مقتل 235 وجرح العشرات في هجوم إرهابي على مسجد بالعريش

السيسي تعهد بالرد بقوة... وإعلان الحداد العام

أقارب الضحايا بجوار الجثامينداخل مسجد الروضة بعد الهجوم الإرهابي أمس (إ.ب.أ)
أقارب الضحايا بجوار الجثامينداخل مسجد الروضة بعد الهجوم الإرهابي أمس (إ.ب.أ)
TT

مقتل 235 وجرح العشرات في هجوم إرهابي على مسجد بالعريش

أقارب الضحايا بجوار الجثامينداخل مسجد الروضة بعد الهجوم الإرهابي أمس (إ.ب.أ)
أقارب الضحايا بجوار الجثامينداخل مسجد الروضة بعد الهجوم الإرهابي أمس (إ.ب.أ)

ضرب الإرهاب مصر، أمس، بقوة، في أعنف عملية تُخلف أكبر عدد من القتلى والجرحى، وتستهدف مسجداً لأول مرة. وتعهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالرد بقوة على العمل الإرهابي. وقال في كلمة متلفزة للشعب المصري إن «ما يحدث هو مخطط إرهابي لتدمير ما تبقى من المنطقة... والمعركة ضد الإرهاب هي الأنبل والأشرف». وقالت مصادر رسمية، إن «ضحايا الحادث بلغوا حتى الآن 235 قتيلاً و109 مصابين، والعدد مرشح للارتفاع».
في حين عدّ خبراء أمنيون ومختصون في الحركات الإسلامية، الحادث تغيراً نوعياً في مسار الإرهاب بمصر، بعدما استهدف إرهابيون مسجداً خلال صلاة الجمعة لأول مرة. وقال الخبراء لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدلائل تشير إلى (داعش)، وهي عملية يائسة عقب نجاح الجيش في توجيه ضربات إلى التنظيم في سيناء»، لافتين إلى أن استهداف المساجد ترويع ليس له مبرر ديني أو أخلاقي، ويوصف بـ«الإرهاب العشوائي»، عقب خسائر التنظيم في سوريا والعراق وليبيا... ويؤكد أننا في مواجهة مفتوحة بطريقة غير مسبوقة.
وأعلنت الرئاسة المصرية الحداد لمدة 3 أيام في جميع أنحاء البلاد.
وقال الرئيس السيسي أمس، إن «مصر تقود حرباً ضد الإرهاب بكل شراسة وقوة... والإرهاب سيلقى الهزيمة على أرض مصر المباركة». وأضاف أن «ما يحدث هو مخطط إرهابي لتدمير ما تبقى من المنطقة، والمعركة ضد الإرهاب هي الأنبل والأشرف»، مشدداً: «سنردّ بكل قوة على حادث العريش... ونحارب الإرهاب نيابةً عن العالم».
وعقد الرئيس السيسي اجتماعاً عاجلاً باللجنة الأمنية، أمس، لبحث تداعيات الحادث والوضع الأمني في سيناء بشكل عام، وتم إعلان الحداد في البلاد لمدة 3 أيام. وأدانت الرئاسة المصرية ببالغ القوة وبأقسى العبارات، العملَ الإرهابي الآثم الذي استهدف مواطنين مصريين من أبناء هذا الشعب العظيم بينما يؤدون صلاة الجمعة في أحد المساجد بمنطقة بئر العبد في شمال سيناء. وقالت الرئاسة في بيانها، أمس: «وإذ تنعي الرئاسة ضحايا الوطن وتتقدم بخالص العزاء لأسرهم وذويهم، تؤكد أن هذا العمل الغادر الخسيس، الذي يعكس انعدام إنسانية مرتكبيه، لن يمر دون عقاب رادع وحاسم، وأن يد العدالة ستطول كل من شارك، وساهم، ودعم أو موّل أو حرّض على ارتكاب هذا الاعتداء الجبان على مصلّين آمنين عزّل داخل أحد بيوت الله».
كما أكد السيسي أن الألم الذي يشعر به أبناء الشعب المصري في هذه اللحظات القاسية لن يذهب سُدى، وإنما سيستمد منه المصريون الأمل والعزيمة للانتصار في هذه الحرب التي تخوضها مصر بشرف وقوة ضد الإرهاب الأسود، الذي سيلقى هزيمته ونهايته فوق أرض مصر المباركة، بمشيئة الله وبثقة وإيمان شعبها الصامد العظيم.
