«خلافة داعش» الافتراضية تتهاوى

منصاتها «تويتر» و«إنستغرام» وصولاً لـ«تليغرام»

تنظيم مثل «داعش» لم يفته استغلال برامج التواصل الحديثة لنشر أفكاره وتجنيد المزيد للانضمام لصفوفه («الشرق الأوسط»)
تنظيم مثل «داعش» لم يفته استغلال برامج التواصل الحديثة لنشر أفكاره وتجنيد المزيد للانضمام لصفوفه («الشرق الأوسط»)
TT

«خلافة داعش» الافتراضية تتهاوى

تنظيم مثل «داعش» لم يفته استغلال برامج التواصل الحديثة لنشر أفكاره وتجنيد المزيد للانضمام لصفوفه («الشرق الأوسط»)
تنظيم مثل «داعش» لم يفته استغلال برامج التواصل الحديثة لنشر أفكاره وتجنيد المزيد للانضمام لصفوفه («الشرق الأوسط»)

جاء تحذير مسؤولين أميركيين من أن تنظيم داعش الإرهابي يسعى لإقامة «خلافة افتراضية» في الفضاء الإلكتروني يتواصل خلالها مع أنصاره ويجند ناشطين جُددا، عقب هزائم طالته أخيراً في الأراضي التي استولى عليها بسوريا والعراق، ليفتح الباب حول «تسليح السوشيال ميديا»، ومنصات التنظيم بدءاً من «تويتر» مروراً بـ«إنستغرام» وصولاً لـ«تليغرام».
التحذيرات كشفت عن محاولات «داعش» المستميتة للتسلح بالمنصات الإلكترونية، وبحسب خبراء في الحركات المتطرفة، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، فإن مقاتلي «داعش» يتواصلون عبر حسابات وهمية على «تويتر» بأسماء حركية عليها عبارات أو ألفاظ مثل «باقية وتتمدد أو البغدادي باق أو أخبار الخلافة»، ويستخدمون ما يقرب من 50 مفردة تتعلق بالتشدد والخلافة والتنظيم، لا يعرفها إلا هم.
وقال الخبراء أيضاً إن «داعش» درب المحبين على كيفية عمل «إيميل» على «فيسبوك»، ويمتلك التنظيم 30 ألف حساب على «تليغرام» وكل حساب يتابعه ما يقرب من 3 ملايين شخص... أما «إنستغرام» فيمتلك التنظيم عليه 50 ألف حساب وأخيراً تم حذف 15 ألفا منها. لكن الخبراء أشاروا إلى أن أغلب هذه المنصات تهاوت أخيراً. ومما لا شك فيه أن تنظيماً مثل «داعش» لم يفته استغلال برامج التواصل الحديثة لنشر أفكاره وتجنيد المزيد للانضمام لصفوفه... ومن المؤكد أن المنتديات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي مثل «اليوتيوب» و«تويتر» و«فيسبوك» و«الواتسآب» و«الإنستغرام»، أصبحت الأداة الأهم في يد الجماعات الإرهابية لنشر أفكارها ومعتقداتها ووضع خططها وتنفيذ أهدافها وتجنيد أعضائها. وسبق أن أعلن موقع «توتير» في فبراير (شباط) الماضي، تعليق أكثر من 125 حسابا تابعا لـ«داعش» في إطار حربه ضد «المحتوى الإرهابي» على منصته، عقب ضغوط من حكومات الدول للحد من الدعاية الجهادية عبر شبكات التواصل الاجتماعي؛ لكن الحرب الإلكترونية لم تتوقف حتى الآن، وتغذي استمرارها الحسابات الجديدة التي يدشنها التنظيم فور إغلاق أي حساب قديم، ما يعني أن الطرفين عالقان في حرب قد لا تنتهي قريباً.
من جانبه، قال الباحث عمرو عبد المنعم، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، إن «داعش» أكبر تنظيم يستخدم التكنولوجيا في التعامل مع وسائل الإعلام الحديثة، والحقيقة أن هذا الأمر عليه علامات استفهام كثيرة جداً... كيف أن مجموعة من الجهاديين أكبرهم سناً من هو عمره 60 عاماً أقصى شيء تعلمه في أفغانستان أن يستخدم جهاز الكاسيت عام 1988؛ لكنه الآن أصبح يتواصل مع التكنولوجيا بشكل أسرع، لافتاً إلى أنه عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001. وظهور الجهاد اللوحي «التاب» والتليفون الذكي، استطاعت الجماعات المسلحة أن تخلق تكنولوجيا الجهاد بمفرداتها، واستطاعت استغلال كل ما يخص هذه الوسائل لخدمة أهدافها الخاصة وتجييش الشباب، خاصة أنها سهلت عليهم تحقيقها بأقل التكاليف، التي كانت باهظة فيما مضى، مضيفاً: الآن التنظيم يُجند شخصا ويعرفه طريقة صناعة المتفجرات واستخدام الأسلحة وكيفية الهروب من مراقبة السلطات في الدول، حتى وصل إلى ما يعرف باسم «الذئاب المنفردة»، و«الخلايا النائمة»، كل ذلك نتيجة التعامل مع التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتابع عبد المنعم: «تم رصد أكثر من 250 ألف حساب للتنظيم على (تويتر) من عام 2014 حتى 2016. ومع أوائل عام 2016 هجر جنود (داعش) موقع (تويتر)، لأن قيادة التنظيم ترفض التكنولوجيا؛ بل تحرمها وتعتبر من يستخدمها آثما شرعاً».
