«التمساح» منانغاغوا... يحكم زيمبابوي

بعد 37 سنة من هيمنة روبرت موغابي

«التمساح» منانغاغوا... يحكم زيمبابوي
TT

«التمساح» منانغاغوا... يحكم زيمبابوي

«التمساح» منانغاغوا... يحكم زيمبابوي

«أتعهد بأن أكون خادماً، لشعب زيمبابوي، وتوحيد الجميع، وجعل البلاد أمة أفضل للاستثمارات والمستثمرين، وضمان تنميتها، وتحسين الشراكة مع الدول الأخرى، بارك الله زيمبابوي».
هكذا كتب، إيمرسون منانغاغوا، الذي أنهى قبل ساعات من حفل تنصيبه رئيساً جديداً لزيمبابوي بعد الإطاحة بالرئيس «التسعيني» روبرت موغابي على حسابه الرسمي على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي.
«أنا الرئيس» عبارة كانت مكتوبة على كوب حمله إيمرسون دامبودزو منانغاغوا (75 سنة) في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي في مطلع العام الحالي، وظهرت في صورة.
تلك الصورة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، آنذاك، وتسببت في جدل بينه وبين وزراء حكوميين آخرين. لكنها كشفت في الأساس عن طموح لا يتوقف، لدى رجل اختبر تقريباً كل الوظائف الرسمية العليا في زيمبابوي، ما عدا منصب الرئيس...
حين التقى منانغاغوا الرئيس الاستقلالي روبرت موغابي، قبل أربعة عقود على الأقل، أصبح مساعده الشخصي وحارسه، وذلك بعدما نال ثقة الرئيس، وشقّ من ثم طريقه صعوداً في مواقع السلطة. وهكذا يشغل مناصب وزير العدل والدفاع، ووزير الإسكان، ورئيس البرلمان، ورئيس المخابرات من بين مناصب أخرى.

دهاليز السياسة
إلا أن منانغاغوا، الرجل المحنك في دهاليز السياسة، كان يعرف جيداً كيف يتلاعب بخصومه، فقلب المائدة على الجميع، بعدما اتهم أشخاصاً داخل حزب «زانو – بي إف» الحاكم بالسعي إلى «دق إسفين» وإحداث حالة من التوتر بينه وبين رئيسه. وقال متهماً خصومه إنه «يجري التعامل معهم وإدارتهم من أماكن أخرى من قِبل قوات معادية... هذه العناصر ضد الرئيس، ضد الحزب وقيادته، وفي حالات أخرى، لديهم تاريخ من انعدام الولاء للرئيس». واختار منانغاغوا، دائماً، كلماته بعناية وهو يقول: «من غير المعقول أن ندعم أو نتصرف باسم الحزب في حين نهاجم في الوقت نفسه الرئيس موغابي، زعيم حزبنا بلا منازع».
لكن الأمور تتبدل، على الدوام، وحقاً بعد عودته من منفاه الاختياري، قال منانغاغوا: إن «إرادة الشعب تنجح دائماً». وفي أول ظهور علني له منذ فراره من البلاد بعد فصله من منصبه، اعتبر أن زيمبابوي تشهد بداية ديمقراطية جديدة، وقال لمئات من المؤيدين: إن «صوت الشعب هو صوت الله».

