الاجتماع الوزاري العربي يدين تدخلات إيران... وبوادر لجوء إلى مجلس الأمن

الجبير: السكوت على اعتداءات طهران الغاشمة عبر عملائها في المنطقة لن يجعل أي عاصمة عربية في أمان

وزراء اللجنة الرباعية العربية المكلفة متابعة مواجهة تدخلات إيران خلال اجتماع مع أبو الغيط في القاهرة أمس (أ.ف.ب)
وزراء اللجنة الرباعية العربية المكلفة متابعة مواجهة تدخلات إيران خلال اجتماع مع أبو الغيط في القاهرة أمس (أ.ف.ب)
TT

الاجتماع الوزاري العربي يدين تدخلات إيران... وبوادر لجوء إلى مجلس الأمن

وزراء اللجنة الرباعية العربية المكلفة متابعة مواجهة تدخلات إيران خلال اجتماع مع أبو الغيط في القاهرة أمس (أ.ف.ب)
وزراء اللجنة الرباعية العربية المكلفة متابعة مواجهة تدخلات إيران خلال اجتماع مع أبو الغيط في القاهرة أمس (أ.ف.ب)

أدان وزراء الخارجية العرب، خلال اجتماعهم الطارئ، الذي دعت إليه السعودية، وعُقد في القاهرة، أمس، التدخلات الإيرانية في المنطقة، وأقروا خطوات تمهيدية للجوء إلى مجلس الأمن لطلب تحرك دولي ضد طهران، كما أيدوا حق الرياض في الدفاع عن نفسها ضد العدوان الصاروخي الإيراني.
وشكر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الدول العربية «للاستجابة السريعة التي تعكس استشعار المخاطر الجسيمة التي تتعرض لها دول المنطقة وشعوبها من التدخلات السافرة للنظام الإيراني في الشأن الداخلي، وإثارة الفتن المذهبية في محاولة لزعزعة أمنها واستقرارها».
وقال الجبير خلال الجلسة الافتتاحية لأعمال الاجتماع الطارئ للمجلس الوزاري العربي، أمس، إن «الصاروخ الباليستي الغادر الذي تم إطلاقه على الرياض يعكس الاعتداءات الإيرانية المتكررة ضد المملكة العربية السعودية التي شهدت إطلاق 80 صاروخاً باليستياً تحمل الهوية الإيرانية، تعرضت لها مختلف مدن المملكة، من دون أن تراعي قبلة المسلمين ومهبط الوحي مكة المكرمة، التي استهدفتها بثلاثة صواريخ باليستية في اعتداء سافر على المقدسات الإسلامية واستفزاز لمشاعر المسلمين حول العالم».
ولفت وزير الخارجية السعودي إلى أن «السكوت على هذه الاعتداءات الغاشمة لإيران عبر عملائها في المنطقة لن يجعل أي عاصمة عربية في أمان من هذه الصواريخ الباليستية».
وشدد على أن «السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا العدوان السافر، ولن تتوانى عن الدفاع عن أمنها الوطني للحفاظ على أمن شعبها وسلامته»، مطالباً الجميع بـ«تحمُّل مسؤولياتهم القومية وصيانة أمن دولهم واستقرارها للتصدي لهذه السياسات الإيرانية العدوانية تجاه دول المنطقة».
وأكد أن «السعودية حاولت، منذ انطلاق الثورة الإيرانية، أن تتعامل مع طهران وفق مقتضيات مبدأ حسن الجوار والاحترام المتبادل، إلا أنها للأسف الشديد ضربت عرض الحائط بهذه الجهود وبالقوانين والأعراف والمبادئ والأخلاق الدولية كافة، واستمرَّت في نهج الثورة القائمة على تصديرها وعدم احترام الحدود القومية للدول وإثارة القلاقل والاضطرابات في العالم العربي، وكان آخرها استهداف أنبوب النفط في البحرين».
ولفت إلى أن «ممارسات إيران جعلت المجتمع الدولي يصنفها الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم، ووضعها تحت طائلة العقوبات بسبب انتهاكها للقوانين الدولية وسيادة الدول وزرع الخلايا الإرهابية وتهريب الأسلحة والاعتداء على البعثات الدبلوماسية وحرمتها وانتهاج سياسة اغتيال الدبلوماسيين وخلق عملاء لها في المنطقة العربية، مثل الحوثيين و(حزب الله)، واحتضانها للمنظمات الإرهابية داخل إيران وخارجها، مثل تنظيم القاعدة».
