كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

قراءة في واقعها على ضوء ما خلّفه الاستفتاء الكردي

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي
TT

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

كانت مدينة كركوك، المركزَ الرئيسَ للثروة النفطية في العراق والعقدةَ الديمغرافيةَ الحساسةَ في شماله، في قلب الأحداث في أعقاب إجراء الاستفتاء الكردي فيها على الرغم من أنها جزء مما يسمى بـ«المناطق المتنازع عليها»، وهو المصطلح المعتمد للمناطق المختلطة عرقياً ولغوياً ودينياً في العراق منذ بعض الوقت. واليوم تفتح «الشرق الأوسط» ملف كركوك... تاريخاً وواقعاً.
لفت النفط قبل اكتشافه واستخراجه نظر اليونانيين الغازين، وهم يمرّون بكركوك في طريقهم إلى بابل. كان يفور من باطن الأرض، وعُرف آنذاك بـ«القير البابلي». ثم اشتهر بئر بابا كُركُر Baba Gurgur (الكاف الفارسية)، فكركوك إذاً بنفطها، مع أنه تضاءل كثيراً، فالبئر المذكورة جفت مؤخراً وأُعلنت وفاتها، على حد التعزية المعنوية التي كتبها فيها وزير نفط العراق الأسبق عصام الجلبي.
ولكن عندما تمتزج رائحة النفط برائحة الدم، حيث التهيؤ للحرب، بين «الحشد الشعبي» والجيش العراقي من جهة والقوات الكردية (البيشمركة) من جهة أخرى، ستُعاد الآلام والموجعات على كركوك وإقليم كردستان والعراق بأكمله. ذلك لأن كركوك «فُلك مشحون» بالأقوام والأديان والمذاهب، وتاريخ طويل من الإخاء والعداء أيضاً. إنها مضارب العرب والكُرد والتركمان والسريانيين والكاكائيين والإيزيديين والشّبك والصّوفيين بمختلف تكاياهم، وبين حين وآخر تكون موضع قدم للصابئة المندائيين، ونُحل ومذاهب لم يظهر منها إلى العلن غير أسمائها.

كركوك... جغرافياً
تقع كركوك، كحد فاصل بين المنطقة الجبلية والسهلية، من أرض العراق، تحدها شمالاً محافظة أربيل وشرقاً محافظة السليمانية، وغرباً الجزء الشمالي من محافظة صلاح الدين (كانت حتى 1976 جزءاً من محافظة بغداد)، وجنوباً محافظة ديالى، وهي تبعد عن أربيل بمسافة 92 كلم وعن السليمانية 109 كلم وعن عاصمة بغداد 255 كلم.
كركوك مدينة من مدن العراق القديمة، اختلف المؤرخون في أصل اسمها، بين أن تكون منحوتة من «كركر» أي شعلة النار، فأخبار نفطها كانت معروفة من قبل التاريخ، كما تقدم، أو من «كرخ سلوخ» الآرامية أو حسب التسمية الكَنَسية الشرقية لها.
كركوك القديمة كان أساسها قلعة حصينة (قلعة كركوك الشهيرة) تقوم على مستوطن أثري قديم، ورد اسمها في ألواح استخرجت منها، ويدعى «أرابخا». ويبلغ ارتفاع القلعة نحو 129 قدماً تقريباً وتعلو عن سطح البحر بحدود 160 قدماً، وتكون هذا التل من تراكم طبقات السكن المتعاقبة منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وللقلعة أربعة أبواب: طوب قابو «أي باب المدفع» ودمير قابو «الباب الحديدي»، وباب يدي قيزلر «أي باب سبع بنات أو أبكار» وباب حلوة جيلر بازاري «أي باب سوق الحلوجية».
تبلغ مساحة كركوك 28 ألفاً و679 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها مليوناً وخمسمائة ألف نسمة (عن الموقع الرسمي لمحافظة كركوك). وحسب إحصاء عام 1997، وهو آخر إحصاء سُكاني: يؤلف العرب من سكانها (72 في المائة) بعدد 554. 596 والأكراد يُشكلون 21 في المائة بعدد 155.861 والتركمان يُشكلون 7 في المائة بعدد 50.599 نسمة. لكن ذلك الإحصاء لم يؤخذ به، لأنه رفع نسبة العرب على حساب نسب الأكراد والتركمان، وأول مَن رفضه كانت الأحزاب الكردية.
يرد اسمها الآرامي «كرخ سلوخ»، بينما يقرُّ مصطفى جواد (ت 1969) اسم: «كرخينا» (مجلة سومر، المجلد 8)، التي لم تذكر لدى البلدانيين والمؤرخين المسلمين إلا في القرن السابع الهجري. وذكرها الحموي (ت 626هـ): «كرخيني، قلعة...... بين دقوقا وأربل». وذكرها ابن الأثير (632هـ): «بلد الكرخيني، وبلد دقوقا» (الكامل في التاريخ). وذكرها اليونيني (726هـ): «قلعة يقال لها الكرخيني من أعمال أربل بينها وبين بغداد» (ذيل مرآة الزمان). أما كركوك فأول مَنْ وردها علي اليزدي (ت 830هـ) في «ظفر نامه». لكن، أليس بين كرخ سلوخ وكرخيني من وشيجة لفظية؟! ومعنى كرخ بالآرامية: «يحيط أو يستدير» (القاموس المندائي)، بهذا يكون أصلها لا عربية، ولا تركمانية، ولا كردية.