لكن تقارير دولية أكدت رصد ما يزيد عن 300 ألف حساب للتنظيم على «تويتر».
وأوضح عبد المنعم أنه حتى عام 2016 كان مقاتلو «داعش» عندما يفرغون من القتال في أرض الخلافة المزعومة بسوريا والعراق، يقومون باستخدام «التاب» أو الهاتف الجوال، ويتواصل كل مقاتل مع أصدقائه عبر حسابات وهمية بأسماء حركية ويضع عليها عبارات أو ألفاظا مثل «باقية وتتمدد أو البغدادي باق أو أخبار الخلافة» ويستخدمون ما يقرب من 50 مفردة تتعلق بالتنظيم والخلافة، ولا يعرفها إلا هم فقط.
لكن مقاتلي «داعش» بدأوا مع بداية عام 2016 الانسحاب من المشهد التكنولوجي حتى لا يتم استهدافهم، لأن التحالف الدولي استطاع استهدافهم عن طريق ذلك، لافتاً إلى أنه يستحيل الآن أن نجد حسابات للمقاتلين أو قادة التنظيم على «تويتر»... بعدما اقتصر امتلاك الحسابات على تلك المنصة لمناصري التنظيم ومحبيه فقط.
ويقول مراقبون إن نشاط «داعش» على «تويتر» قُسم إلى عدة فئات تُعنى بمهام مختلفة؛ لكن رسالتها واحدة هي «قيام الخلافة»، كما تبرز حسابات غريبة بمسميات مختلفة، تهدف إلى التعريف بأنشطة «داعش»، منها: «أسود الدولة»، و«صقور دولة الإسلام»، و«أنصار دولة الإسلام»، و«صفحة ولاية الشام»... أما حسابها الرسمي المفترض على «تويتر» فكان يحمل اسم «مؤسسة الاعتصام» وشعاره: «اعتصموا». لكن سبق للقائمين على الموقع إلغاء ذلك الحساب.
وأشارت دراسات غربية إلى أن غالبية التغريدات على «تويتر» باللغة العربية، رغم وجود 18 في المائة باللغة الإنجليزية و7 في المائة باللغة الفرنسية.
وعن الكيفية التي وصلت بها التكنولوجيا لـ«داعش»، قال صلاح الدين حسن، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، «كانت هناك مواقع ورثها «داعش» عن تنظيم «القاعدة» على الشبكة العنكبوتية، ولم يكن لأميركا أي قدرة على حذف هذه المواقع، وكان «داعش» يتعامل مع هذه المواقع وفق «رقم سري»، فكان يضع البيانات والصور والأرشيف، لكن هذه الحسابات تعرضت للحذف. ويؤكد المراقبون أن «داعش» عمل على التواصل بين جيشه الإلكتروني عن طريق تنظيم موارده وتحسين برامج الاتصالات ودراسة البدائل الآمنة، فالتواصل بين التنظيم يتم عن طريق برامج آمنة , مع المتطرفين, وشبكة مثل الفداء، وأخرى مثل شبكة الشموخ، وجميعها تخفي عناوين الـ«IP» والهوية التي لا يمكن حذف محتواها.
وقال عمرو عبد المنعم إن «داعش» درب المحبين أو المناصرين على كيفية عمل «إيميل» على «فيسبوك»، ووضع شروطا لذلك أن «الإيميل» لا يفتح من منزل المناصر أو المحب، وعند فتحه يكون على بعد 3 كيلومترات من مقر إقامته، وعندما يفتحه لا يأخذ وقتاً طويلاً، ويرد على الرسائل الواردة بسرعة، ولا يرد على كل الرسائل، خاصة الرسائل التي تحمل صور فتيات أو مشاهد جنسية، لأنه حين يدخل عليها يتم تحديد موقعه من قبل «الهاكرز» أو رجال الأمن في الدول وتوقيفه بعد ذلك. موضحاً أن التنظيم يمتلك 30 ألف حساب على «التليغرام» وكل حساب يتابعه ما يقرب من 3 ملايين شخص، وهذا يدل على وجود عدد كبير من المتابعين، خاصة أنه من الممكن تحميل «التليغرام» على جهاز الحاسوب الشخصي، ويصعب رصده من قبل سلطات الدول، لافتاً إلى أن الشباب الذين يتصفحون «التليغرام» من سن 14 حتى 28 عاماً، والأغرب أن 60 في المائة لفتيات تستهويهن إصدارات «داعش» وضرباته في أوروبا وحلم -الخلافة- المزعوم.