سيرة ذاتية
ولد إيمرسون منانغاغوا في منتصف شهر سبتمبر (أيلول) عام 1942 في مدينة زفيشافاني (شاباني سابقاً) الصغيرة بجنوب مستعمرة روديسيا الجنوبية، التي أصبحت زيمبابوي، لكن أسرته انتقلت عام 1955 إلى مستعمرة روديسيا الشمالية، جمهورية زامبيا الحالية، وفيها تلقى تعليمه، وساعد في قيادة حرب الاستقلال في زيمبابوي عام 1970.
أسرة منانغاغوا تنتمي إلى قبيلة الكارانغا، وهي إحدى قبائل شعب الشونا، التي يشكل الغالبية الكبرى من سكان زيمبابوي، ونشأ إيمرسون وسط أفرادها الستة في بيئة مسيسة. وباشر نشاطه السياسي باكراً، بعد انضمامه إلى حزب الاستقلال الوطني المتحد. وعام 1960 عرّضه نشاطه السياسي لطرده من الكلية التقنية التي التحق بها بعدما اتهم بحرق بعض الممتلكات. لكنه فيما بعد درس الحقوق للحصول على شهادة جامعية للدراسة عن بعد من جامعة لندن، لكنه بعدما تعطلت دراسته بسبب سجنه نال عام 1974 الإجازة في الحقوق من جامعة زامبيا في العاصمة الزامبية لوساكا، وبعد دراسات متقدمة تأهل للترافع في محكمة زامبيا العليا عام 1976.
أما على الصعيد الشخصي، فإنه متزوج من أوكسيليا، وهي نائب في البرلمان وخلفته لشغل مقعده النيابي. وهي زوجته الثالثة، لكنها لم تظهر إلا بعد وفاة زوجته الثانية جين. ولديه خمسة أبناء.

العسكر... والسياسة
في أعقاب تلقي منانغاغوا تدريبات عسكرية في مصر والصين، ساعد مباشرة في معارك حرب «التحرير» قبيل الاستقلال عام 1980، وأمضى وقتاً في السجن، حيث يُزعم أنه تعرض للتعذيب.
وما يذكر أنه قتل الآلاف في الصراعات الدامية وأثناء وبعد الاستقلال. وكان له دور بارز في تلك الصراعات عندما كان وزيراً للأمن القومي، إلا أنه ينفي تماماً ضلوعه في أي سفك للدماء.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه قاد جهاز الأمن خلال الحرب الأهلية عام 1980، ثم عين وزيراً للأمن الوطني في بداية مسيرته في عالم السياسة. غير أن فيكتور ماتيماداندا، الأمين العام لجمعية قدامى حرب تحرير زيمبابوي، الذي عمل معه في الجيش، يصفه بعبارة موحية جدأ «لقد ولد في السياسة».
وبالفعل، بعدها تولى منانغاغوا حقيبة العدل عام 1988 وترأس البرلمان من 2000 حتى عام 2005، وما بين عامي 2005 و2009، تولى منصب وزير الإسكان، قبل أن يعهد إليه بمنصب وزير الدفاع بين عامي 2009 و2013 بعد فترة وجيزة أمضاها وزيراً للمالية. وبصفته وزير سابق للدفاع والأمن القومي، لعب منانغاغوا دور «حلقة وصل» رئيسية بين الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية ووكالات الاستخبارات في زيمبابوي، وكان أيضاً رئيس قيادة العمليات المشتركة المكلفة بحفظ الأمن في البلاد. كذلك، كان من المقربين لموغابي – الذي ينتمي مثله إلى غالبية الشونا – على مدى عقود؛ ولذا اتهم بالمشاركة في القمع الذي تعرض له كل من عارض الرئيس.
من ناحية أخرى، فإن التناوب على رأس السلطة «لا يعني بالضرورة مزيداً من الديمقراطية»، كما يقول المحلل رينالدو ديبانيو من «مجموعة الأزمات الدولية للدراسات والبحوث». بينما يعرب رجل الأعمال الزيمبابوي مونيإرادزي شيوتا (40 سنة) عن قلقه قائلاً: «أشكك في أن نحرز تقدماً، طالما أن عناصر من الحزب الحاكم، ما زالوا في السلطة».
ويتعين أن تجرى الانتخابات المقبلة في زيمبابوي قبل 22 أغسطس (آب) 2018 بفترة لا تزيد على 30 يوماً، إلا إذا قرر البرلمان حل نفسه وهو ما قد يؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة وفقاً للدستور. وفي شهر يوليو (تموز) الماضي، أعلنت هيئة الانتخابات في زيمبابوي أنها تحتاج إلى 274 مليون دولار لتمويل الانتخابات البرلمانية والرئاسية العام المقبل.
وراهناً، تعاني زيمبابوي نقصاً شديداً في السيولة، وبخاصة أن حكم موغابي واجه صعوبات في دفع أجور العاملين في مواعيدها في حين لا تجد الكثير من الشركات مالاً لتمويل ما تحتاج إليه من واردات. وبناءً عليه، سيكون على رأس مهام الرئيس الجديد إنعاش الاقتصاد المتدهور حيث يعاني 90 في المائة من الناس البطالة.

