الممثل الإقليمي لـ«الفاو»: أزمات الشرق الأوسط أدت لتغير جذري في معادلة الأمن الغذائي

ولد أحمد قال إن المنظمة تحاول تلافي أخطاء الماضي في وضع سياسات دعم إعادة الإعمار

عبد السلام ولد أحمد
عبد السلام ولد أحمد
TT

الممثل الإقليمي لـ«الفاو»: أزمات الشرق الأوسط أدت لتغير جذري في معادلة الأمن الغذائي

عبد السلام ولد أحمد
عبد السلام ولد أحمد

مع تفاقم نسب الجوع في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وبلوغ أعداد الجوعى أكثر من 40 مليون شخص في المنطقة، يتركز أغلبهم في دول النزاع، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة للأمم المتحدة، نداء تحذير من مغبّة تفاقم الأوضاع في المنطقة، داعيةً إلى بذل مزيد من الجهود للتعاون والتضامن من أجل القضاء على الجوع، وكذلك تكثيف العمل لإنهاء النزاعات والعودة إلى تحقيق التنمية، وذلك بعد بلوغ معدلات الخلل الغذائي في دول النزاع 6 أضعاف معدلاتها في الدول الأكثر استقراراً في المنطقة.
وعلى هامش إطلاق المنظمة تقريرها بعنوان «نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا لعام 2017»، التقت «الشرق الأوسط» الدكتور عبد السلام ولد أحمد، مساعد المدير العام لـ«الفاو» والممثل الإقليمي في مكتب المنظمة الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا، والذي أكد أن النزاعات التي يشهدها بعض دول المنطقة هي السبب الرئيس وراء تدهور حالة الأمن الغذائي، خصوصاً مع ارتفاع معدلات الجوع بين سكان هذه الدول إلى مستوى 27.2%.
وأكد ولد أحمد أن منطقة الشرق الأوسط مرت بأزمات وظروف كبرى أدت إلى تغير جذري في معادلة الأمن الغذائي، مؤكداً أن الحكومات حاولت وضع استراتيجيات لدعم استمرار حصول المواطن على قوت يومه بأقل كلفة، وذلك نابع من إيمانها بأن الأمن الغذائي هو أولوية دائماً... لكنه أشار إلى أن تلك الاستراتيجيات أسفرت أحياناً عن بعض السلبيات السلوكية، حيث أصبح بعض المواطنين لا يدري قيمة الغذاء الحقيقية، ما أدى إلى اتساع فجوة الهدر.
وأشار مساعد مدير «الفاو» إلى أن المنظمة تعمل بكل جد في مناطق النزاع من خلال تنسيق كامل مع الحكومات الشرعية، وعبر عدد من المحاور لدعم الحالة الغذائية، موضحاً كذلك أن الاستراتيجيات المستقبلية في هذه المناطق تتضمن وضع سياسات تكاملية لا تعيد أخطاء الماضي، التي أدت تراكماتها إلى تنامي نسب الخلل الغذائي.
وإلى نص الحوار...
* حسب رؤية «الفاو»، تنقسم منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا إلى منطقتين فرعيتين، الأولى تخص مجموعة الدول التي تشهد نزاعات، والأخرى لباقي الدول الأكثر استقراراً... ما أبرز نقاط الاختلاف في خطط المنظمة لكلتا المجموعتين؟
- هذا التقسيم يهدف بالأساس إلى ضرورة إبراز دور النزاعات وأثرها في المنطقة... وبالطبع مرجعية «الفاو» الأساسية هي الأهداف الأممية التي اتفقت عليها جميع الدول، والتي تتضمن القضاء على الفقر والجوع وبلوغ 17 هدفاً تنموياً تمت المصادقة عليها من الجمعية العامة العمومية للأمم المتحدة، لكن طبيعة العمل في البلدان التي تعاني من النزاعات يختلف، لأن هناك الحاجة الملحة أولاً إلى المساعدات الإنسانية، وذلك يعني بالنسبة إلى «الفاو» دعم المزارعين والمجموعات الريفية على الصمود أمام الانعكاسات السلبية للأزمات والحروب والعنف، ويتطلب كذلك مساعدة الدول على التحضير لما بعد الحرب، والتحضير والتخطيط لمرحلة إعادة الأعمار. والمقاربة التي تتبعها «الفاو» لدعم البلدان التي تعاني من الأزمات مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا وحتى فلسطين هي دائماً مقاربة مبنية على 3 مسارات، حيث نحاول أولاً أن نقدم الدعم لصغار المزارعين عبر توفير البذور والأسمدة، لأنه في تلك الظروف عادةً أول ما يحتاج إليه المزارع هو المدخلات الزراعية، حيث لم تعد الأسواق تعمل كما كانت، وبالتالي توفير المدخلات أصبح هو الحاجة الأساسية، ليبقى مكانه ويظل ينتج.
والمسار الثاني، هو دعمه على الصمود عبر المشروعات، مثل تقديم بعض المساعدات المالية مقابل العمل، أو الدعم النقدي لمساعدته على صيانة التجهيزات وعلى قيام بعض البنى التحتية الزراعية الخفيفة، مثل شبكات الري على الحقل، إلى جانب حماية وزيادة الأصول الحيوانية، من حيث توفير الأعلاف، وحملات ومدخلات تلقيح وعلاج الماشية، وتحسين القدرات البيطرية، وإعادة توزيع الحيوانات؛ وغيرها.
أما المسار الثالث، فهو التحضير لإعادة الإعمار ووضع أسس للتنمية المستدامة عن طريق السياسات والخطط التي نتناقش فيها مع الدول.
* فيما يخص المجموعة الأولى، كيف تتعامل المنظمة مع الموقف على الأرض في ظل غياب جهة واحدة يمكن التعامل معها، على سبيل المثال في ليبيا يوجد تنازع على السلطات وكذلك في سوريا؟
- نحن نتعامل مع كل الحكومات المعترف بها شرعياً في كل الدول، هذا هو مبدأ «الفاو»... طبعاً هناك أمور يفرضها الواقع، على سبيل المثال في سوريا وفي اليمن هناك أمور مفروضة في الواقع، وبالتالي نتعامل في ظل هذه الأمور، والحكومات تتفهم عادةً ذلك لأنهم يدركون جيداً أن «الفاو» تعمل من منطلق حُسن النية، والهدف لـ«الفاو» هو مساعدة المزارعين ومساعدة المواطنين أينما كانوا، وذلك متقبَّل من طرف الحكومات... وبالتالي نحن نعمل أساساً مع الحكومات الشرعية ونتناقش معها حول السياسات والخطط بما فيها الخطط المستقبلية، وفي الميدان نعمل مع المزارعين أينما كانوا، وأظن أن الكل يتفهم ذلك.