وقال الرئيس السيسي، في كلمة متلفزة للمصريين، أمس، إن «حادث تفجير مسجد الروضة بالعريش لن يزيدنا إلا إصراراً ووحدة لمكافحة الإرهاب». وأضاف السيسي: «ستقوم القوات المسلحة والشرطة المدنية بالثأر لشهدائنا واستعادة الأمن والاستقرار بمنتهى القوة خلال الفترة القليلة المقبلة».
كما نكّس مجلس الوزراء المصري، مساء أمس، العلم المصري فوق المبنى الخاص بمقر الحكومة بشارع قصر العيني، حداداً على ضحايا الحادث. وأكد مجلس الوزراء في اجتماع، أمس، استنكاره التام، ورفضه المطلق لتلك الحوادث الجبانة التي تستهدف دور العبادة، على النحو الذي ترفضه كل الأديان والشرائع السماوية، ويجافي مجمل القيم والأعراف، الأمر الذي يؤكد أن الإرهاب لا دين له، بل هو عدو الخير والإنسانية جمعاء.
وشدد المجلس على أن الدولة المصرية ماضية في عزمها علي استئصال الإرهاب الأسود من جذوره، وتطهير البلاد من عناصره الآثمة، ووضع حد قاطع لهذه الظاهرة الخبيثة التي تحاول النيل من عزيمة أبناء هذا الوطن، وتقويض مساعيه لاستعادة الأمن واستكمال خطوات البناء والتنمية، مؤكداً أن لدى الوطن وأبنائه في هذه المواجهة عزيمة لا تلين، وإصراراً لا يحيد، فالوطن باقٍ، والإرهاب إلى زوال.
وأفاد شهود عيان في شمال سيناء، بأن إرهابيين اقتحموا مسجد الروضة الكائن في قرية الروضة غرب العريش، وفجّروا عبوة ناسفة في محيط المسجد في أثناء أداء الصلاة، وتسبب الانفجار في مقتل وإصابة عدد من المصلين وتلفيات بالمسجد.
وأضاف شهود العيان أن المسلحين كانوا يستقلون 4 سيارات، ووصلوا إلى المسجد مترجلين بعد أن تركوا السيارات على بُعد 100 متر عن المسجد، ومع بداية خطبة الجمعة الأولى اقتحموا المسجد، وألقوا بعبوات ناسفة بين المصلين وأطلقوا النيران عليهم بشكل مباشر، كما أطلقوا النار على الفارين من المسجد، ثم أضرموا النار في سيارات الأهالي حول المسجد، ثم قاموا بقطع الطريق المؤدي إلى القرية. من جانبه، رجّح أحمد بان، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، أن تكون هناك عبوة ناسفة تم زرعها في صحن المسجد، أو قيام انتحاري بتفجير نفسه في الصحن، تبعه إطلاق الرصاص على المصلين من إرهابيين بواسطة سيارات الدفع الرباعي.
وقامت قوات الأمن بوزارة الداخلية بتمشيط منطقة العريش على نطاق واسع، ووسعت دائرة التفتيش والتمشيط بالمنطقة التي وقع فيها حادث استهداف مواطنين مدنيين بمحيط أحد المساجد... وشهدت المنطقة حالة من الاستنفار الأمني على نطاق واسع، وتم تدعيم الأكمنة الأمنية بعدد من رجال الشرطة والمعدات الحديثة.
وقرر النائب العام المستشار نبيل أحمد صادق، فتح تحقيقات عاجلة في حادث التفجير الإرهابي، وكلف فريقاً موسعاً من أعضاء نيابة استئناف الإسماعيلية ونيابة أمن الدولة العليا، بالانتقال الفوري إلى موقع الحادث، لإجراء المعاينات والتحقيقات اللازمة للتوصل إلى كيفية ارتكاب الحادث.
كما أمر النائب العام بنقل جثامين القتلى إلى أقرب مستشفى، وندب مفتشي الصحة لتوقيع الكشف الطبي عليهم، وسرعة تسليم الجثامين إلى ذويهم، والانتقال إلى المستشفيات التي يرقد المصابون بها، للاستماع إلى شهاداتهم حول الحادث.
