كارافاجو... الابن الضال للقرن السادس عشر

ظاهرته لا تزال الأوسع والأكثر دراسة داخل إيطاليا وخارجها

من أعماله
من أعماله
TT

كارافاجو... الابن الضال للقرن السادس عشر

من أعماله
من أعماله

في الصالات الأنيقة للقصر الملكي الذي يقع في قلب مدينة ميلانو، تقيم وزارة الكنوز الثقافية الإيطالية معرضا كبيرا للفنان الإيطالي المثير للجدل ميخائيل آنجلو ميريسي الملقب بـ«كارافاجو» نسبة إلى المدينة التي ولد فيها في مقاطعة لومبارديا الشمالية، تحت عنوان «ضوء جديد على حياة وأعمال كارافاجو».
ما زالت نظرية الرسام البريطاني وعضو الأكاديمية الملكية البريطانية ديفيد هوكني تثير ضجة كبيرة في الأوساط الفنية والنقدية العالمية. تفترض نظرية هوكني أن كبار الرسامين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وعلى رأسهم الفنان كارافاجو كانوا يستخدمون العدسات الضوئية والمرايا العاكسة في لوحاتهم التي وصلت إلى حد خيالي من الإتقان والإعجاز. إذ إن هذا الفنان الذي اشتهر بأنه كان يرسم لوحاته في الظلام، لم يكن يرسم في الظلام فعلياً، لأنه ووفقاً لنظرية هوكني كان يرسم في سرداب (بدروم) بيته الذي كان يقسمه إلى قسمين: أحدهما مظلم والآخر مضيء، يفصل ما بينهما ساتر معتم، ويقوم بوضع عدساته في منتصفه تماما وعن طريق تسليط الضوء على وجه وجسد الموديل في الجانب المضيء ينعكس شكله وتفاصيله بدقة عبر العدسات على السطح الأبيض لـ(لكونفاس) للوحة المعدة في الجانب المظلم، لتخرج إلى النور أجمل وأروع الأعمال الفنية.
وعلى رغم ما تحمله هذه النظرية التي أيدها مارتين كيمب (أستاذ تاريخ الفن في جامعة أكسفورد وهو من أكبر الخبراء في هذا المجال)، من تشكيك في قدرة ومهارة هذا الفنان العظيم، فإن ظاهرة كارافاجو ما زالت، هي الأوسع والأكثر انتشارا للدراسات داخل إيطاليا وخارجها.
انتشرت شهرة كارافاجو في العقود الأخيرة انتشاراً واسعاً على أنه أحد أبرز الفنانين الواقعيين في القرن السادس عشر. والسبب باعتقادنا أنه لم يتمسك بالمألوف من تقاليد التصوير، فضرب بالتقليد عرض الحائط وراح يعبر في جميع خطوطه الهندسية التي انتفض من خلالها على التأنيقيين، عن تأثيرات الضوء والظل الغالبة، وعما هو حقيقي من الأشياء حتى أنه لم يغفل العناصر الأساسية في التشكيل كالأقمشة والأردية والفاكهة والأعشاب والأزهار إلخ، كما أن كفاحه ضد التأنيقيين الذين تثقف على أيديهم لم يتضمن ابتداعه قواعد جديدة وإنما تضمن تقديماً جديداً متمشياً مع الضمير لكل ما كان التأنيقيون يقدمونه بصورة سطحية، مكررين قواعد ميتة. وبذلك دشن هذا الفنان فصلاً متميزاً جديداً في فن التصوير يختلف كل الاختلاف عن الفن التقليدي، بأسلوب أظهر من خلاله قيماً فنية رائعة. فإلى جانب خطوطه الهندسية وتأثيرات الضوء والظل، فإن مصدر إبداع كارافاجو هو الكفاح من أجل الصدق مثله في ذلك مثل الكثير من الرجال العظام الذين ظهروا في الفترة التاريخية نفسها. أمثال المصلح الإيطالي الديني الكبير جوردانو برونو الذي أحرقته محاكم التفتيش وعالم الفلك الإيطالي غاليلو الذي أرغم على الصمت. ففي تلك الفترة احتدمت الصراعات في الوسط السياسي الذي أصيب بانهيارات كبيرة من خلال تناقضاته الداخلية وانعكس كل ذلك على البنى الفوقية للواقع الاجتماعي الإيطالي. وضمن هذا الخضم برزت واقعيته الجديدة الثائرة إذ كان يدرك ما في الكلاسيكية من مغالطة متأصلة، كما كان يشعر بأن كل شيء في الطبيعة يستحق التعبير عنه، أما الاختيار فإنما يجب أن ينصب على الوسائل التصويرية، وبطرق تؤدي إلى الأسلوب الشخصي، وكانت هذه الواقعية مستندة إلى فكرة طبقية لم ترض رجال الدين ولا الأرستقراطية الحاكمة فقد كان هناك رسامون يستخدمون قابليتهم الفنية لإرضاء عملائهم بإظهار النساء كالإلهات، والقديسين على هيئة الملائكة، فأحس هؤلاء باحتضار فنهم على يد كارافاجو.