مسلسل الأحداث الأخيرة
قبل 16 يوماً بالضبط، هكذا قال منانغاغوا، تلقى رسالة تخبره بأنه عُزل من منصبه: «وفي غضون ساعتين أُبلغت عن خطط للقضاء عليّ». ومحاطاً بنحو عشرة من حراسه الشخصيين، ذكر أنه ما زال يجري تقييم سلامته وأمنه، مضيفاً: «نشهد اليوم بداية ديمقراطية جديدة تتكشف»، من دون أن ينسى توجيه الشكر للجيش لما قام به من عمل لمساعدة شعب زيمبابوي في التخلص من موغابي (93 سنة) بعد حكم استمر 37 بلا انقطاع، وقال إنه كان على اتصال دائم بالجنرالات العسكريين.
من جهة ثانية، تجنب منانغاغوا في كلمته الإشارة إلى الانتخابات المقرر إجراؤها في العام المقبل، لكن خطابه بدا كما لو أنه يدشن حملته الانتخابية بالفعل؛ إذ وعد بتحقيق الرخاء والاستقرار للبلد الفقير. وقال مخاطباً الشعب «أتعهد بأن أكون خادماً لبلدنا... نريد أن ينمو الاقتصاد. ونحن نريد السلام في بلادنا، نريد الوظائف»... وهي عبارة كررها ثلاث مرات وسط صيحات مؤيديه الذين رفع بعضهم صور تمساح، وهو لقبه.
بدأ العد العكسي لعملية التغيير في زيمبابوي في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، عندما أعلن وزير الإعلام الزيمبابوي عن إقصاء إيمرسون منانغاغوا من منصبه نائباً للرئيس؛ لأنه «أظهر صفات عدم الولاء والخداع وعدم الاحترام».
عند هذا المفصل أدرك المتابعون أن مَن كان يُنظَر إليه على أنه أحد أركان النظام، خسر أخيراً حظوته لدى موغابي؛ لأنه كان يقطع الطريق أمام زوجته لخلافته، مع أن الأخيرة لم تكن تحظى بشعبية تذكر. أما موغابي، المخطط البارع، فأخفق هذه المرة في احتساب خطوته، وبإقدامه على عزل نائبه تسبب في سقوط نظامه في نهاية المطاف.
لقد كان واضحاً قبل هذه التطورات الأخيرة، أن المنافسة على خلافة موغابي المحصورة بين غريس ماروفو (المولودة عام 1965) زوجة الرئيس ونائب الرئيس، قد وصلت إلى الذروة. ونجحت غريس مؤقتاً عندما تمكنت من إقناع زوجها بإقالة منانغاغوا... لكن كما سار مسلسل الأحداث، كلّف هذا القرار موغابي نظامه وحكمه، وأفقده السلطة إلى الأبد.