وحول تجنيد «داعش» للشباب، قال صلاح لم يكن تجنيداً بالمعنى الشامل، لأن آلية التجنيد معقدة تماماً لعدم معرفة الشخص الجديد الذي يطلب الانضمام للتنظيم، و«داعش» تحدث عن التجنيد الإلكتروني كنوع من التفخيم، بأنه يمتلك القدرة على ذلك.
يشار إلى أنه سبق أن شهد تطبيق الرسائل المشفرة «تليغرام» حركة غير معتادة من أنصار «داعش»، حيث اندمجت ثلاث مجموعات من «الهاكرز» المحترفين الموالين للتنظيم الإرهابي معاً، من أجل تحسين قدراتهم في شن الحروب الإلكترونية على الأهداف في الدول الغربية، وإعلان التنظيم أن لديه فريقا جديدا قادرا على التعامل باللغتين الإنجليزية والعربية. لكن صحيفة «ذي تايمز» البريطانية قالت إن «داعش» يمتلك أكثر من 50 ألف حساب لأنصاره على موقع «إنستغرام» مع انتقال الإرهابيين إلى منصة مشاركة الصور بعد الحملة ضدهم على «فيسبوك وتويتر ويوتيوب»... ووجدت دراسة كبرى أخيراً أن أنصار التنظيم الإرهابي حول العالم يستخدمون قصص «إنستغرام» التي تختفي بعد 24 ساعة لنشر الدعاية. وهو الرقم الذي أكدت عليه أيضاً مجموعة «جوست داتا» لتحليل البيانات، وذكرت أن 50 ألفا من حسابات «إنستغرام» مرتبطة بداعش وأكدوا أن الموقع الذي يتيح للمستخدمين نشر فيديوهات ومجموعات من الصور والنصوص، يتم استخدامه لنشر الدعاية الجهادية، ومن بين المواد التي تم حفظها كـ«سكرين شوت» مقاطع فيديو لأطفال يلوحون بأعلام «داعش»، وصورة لجثة رجل مقطوع الرأس عليها كلمة «كافر».
وعن تفوق «داعش» في «السوشيال ميديا»، قال صلاح الدين حسن خبير الجماعات المتطرفة: «يعود ذلك إلى أن أعضاء التنظيم الجدد بعد ثورات الربيع العربي كان معظمهم من الشباب الذين لديهم اتصالات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولذلك حققوا طفرة كبيرة في ميديا التنظيم. لكن أغلب هذه المنصات تهاوت أخيراً».
واتفق مع الرأي السابق، الدكتور خالد الزعفراني، الخبير المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة، مؤكداً أنه انضم لـ«داعش» مجموعة من الشباب على دراية كبيرة بالإنترنت من وسط آسيا والدول العربية، ويمكن وصفهم بأنهم كانوا نوابغ في استخدام الشبكة العنكبوتية وتعاملوا مع هذه المنصات بحرفية... لذلك فالتنظيم فرغ مجموعة كبيرة من الشباب لذلك، وتم توظيفهم لإرسال الفكر الجهادي وليس استقبال الأفكار الأخرى.
وأوضح: كان التخاطب اللغوي صعبا بين عناصر التنظيم؛ لكن بعد الإنترنت أصبح سهلاً، مجرد كلمات عربية مع إنجليزية ولغات أخرى، يستطيعون نطقها في بيانات معينة، لافتاً إلى أنها كانت مجموعات فكرية تنفذ تعاليم التنظيم بـ«حذافيره»، موضحاً أن كل حساب تابع للتنظيم يتم إغلاقه، يتم فتح مقابله 10 حسابات جديدة، لذلك مطلوب من الدول أن تخصص شبابا مهمتهم الرد على هذه الحسابات، لكن الردود للأسف أمنية فقط.
من جهته، يقول الدكتور عبد الصبور فاضل، عميد كلية الإعلام جامعة الأزهر، إن «داعش» وفر الإمكانيات المادية لتدريب العديد من الكوادر لاختراق المواقع الإلكترونية في الدول بتكنولوجيا حديثة بدليل استعانته بالأجانب في ذلك، لافتاً إلى أن «خطاب «داعش» الإعلامي يعد أداة قتال رئيسية من أدوات المعركة التي يخوضها، وليس مجرد آلية للترويج الخارجي، مؤكداً أن «داعش» يصوغ استراتيجيته الاتصالية ليخاطب ثلاثة مستويات مختلفة تماماً؛ فهناك خطاب للأتباع والمتعاطفين والمؤيدين، وهناك خطاب يستهدف المتابعين الذين يقفون على الحياد أو في مفترق طرق إزاء التنظيم وأعدائه، أما الخطاب الثالث فيستهدف أعداء التنظيم.


