اقتصاد مصر في 2017... إصلاح وإنجاز وإحباط

سوق شعبية في وسط ميدان العتبة بالقاهرة (أ.ف.ب)
سوق شعبية في وسط ميدان العتبة بالقاهرة (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد مصر في 2017... إصلاح وإنجاز وإحباط

سوق شعبية في وسط ميدان العتبة بالقاهرة (أ.ف.ب)
سوق شعبية في وسط ميدان العتبة بالقاهرة (أ.ف.ب)

كان عام 2017 بالنسبة إلى الاقتصاد المصري ثرياً بالإصلاحات والإنجازات والإحباطات، وإن كانت الصورة الإجمالية إيجابية، مقارنة بما كان عليه الحال قبلها. وبعد سنوات من تفاقم عجز الموازنة العامة وميزان المدفوعات (أي الخلل على المستوى الكلي)، وتباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع مستوى البطالة، وتزايد أعداد الفقراء وتنامي الإحساس بعدم عدالة التوزيع، شهدت مصر تحسناً على كثير من هذه الأصعدة.
ونحن على أعتاب 2018، يبدو الاقتصاد المصري أكثر جاهزية للانطلاق إلى الأمام، لكن الانطلاق الفعلي سيتطلب استمرار الإصلاح الكلي على الوتيرة نفسها، وتعميق الإصلاح الهيكلي المحفز للنمو، وتوسيع رقعة الإصلاح لتشمل جوانب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
في عرض موجز لما تبنته مصر من إصلاحات لتحقيق التوازن الكلي، جاءت الطفرة الكبرى في أواخر 2016 واستمرت في 2017 في إطار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض قيمته 12 مليار دولار. مدة هذا البرنامج 3 سنوات تلتزم فيها مصر باتخاذ عدد من الإجراءات الخاصة بالسياستين النقدية والمالية.
فيما يتعلق بالسياسة النقدية، حررت مصر الجنيه ورفعت سعر الفائدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. بعدما تناقص الاحتياطي النقدي لأقل من 3 شهور من الواردات، واستشرت السوق السوداء للعملات الأجنبية، وعز استيراد مستلزمات الإنتاج والسلع الاستهلاكية. وقد كان من آثار هذا القرار تناقص قيمة الجنيه بشكل حاد في البداية (من نحو 9 جنيهات للدولار إلى 20 جنيها)، ثم عودته للتوازن حول 18 جنيها للدولار.
ومن التوابع الإيجابية لهذا القرار اختفاء السوق السوداء، وزيادة متواضعة في الصادرات وانخفاض في الواردات، وإقبال المصريين على تحويل ما لديهم من عملات أجنبية إلى العملة المحلية، وعودة الاحتياطي النقدي إلى مستواه قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 (نحو 36 مليار دولار). فضلاً عن زيادة ثقة المستثمرين، ما لا يقل إيجابية أن قرار التحرير مكّن البنك المركزي من استخدام أدواته النقدية لاستهداف التضخم، وقد تم الإعلان مؤخراً عن أن معدل التضخم المستهدف بنهاية عام 2018 هو 13 في المائة.
على مستوى السياسة المالية، استهدف برنامج الإصلاح تحقيق فائض أولي في الموازنة العامة، وتخفيض العجز الكلي بغرض تقليل حجم وعبء الدين العام. لتحقيق هذا الهدف اتخذت الحكومة حزمة من الإجراءات لزيادة الإيرادات، أهمها تبني ضريبة القيمة المضافة (بمعدل 13 في المائة في البداية، ثم 14 في المائة فيما بعد)، وحزمة من الإجراءات الجريئة لتقليل النفقات، أهمها خفض دعم المحروقات، وزيادة أسعار الخدمات العامة (الكهرباء والمياه والمترو). وكان من آثار هذه الإجراءات انخفاض عجز الموازنة من 11.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة بين يوليو (تموز) 2015 ومايو (أيار) 2016 إلى 9.5 في المائة في الفترة من يوليو 2016 إلى مايو 2017.
ورغم هذه الآثار الإيجابية، إلا أن البرنامج كانت له آثار سلبية، خصوصاً على الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة. أهم هذه الآثار الزيادة غير المسبوقة في معدل التضخم، وقد وصل إلى أكثر من 33 في المائة في يوليو 2017. وفي محاولة لتخفيف العبء على المواطنين، تمت زيادة مرتبات موظفي الحكومة والقطاع الخاص الرسمي، وإن كانت الزيادة بنسب أقل من الزيادة في الأسعار. كما تم طرح بعض السلع الأساسية بأسعار مخفضة، وتدشين برنامجي «تكافل» و«كرامة» لمساعدة الفقراء. ورغم أهمية هذين البرنامجين، إلا أن مبادرة طرح السلع المدعومة تشوبها إمكانية عدم الاستمرارية وتسربها للقادرين، كما أن البرنامجين، رغم نجاحهما في الوصول إلى 1.7 مليون أسرة (أو ما يقرب من 7 ملايين مواطن)، لم يصلا إلى كل من هم تحت خط الفقر (نحو 28 في المائة من المصريين).
