثل الفناء الخلفي للهند».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.