ليس هناك من شك في أن الفن في عصره شهد افتراق الكلاسيكية والتأنيقية عن الواقعية، وفي نهاية القرن السادس عشر صارت أشكال التأنيقيين تقليدية أكثر من اللازم، وتولدت رغبة في إصلاح يستطيع أن يخلق احتراماً جديداً للواقعية من دون حاجة إلى استبعاد المثل الأعلى الكلاسيكي. ولم يكن رجال الدين راغبين في دفع أموالهم مقابل رسوم يظهر فيها القديسون وكأنهم فلاحون قذرون فالسيد المسيح رسمه على هيئة إنسان فقير والعذراء امرأة جائعة وبائسة. كانوا يريدون صوراً يجدون فيها ملامحهم بين قديسي الفردوس وكأنهم جميعاً على شكل ملائكة تقطر وجوههم بالعافية، فما كان يرسمه كارافاجو هو التحدي المعلن ضد سلطانهم ورغباتهم. رسم لوحته الشهيرة (القديس متى)، وهي تمثل شخصية هذا القديس في حال بائسة مقرفصة دامية، الأمر الذي جعل رجال الدين يرفضونها بكل غضب، فقال أحد مؤرخي عصره: «هذا الوجه الكئيب للرجل القابع على ساقين معقودتين مشوهتين والذي مد قدميه العاريتين بوجه الجمهور... لا يدل على الإطلاق أنه يتمتع بكرامة القديس ومظهره». أما لوحة «موت العذراء» فهي الأخرى تنطق بالألم والشقاء وتتميز بتعبير عميق عن الحزن ورفضت أيضاً واعتبرتها الكنيسة عاراً، لأن الفنان لم يحط العذراء بهالة من الاحترام والتبجيل اللائق بها، فالمرأة التي رسمها كارافاجو كانت امرأة عادية من سائر بني البشر، حيث اتخذ من جسد فتاة منتحرة في نهر التيفر نموذجاً لرسم العذراء.
يمتلك كارافاجو إحساساً عميقاً بالأخلاقية الدينية المتنورة. فهو في لوحاته يغور عميقاً من دون ارتجال، بل بالاعتماد على المقاييس الهادئة الحساسة من أجل تحقيق شهادة حقيقية وعميقة المشاعر للظروف التي تشير إليها الموضوعات المختارة، حتى وإن تكرر على سطح اللوحة الواحدة ثلاث أو أربع محاولات، وهذا ما يميزه عن فناني عصر النهضة، فهو لم يعد أي مخطط أولي للوحاته. إذ يتضح من الأبحاث التي أجريت على لوحاته بواسطة أشعة «إكس» أنه كان يرسم دون تخطيط أولي فهو يعكس ما يتصوره مباشرة.
إن قوة عمل كارافاجو لم تأت من خلال تقليد الأشياء الطبيعية ومحاكاتها، وإنما من خلال إظهار ما تمتلكه هذه الأشياء من جوانب متعددة تظهر واقعها الأصيل المبني على الصدق ونضج التفكير ووقاره ورغبته في تمجيد الشكل البشري. وما قدمه في أغلب أعماله التي رفض من خلالها التأنيقية والسطحية المجردة يعد تحدياً لعصر لا يحتمل هذه اللغة.
إن استخدامه للمساحات الكبيرة والفراغات المظلمة المملوءة بالسطوح المجسمة يسبر غور الحياة في غناها الحسي القتامة والجلاء والضوء اللامع والظل العميق. إن تلك المساحات الخالدة مثلت الحركة الديناميكية بكل جوانبها.
ميخائيل آنغلو ميريزي (1573 - 1610) الذي سمي بكارافاجو انتسابا إلى المدينة الصغيرة التي ولد فيها بالقرب من مدينة بيركمو في الشمال الإيطالي، شد رحاله إلى روما بعد أن درس الفن وامتلأت حياته بالمتاعب والشجارات والمشكلات فأصبح في مقدوره التكيف مع أجوائها الفنية الصاخبة، وشرع في إبداع روائعه التي اعتبرت ثورة في عالم التصوير. وما إن أشرف القرن السادس عشر على نهايته حتى انهالت عليه الطلبات من جميع الجهات لرسم الكثير من الواجهات الداخلية. فاستخدمته إحدى الكنائس لتنفيذ بعض الأعمال، إلا أنها سرعان ما اكتشفت بأن عمله لا يتلاءم والتوجهات الدينية فتركته متشرداً جائعاً في شوارع روما القديمة، إلا أن عمله في كنيسة سان لويجي دي فرانشيسي التي كانت تحتل موقعاً متميزاً في روما أنهى هذا التشرد الذي دام فترة طويلة. ولكن لوحاته لم تكن موطن إعجاب القساوسة الذين وصفوها بالعامية وبأنها لا تستحق أن تعلق في بيوت الله. كان شجاعاً في عمله وحياته حتى وصلت شجاعته تلك إلى العنف والقتل لكي يدافع عن نفسه. وعلى رغم عبقريته فإنه لم يستطع التخلص من عصبيته فكان يستل سيفه لأتفه الأسباب ويدخل في مشاجرات ومبارزات.
وحوكم أربع مرات ما بين 1603 - 1605 بتهمة القتل، إلا أن القانون كان من الضعف إلى الحد الذي أخرج كارافاجو من السجن لقاء رشوات دفعها بعض أصدقائه. وهكذا توالت الأحداث العنيفة في حياته حتى مات جريحاً متعباً ويائساً ومتشرداً في الثامن عشر من شهر يوليو (تموز) 1610.



