ضجة تثيرها خريطة في كتاب مدرسي تعتمد «إسرائيل» بدل فلسطين

لبنان بلا كتاب تاريخ موحد... والسياسة تنخر التعليم

الخريطة المدرسية التي أثارت اللغط أمس بسبب إشارتها إلى إسرائيل كدولة تقع جنوب لبنان (مواقع التواصل)
الخريطة المدرسية التي أثارت اللغط أمس بسبب إشارتها إلى إسرائيل كدولة تقع جنوب لبنان (مواقع التواصل)
TT

ضجة تثيرها خريطة في كتاب مدرسي تعتمد «إسرائيل» بدل فلسطين

الخريطة المدرسية التي أثارت اللغط أمس بسبب إشارتها إلى إسرائيل كدولة تقع جنوب لبنان (مواقع التواصل)
الخريطة المدرسية التي أثارت اللغط أمس بسبب إشارتها إلى إسرائيل كدولة تقع جنوب لبنان (مواقع التواصل)

تمثل الأزمة التي أثارتها خريطة جغرافية للبنان واردة في كتاب مدرسي أمس، تذكر أن «إسرائيل» تحد لبنان جنوباً بدلاً من فلسطين، رأس جبل الجليد في أزمة اختراق السياسة لقطاع التعليم، والخلافات السياسية حول المناهج التربوية التي لم تتوصل إلى كتاب تاريخ موحد، رغم الجهود التي تبذل منذ عام 2010 للتوصل إلى توافق سياسي حول توصيف أحداث في تاريخ لبنان الحديث، تفضي إلى اعتماد كتاب موحد.
وانتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي صورة لخريطة لبنانية تدرس في حصة «الجغرافيا الفرنسية» في مدرسة فرنسية في بيروت، تظهر أن إسرائيل تحد لبنان جنوباً بدلاً من فلسطين، وهو ما يحظره القانون اللبناني بالنظر إلى أنه لا يعترف قانوناً بإسرائيل، ويكافح اعتماد مصطلح «إسرائيل» لكونه يعد «تطبيعاً» مع الدولة العبرية.
وأثارت الخريطة أزمة سياسية، حيث أكدت مصادر في وزارة التربية أن الوزير مروان حمادة «وعد بمتابعتها»، فيما اتصل عضو كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب وائل أبو فاعور بالوزير حمادة، متمنيا عليه «فتح تحقيق فيما أثارته لجنة الأهل وأحد أهالي الطلاب في مدرسة الليسيه الفرنسية عن اعتماد تعبير إسرائيل للإشارة إلى فلسطين المحتلة في مناهج المدرسة». وتمنى عليه «التحقيق مع المدرسة المعنية والتحقق من البرنامج واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة في حق المدرسة وإدارتها، إذا ثبت الأمر كما التدقيق في المناهج الدراسية في كل المدارس حول هذا الأمر، خصوصا أن الأمر يتعلق بهوية فلسطين وثقافتنا القومية والوطنية».
واحتوت المدرسة الأزمة، حين نشرت على صفحتها في «فيسبوك» بياناً توضيحياً، قالت فيه: «تأسف إدارة الليسيه الفرنسية اللبنانية - فردان لما حدث وتمّ تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي وتستنكر هذا الأمر بشدّة وتؤكّد احترامها المطلق لسيادة لبنان وتاريخه وتشدّد على التزامها بالمناهج المدرسية المعتمدة». ولاحقاً، أعلنت لجنة الأهل في المدرسة أن إدارة المدرسة «أبدت موقفاً لا لبس فيه تجاه احترام سيادة لبنان وتاريخه وجغرافيته واعتبرت خطأ المعلمة فادحاً سيتم التعامل معه كما ينبغي».
وأشار رئيس منظمة «جوستيسيا» الحقوقية المحامي الدكتور بول مرقص إلى أن «لبنان العضو في الأمم المتحدة، لا يعترف بإسرائيل، ويعتبرها عدوا، لذلك يحظر عليه التعامل والترويج للعدّو وفكره وهذا الأمر وتضح في القوانين اللبنانية إذ إن أحكام المقاطعة في يونيو (حزيران) عام 1955، ونظم كيفية المقاطعة بموجب المرسوم 12562 الصادر عام 1963».
ولفت مرقص في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «يعاب على هذا القانون أنه أصبح قديما ولا يغطي المجالات المستجدة». ووفقاً لقرار وزارة التربية الصادر في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 والمعمم على المدارس الرسمية والخاصة: «يجب عدم اعتماد كتب تتضمن كلمة إسرائيل بدلاً من فلسطين تحت طائلة اتخاذ الإجراءات القانونية». واعتبر مرقص «أن المعالجة يجب أن تكون تربوية في بادئ الأمر أي بالتعاون بين وزارة التربية وإدارة المدرسة حتى إذا لم تمتثل المدرسة أو تكرر الفعل تحيل وزارة التربية القضية إلى النائب العام التمييزي للملاحقة على أساس الترويج، أي أن يكتفى بكتاب خطي بداية بعد التحقق من قبل الوزارة مِن قيام الفعل ومن مدى توافر القصد أي نية الترويج وإعلان النتائج».