مقالات ذات صلة

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوقفت السلطات الفرنسية مراهقَين أقرّ أحدهما، وهو متأثر بالتوجهات الإرهابية، بإعداد مشروع «عمل عنيف» كان سيستهدف «مركزاً تجارياً أو قاعة حفلات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

وافقت لجنة في البرلمان التركي على تقرير يتضمن اقتراحات لوضع قانون انتقالي لعملية السلام بالتزامن مع عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منسّق حزب «فرنسا الأبية» مانويل بومبار (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» اليساري يخلي مقره في باريس بعد «تهديد بوجود قنبلة»

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي الأربعاء أنه اضطر إلى إخلاء مقره الرئيس في باريس بعد تلقيه «تهديداً بوجود قنبلة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية أكراد خلال مسيرة في ألمانيا للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا بعدما أطلق نداءً من أجل السلام (د.ب.أ)

تركيا: أوجلان يعلن بدء «الاندماج الديمقراطي»

عد زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان أن مرحلة جديدة من «عملية السلام» بدأت في تركيا بينما يستعد البرلمان للتصويت على تقرير يحدد إطارها القانوني.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا مسيحيون بعد عودتهم إلى ولاية كادونا كانوا قد اختُطفوا من قِبل مجموعات مسلحة في كومين والي (أ.ب)

نيجيريا: وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب

وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب في نيجيريا و«داعش» يكثّف هجماته وحديث عن مقتل 1300 نيجيري خلال 41 يوماً.

الشيخ محمد (نواكشوط)

تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
TT

تنديد عربي - إسلامي بحديث سفير أميركي عن «حق إسرائيل في الشرق الأوسط»

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)
السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن «حق إسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط» استهجاناً عربياً وإسلامياً، وإدانات في السعودية والكويت ومصر والأردن وفلسطين.

​وأدانت وزارة الخارجية السعودية، السبت، بأشد العبارات واستنكرت كلياً ما تضمنته تصريحات هاكابي، التي عبّر فيها باستهتار عن أن سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بأكمله ستكون أمراً مقبولاً.

وأكدت السعودية، في بيان لوزارة خارجيتها، رفضها القاطع لهذه التصريحات غير المسؤولة، التي تعد خرقاً للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدبلوماسية، وسابقةً خطيرةً في صدورها من مسؤول أميركي، وتعد كذلك استهتاراً بالعلاقات المتميزة لدول المنطقة بالولايات المتحدة الأميركية.

وأشارت إلى أن هذا الطرح المتطرف ينبئ بعواقب وخيمة، ويهدد الأمن والسلم العالمي، باستعدائه لدول المنطقة وشعوبها، وتهميش أسس النظام الدولي، الذي توافقت عليه دول العالم لوضع حد للحروب الدامية التي أودت بحياة الملايين من البشر في الماضي، وما أرساه النظام الدولي من احترام لحدود الدول الجغرافية وسيادة الدول على أراضيها، وأنه «يتعين على وزارة الخارجية الأميركية إيضاح موقفها من هذا الطرح المرفوض من جميع دول العالم المحبة للسلام».

وجددت السعودية في هذا الصدد موقفها الراسخ برفض كل ما من شأنه المساس بسيادة الدول وحدودها وسلامتها الإقليمية، مشددةً على أن السبيل الأوحد للوصول للسلام العادل والشامل هو إنهاء الاحتلال على أساس «حل الدولتين»، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وقال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في مقابلة مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، مساء الجمعة، إنه «لا بأس» إذا استولت إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، متحججاً بنصوص دينية من «العهد القديم»، مشيراً إلى أن لإسرائيل «حقاً دينياً في الاستيلاء على الشرق الأوسط، أو على الأقل على الجزء الأكبر منه».