ونبه الجبير إلى أن أي «تراخٍ في التعامل مع سياسات إيران العدوانية تجاه الدول العربية من شأنه أن يشجعها على التمادي في عدوانها، مطالباً بوقفة جادة وصادقة مع الدول والشعوب العربية والالتزام بمبادئ وميثاق جامعة الدول العربية والقوانين الدولية في التصدي لهذه السياسات الغاشمة، حفاظاً على الأمن القومي العربي وسلامة الشعوب العربية وازدهارها».
وقال الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط، إن التهديدات الإيرانية للدول العربية «تجاوزت كل حد»، محذراً من أن «العواصم العربية باتت تقع في مرمى صواريخ طهران الباليستية».
وأوضح أن الصاروخ الذي أطلقته ميليشيا الحوثي باتجاه مدينة الرياض هو «تهديد غير عادي، وبمثابة الحلقة الأخطر من سلسلة طالت من التجاوزات التي تضمنت نشر الفتنة والتخريب».
ورأى أنه «لم يعد أمامنا في مواجهة حدث خطير كهذا سوى أن نسمي الأشياء بأسمائها... فالصاروخ الذي استهدف الرياض إيراني الصنع، وهو رسالة إيرانية واضحة في العداء، ولم يُفلح المسؤولون الإيرانيون حتى في تجميلها، بأن العواصم العربية تقع في مرمى صواريخ طهران الباليستية... وهذه رسالة غير مقبولة شكلاً أو مضموناً».
واستشهد الأمين العام للجامعة بـ«وقائع مثبتة لشبكات تجسس وتخريب تم الكشف عن نشاطها الهدام، مثل شبكة العبدلي في الكويت، وشبكات مختلفة في العديد من الدول العربية، منها الإمارات، ومصر، والسعودية، والبحرين، والأردن، والمغرب، والسودان، إضافة إلى دعم وتمويل الميليشيات المسلحة في أكثر من مكان بالعالم العربي».
وهاجم أبو الغيط تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني التي تضمنت الزعم بأنه «لا يمكن القيام بأي خطوة مصيرية في العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا والخليج من دون إيران». واعتبر أن «مثل هذا الحديث الصادر عن أعلى جهة تنفيذية في إيران، ليس استثنائياً، ولا يخالف ما دأبت عليه القيادات الإيرانية، بل هو يعكس نهج التفكير وحقيقة السياسة التي تتبعها طهران... نهج هيمنة وسيطرة».
وقال: «لقد قاست المنطقة كلها من جراء تبعات ونتائج هذه السياسة الإيرانية الخطيرة خلال السنوات المنصرمة، فتنةً، وعنفاً، وتأجيجاً طائفياً، واعتداءً على السفارات، وإشاعة للانقسام في المجتمعات، ودعماً حثيثاً لميليشيات خارجة عن سلطة الدولة، واعتداءً على الشرعية، وزرعاً لشبكات التجسس، والقائمة تطول، هذه التدخلات التي لم تراعِ المبدأ الأهم في العلاقات الدولية، وهو الامتناع عن استخدام القوة أو التلويح بها، والالتزام بعلاقاتٍ تقوم على حسن الجوار، بل إنها سارت عكس هذا النهج على طول الخط، حتى قوضت أي فرص حقيقية لبناء الثقة مع الجانب العربي الذي بادر أكثر من مرة إلى تحسين الأجواء وإقامة علاقات جوارٍ على أساس سليم مع الجانب الإيراني، من دون جدوى».
ولفت إلى أن الدول العربية «تعتبر التدخلات الإيرانية سبباً أصيلاً في حالة انعدام الاستقرار السائدة في اليمن، وذلك من خلال ما تقوم به من تسليح ميليشيا الحوثي وتحريضها لاستهداف منطقة الخليج بالصواريخ الباليستية... وقد خرجت كبريات الصحف الإيرانية تُباهي بهذه الهجمات الصاروخية، وتتوعد الحواضر الخليجية بالمزيد». وأوضح أن «الخطة الإيرانية لم تعد خافية على أحد، وأن طهران تسعى إلى أن يكون اليمن شوكة في خاصرة المملكة العربية السعودية والخليج، مستغلَّةً حالة الضعف السياسي والاحتراب الداخلي التي يعيشها هذا البلد العربي العزيز».