ومن المعلوم أن المدارس الخاصة في لبنان، تعتمد مناهج تربوية خاصة، تلتزم بالمنهاج اللبناني، ويفترض أن تمر تلك الكتب عبر المركز التربوي للبحوث والإنماء للحصول على الموافقة باعتمادها. أما المدارس الأجنبية التي غالباً ما تستورد الكتب من الخارج، فيجب أن تتقيد، بحسب القانون بالتعليمات الرسمية اللبنانية.
وتمثل هذه المعضلة، واحدة من المشاكل التي يعاني منها القطاع التربوي اللبناني الذي تنخره المعايير السياسية والطائفية حول التعيينات، والانقسامات السياسية التي حالت حتى هذه اللحظة من التوصل إلى إصدار كتاب تاريخ موحد في البلاد، رغم أن هناك مساعي حثيثة للتوصل إلى توافق سياسي حول الكتاب الموحد يعتمد في المدارس اللبنانية كافة.
وأشار عضو لجنة التربية النيابية النائب علي خريس إلى أن هناك «لجنة شكلت قبل فترة، وستُعقد اجتماعات مكثفة في وقت لاحق للبت ببعض النقاط الخلافية التي تحول دون إصدار الكتاب الموحد». وقال خريس لـ«الشرق الأوسط»: «القضايا الخلافية سيجري العمل على حلها»، لافتاً إلى أن الخلافات تتمحور حول «الأحداث الكبيرة التي عصفت بلبنان منذ عام 1982»، وبينها قضية المقاومة.
وتتوقف الأحداث الواردة في كتاب التاريخ اللبناني المعتمد في المناهج التربوية عند الحرب اللبنانية، رغم أن جميع أسماء رؤساء الجمهورية المتعاقبين حتى في فترة الحرب موجودة في الكتاب. وتفاوتت رؤى الأطراف السياسية حول الأحداث التي كانت محل انقسام خلال الحرب اللبنانية، ولا تزال موضع تباين وانقسام سياسي حول توصيفها.
ويشير وزير التربية الأسبق حسن منيمنة إلى أن وزارته كانت حازت على موافقة كل الأطراف السياسية للمشاركة في لجنة وضع البرامج وإصدار كتاب موحد للتاريخ، لافتاً إلى أنه «بعد الانتهاء من إعدادها» في العامين 2010 و2011 «اصطدمت باعتراض من حزب الكتائب حول بعض النقاط»، قبل أن تستقيل الحكومة في 2011 وتتجمد الجهود لإصدار الكتاب الموحد.
وأشار منيمنة إلى أنه في حكومة الرئيس تمام سلام «أعاد وزير التربية السابق إلياس بوصعب تفعيل القضية، وشكل لجنة للنظر ببعض الموضوعات في المنهاج، لكنها لم تصل إلى النهاية المرجوة». وأضاف: «عندي قناعة تامة بأنه لو جرت متابعة دؤوبة مع الأطراف السياسية التي تعترض على بعض النقاط بالمنهاج، لكانت حلت المشاكل ووصلت الأمور إلى حل». وأشار منيمنة إلى أن الاعتراضات «تتمحور حول المرحلة الأخيرة من تاريخ لبنان من 1975 إلى عام 2000 وهي مرحلة غنية بالأحداث والصراعات، وهي محل انقسام لبناني»، لافتاً إلى أنه «لو حصلت متابعة، لكنا توصلنا إلى مستويات معقولة، وتجاوزنا بعض النقاط الخلافية التي تحول دون إقراره».
وقال منيمنة إن المشاكل التي يعاني منها القطاع التربوي نتيجة التدخلات السياسية «لا تقتصر على كتاب التاريخ»، إذ تكمن المشكلة الأساسية في «تقاسم القوى السياسية للقطاع، وتحويل التربية إلى مجموعة حصص بكل مجالاتها»، موضحاً أن المعلمين الذين يشكلون العصب الأساسي للتعليم «لا يتم اختيارهم بناء على الكفاءة»، ذلك أن التعاقد «يجري على اعتبارات طائفية وسياسية، وهو من شأنه أن يدمر التعليم الرسمي». وشدد على أنه «من غير وجود مدير جيد ومعلم جيد ويتمتعان بكفاءة، لن يكون هناك تعليم»، داعياً إلى الحد من «الاستقطاب على القاعدة السياسية والطائفية».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.