* وهذا يتم على مستوى الدعم أم على مستوى جمع البيانات المطلوبة للتقارير؟
- هذا يتم على جميع المستويات في كل المناطق، في سوريا وفي اليمن نعمل على دعم المزارعين وتوفير المدخلات الزراعية ودعم القدرات كما قلت... ونعمل كذلك على رصد البيانات حول حالة الأمن الغذائي، فنحن في منظمة «الفاو» وشركاؤنا من الأمم المتحدة، خصوصاً برنامج الأغذية العالمي، و«يونيسيف»، نعمل معاً لرصد حالة الأمن الغذائي في اليمن كل 3 أشهر، وهذا لا يمكن أن يتم دون أن نعمل في جميع أماكن اليمن وجميع الأماكن التي تعاني من النزاع.
* في مناطق النزاع، هل ضمن الخطط المطروحة لـ«الفاو» العمل على إنشاء مجتمع غذائي متكامل فيما بعد الإعمار وإعادة التأهيل ما يوفر للمنطقة مستقبلاً مستداماً بشكل أكبر؟
- «الفاو» مثل أي منظمة تابعة للأمم المتحدة هي منظمة دول، أي أن أهميتها بالأساس تكمن في قدرتها على مساعدة الدول لتلبية الحاجات التي تم تأسيس «الفاو» من أجلها، وبالتالي نعمل فعلاً في كل البلدان التي تعاني من هذه الأزمات... حين نتكلم عن إعادة الإعمار نتكلم كذلك عن إعادة رسم سياسات تكاملية جديدة، ونحاول أن نقنع البلدان ألا نعود إلى نقاط الضعف التي قد تكون تسببت أصلاً في بعض المشكلات التي حصلت لاحقاً، وهذا أمر جوهري.
على سبيل المثال في سوريا، وبينما نعمل على دعم المسار لإعادة الإعمار، سنشارك في عملية مراجعة شاملة للقطاع الزراعي، وكذلك في بلدان أخرى... والهدف الأساسي وراء هذه التشاورات هو وضع سياسات تكاملية لا تعيد أخطاء الماضي، بل تساعد على إعادة التوازن للقطاع الزراعي، وتساعد على أن يكون القطاع داعماً أساسياً لعملية التنمية الاقتصادية والقضاء على الفقر والجوع وأن تكون عملية التنمية الزراعية قابلة للاستدامة اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً.
* بالنسبة إلى مجموعة الدول الأكثر استقراراً، ما الأسباب الأساسية التي أدت إلى تراجع الأمن الغذائي في هذه الدول، خصوصاً مع عامل تضاعف النمو السكاني؟
- في الحقيقة وضعية الأمن الغذائي في هذه الدول ظلت مستقرة، لم تشهد تحسناً ولم تشهد تدهوراً، ولكن لا بد من التذكير بأن منطقة الشرق الأوسط ككل تتأثر بالنزاعات ومرّت بصدمات كثيرة ومتتالية، الصدمة الأولى كانت صدمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية سنوات 2007 و2008 و2009، خصوصاً أن أغلبية بلدان المنطقة مستورِدة للحبوب... وهذا انعكس مباشرة على قدرات المواطن على الحصول على الغذاء، وعوضت الدول ذلك ببرامج دعم ضخمة حتى تضمن لسكانها أمنهم الغذائي، ولكن ذلك شكّل عبئاً على ميزانية غالبية الدول خصوصاً تلك التي لا تصدِّر النفط، كما أن هذا الدعم قلل من حجم الاستثمارات المخصصة للتنمية الزراعية والتي هي الدعامة الأساسية لعملية النمو الاقتصادي على المدى البعيد.
وبعد ذلك أتى ما سُمى «الربيع العربي» وموجات عدم الاستقرار، وهذه أثرت كثيراً على الاستثمارات والثقة بعملية الاستثمار في العالم العربي ككل، ومن ثم جاءت الأزمات العميقة التي مرت بها سوريا والعراق واليمن وليبيا وانعكست على جميع بلدان الجوار، بدءاً من لبنان حيث كانت التجارة مع سوريا مصدراً أساسياً للتنمية، ونفس الشيء صار مع الأردن، وتأثرت أيضاً بطريقة مباشرة المناطق المجاورة التي قامت باستيعاب اللاجئين. وأدى المناخ العام إلى تراجع الاستثمار الخارجي في غالبية بلدان المنطقة بسبب زيادة الصراعات والنزاعات.
ثم جاءت موجة نقص أسعار النفط، والتي أثرت كذلك على كل المنطقة، أثرت على البلدان المصدرة للنفط، وأثرت على قدرة هذه البلدان على أن تساعد البلدان الأخرى.
وسلسلة الصدمات هذه أدت فعلا إلى تراجع معدلات النمو في الفترة ما بين سنة 2010 و2014، أو مقارنةً بالوتيرة التي كانت عليها قبل ذلك، مما أثر مباشرة على نسبة من يعانون من الفقر ومن يعانون من الجوع.
طبعاً الزيادة السكانية عامل أساسي في معادلة الأمن الغذائي في المنطقة، لأنها تساهم في خلق حالة عدم توازن ما بين القدرة على الإنتاج المحلي نظراً إلى محدودية الموارد المائية والأراضي الصالحة للزراعة، مقابل الطلب المتزايد على الغذاء... إذا نظرنا مثلا إلى مصر، فقد كان عندها اكتفاء ذاتي؛ بل إذا عدنا إلى الماضي فسنجد أن مصر كانت مصدرة، وكانت الأساطيل المصرية تجول في البحر المتوسط وتصدر القمح لروما ومدن أخرى.
* وكل هذه الأسباب مجتمعة دفعت المنطقة إلى سلة «العوز الغذائي»؟
