أربعون سنة من حرب ضروس على سطح كوكب بعيد

«ستار وورز» الجديد... استمرار لحكاية لا تنتهي

مغامرات الجزء الثامن من «ستار وورز»
مغامرات الجزء الثامن من «ستار وورز»
TT

أربعون سنة من حرب ضروس على سطح كوكب بعيد

مغامرات الجزء الثامن من «ستار وورز»
مغامرات الجزء الثامن من «ستار وورز»

يصل الفيلم الثامن من سلسلة «ستار وورز»، تحت عنوان «ستار وورز: آخر جيداي»، ليعم أرجاء هذا الكوكب بحكاياته التي تدور، افتراضاً، فوق كوكب آخر بعيد جداً. وها هو الجمهور حول العالم يسافر إلى الفيلم بإقبال شبه قياسي: 550 مليون دولار في أيامه الثمانية الأولى دافعاً بإيرادات عدد من الدول إلى أرقام قممية خلال العام الآيل للانتهاء، ومنها الإمارات وبريطانيا وإيطاليا وروسيا.
إنه الفيلم الأول للمخرج رايان جونسون في السلسلة، وهو كان قدم قبل سنوات Looper المعقد في تشكيله والمنتمي إلى نوع آخر من الخيال، وتقع أحداثه على سطح هذه الأرض. والواضح أنه قدم - كما سنعود في قراءة نقدية منفصلة لهذا الفيلم - لا ما يرغب فيه مئات ملايين المعجبين حول العالم من هذه السلسلة فقط، بل أضاف إليها عمقاً في البحث عن الدلالات وفي تشكيل الصورة الماثلة بثراء بصري جيد. أطول قليلاً مما يجب، وفي الفترة التي يستغرقها العرض يمر المشاهد ببعض التململ بانتظار الجزء الأخير من القصـة المعروضة.
هذا الحجم الضخم من الإيرادات الذي يعد بتجاوزه مليار دولار قريباً، لم يكن في بال أحد قبل 40 سنة عندما تقدم مخرج غير معروف اسمه جورج لوكاس صوب شركة فوكس بمشروع فيلم خيالي - علمي تقع أحداثه في الفضاء برمته بعنوان «ستار وورز». كان لوكاس قد أنجز قبل ذلك فيلماً صغيراً تلقفه النقاد بترحاب وحقق نسبة لضآلة كلفته، نجاحاً مقبولاً عنوانه «أميركان غرافيتي». فكرت «فوكس» في مشروع «ستار وورز»، وعاينت كلفته، وبما أنها لم تزد عن عشرة ملايين دولار (تسعة ملايين ونصف تحديداً) وافقت على تمويله.
حسب كتاب صدر حديثاً وعلى نحو موقوت بعنوان How Star Wars Conquered the Universe («كيف قهر ستار وورز الكون») لكريس تايلور، فإن كريستوفر وولكن (وليس هاريسون فورد)، هو من كاد أن يؤدي دور المحارب هان صولو. ويبدو الأمر غريباً أكثر عندما يكشف الكاتب عن أن هان صولو بني على شخصية صديق مخرجه فرنسيس فورد كوبولا، الذي كان يجسد لدى لوكاس شخصية الشاب المحارب في سبيل ما يؤمن به.
أما الفكرة ذاتها، فهي جزيئات من استيحاءات شتى: فلسفة دينية في مواجهة ذيول الحرب الفيتنامية. أفلام الساموراي جنباً لجنب روايات جوزف كامبل. حتى بعض الأسماء اقتبسها من معطيات مثيرة للغرابة. فالغوريلا الكبيرة التي سماها شيوباكا مستوحى من صديق له اسمه بل ووكي تميز بطول قامته وغزارة شعره.
التصوير تم في تونس (استضافه طارق بن عمار كخدمات إنتاجية) وفي صحراء Death Valley في كاليفورنيا، والباقي في قاعات التصوير في لندن. لكن الميزانية، وبعد أربع سنوات من الانتظار، كانت من الضيق بحيث صرف المخرج النظر عن إعادة التصوير مكتفياً بلقطتين أو ثلاث في غالبية الأحيان.
لكن المتابع لا يحتاج إلى الكتاب المذكور ليعايش أفلام هذه السلسلة وما آلت إليه من نجاح كبير. في البداية، عُرض ذلك الجزء الأول في الـ25 من سنة 1977، في 42 صالة أميركية فقط. سجل خلال أسبوعه الأول ثلاثة ملايين دولار لا غير، لكن مكوثه في الصالات منحه دفقاً تجاوز به لا ميزانيته الصغيرة فقط، بل ما كان متوقعاً منه؛ إذ تجاوزت إيراداته خلال فترة الصيف وما بعد 323 مليون دولار في الولايات المتحدة. عالمياً، وصلت إيراداته إلى 775 مليون دولار.
‫جورج لوكاس كان أول المتفاجئين بهذا النجاح. وهو هرع لكتابة «الإمبراطورية ترد الضربة» (The Empire Strikes Back) الذي عرض سنة 1980 وجمع 248 مليون دولار حول العالم. ‬