من تاريخها السياسي
إذا تحدثنا وفق التاريخ المكتوب فكركوك تقع ضمن منطقة ورد اسمها بميديا ثم كوردستان، ومن الناحية الجغرافية شأنها شأن جنوب العراق أو وسطها ضمن هذه البلاد وإدارتها، من دون إغفال إمارات عشائرية هنا وهناك. ولعلَّ أحدث تنظيمات البلاد الإدارية تنظيم والي العراق مدحت باشا (1869)، أي في الأيام الأولى من ولايته، وبموجبه أصبح العراق عشرة سناجق أو ألوية (النجار، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد): بغداد، شهرزور (مركزه كركوك)، السليمانية، الموصل، الدليم (الأنبار)، كربلاء، الديوانية، البَصْرة، العمارة (ميسان)، المنتفك (ذي قار). هذا، وقبل مائة سنة من ذلك التنظيم كتب أسقف بغداد الكاثوليكي تقريراً إلى البابا في روما العام 1742 جاء فيه عن بغداد، التي في أحايين ترد بدلاً من اسم العراق: «تشمل منطقة مادي شرقاً، وهي المعروفة بكردستان» (مجلة بين النهرين).
برزت قضية كركوك بشكل جلي وأخذت طابع العداء، كمشكلة بين التركمان والأكراد، على وجه الخصوص، بعد «أحداث تموز» يوليو (تموز) 1959، خلال الذكرى الأولى لـ«ثورة 14 تموز» التي نقلت أو أرخ لها بعدة روايات. ولقد طرحها الباحث الأميركي الفلسطيني الأصل حنا بطاطو، من خلال وثائق الشرطة العراقية، وظهر أن تلك المشكلة الكبرى كانت مسؤولية طبيعة ذلك الزمان وانفلات القسوة. وأشار باللوم إلى الأكراد المتزمتين «ذوي الميول المختلفة» على حد عبارته، وما حدث ليست مسؤولية الأكراد كشيوعيين وإنما مسؤوليتهم بفعل الواعز القومي. بينما يحملها الكتّاب التركمان للحزب الشيوعي العراقي والأكراد معاً. لكن عزيز محمد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي - وهو كردي - وكان مسؤول المنطقة الشمالية آنذاك يقول: إن ما حدث ليس بين أحزاب، إنما بين المتظاهرين والذين استفزوا المظاهرة، وإنه لم يكن في ذلك اليوم يحمل سلاحه (ضمن مقابلة له مع مجلة «الوسط» الصادرة في لندن). أما الرأي الآخر فيرى أن استفزاز المظاهرة في الذكرى الأولى للثورة من قبل مجموعة من التركمان كانت سبباً في انفجار الحدث.
عموماً، ما زالت أحداث كركوك واحدة من الخلافات أو بواعث الخلافات بين الأكراد والتركمان، إذ يحملها الكتاب والباحثون الأكراد للتركمان وتعاملهم مع القوميين العرب جملة وتفصيلاً. وبعدها ظلت كركوك واحدة من أسباب فشل المباحثات بين الحكومة العراقية والقيادة الكردية في السبعينات، فالأكراد إذ يعترفون باختلاطها القومي، فإنهم ينظرون إليها كجزء من جغرافية إقليم كردستان، بل قال بعض قادتهم عنها «إنها قدس الأقداس بالنسبة للأكراد».
كَركوك، لو نظرت في خرائط العراق لوجدت موقعها منه موقع القلب، أعلى الحجاب الحاجز، في الوسط مع ميل إلى جهة اليسار، وحسب خريطة 1957، يعطيك هذا الموقع كم هي قريبة من العراق كافة! وبعد اعتبار تكريت (محافظة صلاح الدين اليوم) محافظة حدّتها غرباً، واستقطعت أقضية ونواحٍ منها لصالح الأخيرة، ولو كان الأمر لم يجر بهاجس قومي للُحقت الحويجة بالموصل مثلاً، وحتى استبدال كركوك بـ«التأميم» (1969) جاء للدافع نفسه، أي لتجاوز تاريخها القومي.

«منطقة متنازع عليها»
وبعدما وضعت المادة (140) من الدستور العراقي (2005)، أصبحت كركوك ضمن «المناطق المتنازع عليها»، وأكبر أزمة حصلت بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان (عاصمته أربيل) بسبب اجتماع مجلس الوزراء الاتحادي فيها (2012). أو لنقل زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى كركوك، واستقباله مِن قبل محافظها طبيب الجملة العصبية نجم الدين كريم الكُردي الكركوكلي، في ظروف متأزمة بين المركز والإقليم، ولولا تلك الظروف، وما حصل إلى حد قد يصل إلى كسر العظم مثلما يُقال، لمرت الزِّيارة عادية. فيومها اعتبرت الأحزاب الكُردية، وهي تمثل الإقليم، اختيار كركوك مكاناً لهذا الاجتماع استفزازاً وتجاوزاً على الدُّستور، على أساس أن قضية كركوك، وهي مِن الأراضي المتنازع عليها بشدة، وليست محلولة بعد وفق المادة 140 مِن الدستور، وأنها منطقة كُردستانية بمعنى تابعة لإقليم كرُدستان، وليس مِن حق المركز التصرف بها.
ردَّ المركز، ممثلاً بالحكومة التنفيذية، بأن كركوك «منطقة عراقية تمثل الأخوة العراقية بين الطوائف التي تعيش فيها منذ القِّدم»، وأن عقد مجلس الوزراء جاء ضمن اجتماعاته في بقية المحافظات العراقية، التابعة للمركز، فقد عُقد في البصرة وسيعقد بمحافظات أخرى، وأن حل قضية كركوك لا يتم بالتهديد وفرض الأمر الواقع إنما يتم عبر القنوات الحوارية، وهي قضية يحتاج حلها إلى زمن طويل وتفاهم مريح.
بطبيعة الحال، عندما يجري حوار لا ينجح إذا كان المتحاورون قد حددوا مسبقاً ما يريد كل منهم بتشدد لا لين فيه، بينما من عادة الحوار لحل مشكلة لا بد من التفكير بتنازلات، لأن من دونها الحرب ستلتهم الأخضر واليابس، وستفقد الأحزاب مصداقيتها في معارضة النظام السابق، فهو الآخر كان قد أنهى الحوار على كركوك (1974) بإعلان الحرب، وقد حصل ما حصل في وقتها من مآسٍ للشعب الكردي بالذات، ناهيك عن قتلى الجيش العراقي.
ظلت كركوك لسنوات طويلة مستثنية من انتخابات مجالس المحافظات العراقية والكردستانية، نظراً لوضعها الخاص. وهي واقعة في نزاع بين الأقوام، وبالتأكيد السياسة وراء ذلك، أما الناس فعاشوا وما زالوا يعيشون متجاورين. تبع هذا الموقف تسابق التركمان والأكراد، في تأكيد كل منهم أحقيته التاريخية أو أسبقيته بالمنطقة، فالكتاب والباحثون الكُرد يؤكدون كردية كركوك وحداثة الوجود التركماني فيها الذي يعيدونه إلى السلطان العثماني مراد الرابع، أي القرن السابع عشر الميلادي تقريباً. في المقابل يؤكد باحثون تركمان قدم وجودهم منذ العصور الإسلامية الأولى فيها، كمقاتلين في ثغور الدولة الإسلامية بمواجهة الروم آنذاك، ويشيرون لقيام دول تركمانية فيها مثل دولتي «الخروف الأسود» و«الخروف الأبيض» ما هي إلا امتداداً للوجود السلجوقي التركي الذي كان في القرن الخامس الهجري أو الحادي عشر الميلادي.