- كلها مجتمعة صحيح... فقد أدت إلى تغير جذري في ظروف معادلة الأمن الغذائي... تغير جذري في عدد السكان الذي تضاعف 3 أو 4 مرات أحياناً منذ عام 1950، وطبعاً كميات المياه لن تزيد؛ بل تتناقص أحياناً بسبب موجات التصحر وموجات الجفاف المتكررة وتلوث المياه، وبالتالي هذا الخلل معالجته في منتهى الصعوبة، وهناك حلول لكن قد لا ترقى إلى مستوى التحدي نفسه، ومن ضمنها طبعاً تحلية المياه وهو مسار متَّبَع منذ زمن بعيد في دول الخليج، وهناك إعادة تدوير المياه المستخدمة، التي يمكن أن تزيد من وفرة المياه بنسبة ما بين 10 و20%. والمسار الثالث هو ترشيد المياه خصوصاً المياه للزراعة، وهذا مصدر أساسي لأن الزراعة في المنطقة تستخدم تقريباً 80% من المتوفر من المياه. ويجدر الذكر أن هناك تجارب كثيرة لاستخدام الري الحديث، مثل الري بالرش والري بالتنقيط في مصر والمغرب والأردن، وغالبية دول المنطقة بما فيها دول الخليج تخطط للانتقال إلى هذه التقنيات الحديثة وتطبيقها على نطاق واسع.
لكن لا بد من النظر إلى حلول إضافية، بما فيها حلول خارج إطار قطاع المياه، مثل الحد من الفاقد والمهدر من الغذاء، وهو كما تعلمون كبير جداً خصوصاً في البلدان العربية، وهذا لا يجوز... فكل حبة يتم إهدارها توجد كمية مياه وراءها، وهو عمل شخص ضاع ولم يعوض عنه، وهذه الأمور تتطلب عمل الحكومات والمجتمعات على حد سواء... ويجب على الكل أن يقوم بدوره.
والمياه كانت ترشَّد حتى في عهود قديمة في العالم العربي، لكنها لم تعد ترشَّد اليوم، حيث أصبح المواطن يستهلك بكثرة، والمزارع يظن أن المياه لا تنضب كونها أبدية... ولذلك يجب إعادة النظر في هذا. وعلى سبيل المثال، يتم ترشيد المياه في ولاية كاليفورنيا وحجمها يضعها في موازاة سادس أو سابع اقتصاد عالمي، مع ذلك يرشِّدون المياه حين دعت الضرورة، وبطريقة صارمة جداً أحياناً.
* هل من ضمن الاستراتيجيات الحالية على الأرض مواجهة الهدر الغذائي؟ وماذا عن إعادة تدوير هذا الهدر؟
- نحن قمنا بعملية نشر للتقارير السابقة عن الهدر من المياه والمواد الغذائية، وقمنا بعدة ورشات تحسسية وتشاورية في الإقليم، وعرضنا إطاراً استراتيجياً للحد من الهدر الغذائي على وزراء الزراعة، في روما عام 2014، وأطلقنا 3 مشروعات يتم تنفيذها الآن في مصر وتونس لدعم القدرات للحد من الهدر في الإنتاج... ولكن هذا الموضوع، كما ذكرت من قبل، يتطلب عملاً جماعياً، فالمهدر والفاقد من الغذاء كبير جداً؛ إذ يشير بعض التقييمات إلى أن الفاقد والمهدر من الغذاء يصل أحياناً إلى 30% من المتوفر من الغذاء، ولذا فإن للإعلام دوراً أساسياً للتوعية من أجل تغير سلوكيات الإنتاج والاستهلاك وتعديل وتحسين الثقافة.
والمشاريع التي تدعمها «الفاو» الآن تركز على الفاقد في مراحل سلسلة الإنتاج، وليس هدر الغذاء في مرحلة الاستهلاك. وتحاول هذه المشاريع أن ترصد أين يحصل بالضبط الفاقد، وفي أي مرحلة من الإنتاج، حتى تتم توعية المزارعين بذلك، وإدخال تقنيات وأساليب يمكن أن تحدّ من حجمه.
* في ظل هذه التحديات التي تواجه سلسلة الغذاء، هل يمكن أن نسأل عن «الفرصة الضائعة» أو «الفرصة البديلة»؟
- هناك فرص بديلة، وهناك استراتيجيات... في هذه المنطقة حتى أكون موضوعياً، مسألة الأمن الغذائي كانت دائماً أولوية أولى بالنسبة إلى الحكومات، لأنها تدرك قبل أي أحد آخر أن إشكالية الأمن الغذائي في المنطقة صعبة، وبالتالي وضعت استراتيجيات لدعم القطاع الزراعي، وضخت استثمارات هائلة لدعم قطاع المياه، ودعم أسعار المواد الغذائية الأساسية حتى يتمكن المواطن من الحصول على قوت يومه بأقل تكلفة... لكن هذه السياسات كذلك بها سلبيات تظهر -كما ذكرت- في الهدر الذي يحصل في عملية استهلاك الغذاء... خصوصاً إذا لم يشعر المواطن في مرحلة ما بالتكلفة الحقيقية للغذاء، ولم يشعر المزارع والمواطن بالتكلفة الحقيقية للمياه، هذا أولاً.
ثانياً، تم توجيه المواطنين -بطريقة غير مباشرة عن طريق الدعم والتسهيلات الكثيرة- إلى استهلاك كبير للحبوب، وأصبحت هي المصدر الأساسي لتناول السعرات الحرارية التي تعتمد عليها سلة الغذاء في منطقتنا، وتم إهمال –أو على الأقل تخفيف- المصادر الأخرى، خصوصاً استهلاك الفواكه والخضراوات واللحوم البيضاء، رغم أن لها دوراً أساسياً في توفير المغذيات الأساسية، وأيضاً تستهلك تكلفة مياه أقل ولديها قدرة وعائد أكبر لتصديرها، حين نقارنها بزراعة القمح على سبيل المثال.
وعلى الرغم من حسن النية من وراء السياسات الزراعية؛ فإنها كان لها أحياناً بعض الانعكاسات السلبية، وهو ما يتطلب المراجعة في المرحلة القادمة من أجل إحداث توازن أكبر على مستوى الإنتاج والاستهلاك والموارد المائية.
* هل هناك مساعٍ من المنظمة لجذب استثمارات في مجالات غذائية وزراعية للدول الأكثر استقراراً؟
- «الفاو» منظمة فنية بالأساس وليست منظمة تمويلية، ولكن لدينا شراكة قوية مع هيئات تمويلية كبيرة في العالم، ولنا دور مهم في وضع السياسات وصياغة البرامج الاستثمارية في القطاع الزراعي. على سبيل المثال، في بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) دعمنا وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية في تنظيم منتدى الاستثمار الزراعي في مصر، حيث ساهمت «الفاو» بقيام دراسات سلاسل الإنتاج الواعدة بمصر، والتي شملت 4 سلاسل هي: القمح والفواكه والسكر والدواجن، وكان موضوع التشاور واسعاً ما بين جميع المشاركين من الحكومة والقطاع الخاص والهيئات التمويلية والمستثمرين الداخليين والخارجيين، مع العلم أن المستثمرين المصريين هم الأهم في عملية الإنتاج الزراعي في مصر.