انقلاب ناعم
أغضبت هذه الخطوة قادة الجيش، الذين تدخلوا ووضعوا موغابي تحت الإقامة الجبرية، وسرعان ما تحرك الجيش على نحو مفاجئ في انقلاب عسكري ناعم، هو الأول من نوعه ضد موغابي منذ شارك في قيادة زيمبابوي (روديسيا الجنوبية سابقاً) نحو الاستقلال مع رفيقه السابق جوشوا نكومو.
المشهد بدا كما لو أنه كما لو كان انقلاباً قام به حلفاء نائب الرئيس من العسكريين، لكن الذين راقبوا حياة منانغاغوا السياسية وصعوده إلى السلطة يقولون إنه يتقاسم مع موغابي الكثير من الصفات، ومنها أنه متعطش للسلطة، وميال إلى القمع.
في صباح الخامس عشر من الشهر الحالي، حاصرت عربات مدرعة مقر إقامة الرئيس موغابي ومبنى البرلمان في العاصمة هراري، بينما حامت طائرات هليكوبتر فوق المدينة، بالتزامن مع إعلان الجيش سيطرته على جميع مؤسسات الحكومة واعتقال عدد من الوزراء وبعض مسؤولي الحزب الحاكم.
وفي حين اختفت الشرطة من الشوارع، بعد سيطرة الجنود على حركة المرور، وأحياناً كانوا يكتفون بسؤال العامة عن هويتهم، زاول المواطنون الزيمبابويون حياتهم العادية اليومية بصورة طبيعية... وكأن شيئاً لم يكن.
كان تدبير الأمر مُحكماً؛ إذ جرى عزل أفراد تابعين لإدارة الرئيس من مكتب المغادرة في مطار موغابي الدولي، الذي أطلق عليه هذا الاسم قبل فترة قصيرة، وعُيّن جنود آخرون بدلاً منهم. وبعدها، قبل أن يظهر سيبوسيسو مويو، رئيس هيئة أركان جيش زيمبابوي الوطني، على التلفزيون ليقول: «إننا نستهدف فقط المجرمين المحيطين بموغابي، والذين يرتكبون جرائم تسبب معاناة اجتماعية واقتصادية في البلاد من أجل تقديمهم للعدالة».
وحين سيطر الجيش على الأمور، وبدأت المطالب تتصاعد بضرورة تنحي الرئيس، خرج منانغاغوا عن صمته للمطالبة هو أيضاً بإقالة الرجل الذي حكم البلاد بقبضة من حديد قرابة أربعة عقود من الزمن.
لقد بدا أن ما حصل أُعِدّ له سلفاً وبعناية، وبخاصة بعدما أعلن جنرالات الجيش أن منانغاغوا، نائب الرئيس المعزول، وافق على العودة إلى البلاد كجزء من «خريطة طريق» انتقالية، علماً بأنه كان قد فرّ إلى خارج البلاد عندما علم بوجود مؤامرة لقتله، وقال إنه لن يعود حتى يتأكد من ضمان سلامته وأمنه. وحول هذا الجانب أضاف في بيان «قلت للرئيس إنني لن أعود إلى الوطن حتى أتأكد من ضمان أمني الشخصي، بسبب الأسلوب والمعاملة التي تعرضت لها عند إقالتي».
وفي هذا السياق، اتهم منانغاغوا موغابي بمحاولة قتله؛ إذ قال إن حراسه حذّروه من خطط «لتصفيته» في أعقاب إقالته في مطلع هذا الشهر؛ ولذا هرب فوراً إلى جنوب أفريقيا. كذلك، اتهم موغابي بالسماح لزوجته بـ«استلاب سلطات دستورية» منه، مشدداً على ضرورة أن يصغي إلى «نداء شعبه القوي» ويتنحى عن السلطة.
إقالة منانغاغوا، اعتبرها كثيرون تمهيداً للطريق أمام زوجة الرئيس لخلافته في قيادة البلاد، ولا سيما أنه كان يُنظر إليه لسنوات كثيرة قبل صعود نجم غريس، على أنه من سيخلف موغابي في سدة الحكم. ولكن، بتأثير من الضغط المشترك للجيش الذي سيطر على البلاد والشارع وحزب «زانو – بي إف» الحاكم، اضطر الرئيس العجوز المتشبث بالحكم، إلى الاستسلام والتخلي عن زمام الحكم؛ ما أثار فرحاً عارماً في أوساط الشعب ليحل محل الكآبة التي سببتها الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ سنوات، وتسلط النظام.
أخيراً، مما يستحق الذكر، أن روبرت موغابي، الذي كان يوم إزاحته أكبر زعماء العالم سناً، والذي حكم زيمبابوي منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1980، كان يسعى لفترة ولاية أخرى مدتها خمس سنوات.



