يتحدث الفنان السعودي لـ«الشرق الأوسط» هاتفياً من نيويورك، حيث يقيم معرضاً فردياً لأعماله في متحف بروكلين؛ الحدث له مكانة خاصة في مسيرة أحمد ماطر الفنية، فهو معرضه الفردي الثاني في الولايات المتحدة الأميركية، وهو أيضاً المعرض الذي سيتوقف بعده عن إقامة المعارض الفنية. بصوت يفيض بالحماسة والنشاط، يقول ماطر لـ«الشرق الأوسط» إنه سيتوقف عن عرض أعماله الفنية للتفرغ لمهمة أكبر، وهي إدارة أول مركز ومعهد فني في السعودية، وهو «معهد مسك للفنون»، أو كما يصفه ماطر «مركز مسك للفنون البصرية».
المفاجأة كبيرة، خصوصاً بالنسبة لفنان من قيمة ووزن ماطر، نجح في الوصول للعالمية عبر أعمال اقتنتها المتاحف العالمية، وجدول أعماله مزدحم دائماً باللقاءات والمحاضرات والإبداع. يقول ماطر: «بعد مرحلة التجريب الفني والعمل ودخول المتاحف العالمية، سأتوقف لفترة من الوقت، وأبدا مهمتي الجديدة. رأيت منذ فترة فيلماً عن المصور العالمي سباستياو سالغادو، الذي قرر بعد مشوار مشهود في التصوير الفوتوغرافي أن يعود لموطنه في البرازيل ليرعى غابة ضخمة بعد أن تدهورت، ولكنه أعادها مزدهرة خضراء للناس وللطبيعة». يستعير ماطر من حكاية سالغادو مضمونها ومغزاها، قائلاً: «بالنسبة لي، الغابة الخضراء هي معهد الفنون الذي سيفتح أبوابه للكل. سيكون مكاناً نلتقي فيه ونتعاهد على الفن والثقافة والمستقبل».
ويملك ماطر طموحاً لا حد له، ومن يعرفه يعرف أنه مدمن للعمل والإنتاج والإبداع، وهو ما سيحمله معه في دوره الجديد كمدير تنفيذي لـ«معهد مسك للفنون»؛ يقول: «نحن الآن في السعودية الجديدة نصنع المستقبل للشباب والحياة والفن والثقافة. الآن، نتحمل مسؤوليتنا كجيل نجح في تحقيق كثير من طموحاته، ودورنا الآن هو أن نصنع جيلاً جديداً من الفنانين والمثقفين الشباب، ليخرجوا للعالمية وليصنعوا صورة السعودية الحديثة في الخارج».
وقبل الإطلاق الرسمي لـ«معهد مسك للفنون»، كان النشاط يدب في الفريق المسؤول عنه، وكانت الفعاليات تتوالى. وفي سبيل تكوين مركز للفنون يفي بحاجات الشباب، ويكون على مستوى عالمي، قام الفريق باللقاء مع مدراء متاحف عالميين، حسب ما يقوله لنا ماطر: «التقينا بمدراء متاحف رائدة، مثل متحف موما ومتحف المتروبوليتان في نيويورك والمتحف البريطاني في لندن وغيرهم، لنأخذ منهم أفكاراً وبعض المرئيات، كما أقمنا ورش عمل لنكون الرؤية العامة للمعهد».
أسأله عن تفاصيل أكثر حول المعهد ونشاطاته، فيقول إن هناك مسابقة بين معماريين عالميين لتصميم مقر المعهد، وسيعلن في نهاية الشهر الحالي (ديسمبر | كانون الأول) عن الفائز، ويستطرد قائلاً إن المعهد لا يختص فقط بالتعليم، بل هو كما يفضل أن يصفه «مركز حضري فني ثقافي، مثل (سنتر بومبيدو) في باريس: فيه تعليم، وفيه عروض، وفيه برنامج سنوي».
وتبدو الروزنامة للأعوام المقبلة مشحونة بالأفكار والفعاليات، فالبرنامج المقبل كما يقول ماطر يمتد على فترة من 2018 إلى 2020، وهو برنامج يضم التعليم الفني وسلسلة من المعارض، بالإضافة لأسبوع مسك للفنون الذي سيقام بدءاً من 2018، في الفترة ما بين 1 و7 أبريل (نيسان)، حيث سيكون الأسبوع مناسبة لـ«لقاء كل الفنانين والمثقفين والمفكرين والمهتمين بالفنون البصرية الذين يشاركون عبر عدة منصات».
وبما أن المعهد تعليمي في جزء من أهدافه، أستفسر منه عن تفاصيل أكثر، فيقول بداية إن الجانب التعليمي للمعهد سيكون غير تقليدي، ويضيف: «نؤمن بطريقة التعليم الحديثة؛ لن يكون هناك الفصول التقليدية، سيكون مثل المصنع، يتعلم الفنانين الصناعة الفنية والثقافة والبحث، سيكون مركزاً للأبحاث يستطيع الفنان أن يقرأ ويبني ثقافته عبره».
- مقر دائم للسعودية في بينالي البندقية
ويلقي ماطر بالمفاجأة الأكبر عندما ينتقل للحديث عن البرنامج الدولي لـ«معهد مسك للفنون»، ويقول: «هي المنصة التي تحتاجها السعودية، وأستطيع إعلانها عن طريق (الشرق الأوسط)، حيث حصلنا على الموافقة على إقامة أول جناح دائم في بينالي البندقية. والآن، نختار المبنى المناسب في فينيسيا، بعد أن تم اعتمادنا رسمياً من قبل إدارة البينالي».
ويبدو ذلك كتحقيق لحلم الكثيرين من المهتمين والفنانين والمسؤولين في المملكة، فالسعودية «ظلمت» بعدم حصولها على مقر دائم في أرض البينالي، ولكن الأمر تغير الآن، حيث ستكون للمملكة منصة دائمة تعرض من خلالها الفنون والعمارة والسينما والموسيقى والمسرح: «لدينا منصتنا هناك. الآن، السعودية جزء من ثقافة العالم، فالسعودية ستشارك في بينالي البندقية بكل أفرعه عن طريق مركز مسك، المنبثق من مؤسسة مسك الخيرية، وهي المظلة الرئيسية».
«السعودية من خلال الفن» مفهوم يعرفه ماطر جيداً، وقد قدم من خلاله كثيراً من أعماله في الخارج. والآن، ومن خلال دوره الجديد، يأخذ هذا الهدف ليجعله استراتيجية لعمل المعهد، فيقول: «أيضاً، عندنا مهرجان عربي في نيويورك، ومعارض في فرنسا ولندن، ومعرض متجول، وهو (طريق البخور) الذي سيكون معرضنا المتجول، حاملاً الفكر والثقافة السعودية للعالم، وهو معرض متنوع ومتغير نعرض فيه لفنانين من عدة اتجاهات، إضافة إلى العروض الأدائية. وكانت التجربة الأولى لهذا المعرض باليونيسكو، وقد كانت ناجحة. والآن، نحاول توسيع المعرض ليصبح معرضاً يقدم السعودية للجمهور العالمي». ويشير إلى أن المحطات المقبلة لـ«طريق البخور» ستكون لندن ونيويورك وطوكيو.
شراكة مع «آرت دبي» ومعرض للكتاب
هذا بالنسبة لبرنامجكم المحلي والعالمي، ماذا عن البرنامج الإقليمي؟ كان سؤالي التالي، ويجيبني قائلاً: «سنعلن قريباً عن شراكة مع (آرت دبي)، ولكنها غير ربحية. سنهتم بالبرنامج التعليمي والفنون الحديثة، وتاريخ الفن الحديث العربي والسعودي، وسيكون هناك معرض بعنوان (50 عاماً من الفن السعودي)، وهو معرض تاريخي وأحد المعارض التي نعدها للعرض في المستقبل».
كما سيقيم المعهد في «آرت دبي» أول معرض فني للكتاب، من الكتاب المقروء إلى الكتاب الديجيتال «ليكون الكتاب جزءاً من تجربتنا الثقافية، حتى نعزز فكرة القراءة في مجتمعات الفنون».
أحلام وطموح لا حدود لهما، أجدني أتوقف قليلاً لأستوعب كل ما ذكره ماطر، وأعقب قائلة: بمعنى آخر، سيخلق المركز حالة جديدة من الإبداع في المملكة، فيقول: «هذا هو هدفنا بالفعل. أشعر أن الفترة إيجابية، ولهذا أنا متحمس للعمل وإكمال هذه الرسالة».
جدير بالذكر أن «مركز مسك للفنون» أطلق برنامجه الإقليمي الأول، على هامش «آرت أبوظبي»، الشهر الماضي.
والمعهد الذي أطلقته مؤسسة مسك الخيرية يطلق برامجه من خلال موقعين في الرياض وأبها، بجنوب غربي السعودية، حيث مثلت قرية المفتاحة الفنية بدايات حركة فنية معاصرة في السعودية، وخرج منها جيل كامل من الفنانين السعوديين الذي تألقوا على المستويين المحلي والعالمي. ويمتد البرنامج على مدار العام المقبل، ويشمل عدة مشاريع طموحة تعيد تشكيل المشهد الفني في السعودية عبر مشروعات لدعم المشاريع الفنية العامة والمعارض، ومعرض خاص بكتب الفن يقام بالتزامن مع أسبوع الفن بجدة، إضافة لمشاريع لدعم مناهج الفن في المدارس السعودية وبرامج التبادل الفني العالمية.
وبنظرة أقرب، يتوجه المعهد لتخصيص جائزة فنية محلية، إضافة إلى برنامج حافل من المعارض والفعاليات التي ستقام على هامش «آرت دبي»، في مارس (آذار) المقبل. كما ستحتضن العاصمة الرياض مهرجاناً فنياً ومعارض لفنانين سعوديين.



