«الشرق الأوسط» في موسم الجوائز: «القضية 23» في قائمة سباق أوسكار أفضل فيلم

الإعلان عن الأفلام التسعة غير الناطقة بالإنجليزية المرشحة للفوز

TT

«الشرق الأوسط» في موسم الجوائز: «القضية 23» في قائمة سباق أوسكار أفضل فيلم

أعلن عن الأفلام التسعة غير الناطقة بالإنجليزية المرشحة للقائمة الرسمية لأوسكار أفضل فيلم أجنبي من ضمنها الفيلم اللبناني «القضية 23».
وكانت «جمعية مراسلو هوليوود الأجانب» قد أعلنت ترشيحاتها النهائية وجاءت متقاربة للغاية، فالفيلم الروسي «بلا حب» والفيلم السويدي «الميدان» والفيلم التشيلي «امرأة رائعة» والفيلم التركي «في الاختفاء» رُشّحت لـ«الغولدن غلوبس». الاستثناء الوحيد كان في وجود الفيلم الكمبودي «أولاً قتلوا والدي» لأنجلينا جولي بين أفلام هذا الفرع.
وتحاشت الجمعية ترشيح الفيلم اللبناني «الإهانة» (أو «القضية 23» كما أطلق عليه حين عرض في بيروت) كما الفيلم الإسرائيلي «فوكستروت» وكلاهما اشترك في مسابقة مهرجان فينيسيا الأخير، حيث خرج «الإهانة» بجائزة أفضل ممثل لأحد بطلي الفيلم؛ كامل الباشا.
«الإهانة» كان أول فيلم شاهدته لجنة اختيار الأفلام الأجنبية في «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» وذلك عندما عُرض عليها في صالة «ذا إيجبشن» في هوليوود. وهذه اللجنة تشاهد كل ما يصل إليها (92 فيلماً من 92 دولة هذا العام) تمهيداً لإصدار القائمة الأطول التي أعلنت يوم أمس (الجمعة)، المؤلفة من تسعة أفلام. هذه الأفلام تعرض على مجموعة أكبر من الأعضاء وعندما تُنتخب الخمسة الرسمية منها، يصبح لزاماً على كل الأعضاء (نحو 6200 فرد) مشاهدتها والتصويت لأحدها.
وكان الأسبوع ذاته قد شهد إعلان جوائز «الاتحاد الأوروبي» في مناسبته الثلاثين. هذه الجوائز تنتمي إلى «أكاديمية الفيلم الأوروبي» المؤلفة من «أكثر من 3000 عضو»، كما يذكر الموقع المخصص لها من دون تحديد أكثر.
جاءت الجوائز لمصلحة فيلم روبن أوستلند «الميدان»، إذ خرج بجائزة أفضل فيلم أوروبي وأفضل فيلم كوميدي أوروبي وفاز المخرج بجائزة أفضل مخرج، بينما فاز بطله كلاوس بانغ بجائزة أفضل ممثل، وذهبت جائزة أفضل سيناريو للمخرج أوستلند أيضاً.
حملت وعوداً
حتى اللحظات الأخيرة قبل إعلان ترشيحات الأوسكار في هذا المجال، لم يتوقع كثيرون وصول «الإهانة» أو أي فيلم عربي إليها. علماً بأن الوصول إلى هذه القائمة الأولى ليس سوى الجزء الأول (والأبسط) من المعادلة؛ فالأهم هو الوصول إلى الترشيحات الرسمية.
لكنّنا ذكرنا هنا قبل أشهر عدة من أن «الإهانة» هو الفيلم المقدم عربياً الأكثر احتمالاً لدخول الترشيحات. وللتذكير فإنّ الأفلام التي أرسلت بأسماء دول عربية لدخول سباق الأوسكار في سباق «أفضل فيلم أجنبي» تألفت من
> «الطريق إلى إسطنبول» لرشيد بوشارب (الجزائر)
> «الشيخ جاكسون» لعمرو سلامة (مصر)
> «العاصفة السوداء» لحسين حسن (العراق)
> «الإهانة» («القضية 23») لزياد الدويري (لبنان)
> «غزية» لنبيل عيوش (المغرب)
> «واجب» لماري آن جاسر (فلسطين)
> «غاندي الصغير» لسام قاضي (سوريا)
> «آخر واحد فينا» لعلاء الدين سليم (تونس)
بعض هذه الأفلام، مثل «العاصفة السوداء»، كان أكثر ركاكة من أن يسمح المنتخبون لأنفسهم بالتصويت له، لكنّ غالبية الأفلام الأخرى، مثل «واجب» و«غزية» و«آخر واحد فينا»، حملت وعوداً محدودة لكونها تنطق بمواضيع لا تقفز فوق حواجز الثقافات أو لا تبدو، بسبب أسلوب صنعها ومحدودية إنتاجها، ملحة.
هذا ما تجنبه فيلم زياد الدويري لأن «الإهانة» إذ تقع أحداثه محلياً، تمتع بقدر من عالمية السياق بحيث بدا قابلاً للانتقال بسهولة أكثر من سواه وهذا ما تحقق بالفعل.
لكنّ هذا لا يعني أن هذه المواصفات الإيجابية التي أدت به إلى الاشتراك في اللائحة المبدئية التي أعلنت بالأمس ستؤدي به، بالضرورة، إلى قائمة الترشيحات الرسمية. في أفضل الأحوال يقف الفيلم أمام احتمالين متناصفين: احتمال أن يدخل الترشيحات الرسمية موازٍ لاحتمال عدم دخوله.
الأقوى احتمالاً من بين تلك الأفلام هي ثلاثة شبه مؤكدة:
«الميدان» لروبن أوستلند، و«بلا حب» لأندريه زفيغنتسيف، و«فوكستروت» لسامويل ماعوز. كل واحد من هذه الأفلام دخل أيضاً، كما سبق القول، سباق «الغولدن غلوبس» ما يعني أن هناك تأكيداً معنوياً عليه وبذلك ترتفع احتمالات وصوله إلى الترشيحات الرسمية إلى 75 في المائة.
الأفلام الباقية تهبط التوقعات فيها لما دون ذلك.
نقدياً، تتمتع القائمة المعلنة بسهل خصب من المواضيع المطروحة كل بأسلوب عمل مختلف. ولتقريب الصورة أكثر بقليل فإنّ الأعمال المتوفرة أعلاه، تختلف كثيراً في المواضيع كما في أشكال السرد ومعالجاته لها.
لكن لمن يتساءل عمّا إذا كان تغييب معظم الأفلام العربية عن الترشيحات أمر له أبعاد وخلفيات، فإنّ الجواب لا يتفق مع ما تمضي به بعض الأذهان. لا ننسى أنّ أفلاماً كثيرة مثلت دولاً غربية كثيرة لم يتح لها أيضاً الانخراط في القائمة المبدئية الواردة. من بينها على سبيل المثال فقط، فيلم مايكل هنيكه «نهاية سعيدة» (النمسا) و«دقات بالدقيقة» لروبن كامبيلو (فرنسا) و«ثلما» لوكيم تراير (نروج) و«سائق تاكسي» للجانغ هون (كوريا الجنوبية).
عن الجسد والروح (المجر)
فاز فيلم إلديكو إنيادي هذا بجائزة مهرجان برلين الأولى وهو عن لقاء بين رجل (بيد معاقة) يعمل مدير حسابات في مسلخ للبقر، ومراقبة صحية تعيش وحيدة. يسبق هذا اللقاء، كما يكشف الفيلم لاحقاً، أنّ كلا منهما كان يرى الحلم ذاته الذي يراه الآخر. نحن في البداية لا نعرف ما وجه العلاقة، لكن عندما يحال الاثنان إلى طبيبة نفسية تتضح المسألة ولو أن الطبيبة لا تستطيع توفير سبب علمي لها. إخراج للسينمائية العائدة بعد سنوات من الغياب مع تصميم نافذ للقطاتها ما يبلور عملاً متأنياً ومرتباً في الشكل ومستساغاً في الأسلوب.
امرأة رائعة (تشيلي)
هذا أيضاً من عروض مهرجان برلين في مطلع السنة وهو فاز بجائزة أفضل سيناريو كما وضعه المخرج سابستيان ليليو وغونزاليس مازا. فيلم ليليو السابق، «غلوريا»، تعامل جيداً مع وضع امرأة تجاوزت الأربعين وتجد نفسها منبوذة على ثرائها. «امرأة رائعة» عن مارينا (دانييلا فيغا) التي تعمل مغنية ونادلة في بار في مدينة سانتياغو وتلتقي برجل يكبرها سناً ويصبحان صديقان. بعد قليل تصبح بدورها منبوذة فعشيقها يسقط ميتاً إثر تناولهما الطعام ومحنتها تبدأ هنا، فجميع من حولها (باستثناء شقيقتها ومعلم الموسيقى) من معارفها أو من الذين يلتقون بها يتهمونها، علانية أو خفية، بأنّها تخلصت منه بتسميمه. للفيلم سوداويته لكنّها مبررة. ما هو أضعف تبريراً كثرة المشاهد المؤسسة بغرض يتجاوز المدى المطلوب بتكرارها، كمشاهد المرايا التي أريد لها أن تعكس صورة مارينا في لحظاتها المرّة.
في الانطفاء (ألمانيا)
يلتقي فيلم فاتح أكين، من حيث لم يُخطط له، مع فيلم زياد الدويري «الإهانة» بأن كليهما يتعامل مع قضية معروضة على المحكمة. قضية لها علاقة بالانتهاك والإهانة والضغينة والعنصرية التي تعيش بين البشر في مجتمع واحد. الحكاية هي التي تختلف: دايان كروغر تؤدي دور الزوجة الألمانية التي تفقد زوجها التركي وابنهما على يدي شابين من «النازيين الجدد». البداية الحادة هي ما تبقى للمخرج أكين من بين ما اشتهر به في أفلامه السابقة مثل «تصادم» (Head‪ - ‬on)بعدها يغوص الفيلم في منوال روتيني من معالجة وضع الزوجة وسعيها لكسب القضية إحقاقاً للعدالة. تمثيل كروغر جيد طوال الوقت، وهو ما يساعد المخرج على حماية فيلمه من الانطفاء التدريجي بدوره. لا يستحق ما تعرض إليه من بعض النقاد. أحدهم تساءل: لمَ لا يلقي المخرج الضوء على «المتطرفين الإسلاميين» وليس على النازيين الجدد الذين قتلوا أقل ممّا قتل المتطرفون، لكنّ ما فات هذه الكتابات أن الأحداث، المستخلصة من قضية واقعية، دارت قبل عام 2000 وليس بعده.
الإهانة (لبنان)
كما تقدم، «الإهانة» يحمل موضوعاً واضحاً وفيه عمق في جوهره. إنّه حكاية متخيلة لكنّها قابلة للتصديق: لبناني مسيحي ما زال يعيش في جو خطب الأحزاب اليمينية، وفلسطيني مسلم يعيش في أحد المخيمات، وفي أحد الأيام يلتقيان على حادثة بدت بسيطة: الفلسطيني يشرف على فريق من بلدية بيروت وعمله ينص على تركيب مزراب جديد لشرفة منزل اللبناني الذي ما أن يسمع لكنته الفلسطينية حتى يصب الماء عليه ويكسر المزراب الجديد. ما سيلي هو قضية رفعها اللبناني على الفلسطيني عندما شتمه لفظياً، لكنّ اللبناني كان شتم الفلسطيني عندما تمنى لو أنّ شارون قتل كل الفلسطينيين خلال مذبحة صبرا وشاتيلا. كلاهما إنسان جرحته الحروب وردات أفعالها التي لا تندمل. الأول خسرت عائلته وجودها في الجنوب عندما هاجم الفلسطينيون بقاعهم، والثاني خسر وطنه عندما احتل اليهود أراضي الفسطينيين.
بلا حب (روسيا)
تفكك أسري يتبلور وأبعاده عندما يختفي الصبي وهو عائد من المدرسة قاصداً طريقاً غير مطروقة بمحاذاة البحيرة. كما تقدم في كتاباتنا السابقة عن هذا الفيلم (منذ أن عُرض في مهرجان «كان» حيث نال جائزة التحكيم) يتمحور «بلا حب» على أب وأم يعيشان منفصلين كل مع شريك جديد. والمخرج زفيغنتسف لا يخفي نظرته المدينة للمرأة أكثر من الرجل منذ أول أفلامه، «العودة»، 2003. لكن على صعيد آخر فإن هذا الفيلم منوال فني ودرامي مثير للاهتمام وسخي في تأملاته.
الميدان (السويد)
الفيلم الذي فاز بجائزة مهرجان «كان» الأولى نقد لحياة النخبة والمجتمع بمعالجة سوريالية ساخرة بطلها كرستيان (كلاوس بانغ) الذي يتعرض لحادثة نشل في اليوم الذي كان يتجه فيه لافتتاح متحف جديد اسمه «الميدان». يجد نفسه في متاهة ما بين البحث عن الناشل والوصول إلى الافتتاح في الوقت المحدد. السلوكيات غير الإنسانية والعبثية هي بعض ما يحتويه «الميدان» ويأتي في جرعات متوالية على سطح حدثين رئيسيين يلتقيان كموضوع وفي إطار شخصيات مشتركة. منوال المخرج روبِن أوستلند هو تلاطم ملاحظات نقدية ساخرة وحادة حول الحياة الأسرية والاجتماعية والثقافية كاشفاً عن نسبة عالية من الأنانية يسقط خلالها كرستيان ضحية مواقف عدائية من المحيطين به، كما من الإعلام والمؤسسة التي تطالبه بأكثر مما هو قادر على فعله. لكن الفيلم لا يعفي بطله هذا من المسؤولية. تصرفاته ليست منطقية في كثير من الأحيان، وهو يتخلى عن ضوابطه ووقاره في الوقت الذي يوازيه الفيلم كاسراً تقاليد السرد وعابثاً بجمالياته مؤسساً لفوضى تتشابه، لكنّها لا ترتقي لصنو أفلام روي أندرسون المهتم بالشواغل ذاتها لكن على طريقته.
«فوكستروت» (إسرائيل)
لم يتسنّ لهذا الناقد مشاهدة الفيلم بعد (ولو أن هذا سيحدث قريباً)، لكنّ «فوكستروت» (شفرة إذاعية يستخدمها العسكر، وتعني حرف «F»، كما هي رقصة تنص على الانتقال ما بين خطوتين بطيئتين وخطوتين سريعتين) يتلقف الثناء النقدي منذ عرضه في مهرجان فينيسيا، وصولاً إلى عروضه التجارية حول العالم. مقسم إلى ثلاثة أقسام كل قسم مكمّل للآخر ويتحدث عن ثلة من الجنود الإسرائيليين عند حاجز عسكري ما بين اللهو والخطر، الثقة بالنفس والهزة النفسية والعاطفية العميقة وأثر كل ذلك على الداخل من خلال شخصيتي أب وأم لأحد الجنود.
حبور (السنغال)
تقع الأحداث في الكونغو وتدور حول المغنية التي تخفي دموع أحزانها كل ليلة، وذات يوم تهرع إلى المستشفى عندما أخبروها أنّ ابنها الشاب تعرض لحادث سيارة. عليها الآن أن تستدين المال لإجراء عملية في ساق ابنها قبل أن تُبتر. تدور على أقاربها ومعارفها ويُجمع المال لها، لكنّه لا يكفي فتتوجه إلى أخيها الثري الذي ينكر وجودها، وكل ذلك يأخذ وقتاً طويلاً من حياتها ومن الفيلم. وعندما تحصل على المال، تكون ساق ابنها قد بُتِرت بالفعل لإنقاذه من الموت. نال جائزة لجنة التحكيم من مهرجان برلين السينمائي، لكنّ الجائزة بدت فضفاضة بعض الشيء إذ إن الفيلم إذ يصر على تصوير واقع بائس يكمل تصويره ذاك من دون إضافة ما يذكر سوى المزيد من البؤس.
الجرح (جنوب أفريقيا)
هذا الفيلم الأفريقي الآخر في اللائحة هو الفيلم الثاني الذي لم تُتَح مشاهدته بعد. لكن موضوعه الذي يدور حول شاب مثلي يبحث عن مكانه المناسب في مجتمع قروي لا يزال يتجاذب العلاقات الجنسية المكبوتة، بلور اهتمام مهرجان «صندانس» به من قبل.

الأفلام التسعة المرشحة للقائمة الرسمية لأوسكار أفضل فيلم أجنبي
> «عن الجسد والروح» لإلديكو إنيادي (المجر)
> «امرأة رائعة» لسيباستيان ليليو (تشيلي)
> «في الانطفاء» لفاتح أكِن (ألمانيا)
> «الإهانة» لزياد الدويري (لبنان)
> «بلا حب» لأندريه زفيغنتسيف (روسيا)
> «الميدان» لروبن أوستلند (السويد)
> «فوكستروت» لسامويل ماعوز (إسرائيل)
> «فيليسيتي» لألان غوميز (السنغال)
> «الجرح» لجون ترنغوف (جنوب أفريقيا)


مقالات ذات صلة

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».