رجعة تاريخية
ما يتعلق بوجود تركماني بالعراق، لا بكركوك فقط، أكدت المصادر التاريخية الإسلامية أنهم استدعوا كمقاتلين من البلاد الإيرانية من قبل الولاة الأمويين. ثم تكاثر عددهم ونفوذهم في زمن الخليفة العباسي المعتصم بالله، القرن التاسع الميلادي، حتى قيل إن الخليفة المذكور نقل عاصمته من بغداد إلى سامراء بفعل كثرة الترك في جيشه وضيق الناس بهم. ومعلوم أن التاريخ الإسلامي يخبر عن هيمنة تركية في الحكومات العباسية، وذلك منذ زمن المتوكل وحتى سيطرة البويهيين على بغداد، ثم عادوا بقوة بعد السيطرة السلجوقية التركية.
نفهم مما تقدم أنه ليس من شك في قِدم التركمان بالعراق، لكن الخلاف على قِدمهم بكركوك نفسها، فالمنطقة التي توالت عليها دول عديدة أصبحت بعد اكتشاف النفط مقصداً للعاملين فيها من كل القوميات، ويشير بطاطو إلى تكاثر الكُرد والعرب والآشوريين فيها بسبب النفط.
قلنا إن الأحزاب الكُردية، والرأي العام الكُردي، ترى في كركوك قدساً لإقليم كردستان، ويسعى إلى تأكيد ذلك من الناحية التاريخية والجغرافية، وتؤكد على وجود أكثرية كردية في محيط كركوك، مع الاعتراف بوجود تركماني في مركز المدينة. أما الأحزاب الإسلامية، فالسنُّية منها ممثلة بالحزب الإسلامي العراقي يميل إلى أن الكُرد يعملون في سبيل «تكريد» كركوك، وبالتالي يؤدي ذلك إلى غبن حق القوميات الأخرى فيها، وخصوصاً القومية التركمانية، ويعلن الحزب المذكور أن كركوك لم تكن عاصمة لكردستان العراق، وليست هي جزءاً من الإقليم.
أما الأحزاب الشيعية الدينية التي تندرج معها الأحزاب الشيعية التركمانية، فأحد الأحزاب الأخيرة ما زال امتداداً لحزب الدعوة الإسلامية في الساحة التركمانية، والظاهر أن هذه الأحزاب لا تعلن تدخلها في شأن كركوك ذلك للحفاظ على العلاقة الجيدة مع الحزبين الكُرديين، الحزب الديمقراطي الكُردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكُردستاني الذي لم ينتخب زعيما له بعد رحيل زعيمه جلال طالباني. وعندما تتحدث هذه الأحزاب عن كركوك تتحدث بطريقة الموازنة والعمومية، كالقول إنها منطقة الإخاء العراقي القومي، دون الدخول بالتفاصيل.
لكن هذا كان قبل احتلال «داعش» الموصل (2014) ومحاولاته احتلال كركوك، ثم سيطرة البيشمركة على آبار النفط ومنافذ المدينة. هنا انتهى التوافق الشيعي - الكردي ودخل «الحشد الشعبي» طرفاً في المواجهة، على أنه يصطف مع الجيش العراقي (الاتحادي) ضد البيشمركة. وحصلت مناوشات، والكل يتهيأ للحرب. واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالمناكفات، واستغلت مجالس عاشوراء في التحريض ضد الكرد، وكذلك الطرف الآخر يرد بالمثل.
خلا ما تقدم، كان أكثر الإثارات في مسألة كركوك بعد (2003)، ما عُرف بـ«سياسة التعريب»، بوجود الأسر العربية، التي أتى بها نظام صدام حسين مقابل نقله للأسر التركمانية والكُردية إلى المناطق الجنوبية أو الوسطى من العراق. وهنا يظهر الاتفاق بين بعض الأحزاب التركمانية وعموم الأحزاب الكُردية حول تأجيل الانتخابات في كركوك، حتى تحلّ قضية المهجرين. وأشار مسعود بارزاني في وقت سابق إلى ضرورة «محو آثار التعريب»، وبسبب «الظلم الذي لحق بالكُرد والتركمان أيضاً»، دعا إلى «مراجعة الوثائق العثمانية وكيف وضعت وثائق كركوك ضمن كردستان العراق». وأردف «إننا لن نسمح لتركيا بالتدخل في وضع كركوك».
وهنا يأتي تدخل تركيا كعامل آخر في تأزيم الموقف بكركوك، فتركيا تطرح نفسها حامية للتركمان العراق، وتعتبر كركوك منطقة تركمانية، فيما تستشعر الأحزاب الكُردية الخطر من تصريحات القادة الأتراك ترى الأحزاب التركمانية (السنة تحديداً) تدخل تركيا، كدولة جوار، مسألة طبيعية. وهي قوة ضاغطة ضد الطموح الكُردي بكركوك، مثلما حدث في تلعفر. فخلال المواجهات بين المسلحين بالمدينة والقوات الأميركية أكثرت تركيا من التصريحات بشأن حماية التركمان، وتصاعد الموقف التركي بعد الاستفتاء. وإذا كان بارزاني يتحدث عن كركوك بحدود «كردستان العراق»، فاليوم انتهت هذه التسمية. فالاستفتاء، في ذهنه، لا بد أن يفضي إلى قيام دولة كردية، وربما تصبح كركوك عاصمتها، أو عاصمتها الثانية.