هل تنهي مفاوضات دكار القطيعة بين مجموعة «إيكواس» ودول الساحل؟

مشهد عام لحاملة مستوعبات شحن في مرفأ دكار في 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
مشهد عام لحاملة مستوعبات شحن في مرفأ دكار في 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

هل تنهي مفاوضات دكار القطيعة بين مجموعة «إيكواس» ودول الساحل؟

مشهد عام لحاملة مستوعبات شحن في مرفأ دكار في 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
مشهد عام لحاملة مستوعبات شحن في مرفأ دكار في 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عقدت «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) و«كونفدرالية دول الساحل» (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)، أمس (السبت)، في العاصمة السنغالية دكار، أول اجتماع وزاري رسمي بينهما منذ خروج الدول الثلاث من المجموعة، قبل قرابة 3 سنوات.

وفيما الترقب سيد الموقف، في ظل محاولات سابقة فاشلة لإنهاء القطيعة بين الطرفين، حصل هذه المرة اتفاق على المبادئ التي يجب أن تحكم العلاقة بينهما في المستقبل، وتشكيل مجموعات عمل تمهد لـ«اتفاق إطار للتعاون»، من دون أن يحدد البيان المشترك موعد الجلسة المقبلة.

وترأس الاجتماع مناصفة وزير الخارجية السنغالي الشيخ نيانغ، رئيس مجلس وزراء «إيكواس»، ووزير خارجية بوركينا فاسو، كارامكو جان ماري تراوري، رئيس لجنة التوجيه الوزارية للكونفدرالية. وتستضيف السنغال المباحثات بصفتها الرئيس الحالي لمجموعة «إيكواس».

مشهد عام لدكار عاصمة السنغال من مروحية تابعة لقوات البحرية الفرنسية في مياه خليج غينيا (أ.ف.ب)

نقاط الاتفاق

قال البيان المشترك، المكوّن من 8 نقاط، إن العلاقة بين مجموعة «إيكواس» وكونفدرالية دول الساحل يجب أن تقوم على «حسن الجوار واحترام السيادة والكرامة ورفاه شعوب غرب أفريقيا»، فيما أعرب الجانبان عن رغبتهما في التوصل إلى «إطار تعاون متوازن وواقعي يحفظ مصالح شعوبهما».

وأشار البيان إلى أن الطرفين تبادلا الآراء حول مجالات الاهتمام المشترك، استناداً إلى مشاورات سابقة في باماكو، يوم مايو (أيار) 2025. وقررا تشكيل مجموعات عمل محايدة ومشتركة تجري المباحثات التقنية وصولاً إلى اتفاق إطار، على أن تُعرض نتائجها على الوزراء قبل جلستهم المقبلة، ويُحدد موعدها ومكانها «بعد التشاور بالقنوات الدبلوماسية».

ولم يسمّ البيان محاور مجموعات العمل. وقالت مصادر قريبة من المفاوضات إنها ستشمل حرية تنقل السلع والأشخاص والتجارة ومكافحة الإرهاب. فيما قال وزير خارجية السنغال إن المباحثات أظهرت «تقاربات كبيرة»، وأكد لإنسانا كوياتي، كبير مفاوضي «إيكواس»: «لا أحد يستطيع أن يطلب من كونفدرالية الساحل العودة اليوم».

وكانت الكونفدرالية حددت قبل المباحثات، في اجتماع لوزراء خارجيتها في واغادوغو (الجمعة)، 3 أولويات: صون سيادة الدول الأعضاء، وتعزيز الكونفدرالية، وحماية مصالح شعوبها، مع التركيز على حرية تنقل الأفراد والسلع.

قطيعة بدأت بالانقلابات

ويطوي الاجتماع مرحلة من القطيعة التامة، بدأت بعد موجة انقلابات عسكرية في الدول الثلاث ما بين 2020 و2023، وطرد القوات الفرنسية والغربية، والتوجه نحو التحالف مع روسيا، والاستعانة بقوات من مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة لمحاربة الإرهاب.