وعدّ هاكابي «إسرائيل أرضاً منحها الله، من خلال إبراهيم، إلى شعب مختار»، ما يعني أن «بإمكان إسرائيل المطالبة بأرض تشمل في الأساس كامل الشرق الأوسط».

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في إفادة رسمية، السبت، التصريحات التي وصفها بـ«بالغة الخطورة»، في حين قالت «منظمة التعاون الإسلامي» إنها «دعوة غير مقبولة لتوسيع إسرائيل».

وعدّ أبو الغيط التصريحات «مخالفة لأبجديات الدبلوماسية وأعرافها الراسخة كافّة، فضلاً عن مجافاتها للمنطق والعقل، وتناقضها مع سياسات الولايات المتحدة ومواقفها على طول الخط»، مشيراً إلى أن التصريحات «تستهدف مغازلة الجمهور اليميني في إسرائيل»، حسب المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية جمال رشدي.

وأكد المتحدث باسم الأمين العام أن «مثل هذه التصريحات المتطرفة التي لا تقف على أي أساس، تؤدي إلى تأجيج المشاعر وإثارة العواطف الدينية والوطنية، في وقت تجتمع فيه الدول تحت مظلة (مجلس السلام) من أجل بحث سبل تطبيق اتفاق غزة، واغتنام هذه الفرصة لإطلاق مسار سلمي جدي».

وأعرب مجلس التعاون لدول الخليج العربية، السبت، عن رفضه واستنكاره للتصريحات غير المسؤولة وغير المقبولة الصادرة عن سفير أميركا لدى حكومة قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تضمنت قبول سيطرة الاحتلال على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة.

وأكد جاسم البديوي الأمين العام للمجلس، أن هذه التصريحات تمثل انتهاكاً واضحاً وصريحاً للمواثيق والمعاهدات الدولية والأممية، التي تنص على سيادة الدول ووحدة أراضيها وسيادتها الكاملة.

وأشار إلى أن هذه التصريحات غير المسؤولة وغير المسبوقة تخالف توجهات الولايات المتحدة الأميركية، والرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بالسعي إلى تحقيق السلام والتوصل إلى حل دائم للقضية الفلسطينية، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

وشدد البديوي على الموقف الثابت لمجلس التعاون والتزامه بدعم الشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي التصريحات «الخطيرة وغير المسؤولة» لهاكابي، وعدّتها «دعوة غير مقبولة لتوسيع إسرائيل»، استناداً إلى «سردية تاريخية وآيديولوجية زائفة ومرفوضة»، محذرة من أن «هذا الخطاب الآيديولوجي المتطرف من شأنه أن يغذّي التطرف ويشجع الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة إجراءاته غير القانونية القائمة على التهجير والاستيطان».

وأعربت وزارة الخارجية الكويتية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للتصريحات «غير المسؤولة» الصادرة عن السفير الأميركي لدى إسرائيل.

وأكدت الوزارة، في بيان صحافي، رفض الكويت القاطع لمثل هذه التصريحات، لما تمثله من مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بما فيها القرار رقم 2803، ولما تنطوي عليه من مساس بسيادة الدول ووحدة أراضيها، الأمر الذي من شأنه زيادة حدة التوتر وتقويض جهود تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما شددت الكويت على أن هذه التصريحات تتعارض بشكل مباشر مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكذلك مع النقاط العشرين ذات الصلة بالسعي إلى تحقيق السلام، مؤكدة أن أي طرح يضفي شرعية على السيطرة على أراضي الغير يقوض تلك المساعي ويؤجج الأوضاع.

وجددت الكويت تأكيدها على «أن القوة القائمة بالاحتلال لا تملك أي سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو على أي أراض عربية أخرى، وترفض أي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، كما تعارض استمرار الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة».

وأكدت التزامها الثابت بدعم الحق غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، وبما يحقق السلام العادل والشامل في المنطقة.

وأدان العراق تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل. واعتبرت بغداد هذه التصريحات بأنها «تمثل تجاوزاً خطيراً وتتعارض مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتشكل مساساً بسيادة الدول واستقلالها ووحدة أراضيها فضلاً عما تحمله من تداعيات سلبية على أمن واستقرار المنطقة».