المواقف الحزبية
تتباين الأحزاب العراقية الأساسية، غير الكُردية والتركمانية، في الرأي أو الموقف تجاه كركوك. مثلاً لم يظهر للحزب الشيوعي العراقي ما يلفت النظر تجاه المنطقة، وذلك لحساسيتها في هذا الوقت بالذات. وهو تولي رئاسة لجنة البت في حل القضايا المترتبة على التغيير الطوبوغرافي في المناطق المتنازع عليه، وفق المادة (140)، ولم يحل شيء منها. أما إزاء الاستفتاء الأخير فبعدما أيده قبل حصوله، عاد ليتحدث عن تأجيله وحل المشاكل العالقة بالحوار، بهدف الإبقاء على الوحدة العراقية بشكل يُرضي الجميع. وكما يبدو فإن هذا الرأي له صلة بموقف الاتحاد الوطني الكردستاني (السليمانية)، وكان قد دخل في الاستفتاء كي لا يفقد شعبيته بين الكُرد، لأن شعار الدولة الكردية ما زال مغرياً، لكنه بعد تفاقم الأزمة أعلن حزب الاتحاد موقفه بوضوح أنه ليس مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (أربيل)، في تعقيد الوضع في كركوك، مراعياً عدم الانجرار إلى إعلان الحرب. وهذا ما جاء أيضاً على لسان بافيل نجل الرئيس السابق جلال الطالباني عبر كلمة موجهة باللغة الإنجليزية. فالأزمة بدأت حادة بإقالة البرلمان العراقي لمحافظ كركوك، ورفض مجلس محافظتها الاعتراف بهذا القرار، إذ أصدر في أواخر الشهر الماضي، رفضاً لقرار مجلس النواب. ثم صدرت قرارات من رئاسة الوزراء في بغداد منها السيطرة على المداخل الحدودية لإقليم كردستان، على أنها مواقع اتحادية. ومن قبل أوقفت حكومة بغداد منح النسبة المئوية من الميزانية العراقية لكردستان، وهي تبلغ 17 في المائة، مما سبب بخفض الرواتب في الإقليم، وتصاعد الموقف الكردي، وبان بشكل جلي باتجاه الاستفتاء بعد إقالة وزير المالي هوشيار زيباري، وكأن هذه الإقالة استهدفت الكُرد. وفي المقابل ينحو الحزب الشيوعي الكُردستاني منحى الحزب الديمقراطي الكردستاني، ودعا الأحزاب الشيوعية العربية وغيرها إلى تأييد ما يترتب على الاستفتاء الكردي من أجل دولة كردية.
أما الأحزاب الإسلامية فتنقسم إلى قسمين: السنُّية منها تقف مع تركمان كركوك ضد هيمنة كردية، حسب تصريحات الحزب الإسلامي العراقي (الإخوان المسلمين) وهو الحزب الرئيسي السنُّي ذو الطابع الديني. أما الأحزاب الشيعية الدينية، فتحاول الحفاظ على رابط أو علاقة ما مع الأحزاب الكُردية، إلا أن هذا لم يستمر وانتهى الوفاق أخيراً، علماً بأن معظم التركمان الشيعية هم في مناطق خارج كركوك، مثل تلعفر وكفري وهي مناطق قطعت من كركوك لتتبع محافظة ديالى. لكن الشد يزداد بين المركز والإقليم على أنها مربط خيل كل منهما، وتبقى كركوك عصية على الحل، مع أن الأيسر، حسب رأي عضو المكتب للحزب الديمقراطي الكردستاني السابق فلك الدين كاكائي، في مقابلة لصحيفة «المدى» البغدادية، أن يكون حل قضية كركوك العصية بإقليم قائم بذاته.
أخيراً، إن الأمر قد حُسم، في ضحى الاثنين (16 - 10 - 2017) لصالح الجيش الاتحادي مع عدم اعتراض من قِبل الاتحاد الكردستاني، وانسحبت البيشمركة بلا قتال. وبهذا تكون خطوة الاستفتاء، التي أصر عليها «الديمقراطي الكردستاني» غير محسوبة، وكأنه أراد فرض أمر واقع، بعدم التراجع عن كركوك بعد المشاركة بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية ضد داعش.
كان التصور الخطأ أن قيام الدولة الكردية صار قاب قوسين أو أدنى، وأنها فرصة منحها الزمن، وهذا في السياسة الراهنة وظروف المنطقة كان بعيداً عن المنطق. لقد أضافت هذه التجربة أن المحافظة على ما حصل عليه أكراد العراق، قياساً بدول المنطقة الأخرى، لا يجب أن يُضحى به بهذه السهولة، وأن ما يحصل عليه الإقليم من نسبة إيرادات النفط، من العراق ككل، أكبر بكثير مما تبقى من النفط في آبار كركوك، بعد إعلان موت، مثلما تقدم، أقدم بئر بابا كُركُر.



بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت، إلى عاصمة المحافظة، المكلا، إيذاناً (على حد تعبيره) ببدء مرحلة جديدة ترسم ملامح مستقبل مختلف للمحافظة الشرقية الأوسع في اليمن.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، من مقر إقامته بالمكلا المطلّة على بحر العرب، يؤكد بن حبريش أن «حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار والطمأنينة، يعزوها بعد توفيق الله إلى صمود أبنائها ومقاومتهم، وإلى الدعم والتدخُّل السعودي الذي جاء في الوقت المناسب».