طي صفحة مضطربة

كل هذه التغيرات، وخاصة ما يتعلق بالانقلابات العسكرية، جعلت مجموعة «إيكواس» تفرض عقوبات اقتصادية على دول الساحل الثلاث، رفعتها لاحقاً. ولكن العقوبات دفعت الدول الثلاث في سبتمبر (أيلول) 2023 إلى توقيع «ميثاق ليبتاكو ـ غورما» للدفاع المشترك، والانسحاب من مجموعة «إيكواس» في يناير (كانون الثاني) 2024.

وقالت «إيكواس» حينها إن مواطني الدول الثلاث يحتفظون بحق التنقل دون تأشيرة والإقامة والاستقرار، وإن سلعها وخدماتها تبقى خاضعة للترتيبات التجارية القائمة «حتى إشعار آخر». لكن الدول الثلاث فرضت في أبريل (نيسان) 2025 رسماً بنسبة 0.5 في المائة على الواردات من دول «إيكواس».

ولم تنجح وساطات سابقة في إعادة فتح القنوات، حيث تتمسك مجموعة «إيكواس» بأهمية عودة دول الساحل الثلاث إلى المجموعة، وكلفت الرئيس السنغالي بالوساطة في يوليو (تموز) 2024، فيما زار الرئيس الغاني عواصم الساحل في مارس (آذار) 2025، ثم عيّنت في مارس 2026 رئيس الوزراء الغيني السابق لإنسانا كوياتي كبيراً للمفاوضين.

وأعلنت نيجيريا، أكبر اقتصاد في «إيكواس»، أنها تأمل في أن يمهد الاجتماع المنعقد في دكار لـ«اتفاق إطار عام» تعرضه على قمة المجموعة المقررة في أبوجا في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وفق بيان وزارة خارجيتها.

الساحة أوسع من التجارة

لا يخلو الانفراج من حسابات أمنية وجيوسياسية. فقد ابتعدت الأنظمة العسكرية الثلاثة عن فرنسا، وطردت القوات الفرنسية، وطردت النيجر القوات الأميركية، وصارت روسيا شريكها الأمني الرئيسي عبر «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع.

وتقدر مراكز بحثية أن نحو 2500 عنصر روسي انتشروا في الدول الثلاث بين 2022 و2024، وأن موسكو أرسلت ألف عنصر إضافي إلى مالي في فبراير (شباط) 2026. وقال لافروف في نيامي في 8 يوليو إن بلاده ستواصل دعم «تعزيز القدرات العملياتية» لصالح جيوش الكونفدرالية، وتسعى إلى توثيق التعاون في الطاقة والتعدين.

عناصر من مجموعة «أفريكا كوربس» - «فاغنر» سابقاً - في مالي (أ.ب)

وفي 29 أغسطس (آب)، هاجم جنود متمردون قاعدة جوية ومقر الرئيس عبد الرحمن تياني في نيامي. وتشير التقارير إلى أن نحو 200 عنصر من «الفيلق الأفريقي» ساعدوا في استعادة القاعدة. وفي مالي، لعبت القوات الروسية دوراً حاسماً في استعادة الجيش السيطرة على مدينة كيدال الحيوية من يد المتمردين، مطلع أكتوبر الحالي.

في المقابل، بدأت واشنطن «إعادة ضبط» علاقتها بدول الساحل، بحسب مركز «كريتيكال ثريتس». فقد زار مسؤول أميركي كبير باماكو ونيامي وواغادوغو في فبراير ومارس، ورفعت وزارة الخزانة في فبراير عقوبات عن مسؤولَين ماليين تتهمهما بالتعاون مع «فاغنر»، وأفادت «رويترز» في مارس بأن البلدين يقتربان من اتفاق لاستئناف رحلات الاستطلاع الأميركية فوق مالي.


الكونغو تعلن رصد إيبولا في مقاطعة ثامنة... وكينيا تؤكد تسجيل 4 إصابات جديدة

عاملون في مجال الرعاية الصحية يصطفون لتلقي جرعة من لقاح «إرفيبو» (Ervebo) المضاد لفيروس إيبولا في مدينة بيني بمقاطعة شمال كيفو في شرق الكونغو (أ.ب)
عاملون في مجال الرعاية الصحية يصطفون لتلقي جرعة من لقاح «إرفيبو» (Ervebo) المضاد لفيروس إيبولا في مدينة بيني بمقاطعة شمال كيفو في شرق الكونغو (أ.ب)
TT

الكونغو تعلن رصد إيبولا في مقاطعة ثامنة... وكينيا تؤكد تسجيل 4 إصابات جديدة

عاملون في مجال الرعاية الصحية يصطفون لتلقي جرعة من لقاح «إرفيبو» (Ervebo) المضاد لفيروس إيبولا في مدينة بيني بمقاطعة شمال كيفو في شرق الكونغو (أ.ب)
عاملون في مجال الرعاية الصحية يصطفون لتلقي جرعة من لقاح «إرفيبو» (Ervebo) المضاد لفيروس إيبولا في مدينة بيني بمقاطعة شمال كيفو في شرق الكونغو (أ.ب)

قال معهد الصحة العامة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، اليوم الأحد، إن تفشي فيروس إيبولا امتد إلى مقاطعة ثامنة، هي نورث أوبانجي المتاخمة لجمهورية أفريقيا الوسطى.

وأفادت «رويترز» يوم الخميس بتأكيد حالتين في نورث أوبانجي، استناداً إلى مصدرين من مسؤولي قطاع الصحة. ولم تصدر السلطات حينها بياناً رسمياً في هذا الصدد، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

يتجمع العاملون في القطاع الصحي وفرق الاستجابة الإنسانية -الذين يعملون في الخطوط الأمامية لمواجهة فيروس إيبولا- لتلقي اللقاح (رويترز)

وفي السياق، أكدت كينيا تسجيل أربع حالات إصابة جديدة بفيروس الإيبولا، من بينهم ثلاثة من العاملين في مجال الصحة، في الوقت الذي تسعى فيه السلطات لاحتواء أول تفش لهذا الفيروس المميت.

يقوم أشخاص بتطهير أيديهم بينما يتحقق أحد العاملين في القطاع الصحي الكيني من درجات حرارة المسافرين القادمين من أوغندا إلى كينيا (أ.ب)

وذكرت وكالة بلومبرغ للأنباء أن المراكز الأفريقية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها قالت في بيان إن حالات الإصابة الجديدة ترفع إجمالي حالات الإصابة إلى سبع حالات، بما في ذلك حالة وفاة. وقالت المراكز إن جميع المصابين الأربعة يخضعون للحجر الصحي بعدما تم رصد أنهم خالطوا المريض الأول، ويتلقون الرعاية الداعمة في منشأة علاج مخصصة.


القوات الإريترية تغادر أديغرات بشمال تيغراي تاركة خلفها آثار النزاع

عناصر من قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (ENDF) يستقلون شاحنة في أعقاب اشتباكات دارت في مدينة أديغرات (أ.ف.ب)
عناصر من قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (ENDF) يستقلون شاحنة في أعقاب اشتباكات دارت في مدينة أديغرات (أ.ف.ب)
TT

القوات الإريترية تغادر أديغرات بشمال تيغراي تاركة خلفها آثار النزاع

عناصر من قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (ENDF) يستقلون شاحنة في أعقاب اشتباكات دارت في مدينة أديغرات (أ.ف.ب)
عناصر من قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (ENDF) يستقلون شاحنة في أعقاب اشتباكات دارت في مدينة أديغرات (أ.ف.ب)

في وسط مدينة أديغرات ومحيطها، تنتشر شاحنات محترقة على جوانب الطرق، شاهدة على ضربات بطائرات مُسيَّرة تابعة للقوات الحكومية الإثيوبية ضد القوات الإريترية التي انتشرت في المدينة الواقعة بشمال إقليم تيغراي.

وتبعد أديغرات نحو 40 كيلومتراً إلى الجنوب من الحدود.

وتشهد العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تدهوراً أعاد إلى الأذهان الحرب الحدودية الدامية التي خاضها البلدان بين عامي 1998 و2000 وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا الشهر، قطعت الجارتان علاقاتهما الدبلوماسية إثر اتهام أديس أبابا أسمرة بدعم قوات تيغراي.

وحسب مصدر أمني، عبر آلاف الجنود الإريتريين الحدود في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) وانتشروا في تيغراي، لمساندة مقاتلي «جبهة تحرير شعب تيغراي» الذين شنوا هجوماً على القوات الفيدرالية أواخر سبتمبر (أيلول) بهدف إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.

إلا أن القوات الإريترية ومقاتلي الجبهة اضطروا إلى التراجع على وقع هجمات المُسيَّرات التي شنتها القوات الحكومية. وبينما عاد عدد من المقاتلين إلى إريتريا، لا يزال البعض الآخر متمركزاً على الأراضي الإثيوبية المتاخمة للحدود.

ويروي هاغوس (48 عاماً) وهو مقيم مع زوجته وأطفاله الأربعة في قرية صغيرة تبعد نحو 15 كيلومتراً شمال أديغرات، أن ضربة مُسيَّرة استهدفت في منتصف ليل السابع من أكتوبر، وبالقرب من منزله: «شاحنة كانت تقل جنوداً إريتريين وقذائف (هاون)».

ويضيف: «استمرت الانفجارات أكثر من 3 ساعات ونصف ساعة».

«رؤية الشيطان»

من جهتها، سمعت هايمانوت (33 عاماً) «أكثر من 10 انفجارات» قرب منزلها في 10 أكتوبر، أثناء استهداف المُسيَّرات للقوات الإريترية ومقاتلي «جبهة تحرير شعب تيغراي».

وتقول السيدة التي تقطن قرية في ضواحي أديغرات: «عندما رأيت الجنود الإريتريين يدخلون حيَّنا قبل أسبوعين، انتابني شعور بالصدمة والغضب (...) لقد رحلوا الآن، وأتمنى ألا يعودوا أبداً».

بدوره، يستحضر إلياس ديستا -وهو أحد سكان أديغرات- الانتهاكات التي ارتكبها الجنود الإريتريون إبان حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، والتي خلفت ما لا يقل عن 600 ألف قتيل.

وآنذاك، اتُّهم الجيش الإريتري الذي كان يدعم القوات الحكومية ضد قوات «جبهة التحرير»، قبل أن تنقلب التحالفات، بارتكاب عدد كبير من جرائم الحرب.

ويؤكد الشاب البالغ 36 عاماً: «هنا، رؤية الجيش الإريتري أشبه برؤية الشيطان»، مستذكراً وصول الجنود إلى المدينة «سيراً وفي المركبات».

وتابع بأنه رغم انسحابهم «لم تهدأ الأوضاع تماماً. بعدما انهارت الشرطة والأجهزة الأمنية أُطلق سراح بعض المسجونين، وباتت المدينة تعاني موجة سرقات واعتداءات بالأسلحة البيضاء».

وفي شوارع أديغرات وأزقتها، تُجري القوات الحكومية المزودة بأسلحة ثقيلة دوريات مستمرة، بينما أُغلقت المدارس منذ أيام عدة. وعلى الرغم من أن المطاعم والمتاجر فتحت أبوابها، فإن كثيراً منها يعاني نقصاً حاداً في السلع.

ولا تزال الأوضاع متوترة في أقصى شمال تيغراي، وتحديداً بلدة زالامبيسا القريبة من الحدود؛ حيث لا يزال جنود إريتريون موجودين.

والجمعة، أعلنت حكومة آبي أحمد تعيين إدارة انتقالية لمدة 6 أشهر في تيغراي، في خطوة تمهيدية لتنظيم انتخابات في الإقليم.

ويقول إلياس ديستا: «نأمل أن تعيد الحكومة الجديدة السلام والأمان»، وأن تؤمِّن المساعدات الإنسانية في وقت «يعاني فيه السكان مجاعة حادة، وهم بحاجة ماسة إلى المساعدة»، على حد تعبيره.