عمرو يوسف: استمتعتُ بتعقيدات «الفرنساوي» النفسية

مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)
مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)
TT

عمرو يوسف: استمتعتُ بتعقيدات «الفرنساوي» النفسية

مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)
مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)

أكد الفنان المصري عمرو يوسف أنّ شخصية المحامي «خالد مشير» في مسلسل «قانون الفرنساوي» هي التي سعت إليه، وأنّ مُخرج العمل ومؤلفه قال له: «لا أرى ممثلاً غيرك في هذا الدور». وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «الشخصية جاذبة وثرية، ولها أبعاد نفسية مركَّبة».

وقال إنّ «المسلسل حقق نجاحاً كبيراً رغم عرضه عبر منصة مشفَّرة»، مؤكداً أن الدراما الناجحة تبدأ من السيناريو، وأنّ استعداده وفَهْمه للعمل قبل التصوير و«بروفات الترابيزة» التي جمعته بأبطاله، وراء هذه الإجادة، لافتاً إلى أنه يستعد لتصوير الجزء الثاني من فيلم «شقو»، وأنّ السينما تظلُّ السؤال الصعب بالنسبة إليه.

وقدَّم عمرو يوسف في مسلسل «قانون الفرنساوي»، الذي عُرض أخيراً، شخصية «خالد مشير»، المحامي البارع الذي يتمتّع بذكاء حاد، والشهير في الأوساط القضائية بلقب «الفرنساوي»، والذي يجد نفسه متهماً بقتل حبيبته السابقة، ويخوض صراعاً يحبس الأنفاس لكشف براءته.

عمرو يوسف يؤكد أنّ السينما تظلّ السؤال الأصعب (حسابه على فيسبوك)

وحقَّق المسلسل، المكوَّن من 10 حلقات، ردود فعل واسعة منذ بداية عرضه عبر منصتَي «يانغو بلاي» و«إس تي سي» السعودية، وحتى انتهاء حلقاته.