ويرفض بن حبريش، المعروف في حضرموت بلقب «سلطان الجبل»، رَبْط ما شهدته المحافظة أخيراً بالقضية الجنوبية، معتبراً أن ما جرى «مشروع آخر» لا علاقة له بها، وأنه لم تكن هناك أي مبررات، بحسب وصفه، لدخول عشرين لواءً تابعاً للمجلس الانتقالي الجنوبي واحتلال حضرموت.

وبحسب بن حبريش، فإن الطموح في هذه المرحلة يتمثل في بناء دولة مؤسسات ينصهر الجميع تحت مظلتها، مع احتفاظ حضرموت بخصوصيتها، معلناً التزامه بدمج قوات حماية حضرموت، ضمن مؤسسات الدولة «العادلة».

كما يلفت إلى أن الإرهاب «مصطنع»، ولا حاضنة له في حضرموت، متهماً دولاً خارجية وأطرافاً محلية بتوظيفه لخدمة مصالحها، ومؤكداً في الوقت نفسه الاستعداد للدفاع عن حضرموت ضد الإرهاب بكل أشكاله.

تسليم المعسكرات

وقدّم الشيخ عمرو بن حبريش روايته لما جرى في عملية تسليم المعسكرات التي قادتها قوات درع الوطن، معتبراً أن ما تحقق من «انتصارات» جاء بتوفيق من الله أولاً، ثم بفضل مقاومة أبناء حضرموت على أرضهم، والدعم السعودي والموقف الذي وصفه بـ«الصادق والحاسم» من قيادة المملكة في التوقيت المناسب.

ويقول بن حبريش الذي يشغل أيضاً رئيس حلف حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، إن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا «الارتباط الحقيقي» بين المجتمع المحلي في حضرموت والمملكة العربية السعودية، مضيفاً أن هذا التلاقي هو ما أفضى إلى ما تعيشه المكلا اليوم من استقرار وأمن، بعد «زوبعات» يرى أنها لم تكن ضرورية منذ البداية.

ويضيف: «لم نكن راضين عن وصول قوات، وما ترتب على ذلك من صراع داخلي واقتتال، لكن بعض الأطراف شعرت بالقوة والنشوة، ولم تترك مجالاً للتفاهم».

ويذهب بن حبريش إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي «دخل بقواته، واحتل المحافظة بشكل كامل»، مؤكداً أن حضرموت «وطن وأرض لأبنائها»، وأن معالجة الأخطاء (إن وُجدت) كان يجب أن تتم بأيدي أبنائها، لا عبر فرض الأمر الواقع بالقوة. ويقول: «كنا مجبرين على المقاومة، تمَّت ملاحقة الناس في بيوتهم وفي الشعاب والقرى، ودُخلت المنازل من دون مبرر. كان تصرفاً خاطئاً ولا داعي له».

محافظ حضرموت سالم الخنبشي خلال استقباله الشيخ عمرو بن حبريش فور وصوله إلى مدينة المكلا (السلطة المحلية)

ما حصل لا يمثل الجنوب

ويحرص الوكيل الأول لمحافظة حضرموت على التمييز بين ما جرى والقضية الجنوبية عموماً، مشدداً على أن هذه التصرفات «لا تُحسب على الجنوبيين كافة». ويضيف: «الجنوبيون إخوتنا، بيننا وبينهم مواقف مشتركة واحترام متبادل. الجميع مظلوم. حضرموت مظلومة والجنوب مظلوم واليمن كله مظلوم، لكن القضايا لا تُحل بإلغاء الآخر أو الاعتداء عليه، بل بالحوار».

قنوات مفتوحة مع السعودية

وفي محور الدعم السعودي، يؤكد بن حبريش أن حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار، بفضل الله، ثم بتدخل قيادة المملكة العربية السعودية، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، ورئيس اللجنة الخاصة، وقيادة القوات المشتركة.

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله للشيخ عمرو بن حبريش في وقت سابق (متداول)

وعن التنسيق مع المملكة، يقول إن التواصل يتم «على أعلى المستويات»، عبر قيادة المحافظة والسلطة المحلية، مع وجود قنوات مفتوحة مع التحالف «من دون أي حواجز». ويضيف: «وجدناهم إخوة صادقين، نواياهم طيبة، ونكنّ لهم تقديراً عالياً، ولا نستطيع مجازاتهم».

كما ثمّن مواقف مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، متسائلاً عن الجدوى الحقيقية لبعض الأطراف من إشعال الصراع. ويرى أن ما جرى «لا يخدم قضية داخلية ولا قضية جنوبية»، بل يتجاوزها إلى «أهداف أكبر غير معلنة»، وهو ما يفسر (برأيه) رفض المجتمع الحضرمي لهذه التحركات.

مرحلة جديدة

ويؤكد بن حبريش أن حضرموت تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، مستندة إلى طبيعة مجتمعها المعروف بالسلم والحكمة والثقافة، ويقول: «نحن أقوياء، لكننا نميل إلى التواضع والسلم. حضرموت أمام عهد جديد».

مشروع أبو علي الحضرمي

وفيما يتعلق بما عُرف بـ«حملة أبو علي الحضرمي»، يبدي بن حبريش استغرابه من بروز شخصيات «بين ليلة وضحاها»، من دون صفة رسمية، تتحدث عن التنمية والاستقرار وتقود قوات غير نظامية.

ويقول إن الدولة لها مؤسسات وأدوار محددة، «وكل يتحدث في اختصاصه»، مشدداً على أن هذه التحركات تعكس مشروعاً آخر «أكبر من الظاهر»، ولا تصبّ في مصلحة الجنوبيين ولا في مشروع الجنوب، متسائلاً: «هل من مصلحة الجنوب أن تُغزى حضرموت بعشرين لواء؟».

