اقتصاد مصر في 2017... إصلاح وإنجاز وإحباط

سوق شعبية في وسط ميدان العتبة بالقاهرة (أ.ف.ب)
سوق شعبية في وسط ميدان العتبة بالقاهرة (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد مصر في 2017... إصلاح وإنجاز وإحباط

سوق شعبية في وسط ميدان العتبة بالقاهرة (أ.ف.ب)
سوق شعبية في وسط ميدان العتبة بالقاهرة (أ.ف.ب)

كان عام 2017 بالنسبة إلى الاقتصاد المصري ثرياً بالإصلاحات والإنجازات والإحباطات، وإن كانت الصورة الإجمالية إيجابية، مقارنة بما كان عليه الحال قبلها. وبعد سنوات من تفاقم عجز الموازنة العامة وميزان المدفوعات (أي الخلل على المستوى الكلي)، وتباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع مستوى البطالة، وتزايد أعداد الفقراء وتنامي الإحساس بعدم عدالة التوزيع، شهدت مصر تحسناً على كثير من هذه الأصعدة.
ونحن على أعتاب 2018، يبدو الاقتصاد المصري أكثر جاهزية للانطلاق إلى الأمام، لكن الانطلاق الفعلي سيتطلب استمرار الإصلاح الكلي على الوتيرة نفسها، وتعميق الإصلاح الهيكلي المحفز للنمو، وتوسيع رقعة الإصلاح لتشمل جوانب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
في عرض موجز لما تبنته مصر من إصلاحات لتحقيق التوازن الكلي، جاءت الطفرة الكبرى في أواخر 2016 واستمرت في 2017 في إطار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض قيمته 12 مليار دولار. مدة هذا البرنامج 3 سنوات تلتزم فيها مصر باتخاذ عدد من الإجراءات الخاصة بالسياستين النقدية والمالية.
فيما يتعلق بالسياسة النقدية، حررت مصر الجنيه ورفعت سعر الفائدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. بعدما تناقص الاحتياطي النقدي لأقل من 3 شهور من الواردات، واستشرت السوق السوداء للعملات الأجنبية، وعز استيراد مستلزمات الإنتاج والسلع الاستهلاكية. وقد كان من آثار هذا القرار تناقص قيمة الجنيه بشكل حاد في البداية (من نحو 9 جنيهات للدولار إلى 20 جنيها)، ثم عودته للتوازن حول 18 جنيها للدولار.
ومن التوابع الإيجابية لهذا القرار اختفاء السوق السوداء، وزيادة متواضعة في الصادرات وانخفاض في الواردات، وإقبال المصريين على تحويل ما لديهم من عملات أجنبية إلى العملة المحلية، وعودة الاحتياطي النقدي إلى مستواه قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 (نحو 36 مليار دولار). فضلاً عن زيادة ثقة المستثمرين، ما لا يقل إيجابية أن قرار التحرير مكّن البنك المركزي من استخدام أدواته النقدية لاستهداف التضخم، وقد تم الإعلان مؤخراً عن أن معدل التضخم المستهدف بنهاية عام 2018 هو 13 في المائة.
على مستوى السياسة المالية، استهدف برنامج الإصلاح تحقيق فائض أولي في الموازنة العامة، وتخفيض العجز الكلي بغرض تقليل حجم وعبء الدين العام. لتحقيق هذا الهدف اتخذت الحكومة حزمة من الإجراءات لزيادة الإيرادات، أهمها تبني ضريبة القيمة المضافة (بمعدل 13 في المائة في البداية، ثم 14 في المائة فيما بعد)، وحزمة من الإجراءات الجريئة لتقليل النفقات، أهمها خفض دعم المحروقات، وزيادة أسعار الخدمات العامة (الكهرباء والمياه والمترو). وكان من آثار هذه الإجراءات انخفاض عجز الموازنة من 11.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة بين يوليو (تموز) 2015 ومايو (أيار) 2016 إلى 9.5 في المائة في الفترة من يوليو 2016 إلى مايو 2017.
ورغم هذه الآثار الإيجابية، إلا أن البرنامج كانت له آثار سلبية، خصوصاً على الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة. أهم هذه الآثار الزيادة غير المسبوقة في معدل التضخم، وقد وصل إلى أكثر من 33 في المائة في يوليو 2017. وفي محاولة لتخفيف العبء على المواطنين، تمت زيادة مرتبات موظفي الحكومة والقطاع الخاص الرسمي، وإن كانت الزيادة بنسب أقل من الزيادة في الأسعار. كما تم طرح بعض السلع الأساسية بأسعار مخفضة، وتدشين برنامجي «تكافل» و«كرامة» لمساعدة الفقراء. ورغم أهمية هذين البرنامجين، إلا أن مبادرة طرح السلع المدعومة تشوبها إمكانية عدم الاستمرارية وتسربها للقادرين، كما أن البرنامجين، رغم نجاحهما في الوصول إلى 1.7 مليون أسرة (أو ما يقرب من 7 ملايين مواطن)، لم يصلا إلى كل من هم تحت خط الفقر (نحو 28 في المائة من المصريين).