وشددت وزارة الخارجية العراقية على «موقف العراق الثابت والداعم لسيادة الدول ورفض أي سياسات أو ممارسات تقوم على الهيمنة أو فرض الأمر الواقع».

وأدانت مصر «التصريحات المنسوبة إلى هاكابي». وأعربت، في بيان لوزارة الخارجية، السبت، عن «استغرابها صدور هذه التصريحات التي تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وكذلك مؤتمر (مجلس السلام) الذي عُقد في واشنطن، الخميس».

وجدّدت مصر التأكيد على أنه «لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية»، مشددة على «رفضها القاطع لأي محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة».

وكان الرئيس الأميركي ترمب قد عارض، في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، الشهر الحالي، ضم إسرائيل الضفة، وقال: «لدينا ما يكفي من الأمور التي تشغلنا الآن... لسنا بحاجة إلى الخوض في شؤون الضفة الغربية»، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال ترمب إنه «لن يسمح بضم الضفة الغربية».

كما أدانت وزارة الخارجية الأردنية، السبت، تصريحات هاكابي. ورفض الناطق الرسمي باسم الوزارة السفير فؤاد المجالي، في إفادة نشرتها «وكالة الأنباء الأردنية»، ما وصفه بـ«التصريحات العبثية والاستفزازية»، وعدّها «تمثّل انتهاكاً للأعراف الدبلوماسية، ومساساً بسيادة دول المنطقة، ومخالفةً صريحةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتتناقض مع موقف الرئيس الأميركي المعلن في رفض ضم الضفة الغربية المحتلة».

وأكّد المجالي أن «الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أرض فلسطينية محتلة، حسب القانون الدولي»، وأن «إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة على أساس حل الدولتين وفق القانون الدولي هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل».

وشدد على «أهمية تضافر كل الجهود لتثبيت الاستقرار في غزة وتنفيذ خطة الرئيس الأميركي وقرار مجلس الأمن (2803) بدلاً من إصدار تصريحات عبثية تصعيدية غير مسؤولة ولا قيمة قانونية لها ولا أثر».

وأدانت وزارة الخارجية الفلسطينية تصريحات هاكابي. وأكدت أنها «تناقض الحقائق الدينية والتاريخية، والقانون الدولي، فضلاً عن تناقضها مع ما أعلنه الرئيس الأميركي برفض ضم الضفة الغربية».

وعدّت «الخارجية الفلسطينية»، التصريحات «دعوة صريحة إلى الاعتداء على سيادة الدول، ودعماً للاحتلال للاستمرار في حرب الإبادة والتهجير وتنفيذ مخططات الضم والتوسع العنصري بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما رفضه المجتمع الدولي بأكمله».

وأثارت تصريحات هاكابي استياء وردود فعل عربية غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات بإدانتها ومواجهة المخططات الإسرائيلية.

ووصف الإعلامي المصري أحمد موسى تصريحات هاكابي بـ«الخطيرة والمستفزة». وقال في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «تلك التصريحات هي المخطط الحقيقي لإسرائيل على المدى البعيد، ما يتطلّب اليقظة والحذر من طموحاتهم التوسعية وغطرستهم». وحذر من «انتهاك سيادة الدول القوية؛ لأن الرد سيكون مزلزلاً».

بدوره، أشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي إلى أن تصريحات هاكابي «ليست مفاجئة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هاكابي من أكبر أنصار الاستيطان، وسبق أن عبّر عن موقفه ودعمه لإسرائيل مراراً، ما يجعل تعيينه سفيراً لبلاده في الولاية الثانية لترمب مقصوداً وتأكيداً على دعم واشنطن لإسرائيل». وأكد «ضرورة وجود موقف عربي قوي وشجاع وواضح لمواجهة مخططات إسرائيل الاستيطانية».

وكان هاكابي قد أعلن تأييده لضم إسرائيل كامل الضفة الغربية. كما اقترح خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في يونيو (حزيران) الماضي أن تتخلى «دول إسلامية» عن بعض أراضيها لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية.

وتعرض هاكابي لانتقادات داخل بلاده، العام الماضي، عقب استقباله جوناثان بولارد، اليهودي الأميركي الذي سُجن 30 عاماً بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، وخيانة الولايات المتحدة.