وهذه السلاسل الأربع فيما بينها تقدَّر بنحو 60% من الناتج الزراعي لمصر، وهذا المنتدى كان مرحلة مهمة لتشجيع وتسليط الضوء على الاستثمار الزراعي، وساهم فيه البنك الدولي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير وهيئات أخرى. وعلى المستوى الإقليمي، بدأنا العمل بطلب من مجموعة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في روما للتحضير لمؤتمر كبير للاستثمار الزراعي قد يتم تنظيمه بنهاية عام 2018 أو بداية عام 2019.
* كيف يتم تنسيق التعاون بين دول المنطقة للتكامل الغذائي؟ وما الأولويات المشتركة؟
- دول الشرق الأدنى وشمال أفريقيا تتقاسم عوامل مشتركة، من ضمنها ندرة المياه والتغيرات المناخية ومشكلات التغذية... و«الفاو» تعمل على المستوى الإقليمي مع الدول على مواجهة المشكلات والتحديات التي يمكن أن يحصل فيها تكامل أو تعاون أكبر وتبادل الخبرات، وغيرها.
وهناك الكثير من التجارب الجيدة التي تحدث في بلدان عديدة من المنطقة، ومنها خبرات مبنية على مئات السنين من ممارسات زراعية على سبيل المثال في مصر والعراق وسوريا، ويمكن للمزارع في دولة أخرى الاستفادة من هذه القدرات والمعرفة المبيتة والمتراكمة على مدى العقود.
والأولويات والموضوعات الإقليمية الجوهرية التي تعمل عليها «الفاو» يتم اعتمادها في مشاورات مع وزراء زراعة المنطقة خلال المؤتمر الإقليمي الذي ينعقد كل سنتين، والدورة المقبلة ستعقد ما بين 23 و27 أبريل (نيسان) المقبل. وعلى سبيل المثال، «الفاو» أطلقت مبادرة ندرة المياه، وهي مبادرة إقليمية تم اعتمادها من طرف جامعة الدول العربية، ويتم في إطارها الكثير من الاجتماعات التشاورية، والعمل الميداني على موضوعات أساسية، مثل الحسابات المائية وإنتاجية المياه الزراعية، والتحضير لمواجهة الجفاف وتغيرات المناخ. ونعمل الآن على بناء منصة لتبادل المعارف والتجارب لندرة المياه.
* وضعت الأمم المتحدة «أجندة 2030»... ما الإنجازات التي تم تحقيقها حتى الآن منها؟
- الأجندة انطلقت عام 2016، و«الفاو» تركز على متابعة حالة الأمن الغذائي... وبالتالي نحن في بداية العملية، ولا يمكن الآن في الحقيقة الكلام عن إنجازات في هذا الإطار.
لكن كما ذكرت من قبل، هذه المنطقة شهدت تطورات إيجابية على مدى سنين عديدة، لكنها دخلت بعدها في دوامة الصدمات والأزمات، وبالتالي هي اليوم للأسف أسوأ مما كانت عليه بالمقارنة مع بداية هذا القرن، وما نوصي به ونعمل عليه الآن مع دول المنطقة هي محاولة إعادة الأمور إلى مسار التنمية الصحيح، لأن «أجندة 2030» تتطلب مقاربات شمولية، وتعترف بأنه لا يمكن تحقيق الأمن الغذائي من دون سلام؛ ولا يمكن تحقيق الهدف الأول، وهو القضاء على الجوع، دون أن تحقق كذلك الهدف الخاص بالتعليم والهدف الخاص بالصحة والهدف الخاص بالأنماط الاستهلاكية والإنتاجية المستدامة؛ وهذا هدف جديد أُدخل على الأجندة، ويشير بوضوح إلى ما تكلمنا عنه من قبل فيما يخص الفاقد والمهدر من الغذاء والمياه.
* المتغيرات السياسية والاقتصادية التي تحدث في أركان العالم حالياً، كيف ترى أنها تؤثر على المنطقة من حيث الأمن الغذائي؟
- هذه المنطقة تتأثر بكل ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار الغذائية العالمية أو تذبذب تلك الأسعار أو اضطرابها، كل ذلك يمكن أن يؤثر على الأمن الغذائي للمنطقة لأننا نستورد نحو 50% من استهلاكنا من المواد الغذائية، ونتأثر بقرارات الدول المنتجة الكبرى للمواد الغذائية وحتى بالصدمات التي تتعرض لها زراعات تلك الدول... لكن دول المنطقة ليست لديها دائماً مواقف موحدة على الأمور الأساسية التي تؤثر على وفرة وأسعار المواد الغذائية المستوردة. وكل دولة على حدة لديها استراتيجيتها للأمن الغذائي، وهناك مبادرات على مستوى الجامعة العربية للأمن الغذائي؛ ولكن ما زلنا بحاجة إلى التطبيق والتنسيق الأقوى.
* ختاماً... كيف ترى ملخص الوضع في المنطقة؟
- أولاً، رسالتي الأساسية أن النزاعات هي السبب الرئيس وراء تدهور حالة الأمن الغذائي بالأساس... ثلاثة أرباع من يعانون من الجوع يعيشون في مناطق النزاع؛ وانعكاسات النزاع ليست فقط على الأمن الغذائي، فهناك أيضاً انعكاسات بشرية تتمثل في عدد ومأساة المهجّرين داخلياً واللاجئين، هذه المشكلات قد تتطلب وقتاً طويلاً لحلها.
ثانياً، الأزمات جعلت دول المنطقة تنفق أموالاً طائلة على محاربة الإرهاب والنزاعات والعنف، وهذه الأموال من المفترض أن تكون مخصصة أصلاً للتنمية والتحضير للمستقبل، مما يخيم على درجة النمو المستقبلي.
ثالثاً، فإن الأنظار اليوم والعقول والأذهان والموارد كلها مصوبة نحو هذه الحروب والنزاعات والعنف؛ بدلاً من أن تكون إلى أمور جوهرية مصيرية مثل: الأمن المائي، والتغيرات المناخية، والتنمية الريفية، وبطالة الشباب، ومستويات التعليم والصحة... وفي الحقيقة هذه هي الفرصة الضائعة الكبيرة.
وأخيراً، العمل الجماعي ضرورة ملحّة؛ حيث لا يمكن لأي بلد من المنطقة أن يخرج ناجحاً بمفرده من الواقع الحالي، وهذا ما يوصي به التقرير.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