من التحفظات الأخرى على برنامج الإصلاح الكلي أنه انكماشي بطبيعته، وقد جاء في توقيت لا يعمل فيه الاقتصاد المصري بكامل طاقته، وتصل فيه نسبة البطالة إلى ما يقرب من 12 في المائة. منطق هذه السياسة من قبل الصندوق أنها مؤقتة وسيتم تعويض الفاقد في النمو بعد أن يستعيد الاقتصاد توازنه وتنافسيته. هذه نقطة خلافية مع من ينتمون إلى المدرسة الكينزية من الاقتصاديين، وتم تطبيق عكسها في أميركا للخروج من الأزمة المالية في 2007.
على أي حال، انخفض معدل النمو في مصر في الفترة بين يوليو 2016 ومارس 2017 إلى 3.8 في المائة، مقارنة بـ4.2 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وكان من الممكن أن يتدنى معدل النمو أكثر من ذلك، نظراً إلى ضعف الطلب الاستهلاكي الناتج عن تدهور الدخل الحقيقي للمواطنين، إذا لم تقم الحكومة بالتوسع في مشروعات قومية (مثل تفريعة قناة السويس الجديدة والطرق والكهرباء والعاصمة الإدارية الجديدة). المشكلة أن استمرار عجز الموازنة وهذه التوسعات أدت إلى تفاقم الدين العام، الذي وصل الجزء الخارجي منه إلى 79 مليار دولار في يونيو (حزيران) 2017 بعد أن كان 55.8 مليار دولار في يونيو 2016، وارتفاع الجزء الداخلي منه من 2.6 تريليون جنيه إلى 3.2 تريليون جنيه في الفترة نفسها.
على مستوى الإصلاحات الهيكلية، قامت الحكومة بجهود ملموسة لتحسين مناخ الاستثمار (بما في ذلك إصدار قانون جديد للاستثمار وآخر للتراخيص الصناعية). ومع ذلك، جاءت مصر في مرتبة غير متقدمة في تقارير التنافسية العالمية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي والبنك الدولي. صحيح أن هذا الترتيب المتدني قد يرجع جزئياً إلى أن الإصلاحات جاءت بعد إعداد هذه التقارير، لكن هذا لا يعني أنه لا يعكس إرثاً ضخماً من معوقات بيروقراطية عند إنشاء شركات جديدة، أو ممارسة النشاط، أو الخروج من السوق. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن مبادرات تشجيع الصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر، خصوصاً في مجال إتاحة تمويل بسعر فائدة منخفض، لا يستفيد منها القطاع غير الرسمي، ومن المعروف أن هذا القطاع يستوعب ما لا يقل عن 40 في المائة من العمالة. وبشكل عام، فإن المشكلة التي تواجه النمو الاقتصادي في مصر أنه يعتمد بشكل أساسي على تراكم عناصر الإنتاج وليس على الإنتاجية، وهذا يعني قلة الاستفادة من التكنولوجيا وأساليب الإدارة الحديثة.
ماذا عن التوزيع العادل لعوائد النمو وتفعيل مبدأ تكافؤ الفرص؟ ربما يكون هذا هو المحور الذي لم يحدث فيه إنجاز فاصل. صحيح أن الحكومة تبنت العديد من المبادرات في مجال الحماية الاجتماعية، وقد تمت الإشارة إلى برنامجي «تكافل» و«كرامة» وزيادة المعروض من السلع الأساسية المدعومة، وهناك أيضاً جهود محمودة في موضوع بطاقات التموين والتوسع في الإسكان الاجتماعي. أما موضوع العدالة الاجتماعية، فلم يطرأ عليه تغيير كبير، حيث إن منظومة الضرائب والإنفاق العام لم تشهد إصلاحاً يذكر، ولا أسهمت المبادرات التي تم تبنيها في قطاعي التعليم والصحة في تحسن ملموس في جودة هذه الخدمات حتى تاريخه.
خلاصة القول إذن، كان عام 2017 بالنسبة إلى الاقتصاد المصري نقطة اختبار حقيقية لتنفيذ برنامج التثبيت الكلي الذي تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي في أواخر 2016. خرجت مصر من هذا الاختبار بنجاح اعترفت به المؤسسات الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدولي ومؤسسات التقييم مثل موديز وفتش) والمستثمرون أنفسهم. كما أن الحكومة اتخذت عدداً من الإجراءات لتحسين مناخ الاستثمار وتقوية شبكة الحماية الاجتماعية. ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد المصري في حاجة إلى مزيد من الإصلاحات الهيكلية لتحسين الإنتاجية، ولا تزال السياسات الاجتماعية بعيدة عن تحقيق طموحات المصريين التي عبروا عنها في 2011 تحت شعار: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.