وكلف النائب العام، أجهزةَ الأمن المعنية بموالاة البحث والتحري عن هوية مرتكبي الحادث وسرعة ضبطهم، لاتخاذ الإجراءات القانونية تجاههم. وتحدثت تقارير إعلامية، أمس، عن مقتل عدد من الإرهابيين المتورطين في الحادث. وقال العميد خالد عكاشة، عضو المجلس الوطني لمكافحة الإرهاب والتطرف، إن «هناك وحدات تعزيز عسكري في المنطقة، وقد تكون هناك ملاحقة جوية لضبط العناصر المتورطة مثل عملية الواحات قبل شهر، وقد يتطور الأمر إلى مسح شامل». ولم يعلن أي تنظيم مسؤوليته عن الهجوم، وغالباً ما يعلن تنظيم «أنصار بيت المقدس»، الفرع المحلي لتنظيم داعش، مسؤوليته عن الهجمات في مثلث (العريش - الشيخ زويد – رفح). وخلال السنوات الماضية قُتل المئات من عناصر الجيش والشرطة في هجمات شنها التنظيم، الذي غير اسمه إلى «ولاية سيناء»، ثم بايع «داعش» عام 2014.
وقال أحمد بان، إن «ما حدث أمس، هو إعلان تنظيم أنصار بيت المقدس الذي ينشط في هذه المنطقة وبايع (داعش) في عام 2014، الحرب على المدنيين، حيث حرص على توجيه الرصاص إلى المدنيين لا إلى الجيش والشرطة، وهي عملية (يائسة) تعكس سلوك التنظيم الذي نجحت قوات الجيش والشرطة خلال الأشهر الماضية في توجيه ضربات إليه في سيناء». مضيفاً أنه «لأول مرة يتم استهداف مساجد في مصر، فلقد رأينا استهدافات حول العالم وفي أفغانستان وفي مساجد الشيعة».
وعن قيام «داعش» باستهداف المصلين المسلمين، قال بان إن «داعش» يكفِّر مَن لا يشاركه الرأي، ولذلك فهو يستهدف المسلمين والمصلين في المساجد.
في غضون ذلك، قال اللواء الدكتور محمد قشقوش، أستاذ الأمن القومي بأكاديمية ناصر العسكرية في مصر، إن «ما حدث في سيناء هو تطور جديد للإرهاب باستهداف المساجد، وبرهان على أن الستار الديني لهذه الجماعات غير صحيح بالمرة، بعد قيامها بقتل مسلمين في مسجد دخلوا للصلاة».
مضيفاً أن «الدلائل كلها تشير إلى تورط تنظيم أنصار بيت المقدس الموالي لـ(داعش) في الحادث، سواء أعلن تبنيه ذلك أم لم يعلن»، لافتاً إلى أن التنظيم كان يروج لأنه يستهدف قوات الشرطة والجيش لأنهم أدوات في أيدي النظام –على حد زعمه- لكن كُشفت ادعاءاته المضللة باستهداف المسلمين في المسجد، بغرض الترويع، الذي ليس له مبرر ديني أو أخلاقي.
وأكد اللواء قشقوش أن «استهداف مسجد الروضة دليل على الحالة العشوائية التي يعاني منها التنظيم الآن، والتي توصف بـ(الإرهاب العشوائي)، لتوصيل رسالة أن الدولة المصرية لا تستطيع أن تحمي المدنيين».
مضيفاً أن «ذلك يرجع إلى تكسير قيادات (داعش)، وخسائره في العراق وسوريا وليبيا، فضلاً عن العلاقة الجديدة مع قطاع غزة، ومحاصرة مصادر التمويل دولياً، كل هذا جعل التنظيم لديه عشوائية في الأداء، خصوصاً أننا شاهدنا التنظيم قبل ذلك يستهدف بنكاً لأول مرة في سيناء من أجل الحصول على التمويل». في حين، قال العميد عكاشة إن «القرية التي وقع فيها الهجوم على المسجد قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها الآلاف»، لافتاً إلى أنه «عندما يختار التنظيم الإرهابي هذا الهدف السهل، فنحن أمام مواجهة مفتوحة بطريقة غير مسبوقة»، موضحاً أن «ما حدث يضيف عبئاً جديداً على القوات المسلحة في مواجهة مفتوحة على مساجد، لا على نقاط أو ارتكازات أمنية مثل ما كان يحدث من قبل».



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.