وأعرب عن أسفه «لأن المجتمع الدولي، والقوى الفاعلة فيه، تغض الطرف عن هذه الحالة الصارخة والمستمرة من تهديد الأمن والسلم في الإقليم». وقال: «لقد بات واضحاً أن الطرف الإيراني لا تصله رسالة صريحة وحاسمة من جانب المجتمع الدولي بخطورة ما يقوم به، وبعواقبه الوخيمة... بل إنه، وكما يبدو لنا، التقط رسالة عكسية مؤداها أن الاتفاق السداسي بشأن برنامجه النووي يُعطيه حصانة ويطلق يده في المنطقة، فأخذ يشعل الحرائق هنا، ويضرب الاستقرار هناك، متبعاً استراتيجية طائفية واضحة في تأجيج المجتمعات الشيعية في الدول العربية، وبهدف تحقيق التواصل بين الميليشيات التابعة له، وصولاً إلى ساحل المتوسط، أحد أهدافه الاستراتيجية».
ودعا «المجتمع الدولي بمنظماته وقواه المؤثرة، وبالتحديد مجلس الأمن الدولي، للتدخل بحزم في مواجهة التهديدات الإيرانية التي تجاوزت كل حد، وتدفع بالمنطقة إلى هاوية خطيرة». وأفاد بأن «البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية يُمثل تهديداً خطيراً على الاستقرار في المنطقة، خصوصاً أن الحوثيين أطلقوا 232 صاروخاً باليستياً، منذ بدء النزاع اليمني، منها 76 صاروخاً على المملكة العربية السعودية».
وأكد أبو الغيط أن «السلوك العدائي (الإيراني) يُمثل انتهاكاً صارخاً لقرار مجلس الأمن 2231 (لعام 2015) في شأن تطوير صناعة الصواريخ الباليستية... فضلاً عن مخالفته الصريحة لما نصّ عليه القرار 2216 (لعام 2015)، خصوصاً فيما يتعلق بضرورة الامتناع عن تسليح الميليشيات».
وفي مؤتمر صحافي بعد الاجتماع، قال الأمين العام للجامعة إن الاجتماع «لم يتخذ قراراً بدعوة مجلس الأمن للانعقاد، وإنما الاتفاق على أن يكون القرار متدرجاً، يبدأ بتولي المجموعة العربية في مجلس الأمن مسؤولية إطلاع الهيئة الدولية على القرار العربي الجماعي الذي يرفض التهديدات الإيرانية وتدخلاتها في الدول العربية». وأضاف أبو الغيط في المؤتمر الصحافي الذي أعقب انعقاد الاجتماع، أمس: «قد نحتاج إلى دعوة مجلس الأمن للانعقاد، إذا لم تتجاوب إيران مع القرار العربي الجماعي برفض التهديدات ودعمها لجماعة الحوثي و(حزب الله)».
ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول المنهج الذي سيتخذ في التعامل مع التهديدات الإيرانية، قال وزير خارجية جيبوتي رئيس الدورة الحالية لمجلس الجامعة محمود علي يوسف، إن «هناك حاجة لإيجاد آلية تنفيذ مثل قيام ترويكا عربية للقيام بهذا الدور»، مؤكداً أن «حرية الملاحة في مضيق باب المندب لن تتضرر ولن يسمح المجتمع الدولي لجماعة الحوثي بتنفيذ التهديدات التي تلوح بها».
وفي كلمة مرتَجَلة خلال الاجتماع، هاجم وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، «حزب الله الإرهابي»، وقال إن «الحكومة اللبنانية تتحمل المسؤولية عن الاعتداء الذي يقوم به (حزب الله) باعتباره شريكاً في الحكومة». واستكمل: «إننا لا نتحدث عن خلافات عربية بل تهديدات إيرانية للأمن القومي العربي».
وتابع آل خليفة: «إيران لها أذرع كثيرة في المنطقة ومنها (حزب الله) الإرهابي الموجود في سوريا والعراق»، مؤكداً أن «الفترة الحالية تشهد تصعيداً خطيراً للممارسات الإيرانية تجاه الدول العربية، وهذا يضع الدول الأعضاء في الجامعة العربية أمام مسؤولية كيفية صيانة الأمن القومي من خلال منظومة الجامعة العربية، خصوصاً أن إيران تقوم بتنفيذ تهديداتها من خلال أذرعها في المنطقة».