انتهاكات الهضبة

ويستعيد بن حبريش ما يصفه بـ«الانتهاكات» التي وقعت في الهضبة، متحدثاً عن حصار غيل بن يمين، ودخول المنازل، وإطلاق النار داخل البيوت، ونهب الممتلكات، وقطع الطرق، ومنع المواد الغذائية عن المدنيين.

دولة المؤسسات

وفي رؤيته للمرحلة المقبلة، يشدد على ضرورة قيام «دولة مؤسسات» في حضرموت، رافضاً منطق تعدُّد القوى العسكرية خارج إطار الدولة. ويقول إن وزارتي الدفاع والداخلية يجب أن تضما أبناء المحافظة، مع ترسيخ العدالة والقانون والتنمية، محذراً من أن إعادة إنتاج مراكز قوة خارج الدولة ستعيد البلاد إلى مربع الصراع.

ويؤكد بن حبريش استعداد قوات حماية حضرموت للاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، موضحاً أن هذه القوات تأسست لمواجهة «غزو سابق». أما اليوم، فالمهمة هي «مهمة دولة»، لكنه يشدد على أن الدولة يجب أن تكون محايدة، لا يهيمن عليها حزب أو مكوّن بعينه.

عناصر من قوات حماية حضرموت التي يقودها الشيخ عمرو بن حبريش (الشرق الأوسط)

الحكم الذاتي

وعن الحوار الجنوبي المرتقب، يصف دعوة المملكة له بأنها «ممتازة» ولا يمكن رفضها، مؤكداً الاستعداد للمشاركة، لكن على أساس أن قضية حضرموت «مستقلة»، مثلها مثل القضية الجنوبية.

ويشير بن حبريش إلى أن مطالب حضرموت بالحكم الذاتي تستند إلى قراءة تاريخية، حيث ضمَّت في مراحل سابقة «قسراً ومن دون استفتاء». ويقول إن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى لتمكين حضرموت من بناء نفسها وتوفير الخدمات لمواطنيها، داعياً أبناء حضرموت إلى توحيد الصف، والتنازل لبعضهم بعضاً، وتقديم مصلحة حضرموت على أي اعتبارات فئوية. ويقول: «نتسامح ونفتح صفحة جديدة. لسنا في موقع انتقام. الأهم أن تبقى حضرموت في موقع القرار، لأن من دونها لا تنمية ولا تطوير».

مواجهة الإرهاب

وشدد الشيخ عمرو بن حبريش على أن حضرموت «بيد أبنائها»، وتعيش اليوم حالة من الأمن والاستقرار ضمن محيطها العربي والإسلامي، نافياً وجود أي حاضنة حقيقية للإرهاب في المحافظة.

ويقول: «إذا كان هناك إرهاب؛ فهو إرهاب مصطنع، ولا وجود له اجتماعياً في حضرموت على الإطلاق».

أكد بن حبريش أن حضرموت أمام عهد جديد ولن تسمح للإرهاب بالعودة (الشرق الأوسط)

ويستعيد بن حبريش محطات سابقة ليؤكد هذا الموقف، مشيراً إلى أن المعسكرات سُلّمت في مراحل سابقة من دون قتال، وأن المجتمع الحضرمي بطبيعته يرفض التطرف والعنف، لكنه يحذر في المقابل من توظيف ملف الإرهاب سياسياً، معتبراً أن بعض الأحزاب، عندما لا تكون في موقع السلطة، «تفرّط في كل شيء»، وتفتح الأبواب أمام الفوضى، أو تستدعي الإرهاب ومخاطر أخرى لتبرير مشاريعها.

ويرى بن حبريش أن الإرهاب يُستخدم أحياناً أداة من قبل قوى خارجية وأطراف محلية يمنية، بشكل مباشر أو غير مباشر؛ إما لفرض واقع سياسي معين أو لخلق ذريعة للهيمنة. ويقول: «إما أن يحكموا، أو يتركوا البلاد للفوضى والإرهاب».

ويؤكد في هذا السياق أن أبناء حضرموت، مجتمعاً وسلطة محلية، وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، «لن يسمحوا بعودة الإرهاب أو اقترابه من المحافظة»، مضيفاً: «نحن مستعدون للدفاع عن بلادنا، أياً كان شكل التهديد أو لونه، ما دام أهل حضرموت متماسكين، ومعهم المملكة، فلن يجد الإرهاب موطئ قدم هنا».

حكاية سلطان الجبل

وحين سألنا الشيخ عمرو عن لقب «سلطان الجبل» الذي يُلازمه في حضرموت، ابتسم، وقال: «الآن سلطان الجبل والسهل»، في إشارة إلى اتساع رمزية اللقب.

وأوضح أن هذه التسمية ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى جذور تاريخية قديمة، حين أطلقها البريطانيون على جده، علي بن حبريش الأول، الذي كان يقود مقاومة محلية، ويسعى لأن يكون لحضرموت موقعها ومكانتها الخاصة في ذلك الوقت.


جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
TT

جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)

كثّفت السعودية، عبر تحالف دعم الشرعية في اليمن، تحركاتها العسكرية والأمنية والسياسية في عدد من المحافظات الجنوبية اليمنية، في إطار جهود تهدف إلى تطبيع الأوضاع، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتنظيم عمل التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية داعمة للتهدئة وفتح مسارات حوار حول القضايا الوطنية.

وفي هذا السياق عقد لقاء عسكري تشاوري في ديوان وزارة الدفاع اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر سالم، لمناقشة تنفيذ قرارات وتوجيهات القيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بشأن وضع وعمل التشكيلات العسكرية.