العالم مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، إن نحو 8 آلاف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الهجرة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
المشرق العربي رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» مع الأهالي في دير الزور بعد تسلم المبنى الخاص (حساب الهيئة)

سوريا تشهد تسريعاً في مسار عملية «العدالة الانتقالية»

بهدف وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام البائد وبحث آليات حصر الأسماء وتدقيقها وفق معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها

سعاد جرَوس (دمشق)
الولايات المتحدة​  الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

مرشحون لخلافة غوتيريش يعرضون برامجهم أمام الأمم المتحدة هذا الأسبوع

يَمْثل المرشحون الأربعة لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا الأسبوع، أمام ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للردّ على أسئلتهم وعرض برامجهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تحليل إخباري الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

تحليل إخباري متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق» وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة.

أنطوان الحاج

«إكسون» تدرس بيع شبكة محطاتها في هونغ كونغ بصفقة قد تصل لمئات الملايين

أسعار البنزين معروضة خارج محطة وقود تابعة لشركة إكسون في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)
أسعار البنزين معروضة خارج محطة وقود تابعة لشركة إكسون في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)
TT

«إكسون» تدرس بيع شبكة محطاتها في هونغ كونغ بصفقة قد تصل لمئات الملايين

أسعار البنزين معروضة خارج محطة وقود تابعة لشركة إكسون في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)
أسعار البنزين معروضة خارج محطة وقود تابعة لشركة إكسون في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

أفادت مصادر مطلعة لـ«رويترز» أن عملاق الطاقة الأميركي «إكسون موبيل» يجري محادثات لبيع شبكة محطات الوقود التابعة له في هونغ كونغ، في صفقة قد تتجاوز قيمتها مئات الملايين من الدولارات.

وعيَّنت الشركة مستشاراً مالياً لعقد مناقشات مع عدد من مقدمي العروض، حيث تشير المصادر إلى وجود 4 إلى 5 مزايدين مهتمين، من بينهم شركات تجارية. وذكرت تقارير سابقة لـ«بلومبرغ» أن القيمة التقديرية للأصول قد تتراوح بين 500 إلى 600 مليون دولار.

تأتي هذه الخطوة بعد شهرين فقط من موافقة شركة «بانجتشاك» (Bangchak) التايلاندية على شراء أعمال «شيفرون» في هونغ كونغ مقابل 270 مليون دولار، مما يشير إلى تحول جذري في خريطة التجزئة للوقود في المدينة.

وتدير «إكسون موبيل» شبكة واسعة تضم نحو 41 محطة خدمة تعمل تحت العلامة التجارية الشهيرة «إيسو»، ولها تاريخ يمتد في هونغ كونغ منذ افتتاح أول محطة لها في كولون عام 1926.

يأتي التوجُّه نحو البيع في ظل توجُّه هونغ كونغ نحو «كهربة النقل» (السيارات الكهربائية)، وبالتزامن مع تقلُّبات حادة في أسعار النفط نتيجة الصراعات في منطقة الشرق الأوسط التي عطلت سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز.