وأبدى وزير الخارجية المصري سامح شكري رفض القاهرة القاطع «لأي تدخلات من أي طرف غير عربي في شؤون الدول العربية»، مذكراً بإدانة بلاده «بأشد العبارات، الاعتداءات التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية أخيراً من ميليشيات الحوثي، وكذلك العمل الإرهابي الذي استهدف أنبوب النفط بمملكة البحرين الشقيقة».
وقال شكري إن «المساس بأمن دول الخليج الشقيقة خط أحمر، والتزام مصر بدعم أمن واستقرار دول الخليج، هو تطبيق عملي لمبدأ راسخ من مبادئ الأمن القومي المصري، وهو الرفض القاطع لأي محاولة من أي طرف إقليمي لزعزعة استقرار الدول العربية والتدخل في شؤونها». ولفت إلى أن المجلس الوزاري العربي أصدر في عدد من دوراته السابقة «قرارات واضحة ولا لبس فيها بشأن التدخلات الإيرانية، وشروط إقامة علاقة جوار صحية بين العرب وإيران»، وحمّل إيران «مسؤولية لا شك فيها، بالامتناع عن التدخل في شؤون الدول العربية، والسعي لإقامة علاقات جوار أساسها احترام سيادة الدول العربية، ومبدأ المواطنة، وتجنب إذكاء النعرات الطائفية والعرقية والمذهبية».
وأوضح أن موقف مصر يرتكز على «الحفاظ على استقرار مؤسسة الدولة الوطنية القائمة على قاعدة المواطنة الكاملة، باعتباره الشرط الضروري لمواجهة خطر الإرهاب والتفكك الذي يواجه عدداً من دول المنطقة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه أي علاقات جوار».
وأكد أن «علاقة الجوار السليمة لا يمكن أن تقوم إلا بين دول وطنية ذات سيادة محترمة من الجميع، ولا مكان فيها لأي محاولة لتخطي مؤسسات الدولة الوطنية والتعامل المباشر مع ميليشيات وكيانات طائفية أو مذهبية أو عرقية». واستنكر «أي شكل من الوجود الأجنبي غير المشروع على أي أرض عربية، سواء من خلال محاولة إقامة قواعد عسكرية، أو من خلال الاعتماد على قوى محلية ذات ولاء خارجي، أو دعم عمل التنظيمات الإرهابية، وهو أمر مرفوض شكلاً ومضموناً، ولا يمكن التسامح معه أياً تكن الذرائع».


مقالات ذات صلة

«الجامعة العربية» تدعم مفاوضات لبنان وإسرائيل للوصول إلى حل دائم

شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الجامعة)

«الجامعة العربية» تدعم مفاوضات لبنان وإسرائيل للوصول إلى حل دائم

أكدت جامعة الدول العربية دعمها مفاوضات لبنان وإسرائيل بهدف الوصول إلى «حل دائم للأزمة التي يواجهها لبنان مع إسرائيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج قوات الاحتلال الإسرائيلي واصلت إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين لليوم الأربعين على التوالي (أ.ف.ب)

تحذير إسلامي - عربي - أفريقي من تصاعد اعتداءات إسرائيل في القدس

حذَّرت منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، في بيان مشترك، الأربعاء، من خطورة تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في القدس المحتلة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في القاهرة (رويترز)

«استفزاز مرفوض»... مصر تدين اقتحام بن غفير المسجد الأقصى

أكدت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الثلاثاء، رفضها الكامل لمثل هذه الممارسات التي تمس بحرمة المقدسات الإسلامية في القدس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
حصاد الأسبوع امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.