وضم اللقاء - وفق الإعلام الرسمي - ممثلين عن هيئات العمليات المشتركة، والتشكيلات العسكرية، ومسؤولي وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، حيث جرى استعراض الإجراءات المتعلقة بتنظيم وتوحيد عمل القوات ضمن جيش وطني نظامي موحد، يعمل تحت قيادة واحدة وغرفة عمليات مشتركة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

اجتماع للقادة العسكريين اليمنيين في مقر وزارة الدفاع في عدن (سبأ)

وأكد اللواء البصر أن القيادة السياسية والعسكرية تولي هذا الملف اهتماماً بالغاً، بعدّه خطوة محورية في مسار بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالعمل المؤسسي والانضباط العسكري، والعمل تحت مظلة وزارة الدفاع وقيادة هيئة الأركان العامة.

كما شدد على أهمية التنسيق الكامل مع الوفد العسكري للقوات المشتركة لدعم الشرعية، برئاسة اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة، بما يضمن تنفيذ التوجيهات الصادرة، وتحقيق الأهداف الأمنية.

من جانبه، أكد اللواء فلاح الشهراني أهمية خروج جميع القوات والمظاهر المسلحة من مدينة عدن، والحفاظ على الطابع المدني للعاصمة المؤقتة، مشدداً على ضرورة إبقاء مطار عدن منشأة مدنية تخدم المواطنين.

وفد سعودي عسكري في عدن لتطبيع الأوضاع الأمنية وتوحيد القوات (إكس)

وقال الشهراني، في تصريح خلال لقائه قيادات التشكيلات العسكرية في عدن، بما في ذلك التشكيلات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، إن وجود وفد التحالف في عدن يحمل رسالة طمأنة للمواطنين والسلطات المحلية، ويعكس التزام السعودية بدعم الأمن والاستقرار بوصفهما شرطاً أساسياً للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.

شبوة والمهرة وسقطرى

في شبوة، ناقش محافظ المحافظة عوض محمد ابن الوزير، مع لجنة عسكرية من قيادة تحالف دعم الشرعية برئاسة العميد الركن عبد الإله العتيبي، أوجه التنسيق المشترك لتعزيز جهود الأمن والاستقرار في المحافظة. بحسب الإعلام الرسمي اليمني.

وخلال اللقاء، الذي حضره الأمين العام للمجلس المحلي عبد ربه هشله، وقادة المحاور والألوية والوحدات الأمنية والعسكرية، ثمّن المحافظ اهتمام قيادة القوات المشتركة بمحافظة شبوة، ودعمها المتواصل لجهود تثبيت الأمن وترسيخ الاستقرار، مؤكداً أهمية تعزيز العمل المؤسسي وتكامل الأدوار بين السلطة المحلية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة.

من جهته، أوضح العميد الركن عبد الإله العتيبي أن مهمة اللجنة العسكرية تتمثل في مساعدة قيادة المحافظة على إعادة ترتيب وتنظيم أوضاع مختلف الوحدات العسكرية والأمنية، وفقاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وقيادة تحالف دعم الشرعية، بما يمكنها من مواصلة دورها في حماية أمن واستقرار شبوة وصيانة سلمها الاجتماعي.

وفي محافظة المهرة، تفقد قائد قوات درع الوطن العميد عبد الله الجدحي، الأوضاع الأمنية في مديرية شحن والمنفذ الحدودي مع سلطنة عمان، واطلع على مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين الوحدات الأمنية والجهات المختصة.

وأكد الجدحي أهمية منفذ شحن لكونه أحد المنافذ الحيوية والاستراتيجية، مجدداً التأكيد على جاهزية قوات درع الوطن لتأمين المنفذ، وضمان انسيابية الحركة وتسهيل إجراءات العبور للمواطنين والمسافرين.

سعي رسمي في سقطرى لتطبيع الأوضاع بالتعاون مع قوة الواجب السعودية (سبأ)

وفي محافظة سقطرى، عُقد لقاء موسع برئاسة المحافظ رأفت الثقلي، ضم قيادات السلطة المحلية ومشايخ المراكز السكانية، وناقش الأوضاع العامة وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في المحافظة. طبقاً لما أفادت به المصادر الرسمية.

وأكد المحافظ أهمية توحيد الصف وتعزيز الوعي المجتمعي، مرحباً بقوات «درع الوطن» بوصفها قوة وطنية تعمل بإشراف مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف العربي بقيادة السعودية.

وأقر اللقاء - بحسب الإعلام الرسمي - تشكيل لجنة خاصة من مشايخ المحافظة للتواصل المستمر مع قيادة السلطة المحلية وقائد قوات الواجب (808)، بهدف تنسيق الجهود ومعالجة أي إشكالات بصورة عاجلة.

حراك سياسي ودبلوماسي

على مستوى التحركات السياسية والدبلوماسية تواصلت لقاءات أعضاء مجلس القيادة الرئاسي مع شركاء اليمن، وفي هذا السياق التقى عضو المجلس عبد الرحمن المحرمي، السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرمي أشاد بالموقف الفرنسي الداعم لجهود الإصلاحات الاقتصادية والتنموية في اليمن، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي في حماية الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية من التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة.

كما ثمّن المحرمي الدور الذي تضطلع به السعودية في قيادة جهود خفض التصعيد واحتواء التطورات الأخيرة، وحرصها على تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.

وأكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التوصل إلى حل عادل ومنصف للقضية الجنوبية، من خلال حوار جامع، يمثل ركيزة أساسية لدعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكة مع المانحين الدوليين لدعم برامج الإعمار وتحسين الخدمات.

طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً مع سفير الاتحاد الأوروبي (سبأ)

من جهته، استقبل عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وأفاد الإعلام الرسمي بأن اللقاء ناقش آفاق الشراكة بين اليمن ودول الاتحاد الأوروبي، وجهود مجلس القيادة والحكومة لتثبيت الأمن في المحافظات المحررة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالإرهاب والقرصنة في البحر الأحمر.