وحذَّرت الشركة مؤخراً من احتمال تراجع أرباح الربع الأول نتيجة تكاليف التحوُّط والمحاسبة، رغم ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية.

نظراً لحجم «إكسون موبيل» وحصتها السوقية الكبيرة، يتوقع الخبراء أن تحقق هذه الصفقة عائداً أعلى بكثير من صفقة «شيفرون» الأخيرة.


سوق أدوية إنقاص الوزن تقفز إلى صدارة الصناعات الدوائية عالمياً

صورة مجمعة لعدد من أدوية إنقاص الوزن الشهيرة (رويترز)
صورة مجمعة لعدد من أدوية إنقاص الوزن الشهيرة (رويترز)
TT

سوق أدوية إنقاص الوزن تقفز إلى صدارة الصناعات الدوائية عالمياً

صورة مجمعة لعدد من أدوية إنقاص الوزن الشهيرة (رويترز)
صورة مجمعة لعدد من أدوية إنقاص الوزن الشهيرة (رويترز)

تشهد سوق أدوية إنقاص الوزن تحوّلاً جذرياً من قطاع محدود إلى صناعة دوائية عالمية سريعة النمو، مدفوعة بالنجاح الكبير لأدوية محفزات مستقبلات «جي إل بي-1» (GLP-1). ومع دخول شركات كبرى مثل «فايزر» إلى المنافسة، وتوسع الطلب في أسواق رئيسية، بات هذا القطاع أحد أبرز محركات النمو في صناعة الأدوية، مع توقعات بوصوله إلى عشرات المليارات خلال السنوات المقبلة.

وتعكس أحدث البيانات المتاحة حتى شهر أبريل (نيسان) 2026 أن سوق أدوية إنقاص الوزن لم تعد مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبحت واقعاً تجارياً ملموساً، فقد سجلت «نوفو نورديسك» مبيعات في قطاع علاج السمنة بلغت 82.3 مليار كرونة دنماركية خلال 2025، أي ما يعادل نحو 12.9 مليار دولار، مدفوعة بشكل رئيسي بعقار «ويغوفي»، حسب التقرير السنوي للشركة الدنماركية.

وفي المقابل، أعلنت «إيلي ليلي» أن مبيعات عقار «زيب باوند» بلغت 13.5 مليار دولار في العام نفسه. وتشير هذه الأرقام إلى أن السوق العالمية للأدوية المخصصة مباشرة لإنقاص الوزن تجاوزت فعلياً 25 مليار دولار سنوياً، دون احتساب إسهامات شركات أخرى أو أسواق ناشئة، مما يعكس تسارعاً غير مسبوق في الطلب.

ويبرز هذا الواقع فجوة بين الأرقام الفعلية وبعض التقديرات البحثية التقليدية التي تضع السوق في نطاق أقل، يتراوح بين 7 و10 مليارات دولار، نتيجة اختلاف منهجيات القياس وتعريف السوق، خصوصاً فيما يتعلق بإدراج أدوية السكري التي تُستخدم أيضاً لإنقاص الوزن، بحسب تقرير لموقع «فورتشن بيزنس إنسايتس».

ويُعزى النمو السريع إلى الانتشار الواسع لأدوية «جي إل بي-1»، التي أحدثت تحولاً في علاج السمنة بفضل فاعليتها في خفض الوزن، فقد أعلنت «نوفو نورديسك» أن «ويغوفي» أصبح متاحاً في 52 دولة، مع تحقيق مبيعات تجاوزت 79 مليار كرونة دنماركية خلال 2025.

كما أظهرت بيانات موقع «إيكفيا» أن سوق أدوية السمنة المعتمدة على العلامات التجارية سجلت نمواً بنسبة 104 في المائة من حيث الحجم في العام نفسه.

حبوب «فوندايو» لإنقاص الوزن من إنتاج «إيلي ليلي» (رويترز)

زخم المنافسة

وفي ظل هذا الزخم، تتسع دائرة المنافسة مع دخول لاعبين جدد إلى السوق، وفي مقدمتهم «فايزر»، فقد أفادت «رويترز»، يوم الأربعاء، بأن دواء الشركة من فئة «جي إل بي-1»، المعروف باسم «شيان ويينغ»، أصبح متاحاً للطلب المسبق في الصين عبر منصة «جيه دي دوت كوم»، بسعر يبلغ 489 يواناً (نحو 72 دولاراً) للقلم الواحد، في خطوة تعزز موقعها في سوق واعدة.

وتُعد الصين من أبرز ساحات التوسع المستقبلية، حيث تشير البيانات إلى نمو سريع في الطلب، رغم أن السوق لا تزال في مراحلها المبكرة مقارنة بالولايات المتحدة، فقد بلغت مبيعات «ويغوفي» عبر منصات التجارة الإلكترونية الصينية نحو 260 مليون يوان في 2025، مقابل 416 مليون يوان لدواء «زينيرمي» من شركة «إنوفينت»، حسب مذكرة لبنك «جيفريز».

كما سجلت «نوفو نورديسك» مبيعات في قطاع السمنة داخل الصين بلغت 824 مليون كرونة دنماركية خلال العام نفسه، مدفوعة بإطلاق منتجاتها في السوق المحلية. وفي فبراير (شباط) الماضي، حصلت «فايزر» على ترخيص حقوق التسويق التجاري في الصين لدواء «زاينوينغ»، المعروف أيضاً باسم «إكنوغلوتيد»، من شركة «سايويند» التي تتخذ من مدينة هانغتشو الشرقية مقراً لها. كما استحوذت مؤخراً على شركة «ميتسيرا» المُطورة لأدوية السمنة، بالإضافة إلى دواء تجريبي آخر من فئة «جي إل بي-1» من شركة مُطورة أخرى... في حين تمت الموافقة على دواء «إكنوغلوتيد» أيضاً في الصين بوصفه علاجاً لمرض السكري من النوع الثاني.