من التحفظات الأخرى على برنامج الإصلاح الكلي أنه انكماشي بطبيعته، وقد جاء في توقيت لا يعمل فيه الاقتصاد المصري بكامل طاقته، وتصل فيه نسبة البطالة إلى ما يقرب من 12 في المائة. منطق هذه السياسة من قبل الصندوق أنها مؤقتة وسيتم تعويض الفاقد في النمو بعد أن يستعيد الاقتصاد توازنه وتنافسيته. هذه نقطة خلافية مع من ينتمون إلى المدرسة الكينزية من الاقتصاديين، وتم تطبيق عكسها في أميركا للخروج من الأزمة المالية في 2007.
على أي حال، انخفض معدل النمو في مصر في الفترة بين يوليو 2016 ومارس 2017 إلى 3.8 في المائة، مقارنة بـ4.2 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وكان من الممكن أن يتدنى معدل النمو أكثر من ذلك، نظراً إلى ضعف الطلب الاستهلاكي الناتج عن تدهور الدخل الحقيقي للمواطنين، إذا لم تقم الحكومة بالتوسع في مشروعات قومية (مثل تفريعة قناة السويس الجديدة والطرق والكهرباء والعاصمة الإدارية الجديدة). المشكلة أن استمرار عجز الموازنة وهذه التوسعات أدت إلى تفاقم الدين العام، الذي وصل الجزء الخارجي منه إلى 79 مليار دولار في يونيو (حزيران) 2017 بعد أن كان 55.8 مليار دولار في يونيو 2016، وارتفاع الجزء الداخلي منه من 2.6 تريليون جنيه إلى 3.2 تريليون جنيه في الفترة نفسها.
على مستوى الإصلاحات الهيكلية، قامت الحكومة بجهود ملموسة لتحسين مناخ الاستثمار (بما في ذلك إصدار قانون جديد للاستثمار وآخر للتراخيص الصناعية). ومع ذلك، جاءت مصر في مرتبة غير متقدمة في تقارير التنافسية العالمية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي والبنك الدولي. صحيح أن هذا الترتيب المتدني قد يرجع جزئياً إلى أن الإصلاحات جاءت بعد إعداد هذه التقارير، لكن هذا لا يعني أنه لا يعكس إرثاً ضخماً من معوقات بيروقراطية عند إنشاء شركات جديدة، أو ممارسة النشاط، أو الخروج من السوق. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن مبادرات تشجيع الصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر، خصوصاً في مجال إتاحة تمويل بسعر فائدة منخفض، لا يستفيد منها القطاع غير الرسمي، ومن المعروف أن هذا القطاع يستوعب ما لا يقل عن 40 في المائة من العمالة. وبشكل عام، فإن المشكلة التي تواجه النمو الاقتصادي في مصر أنه يعتمد بشكل أساسي على تراكم عناصر الإنتاج وليس على الإنتاجية، وهذا يعني قلة الاستفادة من التكنولوجيا وأساليب الإدارة الحديثة.
ماذا عن التوزيع العادل لعوائد النمو وتفعيل مبدأ تكافؤ الفرص؟ ربما يكون هذا هو المحور الذي لم يحدث فيه إنجاز فاصل. صحيح أن الحكومة تبنت العديد من المبادرات في مجال الحماية الاجتماعية، وقد تمت الإشارة إلى برنامجي «تكافل» و«كرامة» وزيادة المعروض من السلع الأساسية المدعومة، وهناك أيضاً جهود محمودة في موضوع بطاقات التموين والتوسع في الإسكان الاجتماعي. أما موضوع العدالة الاجتماعية، فلم يطرأ عليه تغيير كبير، حيث إن منظومة الضرائب والإنفاق العام لم تشهد إصلاحاً يذكر، ولا أسهمت المبادرات التي تم تبنيها في قطاعي التعليم والصحة في تحسن ملموس في جودة هذه الخدمات حتى تاريخه.
خلاصة القول إذن، كان عام 2017 بالنسبة إلى الاقتصاد المصري نقطة اختبار حقيقية لتنفيذ برنامج التثبيت الكلي الذي تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي في أواخر 2016. خرجت مصر من هذا الاختبار بنجاح اعترفت به المؤسسات الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدولي ومؤسسات التقييم مثل موديز وفتش) والمستثمرون أنفسهم. كما أن الحكومة اتخذت عدداً من الإجراءات لتحسين مناخ الاستثمار وتقوية شبكة الحماية الاجتماعية. ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد المصري في حاجة إلى مزيد من الإصلاحات الهيكلية لتحسين الإنتاجية، ولا تزال السياسات الاجتماعية بعيدة عن تحقيق طموحات المصريين التي عبروا عنها في 2011 تحت شعار: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».



تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

في حين تكشف التقارير الحقوقية عن جملة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية ضد سكان مناطق سيطرتها خلال العام الماضي، يتسع مشهد الانفلات الأمني على نحو لافت، في تزامن مثير مع تدهور الأوضاع وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، بما يعكس اتساع الشرخ بين علاقة الحوثيين بالمجتمع والقبائل.

وتُظهر التقارير الحقوقية ووقائع الانفلات الأمني تطوُّرَ الممارسات الحوثية في التعاطي مع مختلف القضايا من السياسة الأمنية التي تعتمد على الاعتقالات والاختطافات واستخدام القضاء، إلى حملات عسكرية تستهدف المدنيين مباشرةً، بالاعتقالات الجماعية والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال واستهداف الأعيان المدنية.

في هذا السياق، نددت الحكومة اليمنية بالحملة العسكرية الحوثية على منطقة عزلة بيت الجلبي في مديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت (شمال غرب) والاعتداء على أهاليها، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، طبقاً لما أورده الإعلام الرسمي.

ودفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وفرضت حصاراً مشدداً على إحدى القرى عقب مقتل القيادي مجلي عسكر فخر الدين، الذي ينتمي إلى قوات الأمن المركزي التابعة للجماعة، برصاص مسلح قبلي خلال حملة أمنية على القرية أدت إلى مقتل أحد أهلها.

وتسبب مقتل القيادي الحوثي في تسيير الجماعة حملة عسكرية واسعة لتعزيز الحملة الأمنية، مما زاد من منسوب التوتر، حسب مصادر محلية، خصوصاً أن الحملة الأمنية الأولى جرت ضمن مساعي الجماعة لإطلاق حفّار آبار احتجزه الأهالي بسبب خلافات محلية.

وأدى تدخل القائمين على الحملة، وبينهم القيادي الذي لقي مصرعه، إلى مفاقمة الخلافات التي كانت في طريقها للحل بوساطات قبلية تقليدية، وبسبب انحياز القادة الحوثيين لأحد أطراف الخلاف، وقعت الاشتباكات.

ودعت الحكومة اليمنية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن إلى سرعة التحرك لوقف هذه الانتهاكات، مطالبةً جميع المكونات السياسية والاجتماعية والمنظمات الحقوقية بالوقوف في وجه هذه الانتهاكات.