وثمّن عضو مجلس القيادة - بحسب المصادر الرسمية - مواقف الاتحاد الأوروبي الداعمة لليمن ووحدة أراضيه، مشيداً بدوره في إسناد العمليات الإنسانية خلال السنوات الماضية. وأطلع السفير الأوروبي على التطورات الأخيرة في المحافظات المحررة، مؤكداً أن تحسّن الاستقرار يتطلب تعزيز حضور الدولة ورفع كفاءة الخدمات الأساسية. كما أشاد صالح بالدور الذي تضطلع به السعودية، خصوصاً رعايتها للحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب في الرياض.


بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
TT

بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)

بعد سنوات من استهداف الأقليات الدينية في اليمن، صعّدت جماعة الحوثيين من حملتها القمعية لتطول معتنقي المسيحية، في تطور وصفه حقوقيون بأنه «حلقة جديدة» على مسار من الاضطهاد الديني المنهجي.

ووفق مصادر محلية وبيانات حقوقية، فقد نفذت الجماعة خلال الأسابيع الماضية حملات اعتقال واسعة، شملت العشرات من اليمنيين المسيحيين في صنعاء ومحافظات أخرى، بالتوازي مع استمرار احتجاز أكثر من 100 ناشط ومدني في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء).

وأكد «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن، وهو كيان حقوقي يضم ممثلين عن الطوائف اليهودية والبهائية والمسيحية والمهمشين، أن الاعتقالات الأخيرة تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف حرية الدين والمعتقد، ويقوّض ما تبقى من القيم الإنسانية والقانونية في البلاد، محذراً بأن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى «الاضطهاد الديني المنظم».

وأوضح «المجلس»، في بيان وزعه على وسائل الإعلام، أن جماعة الحوثيين، وبعد «استئصال الوجود اليهودي في اليمن، وترحيل رموز الطائفة البهائية، خلال السنوات الماضية، وجّهت بوصلتها القمعية نحو أتباع الديانة المسيحية، في إطار سياسة منظمة تقوم على الإقصاء الديني واستهداف التنوع المذهبي والفكري».

الجماعة الحوثية استهدفت أتباع الديانات الأخرى بالاعتقال والترحيل (إعلام محلي)

وأشار البيان إلى أن الجماعة سبق أن اعتقلت 7 يمنيين مسيحيين، عادّاً ذلك مؤشراً واضحاً على «مسار ممنهج في الاضطهاد، وليس حوادث معزولة». وأضاف أن الاعتقالات التعسفية الأخيرة شملت «مواطنين لا ذنب لهم سوى انتمائهم الديني، في انتهاك صارخ لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل حرية الفكر والوجدان والمعتقد».

وشدد «المجلس» على أن اليمنيين من أتباع الديانة المسيحية يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ويتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها كسائر المواطنين، وأن استهدافهم بسبب معتقدهم يمثل اعتداءً مباشراً على مبدأ المواطنة المتساوية، وعلى وحدة المجتمع، ويغذي خطاب الكراهية والانقسام.

انتهاك فاضح

ووصف «المجلس الوطني للأقليات» هذه الممارسات بأنها «انتهاك جسيم لحرية الدين والمعتقد، وهي حق أصيل كفلته الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية»، مؤكداً أن «العلاقة بين الإنسان وربه تقوم على الاختيار والضمير الحر، لا على الإكراه والترهيب». وعدّ أن ما تقوم به جماعة الحوثيين يكشف عن زيف شعارات «التعايش» التي ترفعها، و«يفضح التناقض العميق بين خطابها الديني المعلن وسلوكها القائم على الإكراه والعقاب الجماعي على أساس المعتقد».

وأكد البيان أن هذه الممارسات تضع الجماعة في خانة «الجماعات المتطرفة الراديكالية» التي «تستخدم الدين أداة للهيمنة والسيطرة، وتحول الخلاف الديني إلى ذريعة للقمع والاعتقال، وهي أفعال ترقى إلى مستوى الاضطهاد الديني، وتشكل نوعاً من الإرهاب الفكري والعقائدي».

العشرات من عمال الإغاثة يواجهون أحكاماً بالإعدام في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، حذر حقوقيون بأن تصاعد الانتهاكات لا يقتصر على الأقليات الدينية، بل يشمل أيضاً عمال الإغاثة والناشطين، حيث يواجه العشرات منهم أحكاماً بالإعدام أو محاكمات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة في مناطق سيطرة الحوثيين؛ مما يعكس اتساع دائرة القمع وتوظيف القضاء لأغراض سياسية وآيديولوجية.

وطالب «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين المسيحيين، وكل معتقلي الرأي والمعتقد، محمّلاً جماعة الحوثيين المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن سلامة المعتقلين، وعن أي أضرار جسدية أو نفسية قد يتعرضون لها خلال الاحتجاز.

دعوة لمساءلة دولية

ودعا «المجلس» المعني بحقوق الأقليات، الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين والمعتقد، وكل المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة، إلى «اتخاذ موقف واضح وحازم، والضغط الجاد لوقف هذه الانتهاكات، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب».

وفي الوقت ذاته، حمّل «المجلس» الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً مسؤولية التحرك الجاد للدفاع عن حقوق جميع المواطنين دون تمييز، مطالباً بإدانة صريحة لهذه الانتهاكات، والعمل على إدخال تعديلات دستورية وقانونية تضمن حرية الدين والمعتقد وحرية الضمير، وتكفل حق كل إنسان في اختيار معتقده دون إكراه أو وصاية.

وشدد البيان على أن «حرية الدين والمعتقد ليست امتيازاً تمنحه سلطة سياسية أو دينية، بل حق إنساني أصيل»، وأن «أي سلام حقيقي أو دولة عادلة في اليمن لا يمكن أن تقوم دون ضمان هذا الحق، وتجريم كل أشكال الإكراه الديني، سواء مورست بالسلاح أو بالقانون أو بالضغط الاجتماعي»، محذراً بأن «استمرار الصمت الدولي سيشجع على مزيد من الانتهاكات ويعمّق مأساة اليمنيين».