شعار شركة «فايزر» (رويترز)

توقعات متباينة

وعلى صعيد التوقعات، تتباين تقديرات المؤسسات المالية، لكنها تتفق على استمرار النمو القوي، فقد خفّض «غولدمان ساكس» توقعاته لسوق أدوية السمنة إلى نحو 95 مليار دولار بحلول 2030، مشيراً إلى ضغوط محتملة على الأسعار وتحديات تتعلق بالتغطية التأمينية. وفي المقابل، تتوقع «مورغان ستانلي» أن تبلغ السوق نحو 77 مليار دولار في الفترة نفسها.

أما «جي بي مورغان» فتقدم تقديراً أوسع، يشمل سوق أدوية «قطاع الإنكريتين» بكامله، بما في ذلك علاجات السكري، وتتوقع أن تصل إلى 200 مليار دولار بحلول 2030، وهو ما يعكس الحجم الكلي للقطاع المرتبط بهذه الفئة العلاجية. ويشير هذا التباين في التقديرات إلى أن مسار السوق سيعتمد على عدة عوامل رئيسية، من بينها القدرة الإنتاجية للشركات، ومستويات التسعير، ومدى توسع التغطية التأمينية، بالإضافة إلى سرعة اعتماد الأدوية الجديدة في الأسواق الناشئة.

كما أن المنافسة المتزايدة، مع دخول شركات جديدة وتطوير علاجات أكثر فاعلية، قد تسهم في توسيع قاعدة المستهلكين، لكنها في الوقت نفسه قد تضغط على الأسعار وهوامش الربح.

وتؤكد المعطيات الراهنة أن سوق أدوية إنقاص الوزن أصبحت واحدة من أبرز قصص النمو في قطاع الأدوية العالمي، مع انتقالها من مرحلة التجارب إلى مرحلة التوسع التجاري الواسع. وبينما تجاوزت المبيعات بالفعل عشرات المليارات من الدولارات، تظل السنوات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت السوق ستبلغ التقديرات المتفائلة، في ظل توازن دقيق بين الابتكار والتكلفة وإتاحة العلاج على نطاق أوسع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


من النفط إلى القماش… كيف تعيد أزمات الشرق الأوسط تشكيل صناعة الأزياء عالمياً؟

موظفة ترتّب بكرات الخيوط في مصنع نسيج في هايان بمقاطعة جيانغسو - الصين (رويترز)
موظفة ترتّب بكرات الخيوط في مصنع نسيج في هايان بمقاطعة جيانغسو - الصين (رويترز)
TT

من النفط إلى القماش… كيف تعيد أزمات الشرق الأوسط تشكيل صناعة الأزياء عالمياً؟

موظفة ترتّب بكرات الخيوط في مصنع نسيج في هايان بمقاطعة جيانغسو - الصين (رويترز)
موظفة ترتّب بكرات الخيوط في مصنع نسيج في هايان بمقاطعة جيانغسو - الصين (رويترز)

لم يعد ارتفاع أسعار النفط مجرد خبر في أسواق الطاقة، بل بات مؤثراً مباشراً على تكلفة الملابس التي يرتديها المستهلك. فمن المصانع البتروكيميائية إلى خطوط إنتاج الأقمشة، ثم إلى متاجر الملابس، تمتد سلسلة معقدة لتنقل آثار ارتفاع النفط بسرعة لتصل في النهاية إلى سعر القطعة.

وبحسب تقرير «سوق المواد 2025» الصادر عن منظمة «تبادل الأقمشة»، يشكل البوليستر نحو 59 في المائة من إجمالي إنتاج الأقمشة عالمياً، بينما يعتمد نحو 88 في المائة من إنتاجه على مصادر نفطية غير معاد تدويرها، مما يضع الصناعة في مواجهة مباشرة مع تقلبات أسعار الطاقة.

وقفزت أسعار النفط منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) بنحو 32 في المائة لتصل إلى مستويات قريبة من الـ100 دولار للبرميل.

الأقمشة تحت ضغط النفط

في هذا السياق، أوضحت الدكتورة أمل صقر، استشارية تصميم المنسوجات، لـ«الشرق الأوسط» أن «الصناعات النسيجية تُعد من أكثر القطاعات حساسية لتقلبات أسعار النفط، نظراً لاعتمادها الكبير على الألياف الصناعية».

وتضيف أن «أكثر من 60 في المائة من الأقمشة المستخدمة في صناعة الملابس عالمياً تعتمد على ألياف صناعية مشتقة من البترول، مثل البوليستر والنايلون والأكريليك»، مشيرة إلى أن «كل قفزة في سعر برميل النفط تُترجم مباشرة إلى ارتفاع في تكلفة القماش».

واستشهدت أمل صقر بأزمة عام 2008، حيث «ارتفعت أسعار البوليستر عالمياً بنحو 30 في المائة خلال ثلاثة أشهر مع وصول النفط إلى مستويات قياسية»، مضيفة أن «مصانع الغزل في آسيا خفضت إنتاجها بنسبة تراوحت بين 20 و25 في المائة نتيجة ضغوط التكلفة».

كما تشير أمل صقر إلى أن «اضطرابات البحر الأحمر خلال الفترة 2023 - 2024 أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن بنحو 300 في المائة، مما انعكس مباشرة على تكلفة المواد الخام وسلاسل الإمداد».

وكانت جماعة الحوثي اليمنية بدأت في استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 باستخدام طائرات مسيَّرة وصواريخ.

الأقمشة الطبيعية... بديل غير محصَّن

ورغم أن الأقمشة الطبيعية مثل القطن والكتان لا تعتمد على النفط كمادة خام، فإنها لا تزال تتأثر بشكل غير مباشر، بحسب صقر، التي توضح أن «زراعة هذه الألياف تعتمد على الأسمدة والوقود والنقل، وجميعها مرتبطة بأسعار الطاقة»، وفق صقر.