نفوذ بنهب الأراضي

في سياق هذا التغول الحوثي شهدت منطقة المحجر في مديرية همدان، الواقعة على الأطراف الشمالية الغربية من صنعاء، حملة عسكرية يتولى مسؤوليتها القيادي مهدي اللكمي المكنّى «أبو شامخ»، لمصادرة أراضٍ يؤكد مُلَّاكها صدور حكم قضائي لصالحهم.

عنصر حوثي ضمن استعراض مسلح نظمته الجماعة في محافظة عمران (أ.ف.ب)

ونشرت الحملة عدداً كبيراً من مسلحيها في المنطقة التي اشتكى أهاليها من وقوع انتهاكات متعددة بحقهم؛ بينها الاعتداءات الجسدية والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، والمنع من مغادرة المنازل.

وخلال الأعوام الماضية وسّعت الجماعة الحوثية أنشطتها في مديرية همدان للاستيلاء على الأراضي بغرض استحداث تجمعات سكنية لأنصارها وعائلات قتلاها المقربين من القيادة العليا، إلى جانب منشآت أخرى بينها سجون ومقرات للأجهزة الأمنية.

وبينما قُتل سبعة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون في مديرية برط التابعة لمحافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، في أول أيام شهر رمضان، إثر تجدد ثأر قديم بين قبيلتي المكاسير وآل أبو عثوة بني هلال، كانت مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، مسرحاً لاعتداء عناصر أمنية حوثية على أحد السكان بإطلاق النار عليه وإصابته بجراح خطيرة، واقتحام منزله ونهب محتوياته بسبب خلافات مالية بينه وبين أحد هذه العناصر.

تطور منهجي للقمع

حسب تقارير مؤسسات حقوقية محلية، فإن الجماعة الحوثية كثفت انتهاكاتها خلال العام الماضي، وطوَّرت من نهجها في استهداف المدنيين، ضمن مخاوفها من ازدياد الغضب الشعبي بسبب ممارساتها والأوضاع المعيشية المتدهورة التي أوصلت السكان إليها.

الحوثيون فرضوا حصاراً على الشخصيات الاجتماعية وقادة أمنيين وعسكريين سابقين (إ.ب.أ)

ووثّق «مركز رصد للحقوق والتنمية» 868 انتهاكاً خلال العام، في محافظة البيضاء (241 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء) مثّل الاعتقال التعسفي والاختطاف 79 في المائة منها، لتتحول المحافظة إلى «سجن مفتوح».

وتصدرت مديرية القريشية قائمة المناطق التي طالتها الانتهاكات بـ592 حالة، حيث تعرضت على مدار العام للحصار والقصف بمختلف الأسلحة، وسقط من أهاليها 40 قتيلاً و32 جريحاً، واحتجزت الجماعة 16 جثماناً ورفضت تسليمها إلا بشروط عدَّها التقرير مُهينة لذوي القتلى، إضافةً إلى اعتداءات على مساجد ومنشآت تعليمية وتدمير منازل.

ويَبرز انفجار محطة غاز في مديرية الزاهر، الذي أودى بحياة أكثر من 35 شخصاً، مؤشراً إضافياً على هشاشة البيئة الاقتصادية وغياب الرقابة والاستهتار بحياة وسلامة السكان.

مسلحون حوثيون يحاصرون قريةً شمال غربي صنعاء ضمن مساعي السيطرة على الأراضي (إكس)

وفي الجوف، سجلت «منظمة عدالة» 8860 انتهاكاً خلال العام الماضي، بينها 24 حالة قتل خارج القانون، و24 حالة اختطاف وتعذيب، فضلاً عن مقتل أكثر من 12 مدنياً عند إحدى النقاط.

وتضمنت الانتهاكات 1509 وقائع كان ضحاياها من الأطفال، وشملت تجنيد 300 طفل واستخدام 709 في أعمال عسكرية، إضافةً إلى اقتحام ونهب منشآت وفعاليات ذات طابع طائفي، مما أدى إلى نزوح 6589 مدنياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».