«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«المرحلة الثانية» من «اتفاق غزة» تنشد «انتقالاً منضبطاً» لتجاوز التعثر

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تراوح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مكانها منذ نحو شهر من إطلاقها نظرياً وفق تصريحات أميركية، وسط دعوات لانتقال منضبط نحوها لتحقيق الاستقرار، وعدم تجدد القتال.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الانتقال يجب أن يكون متوازياً وسلسلاً بحيث ينفذ طرفا الحرب «حماس» وإسرائيل التزاماتهما بالتوازي، مما يجنب المرحلة الثانية حالة التعثر الحالية، وسط مخاوف من احتمال تجدد الحرب، وتأخر تنفيذ الاتفاق، مقابل تعويل على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيضغط من أجل تحقيق انتصار شخصي يقربه من حلم جائزة نوبل للسلام.

وأفادت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر، السبت، بأن «الهلال الأحمر المصري يواصل جهوده الإنسانية في استقبال وتوديع الدفعة 15 من الجرحى والمرضى والمصابين الفلسطينيين الوافدين، والمغادرين، ومرافقتهم في إنهاء إجراءات العبور».

وينتظر هؤلاء المغادرون إلى غزة آمالاً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي يشهد تعثراً في مرحلته الثانية منذ إعلان واشنطن بدءها في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي، وسط استشعار المجتمع الدولي مخاطر تهدد الاتفاق.

وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، وجود فرصة سانحة لكسر دوامة العنف، والمعاناة، وصولاً إلى سلام، وأمن دائمين في الشرق الأوسط، محذرة من أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يزال هشاً في ظل رصد انتهاكات من الطرفين قد تقوض مسار الخطة الأميركية للسلام.

ودعت في تصريحات مساء الجمعة إلى انتقال منضبط في «المرحلة الثانية»، بما يشمل نشر قوة الاستقرار الدولية بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، ومعالجة الأزمة الإنسانية، مع التشديد على شرط نزع سلاح حركة «حماس»، وضمان عدم توليها أي دور في إدارة القطاع مستقبلاً.

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، يرى أن «المرحلة الثانية تحتاج بالأساس إلى انتقال بالتوازي، خاصة أن خطة ترمب تنص على نزع سلاح (حماس)، لكنها أيضاً تنص على انسحاب إسرائيل بالكامل من القطاع، وبالتالي يجب النظر إلى غزة بعين واحدة، ويجب أن يخاطب الجميع بالتزاماتهم دون تركيز على طرف دون الآخر».

وأشار إلى أن «المرحلة الثانية تتمثل في إنهاء الوجود العسكري لـ(حماس)، وهذا لن يتحقق إلا إذا التزمت إسرائيل بالالتزامات التي يجب أن تنفذها، ومنها الانسحاب من غزة، وعدم استهداف الفلسطينيين، والذهاب لأفق سياسي، والسماح بوجود شرطة فلسطينية، وعمل لجنة التكنوقراط من القطاع».

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، إن «المرحلة الثانية تحتاج ليس فقط لانتقال منضبط، بل لانتقال سلس»، مستدركاً: «لكن هذه أمور شكلية للغاية، لأن الاتفاق أمامه كثير من العثرات على مستوى التنفيذ، سواء في نزع السلاح، أو انسحاب إسرائيل، أو نشر قوات الاستقرار الدولية، أو غيرها من البنود، بسبب غياب التفاهمات بشأنها».

ووسط ذلك، أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، بأن «حركة (حماس) استعادت السيطرة على جزء انسحب منه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ونشرت قوة شرطة محلية، وتعمل على إعادة تفعيل الإدارات العامة».

وذكر نيكولاي ملادينوف المبعوث الذي عينه ترمب للإشراف على التنسيق بعد الحرب في غزة خلال اجتماع «مجلس السلام» أن نحو ألفي فلسطيني سجلوا أسماءهم في جهاز الشرطة خلال الساعات الأولى من فتح باب التقديم.

فيما قال جاسبر جيفرز اللواء في الجيش الأميركي الذي عُيّن قائداً لقوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في غزة في الاجتماع إن الخطة طويلة الأمد للقوة هي تدريب نحو 12 ألف شرطي للعمل في القطاع.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى الرقب أن الحديث عن 12 ألف شرطي سيدربون لا يكفي لتغطية غزة، موضحاً أن خروج شرطة «حماس» دون وجود بديل سيحدث فراغاً أمنياً، ولن تقبل به «حماس»، وستطرح الإحلال الجزئي عبر مرحلة انتقالية قد تمتد لأشهر، وبالتالي لا بد من الإسراع في هذا الانتقال المنظم وبشكل سلس عبر تفاهمات، محذراً من أن واشنطن قد تعمل في ظل هذا الجمود لبدء إعمار المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل، وتسمح لتل أبيب بشن معارك ضد الحركة.

ويشير إلى أن المسار الأفضل لهذا الانتقال يكون عبر تفاهمات مع «حماس» تقوم على التدرج، لا سيما في تسليم وتسلم المهام الأمنية، موضحاً: «لكن كل ما نراه على أرض الواقع ليس حلاً لإنهاء الصراع، ولكن مسكنات مؤقتة لا تفضي إلا إلى إطالة أمد الأزمة».

قيما يعتقد الشوبكي أن إسرائيل مصرة على أن تدفع «حماس» فقط ثمن الاستحقاقات، لكن لا تزال هناك فرص لنجاح الخطة وعدم تعثرها حرصاً من ترمب، لأنه ينظر له كرجل سلام، ويبحث عن فرصة للحصول على جائزة نوبل وغيرها، مما يجعله يضغط أكثر رغم التفاصيل المعقدة، والتحديات الكثيرة لنجاح الاتفاق.


لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
TT

لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)
صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» في واشنطن، دون أن يتضمن مصر التي اقتصر دورها على تدريب القوات الشرطية، ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت منذ منتصف الشهر الماضي، لكنها لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة، مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، الخميس، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز إن «5 دول تعهدت بإرسال قوات للمشاركة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة»، وأشار إلى أن تلك الدول تضم «إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا»، كما تعهدت دولتان بتدريب الشرطة، وهما مصر، والأردن.

الغياب المصري عن «قوة الاستقرار» أرجعه عسكريون ودبلوماسيون مصريون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» لعدم وجود ضمانات يرونها ضرورية لقبول القاهرة المشاركة بالقوات، مشيرين إلى أن مصر لديها رغبة في أن يتم تحديد مهام عملها وآليات وجودها داخل القطاع وكيفية تعاملها مع الفلسطينيين لكي لا تفاجأ بأنها في مواجهة «فصائل المقاومة»، إلى جانب تحديد دورها في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والممنهجة.

وأكدت الحكومة المصرية «استمرار دورها في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية»، وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» إن «بلاده ستواصل تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية لحفظ الأمن داخل القطاع»، وأكد على «أهمية مهام محددة للمجلس التنفيذي لغزة، لدعم عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع».

رئيس الوزراء المصري خلال مشاركته في الاجتماع الأول لمجلس السلام العالمي بواشنطن الخميس (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة (قوة الاستقرار) الدولية في قطاع غزة، قبل الحديث عن مشاركة مصر بقوات فيها»، وأشار إلى أن «هناك فارقاً بين ما إذا كانت المهمة لحفظ السلام أو لفرض السلام»، منوهاً إلى أنه «إذا كان الهدف فرض السلام فقد يعني ذلك اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر (المقاومة الفلسطينية)، وهو ما لا تريده القاهرة».

ويقول فرج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «مهمة قوة الاستقرار الدولية غير معروفة حتى الآن، وتحرص القاهرة على التريث لحين تحديد أدوار وآليات عمل هذه القوة»، وأشار إلى أن «مصر لم تتخلَّ عن دعم الفلسطينيين في غزة، حيث تتنوع تحركاتها ما بين دعم سياسي عبر استضافة (اللجنة التكنوقراط)، ودعم أمني من خلال تدريب أفراد الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الدور الإنساني والإغاثي من خلال المساعدات التي تقدم يومياً إلى سكان القطاع».

وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مراراً على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن».

فيما أرجع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير يوسف الشرقاوي، عدم الإعلان عن مشاركة مصر بالقوة إلى عدم وجود ضمانات لا بد أن تتوفر أولاً، في مقدمتها «تحديد آليات عملها وكيف ستمارس أدوارها ومهمتها ونوع تسليحها وكيف ستتعامل مع الشعب الفلسطيني».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الضمانات ضرورية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مع أهمية ضمان عدم تجدد الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة بحق الفلسطينيين». ويعتقد أنه يجب «التفرقة بين أن يكون نشر (قوة الاستقرار) ضمن مسار مشروع حل الدولتين، أو أن وجودها في غزة يأتي كنوع من الوصاية الجديدة على الفلسطينيين ودعم الأمن الإسرائيلي».

ويوضح الشرقاوي أن «القاهرة لم تترك مساراً لدعم غزة إلا وسارت فيه، وأن السلام العادل والشامل لن يبدأ إلا بمسار سياسي شامل، يتضمن إجراءات لاستعادة الأمن، وإعادة الإعمار في قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «(مجلس السلام العالمي) في اجتماعه الأول قدم تعهدات لدعم الفلسطينيين ومن المهم العمل على تنفيذها».