عند هذا النجاح، أدرك الجميع أن «القوة»، تلك التي ابتدعها المخرج لتصبح المُسيـر الخفي لحياة أبطاله، وقفت مع الفيلم للمرة الثانية وتدعو لاستكمال الثلاثية بفيلم آخر ما نتج منه فيلم «عودة جيداي» (Return of the Jedi) الذي حقق 573 مليون دولار حول العالم.
هذه المبالغ المسجلة كناية عن إيرادات الأفلام الثلاثة التي أعيد عرضها لاحقاً، والتي لا تتضمن ما عاد إلى شراكة لوكاس - فوكس من أرباح طائلة نتيجة بيع الألعاب (بمختلف وسائطها) واستخلاص الشخصيات في مسلسلات تلفزيونية، وتوظيف الشخصيات في الإعلانات المختلفة لقاء مبالغ مرتفعة.
على أن هناك ما تغير كثيراً تبعاً لفحوى تلك الأفلام الثلاثة ثم الثلاثية الثانية التي انطلقت بعد 20 سنة من الثلاثية الأولى لتحكي قصصاً تسبق، زمنياً، قصص الثلاثية الأولى. فالحكاية التي بنى عليها لوكاس نجاحه الأسطوري تحدثت عن غلبة المتمردين على الإمبراطورية الفاشية. تستطيع أن توازي ذلك برموز العصر: المقاومون ضد النازيين، الفيتاميون ضد الأميركيين، أو أي ثورة تنطلق من جماعة تطلب العدالة من قوى مهيمنة وكبيرة. لكن المنوال تغير سريعاً في الجزأين اللاحقين. الإمبراطورية الفضائية ليست بالقوة التي ستُـهزم (كما دلت على ذلك، السلسلة التالية، ثم السلسلة الجديدة التي بدأت قبل ثلاثة أعوام بفيلم «ستار وورز: الإمبراطورية تستيقظ»)، بل القوة التي لن تهزمها الثورات لسبب وجيه: إذا هزمت الإمبراطورية التي تغذيها الشرور فإن السلسلة ستتوقف، كذلك فيما لو هزمت الثورة التي آلت اليوم إلى جيل جديد من المحاربين.
هذا ما يجعل الأفلام الخمسة التي تعاقبت منذ سنة 1999 بفيلم «ستار وورز: فصل 1: الشر الخفي» ووصولاً إلى الفيلم الحالي، مجرد صراعات لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد في الحلقة المقبلة.
والواقع أنه لا يمكن تقدير القيمة الإجمالية لهذا المسلسل الناجح والكبير حجماً إلا بالنظر إلى مجمل إيراداته العالمية. ليس فقط إيراد كل فيلم من هذه الأفلام السبعة السابقة، بل مع المرات المتعددة التي طُرح فيها كل فيلم للتداول التجاري من جديد (سينما أو أسطوانات). إنْ فعلنا ذلك، فإن الرقم الإجمالي المسجل للأفلام السبعة الأولى (من 1977 إلى 2015)، يبلغ ثلاثة مليارات و991 مليوناً و889 ألفاً و387 دولاراً (حسب موقع «بوكس أوفيس موجو»).
- أفلام «ستار وورز» السابقة في الميزان
1977: «ستار وورز»: الفيلم المؤسس وأخرجه جورج لوكاس. لاحقاً ما اعتبر الفيلم الأول في الثلاثية الثانية ومنح عنواناً جديداً هوStar Wars‪:‬ Episode ‪4 - A New Hope .
1980: «الإمبراطورية ترد الضربة»: أخرجه إرفن كيرشنر، الذي عزز فيه دور للإمبراطورية بعد أن انتهى الجزء السابق بنجاح الثوار الثلاثة هاريسون فورد، كاري فيشر ومارك هامل.
1983: «عودة جيداي» لا يزال لوكاس هو المنتج، لكن الإخراج آل لترتشارد ملركاند، وفيه يُرفع حدة الصراع بين القوتين في سجال جديد من المعارك المتناوبة.
1999: «الشر الخفي»: بعد 20 سنة على الفيلم الثالث قرر جورج لوكاس العودة إلى السلسلة مخرجاً (كما منتجاً)، وكان هذا أول الثلاثية الثانية من حيث توقيت إنتاجها، لكن حكاياتها الثلاث تقع، في الزمن الافتراضي، قبل الحكايات الثلاث الأولى.
2002: «هجوم الكلونز»: أسوأ فيلم من بين ما أنجز من أفلام هذه السلسلة فكرةً وتمثيلاً وإخراجاً كلياً معتمداً على الكومبيوتر غرافيكس. إخراج لوكاس.
‫2005: «انتقام سيث»: إقبال كبير لمواصلة الجزء الأخير من الثلاثية الثانية، لكن الإخراج لـ(لوكاس) لا يزال مُهيناً.‬
2015: «القوة تستيقظ»: الآن عدنا لما بعد الثلاثية الأولى. أبطال الأمس صاروا مسنين والبطولة الجديدة هي لجيل جديد من الأبطال. ج. ج. أبرامز مخرجاً، والنتيجة ليست أكثر من مقبولة.
2017: «آخر جيداي»: انتعاش لمعالجة فنية ودرامية كانت مهددة بفضل المخرج رايان جونسون. نجاحه الضخم سيؤكد عزم ديزني (التي اشترت حقوق الفيلم من لوكاس في 2014) تحقيق جزء ثالث من هذه الثلاثية الجديدة.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز