ستحمل الأيام المقبلة إشارات إلى مدى استجابة دمشق لـ«نصائح» موسكو، وحدود قدرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الوفاء بالتزامات قطعها إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب، وتفاهم عليها مع نظيريه التركي رجب طيب إردوغان والإيراني حسن روحاني، وهي: بدء عملية إصلاح دستوري في سوريا عبر تشكيل لجنة دستورية من الحكومة والمعارضة تمهد لانتخابات برلمانية ورئاسية برقابة الأمم المتحدة، ومشاركة المخولين من الشتات السوري بموجب مفاعيل القرار 2254.
نجحت موسكو مبدئياً في إعادة الوفد الحكومي برئاسة السفير بشار الجعفري إلى مائدة المفاوضات السورية. وهو يصل مساء اليوم إلى بيروت على أن يتوجه غداً إلى جنيف للمشاركة في القسم الثاني من الجولة الثامنة من المفاوضات التي تنتهي في 15 الشهر الحالي، لكن ليس معروفاً ما إذا كان هذا يعني الاستعداد للخوض في جوهر المفاوضات، والمضي مع رغبة الرئيس بوتين بالانتقال إلى «التسوية السياسية، وإصلاح الدستور، والانتخابات البرلمانية والرئاسية» بعدما تمت هزيمة «داعش».
وكان المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا وضع لهذه الجولة ثلاثة أهداف: الاتفاق بين وفدي الحكومة و«الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة على مبادئ لسوريا المستقبل من 12 بنداً، إطلاق مفاوضات لبحث ملف الدستور، بدء التفاوض على موضوع الانتخابات. عليه، سلم دي ميستورا الوفدين ورقته «الحية» من 12 بنداً، وطلب ردوداً عليها. وفد «الهيئة العليا» سلم ورقته وتضمنت ردوداً وبعض التعديلات، في وقت رفض الجعفري الخوض في ورقة دي ميستورا.
الرهان كان أن يتم إطلاق عجلة عملية الإصلاح الدستوري في جنيف لمباركتها في مؤتمر «الحوار الوطني السوري» في سوتشي، ثم العودة إلى جنيف لشرعنتها وتوفير مظلة الدعم الدولي. لكن قبل انتهاء القسم الأول من الجولة الثامنة، عقد الجعفري مؤتمراً صحافياً اتهم فيه المبعوث الدولي بـ«الخروج عن ولايته» لدى طرحه ورقة قبل أن يرد على وثيقة للوفد الحكومي تعود إلى مارس (آذار) الماضي، وبالتالي «خرق شكليات وإجراءات المبعوث الدولي». كما انتقد وفد «الهيئة» ومبادئ موقفه السياسي التي صدرت في مؤتمر المعارضة الموسع في الرياض، خصوصاً لجهة المطالبة بخروج الرئيس بشار الأسد «عند بدء المرحلة الانتقالية»، واعتبر ذلك «شرطاً مسبقاً» في وقت كان مفروضاً أن تجري المفاوضات «من دون شروط مسبقة».
موقف الجعفري، الذي غادر جنيف من دون القول ما إذا كان سيعود إليها أم لا، تاركاً الأمر لقرار دمشق، قوبل لأول مرة بـ«امتعاض شديد» من دي ميستورا الذي أشار في تصريحات صحافية إلى أنه سيحدد المسؤول عن عدم تحقيق اختراق في المفاوضات، بحسب مبعوثي دول غربية في جنيف. وقال دبلوماسيون غربيون: إن السفير الجعفري «لم يميز بين مهمة دي ميستورا باعتباره وسيطاً يحق له تقديم مقترحات وأوراق للأطراف المتنازعة، وبين آليات وإجراءات الأمم المتحدة».
في المقابل، انتقدت مصادر روسية موقف «الهيئة» المعارضة، خصوصاً ما يخص الأسد. وطالبت بأن تكون «واقعية، وتتخلى عن هذا الشرط وترى الواقع والتغييرات الحاصلة في سوريا وخارجها». وواصل وفد «الهيئة» المعارضة مشاوراته في جنيف خلال غياب وفد دمشق، وإن كان مستوى حضور المعارضة خفض سواء على مستوى رئاسة الوفد أو مضمون المشاورات.
لكن الأنظار اتجهت إلى دمشق: هل سيأتي الوفد الحكومي إلى جنيف أم لا؟ وهل سيأتي مستعداً للخوص في المفاوضات؟ هل انتقل رهان دمشق من جنيف إلى مؤتمر سوتشي الذي تنوي موسكو عقده نهاية الشهر المقبل أو بداية فبراير (شباط)؟
ظهرت أكثر من مناشدة غربية لروسيا للتدخل، كان آخرها من وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون لدى لقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف في فيينا أول من أمس. أسفر ذلك عن إعادة الوفد إلى جنيف، لكن في المقابل حصلت موسكو على تنازل أميركي جديد بعدم عرقلة مسار مؤتمر سوتشي الذي سيبنى على لقاء ثلاثي روسي - تركي - إيراني في آستانة في 21 الشهر المقبل.
وليست هناك معلومات أكيدة إزاء التعليمات التي قدمت للسفير الجعفري، وما إذا كان سيبقى مركزاً على شكليات المفاوضات، أم سيخوض في الجوهر؟
وبحسب معلومات، هناك خياران: أن ينتقل وفد دمشق من الإجراءات والشكل للخوض في مفاوضات تفصيلية إزاء ورقة المبادئ الـ12، والمطالبة بموقف موحد من المعارضة بإدانة قرار واشنطن نقل السفارة إلى القدس، من دون مفاوضات جوهرية إزاء الدستور. وقال مصدر: «ربما هناك استعداد لنقاش فكري عن الدستور، لكن المفاوضات ستحصل في سوتشي. لذلك؛ فإن الاستراتيجية تقوم على شراء الوقت إلى حين إجراء الانتخابات البرلمانية منتصف العام المقبل، ثم بحث تعديل الدستور الحالي ضمن البرلمان». أما الخيار الآخر، أن تضغط موسكو لبدء مسار دستوري في جنيف قبل مؤتمر سوتشي، خصوصاً أن الجانب الروسي في حاجة إلى مظلة دولية لمساري آستانة وسوتشي. وأشار دبلوماسي غربي إلى أن موسكو أبلغت عواصم غربية أنها «تمارس ضغوطاً هائلة على دمشق كي تقبل تشكيل لجنة دستورية مشتركة من المعارضة والحكومة لصوغ الدستور الجديد». وأضاف: «بوتين لديه التزامات أمام ترمب ورؤساء من المنطقة وسيقوم في لحظة ما باستخدام نفوذه على دمشق لقبول إطلاق قطار الإصلاح الدستوري؛ تمهيداً لانتخابات برلمانية ورئاسية برقابة دولية؛ ما يعني تشكيل لجنة الدستور مع انعقاد مؤتمر سوتشي في حدود نهاية يناير (كانون الثاني)، أي قبل إجراء الانتخابات البرلمانية الجديدة».
وبحسب الأنباء، فإن استراتيجية الوفد الحكومي التفاوضية بدءاً من الاثنين ستكشف في أي من الاتجاهين تسير المرحلة المقبلة، التي تضمنت جديداً هو استعداد دولي لتحميل دمشق مسؤولية فشل المسار التفاوضي، وبحث ذلك مع الكرملين الذي يسعى «قيصره» إلى خوض انتخابات رئاسية في 18 مارس المقبل.
11:42 دقيقه
تشكيل لجنة دستورية مشتركة في جنيف يختبر نفوذ موسكو على دمشق
https://aawsat.com/home/article/1107731/%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84-%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D8%AE%D8%AA%D8%A8%D8%B1-%D9%86%D9%81%D9%88%D8%B0-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%83%D9%88-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82
تشكيل لجنة دستورية مشتركة في جنيف يختبر نفوذ موسكو على دمشق
ترقب لسلوك موقف الوفد الحكومي في القسم الثاني من جولة المفاوضات
دي ميستورا خلال مفاوضات جنيف (أ.ف.ب)
- لندن: إبراهيم حميدي
- لندن: إبراهيم حميدي
تشكيل لجنة دستورية مشتركة في جنيف يختبر نفوذ موسكو على دمشق
دي ميستورا خلال مفاوضات جنيف (أ.ف.ب)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