ويؤكد يوسف أنّ الدراما الناجحة تبدأ من السيناريو، وهو الذي يستفز الممثل ليقدّم أداء جيداً، ولو لم يترك هذا التأثير عليه فلن تستطيع أن تحصل منه على أفضل شيء. وأضاف: «يحدث أحياناً أن نرى ممثلين بأدوار قوية جداً وأداء قوي، ثم يظهرون بمستوى أقل في عمل آخر. هذا ليس عيب الممثل، لكن الكتابة لم تستفزّه، كما أن المخرج لم يوجّهه بشكل كافٍ ليستخرج أفضل ما عنده».

ويلفت الفنان إلى دور المخرج «الذي قد يجعل من النجم وجهاً جديداً، ومن الوجه الجديد نجماً»، وفق تعبيره، مضيفاً: «خصوصاً في السينما التي تعتمد على المخرج بشكل أساسي، في حين تعتمد الدراما التلفزيونية على الكتابة بالدرجة الأولى. طبعاً التمثيل مهم والإخراج أيضاً، لكن الكتابة هي نقطة الانطلاق الأساسية. آدم عبد الغفار مخرج واعد جداً، رغم أنه المسلسل الأول الذي يُخرجه بعدما قدَّم فيلماً قصيراً».

وكي يصل إلى هذا الأداء، عمل عمرو طويلاً على الشخصية، مثلما يقول: «أستفيد جداً من (بروفات الترابيزة)، حيث نجلس جميعاً ونستمع إلى بعضنا، ونصل إلى مرحلة ندخل فيها التصوير ونحن نحفظ السيناريو وندرك جميع جوانب الشخصيات. وحين أبدأ في التعلُّق بالشخصية، أناقش المخرج، لأنه قد تكون لديّ وجهة نظر تختلف عن المؤلف نفسه، وآدم عبد الغفار أعطانا سيناريو مُحكَماً ومكتوباً بطريقة رائعة».

وتظلّ للفنان إضافاته، مثلما يقول: «كلّ ممثل يضفي على الشخصية من روحه، كما أن مشاعر (الفرنساوي) كانت مختلطة ومعقَّدة، وتعرَّض لأزمات منذ طفولته غيَّرت مجرى حياته، وواجه صدمات عاطفية، فهي تركيبة مليئة بالأبعاد النفسية، وهذه من الأشياء الممتعة لي أن أجد شخصية بهذا الثراء الدرامي».

وعن فريق العمل، يُتابع: «بيننا انسجام كبير. فالفنانون الكبار جمال سليمان وسوسن بدر وأحمد فؤاد سليم وبيومي فؤاد، والشباب جنا الأشقر وإنجي كيوان وأحمد بهاء، كلهم أحبّوا المشروع، وظهرت هذه الكيمياء على الشاشة».

أبطال مسلسل «قانون الفرنساوي» (الملصق الدعائي)

ويُبدي يوسف سعادته بالتأثير الذي تركه المسلسل، قائلاً إنه «حاز إجماعاً، لأنه يخاطب الجميع. وسمعت كلاماً أسعدني، كما أشاد به النقّاد، مما يؤكد أنه لا تعارض بينهما، ولا خلاف على العمل الجيد».

ويضيف: «هذا النجاح كنا نراه على قنوات مفتوحة، ما يُعدُّ نجاحاً استثنائياً كونه عُرض عبر منصة مشفَّرة (يانغو بلاي)». ويرى أن القائمين عليها اهتموا كثيراً بالمشروع عبر حملة دعائية ناجحة، رغم عرضه في توقيت يشهد فترة ركود بعد زخم الموسم الرمضاني.

ويشير إلى أنه كان مهموماً بالحفاظ على الشخصية والتحكُّم بأفعالها وطريقة أدائها، مؤكداً أنه ليس ثمة مشهد سهل في المسلسل. ويلفت إلى مشهد مواجهته مع شخصية المحامي التي قدَّمها أحمد فؤاد سليم، وكذلك مشهد المواجهة بينه وبين شخصية جمال سليمان، إذ كان معنيّاً طوال الوقت بهذا المشهد لأنه موقف محوري ضمن السياق.

ويؤكد عمرو يوسف أنه يحاول ألا يحمل الشخصية التي يؤدّيها إلى بيته، وأنّ طلباته خلال انشغاله بالتصوير بسيطة ومعروفة، مشيراً إلى أنه يحب أن تقرأ زوجته كندة علوش أي عمل يقدّمه ويهمّه الاستماع إلى رأيها، لكنها لم تقرأ سيناريو مسلسل «قانون الفرنساوي»، واستمتعت بمشاهدته مثل الجمهور.

ويقرأ عمرو يوسف حالياً أكثر من سيناريو، كما يستعد لتصوير الجزء الثاني من فيلم «شقو»، مؤكداً أن العثور على سيناريو جيّد أمر صعب، وأنه ركز على السينما خلال العامين الماضيين، وقدَّم 4 أفلام «حقَّقت نجاحاً وإيرادات مهمة»، وفق قوله. وهي أفلام «شقو»، و«ولاد رزق 3» في 2024، وفي 2025 «السلم والتعبان» و«درويش»، لافتاً إلى أنّ السينما تظلُّ دائماً السؤال الصعب لأن نجاحها مرهون بشبّاك التذاكر.


ساندي بيلا: «سفن دوجز» رفع سقف طموحي فنياً

الفنانة اللبنانية ساندي بيلا (إنستغرام)
الفنانة اللبنانية ساندي بيلا (إنستغرام)
TT

ساندي بيلا: «سفن دوجز» رفع سقف طموحي فنياً

الفنانة اللبنانية ساندي بيلا (إنستغرام)
الفنانة اللبنانية ساندي بيلا (إنستغرام)

قالت الفنانة اللبنانية ساندي بيلا إن مشاركتها في فيلم «سفن دوجز» بدأت بشكل مفاجئ تماماً، بعدما تلقت اتصالاً من مديرة أعمالها تخبرها فيه بوجود مشروع سينمائي ضخم يجري التحضير له، مؤكدة أنها منذ اللحظة الأولى شعرت بأن العمل مختلف عن أي تجربة مرت بها من قبل.

وأضافت الفنانة لـ«الشرق الأوسط» أنها انجذبت مباشرة لشخصية «جيسيكا»، لأن الدور يحمل تفاصيل كثيرة ومساحة تمثيلية مغرية، وهو ما جعلها تتحمس بشدة لخوض التجربة دون تردد، مع معرفتها بحجم الإنتاج والأسماء المشاركة في الفيلم.

أوضحت ساندي بيلا أن أكثر ما جذبها في المشروع لم يكن فقط ضخامته الإنتاجية أو وجود نجوم عالميين، وإنما إحساسها بأن الشخصية حقيقية وقريبة منها نفسياً، مؤكدة أن «هذا النوع من الأدوار هو الذي يحمسني كممثلة، لكونه يمنحني فرصة لاكتشاف مناطق جديدة داخل نفسي».

واعتبرت أن اجتماع كل هذه العناصر، من التصوير في السعودية، والإنتاج الضخم، والعمل مع فريق عالمي، جعل التجربة تبدو استثنائية منذ بدايتها، لذلك اتخذت قرارها سريعاً وسافرت مباشرة لبدء التحضيرات والتدريبات المكثفة.

وعن التحضير للعمل قالت إنه «استمر لفترة طويلة وتطلب التزاماً كاملاً، لأن الأمر لم يكن مجرد حفظ حوار أو تنفيذ مشاهد حركة عادية، بل بناء شخصية تعيش داخل عالم مليء بالمطاردات والأكشن والإيقاع السريع»، مشيرة إلى أنها خضعت لتدريبات يومية قاسية استمرت لأكثر من شهرين، وكانت تتدرب ساعات طويلة بشكل متواصل، حتى في أيام الإجازات، بسبب رغبتها في الوصول لأعلى درجة من الجاهزية البدنية والنفسية قبل بدء التصوير.

وأكدت ساندي أن «التجربة كانت مرهقة للغاية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من التصوير جرى خلال شهر رمضان وفي أجواء شديدة الحرارة، بينما كانت مشاهد الأكشن تتطلب حركة مستمرة ومجهوداً بدنياً ضخماً يمتد أحياناً حتى ساعات الفجر الأولى»، لافتة إلى أنها كانت تعاني أحياناً من شدة الإرهاق، لكنها كانت تحاول دائماً ألا ينعكس ذلك على أدائها أمام الكاميرا، لكون طبيعة الشخصية كانت تحتاج إلى حضور قوي وطاقة مستمرة طوال الوقت.

ساندي بيلا شاركت في «سفن دوجز» (إنستغرام)

وعدّت أصعب مشاهد الفيلم بالنسبة لها «أحد مشاهد المطاردة فوق سطح مبنى مرتفع»، موضحة أن المشهد احتاج إلى ساعات طويلة من التصوير بسبب تعقيد الحركة والركض المستمر تحت الشمس، إضافة إلى الصيام والإجهاد البدني الكبير، وأشارت إلى أنها أثناء قراءة السيناريو لم تتوقع أن يتحول المشهد إلى هذا المستوى من الصعوبة، لكن طبيعة العمل نفسها كانت تعتمد على تطوير مشاهد الأكشن بشكل يومي داخل موقع التصوير، وهو ما رفع سقف التحدي بصورة أكبر كثيراً مما تخيلته.

وعن تجربتها مع المخرجين عادل العربي وبلال فلاح، قالت الفنانة اللبنانية إن أكثر ما ميّزهما هو منحهما الممثل مساحة كبيرة للنقاش والتفكير داخل الشخصية، مؤكدة أنهما كانا يستمعان لكل التفاصيل والملاحظات باهتمام شديد، ويحاولان دائماً خلق أجواء مريحة داخل موقع التصوير تساعد الممثل لتقديم أفضل ما لديه.

كما تحدثت ساندي عن كواليس العمل مع النجمة الإيطالية مونيكا بيلوتشي، مؤكدة أنها تعلمت منها الكثير على المستوى المهني والإنساني، وأكثر ما لفت انتباهها هو التزامها الشديد وتواضعها الكبير رغم مكانتها العالمية.

وأضافت أن «بيلوتشي كانت دقيقة للغاية في مواعيدها، هادئة داخل الكواليس، وتتعامل مع الجميع ببساطة واحترام شديدين، ووجود فنانة مثلها داخل موقع التصوير كان درساً حقيقياً في الاحتراف، لأن نجاحها الكبير لم يمنعها أبداً من التعامل بروح متواضعة ومريحة مع كل فريق العمل».

وتطرقت إلى التعاون مع أحمد عز وكريم عبد العزيز مع وجود العديد من المشاهد التي تجمعها معهما، مؤكدة أن «روح التعاون داخل الكواليس كانت من أكثر الأشياء التي ساعدت على تجاوز صعوبة التجربة، لأن الجميع كان يعمل بروح واحدة بهدف تقديم فيلم يخرج بأفضل صورة ممكنة ويترك أثراً لدى الجمهور»، وفق تعبيرها.

وأكدت أنها تشعر بأن التجربة قد تمثل نقطة تحول مهمة في مسيرتها الفنية، لكونها منحتها فرصة للعمل وسط أسماء كبيرة وتجربة إنتاجية عالمية، لافتة إلى أنها لن تتردد في الموافقة على استكمال الدور في جزء جديد من العمل مع حرصها على متابعة ردود الفعل من الجمهور.


«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)
عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)
TT

«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)
عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)

لم تكن «اللحمة» مجرد طعام على موائد المصريين، بل كانت دائماً تحمل معنى أكبر، فهي دليل وليمة محترمة، وعلامة على «الستر» و«الهيبة»، وقد تكون سبباً في أزمة عائلية، أو أمنية بسيطة لشخص فقير يتمنى أن يظفر ولو بقطعة منها.

من مطابخ الحارة الشعبية، إلى موائد الباشوات، وثّقت السينما المصرية منذ زمن «الأبيض والأسود» علاقة الشعب المصري باللحوم، تارة باعتبارها رمزاً للرخاء، ومرات عديدة كحُلم بعيد المنال، وصولاً إلى زمن تصاعدت فيه أسعارها بشكل كبير، وباتت مثار جدل يومي بين الأسر المتوسطة والفقيرة.

ظلت اللحوم تمثل أزمة مجتمعية وسياسية منذ سبعينات القرن الماضي في مصر، ففي الثمانينات طالب الرئيس السادات بمقاطعة شراء اللحوم لمدة شهر لمواجهة جشع التجار والارتفاع المتواصل في أسعارها، كما توسعت الدولة على مدى سنوات في طرح منافذ وشوادر لتوفير اللحوم بأسعار أقل.

ورغم تحذيرات خبراء التغذية من أضرارها الصحية، فإن غرام المصريين بها لم يتأثر، وظلت «سيدة المائدة» لمن استطاع، وأمنية غالية لمن لا يملك ثمنها.

محل الجزارة في فيلم «على باب الوزير» (يوتيوب)

ومع حلول عيد الأضحى المبارك الذي يرتبط أساساً باللحمة، يعود السؤال القديم الذي طرحته السينما لعقود بصيغ مختلفة: «هل اللحمة مجرد طعام... أم حكاية اجتماعية كاملة عن الطبقية والكرامة والفرحة؟»، فقد تحولت على يد صناع الأفلام من تفصيلة عابرة في مشهد مطبخ، أو فوق «طبلية ناس غلابة»، يتولى رب الأسرة توزيعها بين أولاده، إلى مرآة حقيقية تكشف تغير المجتمع المصري، وأحلامه الصغيرة عبر الزمن.

في فيلم «الحفيد» الصادر عام 1974، تُصر الأم التي تؤدي دورها الفنانة كريمة مختار على شراء زوجها لـ«البفتيك» إحدى قطعيات اللحوم المميزة، لتكون السفرة عامرة أمام أسرة زوج ابنتهم؛ ما يعكس مكانة اللحم رمزاً للوجاهة الاجتماعية، ويقول لها مدبولي بغيظ «و «البوفتيك.. لازم البوفتيك عشان محدش يقول حاجة».

وفي فيلم «على باب الوزير» 1982، يقع عادل إمام في حب يسرا ابنة الجزار «حلاوة العنتبلي» الذي يؤدي دوره صلاح نظمي، ويذهب لطلب يدها من والدها فيسأله: «أنت عارف أنا مين، أنا حلاوة ملك اللحمة، عارف يعني إيه لحمة؟» فيرد عليه: «أعرفها (طشاش) بمعنى معرفة نادرة، ومع معرفته بغش العنتبلي للحوم يستدعي أصدقاءه ليَدعوا أنهم من لجان تفتيش الصحة، ويقوموا بالاستيلاء على أموال محل الجزارة، ويحملوا اللحوم إلى سيارتهم، ويقول عادل إمام: «هنعمل عليها شوربة عشان نتأكد إنها سليمة».

ويتصدر الفنان عادل إمام بمشاهد عديدة تتعلق بـ«اللحمة» في أفلامه، ففي فيلم «عصابة حمادة وتوتو» الذي قام ببطولته في ذات العام مع لبلبة، يثير بشكل ساخر مستوى الدخل والقدرة الشرائية للمواطن في ظل الغلاء ووصول سعر كيلو اللحم إلى 5 جنيهات في مشهد يصبح أكثر سخرية لو تمت مقارنته بالسعر الحالي «الذي تضاعف 100 مرة» بعدما وصل سعر الكيلو الآن نحو 500 جنيه (الدولار يعادل نحو 53.09 جنيه مصري) أي أن سعر الكيلو 10 دولارات، وفي فيلم «بخيت وعديلة» بعدما أصبح صاحب ثروة يطلب كميات كبيرة من الطعام بالفندق، وينقض عليها وهو يردد بسعادة: «أنا من البلد دي».

ولا يمكن أن ننسى دور النجم الكوميدي الكبير في فيلم «الإرهاب والكباب» الذي كتبه وحيد حامد وأخرجه شريف عرفة، وقد ربط بين معاناة البطل في رحلته لنقل طفله إلى مدرسة قريبة من سكنه، ليتحول بين لحظة وأخرى إلى إرهابي يهدد العاملين والمترددين على «مُجمع التحرير»، وحينما يتصدى وزير الداخلية الذي أداه كمال الشناوي للتفاهم معهم لإطلاق سراح المحتجزين ويسألهم عن طلباتهم، يطلبوا جميعاً تناول «الكباب» وهم يتغنون به «الكباب الكباب يانخلي عيشتكو هباب»، هذا الكباب المعروف بأسعاره الباهظة للمواطن العادي، والمُعد من لحوم يتم شيها، تُقدم مع الكفتة المعدة أيضاً من اللحوم.

فيلم «بوحة» ارتكز على العمل في المذبح (السينما دوت كوم)

ويلفت الناقد أحمد سعد الدين إلى أفلام أخرى للزعيم حضرت فيها مشاهد أيقونية للحم مثل «سلام يا صاحبي» و«حتى لا يطير الدخان» مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «عادل إمام كبطل شعبي تخاطب أفلامه الطبقة الشعبية، وتنقل نبضها تعامل مع (اللحمة) كرمز مهم، لأن الفقير لا يستطيع شراءها، وقد عبر عنها بشكل واقعي»، مؤكداً أن معظم هذه الأفلام من إخرج محمد عبد العزيز، وهو مخرج كوميدي بالأساس، لكنها لم تخل من نقد للمجتمع أو تقديم هذه المشاهد بشكل أقرب للكوميديا السوداء.

ومن الكوميديا إلي الواقعية كانت اللحمة حاضرة في فيلم «حين ميسرة» للمؤلف ناصر عبد الرحمن والمخرج خالد يوسف الذي تعرض لطبقة المهمشين اجتماعياً واقتصادياً، وفي يوم عيد الأضحى حيث ينالهم بعض لحوم الأضاحي، نجد الأسرة مجتمعة لتشارك في عمل «فتة العيد»، ورغم البؤس الذي يبدون عليه جميعاً فإن انغماسهم في تحضير اللحم يرسم بسمة وسعادة نادرة على وجوههم.

بينما أطلت اللحمة مجدداً مع الكوميديا من خلال الفنان أحمد حلمي في فيلم «عسل أسود» 2010، عبر شخصية الشاب الذي هاجر إلى الولايات المتحدة طفلاً، ويعود لمصر حاملاً جواز سفر أميركياً، وفي أحد المشاهد بينما يجلس على الرصيف بعدما تعرض لسرقة متعلقاته، يتفاجأ بمن تتجه نحوه وتعطيه كيساً من اللحم «تؤدي دورها الراقصة دينا»، فيبدو مندهشاً ويسألها ما هذا ؟ تخبره بأنها «تقوم بتوزيع اللحمة على الغلابة»، فيرد عليها أنا مصري «وهو اسمه في الفيلم» لترد عليه «تبقى غلبان وتستحق».

لم تغب اللحمة عن السينما المصرية؛ ما يعكس تقديرها والحنين إليها وإلى «عوالمها» و«قطعياتها» و«حلوياتها»، فقد ترددت في أفلام عديدة على غرار «بوحة» لمحمد سعد حيث مشاهد كوميدية لطقوس الذبح، خصوصاً الـ«إيفيه» الشهير: «تصدق سلخت قبل ما أدبح». كما ظهر محل الجزارة في فيلم «معبودة الجماهير» حيث تحول العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ لصبي جزار عند المعلم «محمد رضا»، وفي «السفيرة عزيزة» 1961 لسعاد حسني وشكري سرحان، و«المدبح» 1985 لنادية الجندي، و«السلخانة» 1982 لمديحة كامل وعادل أدهم، وحتى فيلم «جوازة في جنازة» 2025 حيث يعمل شريف سلامة وأسرته في تجارة اللحوم، ويمثلون طبقة الأثرياء الجدد.

وقال المؤلف ناصر عبد الرحمن الذي طرح مشاهد اللحمة في أفلام «حين ميسرة»، و«دكان شحاتة» و«أبو هيبة» إن «اللحمة أغلى سلعة غذائية لها علاقة بالجوع»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هناك نوع من التضامن يتحقق في عيد الأضحى حيث يتناولها الغني والفقير، لذا يُطلق عليه الفقراء (عيد اللحمة) وهو ما يتحقق أيضاً في شهر رمضان مثلما عبرت عنه في (دكان شحاتة)»، لافتاً إلى أنه يقدم رؤيته بشكل واقعي كون «اللحمة» جزءاً من الخطاب اليومي للمجتمع المصري.

ربما تغيرت الأسعار، وتبدلت الموائد، واختفت «صينية اللحمة» من بيوت عديدة، غير أن السينما المصرية احتفظت دائماً بصورة قديمة لعائلة مجتمعة حول «سفرة العيد» وقطعة لحم كانت وستظل تعكس «الهيبة» و«التمني»، وتحقق قدراً من الفرح والسعادة.