وأضافت أن «أزمة الأسمدة العالمية في 2021 أدَّت إلى ارتفاع أسعارها بنحو 80 في المائة، مما انعكس على أسعار القطن التي ارتفعت بنحو 40 في المائة»، مشيرة إلى أن «تعطل مضيق هرمز لاحقاً تسبب في زيادة إضافية بنحو 40 في المائة في أسعار الأسمدة نتيجة تأخر الشحنات».

طالبات أوزبكيات يقطفن القطن خلال موسم الحصاد (أ.ب)

وبحسب تقرير «تبادل الأقمشة»، بلغ إنتاج القطن عالمياً نحو 24.5 مليون طن في 2024، أي ما يمثل نحو 19 في المائة من إجمالي إنتاج الألياف، مما يجعله خياراً أقل انتشاراً من الألياف الصناعية، لكنه أكثر استقراراً نسبياً من حيث التسعير.

تكلفة الإنتاج

وتوضح أمل صقر أن «ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط على المواد الخام، بل يمتد إلى جميع مراحل الإنتاج، من تشغيل آلات الغزل إلى عمليات الصباغة والتجفيف».

وتضيف: «مصانع النسيج تعمل بهوامش ربح ضيقة، ومع ارتفاع التكاليف تصبح أمام خيارين: إما رفع الأسعار أو تقليل الإنتاج، وكلاهما ينعكس على المستهلك النهائي».

ووفقاً لتقارير البنك الدولي، ارتفعت تكاليف تشغيل مصانع النسيج في عدد من الدول بنحو 18 في المائة عقب ارتفاع أسعار الطاقة خلال السنوات الأخيرة.

عمال يعملون على خط إنتاج لتصنيع الملابس لصالح شركة «شي إن» في مصنع بمدينة قوانغتشو بمقاطعة غوانغدونغ - الصين في 1 أبريل 2025 (رويترز)

الأسواق المستوردة

وتشير أمل صقر إلى أن «الأسواق المستوردة تتأثر بشكل سريع بأي اضطرابات في الشحن أو الطاقة»، موضحة أن «ارتفاع تكاليف الشحن من آسيا أدَّى إلى زيادات في أسعار الأقمشة الصناعية تراوحت بين 10 و18 في المائة، بينما ارتفعت أسعار القطن المستورد بنسب تتراوح بين 15 و25 في المائة».

وتضيف أن «تغيير مسارات الشحن من مضيق هرمز الذي تعرقلت فيه حركة الشحن نتيجة للحرب إلى رأس الرجاء الصالح زاد زمن النقل بين 10 و14 يوماً، مما تسبب في نقص بعض المنتجات وتقلبات في توفر الأقمشة والملابس».

صورة توضيحية لجغرافية مضيق هرمز (رويترز)

إعادة تشكيل سلاسل القيمة

من جانبه، يرى بوراك شاكماك، الرئيس التنفيذي لهيئة الأزياء السعودية، أن تأثير أسعار النفط على الأزياء «ليس مباشراً أو فورياً»، موضحاً أن «سعر المنتج النهائي يتأثر بسلسلة قيمة متكاملة تشمل الإنتاج والتسويق والتوزيع، وليس فقط تكلفة المواد الخام».

ويضيف: «بدلاً من نقل التكاليف إلى المستهلك، تعيد العديد من العلامات التجارية التفكير في كيفية خلق القيمة، سواء من خلال تحسين العمليات أو العمل بكفاءة أكبر مع الموردين».

كما يشير إلى توجُّه متزايد نحو النماذج المحلية، حيث «تسعى العلامات التجارية إلى العمل بالقرب من أسواقها وإدارة المخزون بشكل أفضل، مما يساعد على التحكم في التكاليف وبناء نماذج أكثر مرونة».

دمى عرض تحمل شعارات شركة «شي إن» تظهر في مصنع للملابس بمدينة قوانغتشو بمقاطعة غوانغدونغ - الصين في 1 أبريل 2025 (رويترز)

الاستدامة

وفيما يتعلق بالاستدامة، يؤكد شاكماك أنها «لم تعد مجرد خيار بيئي، بل أصبحت مرتبطة بالكفاءة والاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل».

ويضيف: «القطاع يشهد تحولاً نحو نماذج الاقتصاد الدائري، بما يشمل إعادة التدوير وتقليل الهدر، وهي ممارسات لم تعد اختيارية، بل ضرورية لتحسين الكفاءة التشغيلية».

جيل جديد من المصممين

على مستوى التعليم، ترى آنا زينولا، مديرة معهد مارانجوني في الرياض، أن «ارتفاع أسعار النفط لا يعيد تشكيل تفكير المصممين بقدر ما يعزز توجهاتهم الحالية نحو اختيار مواد أكثر وعياً».

وتضيف: «الاستدامة جزء أساسي من العملية التعليمية، حيث يتم تدريسها كمنهج متكامل يُبنى عليه كل قرار تصميمي، وليس كمادة منفصلة».

متحف فن صناعة الصوف الذي يعرض فنون صناعة الصوف في ستيا بإيطاليا (نيويورك تايمز)

وتوضح أن المعهد يركز على إعداد الطلاب لمتطلبات السوق، قائلة: «نعرِّض الطلاب لتحديات حقيقية تتطلب تحقيق التوازن بين التكلفة والاستدامة واحتياجات المستهلك، مع تعريفهم بابتكارات المواد التي تثبت إمكانية الجمع بين الاستدامة والجدوى التجارية».

توقعات الأسعار

وبحسب تقارير «ماكينزي» و«يوراتكس»، من المتوقع أن ترتفع أسعار الملابس عالمياً بنسبة تتراوح بين 8 و12 في المائة خلال العام المقبل، في ظل استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن.