كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

قراءة في واقعها على ضوء ما خلّفه الاستفتاء الكردي

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي
TT

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

كانت مدينة كركوك، المركزَ الرئيسَ للثروة النفطية في العراق والعقدةَ الديمغرافيةَ الحساسةَ في شماله، في قلب الأحداث في أعقاب إجراء الاستفتاء الكردي فيها على الرغم من أنها جزء مما يسمى بـ«المناطق المتنازع عليها»، وهو المصطلح المعتمد للمناطق المختلطة عرقياً ولغوياً ودينياً في العراق منذ بعض الوقت. واليوم تفتح «الشرق الأوسط» ملف كركوك... تاريخاً وواقعاً.
لفت النفط قبل اكتشافه واستخراجه نظر اليونانيين الغازين، وهم يمرّون بكركوك في طريقهم إلى بابل. كان يفور من باطن الأرض، وعُرف آنذاك بـ«القير البابلي». ثم اشتهر بئر بابا كُركُر Baba Gurgur (الكاف الفارسية)، فكركوك إذاً بنفطها، مع أنه تضاءل كثيراً، فالبئر المذكورة جفت مؤخراً وأُعلنت وفاتها، على حد التعزية المعنوية التي كتبها فيها وزير نفط العراق الأسبق عصام الجلبي.
ولكن عندما تمتزج رائحة النفط برائحة الدم، حيث التهيؤ للحرب، بين «الحشد الشعبي» والجيش العراقي من جهة والقوات الكردية (البيشمركة) من جهة أخرى، ستُعاد الآلام والموجعات على كركوك وإقليم كردستان والعراق بأكمله. ذلك لأن كركوك «فُلك مشحون» بالأقوام والأديان والمذاهب، وتاريخ طويل من الإخاء والعداء أيضاً. إنها مضارب العرب والكُرد والتركمان والسريانيين والكاكائيين والإيزيديين والشّبك والصّوفيين بمختلف تكاياهم، وبين حين وآخر تكون موضع قدم للصابئة المندائيين، ونُحل ومذاهب لم يظهر منها إلى العلن غير أسمائها.

كركوك... جغرافياً
تقع كركوك، كحد فاصل بين المنطقة الجبلية والسهلية، من أرض العراق، تحدها شمالاً محافظة أربيل وشرقاً محافظة السليمانية، وغرباً الجزء الشمالي من محافظة صلاح الدين (كانت حتى 1976 جزءاً من محافظة بغداد)، وجنوباً محافظة ديالى، وهي تبعد عن أربيل بمسافة 92 كلم وعن السليمانية 109 كلم وعن عاصمة بغداد 255 كلم.
كركوك مدينة من مدن العراق القديمة، اختلف المؤرخون في أصل اسمها، بين أن تكون منحوتة من «كركر» أي شعلة النار، فأخبار نفطها كانت معروفة من قبل التاريخ، كما تقدم، أو من «كرخ سلوخ» الآرامية أو حسب التسمية الكَنَسية الشرقية لها.
كركوك القديمة كان أساسها قلعة حصينة (قلعة كركوك الشهيرة) تقوم على مستوطن أثري قديم، ورد اسمها في ألواح استخرجت منها، ويدعى «أرابخا». ويبلغ ارتفاع القلعة نحو 129 قدماً تقريباً وتعلو عن سطح البحر بحدود 160 قدماً، وتكون هذا التل من تراكم طبقات السكن المتعاقبة منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وللقلعة أربعة أبواب: طوب قابو «أي باب المدفع» ودمير قابو «الباب الحديدي»، وباب يدي قيزلر «أي باب سبع بنات أو أبكار» وباب حلوة جيلر بازاري «أي باب سوق الحلوجية».
تبلغ مساحة كركوك 28 ألفاً و679 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها مليوناً وخمسمائة ألف نسمة (عن الموقع الرسمي لمحافظة كركوك). وحسب إحصاء عام 1997، وهو آخر إحصاء سُكاني: يؤلف العرب من سكانها (72 في المائة) بعدد 554. 596 والأكراد يُشكلون 21 في المائة بعدد 155.861 والتركمان يُشكلون 7 في المائة بعدد 50.599 نسمة. لكن ذلك الإحصاء لم يؤخذ به، لأنه رفع نسبة العرب على حساب نسب الأكراد والتركمان، وأول مَن رفضه كانت الأحزاب الكردية.
يرد اسمها الآرامي «كرخ سلوخ»، بينما يقرُّ مصطفى جواد (ت 1969) اسم: «كرخينا» (مجلة سومر، المجلد 8)، التي لم تذكر لدى البلدانيين والمؤرخين المسلمين إلا في القرن السابع الهجري. وذكرها الحموي (ت 626هـ): «كرخيني، قلعة...... بين دقوقا وأربل». وذكرها ابن الأثير (632هـ): «بلد الكرخيني، وبلد دقوقا» (الكامل في التاريخ). وذكرها اليونيني (726هـ): «قلعة يقال لها الكرخيني من أعمال أربل بينها وبين بغداد» (ذيل مرآة الزمان). أما كركوك فأول مَنْ وردها علي اليزدي (ت 830هـ) في «ظفر نامه». لكن، أليس بين كرخ سلوخ وكرخيني من وشيجة لفظية؟! ومعنى كرخ بالآرامية: «يحيط أو يستدير» (القاموس المندائي)، بهذا يكون أصلها لا عربية، ولا تركمانية، ولا كردية.

من تاريخها السياسي
إذا تحدثنا وفق التاريخ المكتوب فكركوك تقع ضمن منطقة ورد اسمها بميديا ثم كوردستان، ومن الناحية الجغرافية شأنها شأن جنوب العراق أو وسطها ضمن هذه البلاد وإدارتها، من دون إغفال إمارات عشائرية هنا وهناك. ولعلَّ أحدث تنظيمات البلاد الإدارية تنظيم والي العراق مدحت باشا (1869)، أي في الأيام الأولى من ولايته، وبموجبه أصبح العراق عشرة سناجق أو ألوية (النجار، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد): بغداد، شهرزور (مركزه كركوك)، السليمانية، الموصل، الدليم (الأنبار)، كربلاء، الديوانية، البَصْرة، العمارة (ميسان)، المنتفك (ذي قار). هذا، وقبل مائة سنة من ذلك التنظيم كتب أسقف بغداد الكاثوليكي تقريراً إلى البابا في روما العام 1742 جاء فيه عن بغداد، التي في أحايين ترد بدلاً من اسم العراق: «تشمل منطقة مادي شرقاً، وهي المعروفة بكردستان» (مجلة بين النهرين).
برزت قضية كركوك بشكل جلي وأخذت طابع العداء، كمشكلة بين التركمان والأكراد، على وجه الخصوص، بعد «أحداث تموز» يوليو (تموز) 1959، خلال الذكرى الأولى لـ«ثورة 14 تموز» التي نقلت أو أرخ لها بعدة روايات. ولقد طرحها الباحث الأميركي الفلسطيني الأصل حنا بطاطو، من خلال وثائق الشرطة العراقية، وظهر أن تلك المشكلة الكبرى كانت مسؤولية طبيعة ذلك الزمان وانفلات القسوة. وأشار باللوم إلى الأكراد المتزمتين «ذوي الميول المختلفة» على حد عبارته، وما حدث ليست مسؤولية الأكراد كشيوعيين وإنما مسؤوليتهم بفعل الواعز القومي. بينما يحملها الكتّاب التركمان للحزب الشيوعي العراقي والأكراد معاً. لكن عزيز محمد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي - وهو كردي - وكان مسؤول المنطقة الشمالية آنذاك يقول: إن ما حدث ليس بين أحزاب، إنما بين المتظاهرين والذين استفزوا المظاهرة، وإنه لم يكن في ذلك اليوم يحمل سلاحه (ضمن مقابلة له مع مجلة «الوسط» الصادرة في لندن). أما الرأي الآخر فيرى أن استفزاز المظاهرة في الذكرى الأولى للثورة من قبل مجموعة من التركمان كانت سبباً في انفجار الحدث.
عموماً، ما زالت أحداث كركوك واحدة من الخلافات أو بواعث الخلافات بين الأكراد والتركمان، إذ يحملها الكتاب والباحثون الأكراد للتركمان وتعاملهم مع القوميين العرب جملة وتفصيلاً. وبعدها ظلت كركوك واحدة من أسباب فشل المباحثات بين الحكومة العراقية والقيادة الكردية في السبعينات، فالأكراد إذ يعترفون باختلاطها القومي، فإنهم ينظرون إليها كجزء من جغرافية إقليم كردستان، بل قال بعض قادتهم عنها «إنها قدس الأقداس بالنسبة للأكراد».
كَركوك، لو نظرت في خرائط العراق لوجدت موقعها منه موقع القلب، أعلى الحجاب الحاجز، في الوسط مع ميل إلى جهة اليسار، وحسب خريطة 1957، يعطيك هذا الموقع كم هي قريبة من العراق كافة! وبعد اعتبار تكريت (محافظة صلاح الدين اليوم) محافظة حدّتها غرباً، واستقطعت أقضية ونواحٍ منها لصالح الأخيرة، ولو كان الأمر لم يجر بهاجس قومي للُحقت الحويجة بالموصل مثلاً، وحتى استبدال كركوك بـ«التأميم» (1969) جاء للدافع نفسه، أي لتجاوز تاريخها القومي.

«منطقة متنازع عليها»
وبعدما وضعت المادة (140) من الدستور العراقي (2005)، أصبحت كركوك ضمن «المناطق المتنازع عليها»، وأكبر أزمة حصلت بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان (عاصمته أربيل) بسبب اجتماع مجلس الوزراء الاتحادي فيها (2012). أو لنقل زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى كركوك، واستقباله مِن قبل محافظها طبيب الجملة العصبية نجم الدين كريم الكُردي الكركوكلي، في ظروف متأزمة بين المركز والإقليم، ولولا تلك الظروف، وما حصل إلى حد قد يصل إلى كسر العظم مثلما يُقال، لمرت الزِّيارة عادية. فيومها اعتبرت الأحزاب الكُردية، وهي تمثل الإقليم، اختيار كركوك مكاناً لهذا الاجتماع استفزازاً وتجاوزاً على الدُّستور، على أساس أن قضية كركوك، وهي مِن الأراضي المتنازع عليها بشدة، وليست محلولة بعد وفق المادة 140 مِن الدستور، وأنها منطقة كُردستانية بمعنى تابعة لإقليم كرُدستان، وليس مِن حق المركز التصرف بها.
ردَّ المركز، ممثلاً بالحكومة التنفيذية، بأن كركوك «منطقة عراقية تمثل الأخوة العراقية بين الطوائف التي تعيش فيها منذ القِّدم»، وأن عقد مجلس الوزراء جاء ضمن اجتماعاته في بقية المحافظات العراقية، التابعة للمركز، فقد عُقد في البصرة وسيعقد بمحافظات أخرى، وأن حل قضية كركوك لا يتم بالتهديد وفرض الأمر الواقع إنما يتم عبر القنوات الحوارية، وهي قضية يحتاج حلها إلى زمن طويل وتفاهم مريح.
بطبيعة الحال، عندما يجري حوار لا ينجح إذا كان المتحاورون قد حددوا مسبقاً ما يريد كل منهم بتشدد لا لين فيه، بينما من عادة الحوار لحل مشكلة لا بد من التفكير بتنازلات، لأن من دونها الحرب ستلتهم الأخضر واليابس، وستفقد الأحزاب مصداقيتها في معارضة النظام السابق، فهو الآخر كان قد أنهى الحوار على كركوك (1974) بإعلان الحرب، وقد حصل ما حصل في وقتها من مآسٍ للشعب الكردي بالذات، ناهيك عن قتلى الجيش العراقي.
ظلت كركوك لسنوات طويلة مستثنية من انتخابات مجالس المحافظات العراقية والكردستانية، نظراً لوضعها الخاص. وهي واقعة في نزاع بين الأقوام، وبالتأكيد السياسة وراء ذلك، أما الناس فعاشوا وما زالوا يعيشون متجاورين. تبع هذا الموقف تسابق التركمان والأكراد، في تأكيد كل منهم أحقيته التاريخية أو أسبقيته بالمنطقة، فالكتاب والباحثون الكُرد يؤكدون كردية كركوك وحداثة الوجود التركماني فيها الذي يعيدونه إلى السلطان العثماني مراد الرابع، أي القرن السابع عشر الميلادي تقريباً. في المقابل يؤكد باحثون تركمان قدم وجودهم منذ العصور الإسلامية الأولى فيها، كمقاتلين في ثغور الدولة الإسلامية بمواجهة الروم آنذاك، ويشيرون لقيام دول تركمانية فيها مثل دولتي «الخروف الأسود» و«الخروف الأبيض» ما هي إلا امتداداً للوجود السلجوقي التركي الذي كان في القرن الخامس الهجري أو الحادي عشر الميلادي.

رجعة تاريخية
ما يتعلق بوجود تركماني بالعراق، لا بكركوك فقط، أكدت المصادر التاريخية الإسلامية أنهم استدعوا كمقاتلين من البلاد الإيرانية من قبل الولاة الأمويين. ثم تكاثر عددهم ونفوذهم في زمن الخليفة العباسي المعتصم بالله، القرن التاسع الميلادي، حتى قيل إن الخليفة المذكور نقل عاصمته من بغداد إلى سامراء بفعل كثرة الترك في جيشه وضيق الناس بهم. ومعلوم أن التاريخ الإسلامي يخبر عن هيمنة تركية في الحكومات العباسية، وذلك منذ زمن المتوكل وحتى سيطرة البويهيين على بغداد، ثم عادوا بقوة بعد السيطرة السلجوقية التركية.
نفهم مما تقدم أنه ليس من شك في قِدم التركمان بالعراق، لكن الخلاف على قِدمهم بكركوك نفسها، فالمنطقة التي توالت عليها دول عديدة أصبحت بعد اكتشاف النفط مقصداً للعاملين فيها من كل القوميات، ويشير بطاطو إلى تكاثر الكُرد والعرب والآشوريين فيها بسبب النفط.
قلنا إن الأحزاب الكُردية، والرأي العام الكُردي، ترى في كركوك قدساً لإقليم كردستان، ويسعى إلى تأكيد ذلك من الناحية التاريخية والجغرافية، وتؤكد على وجود أكثرية كردية في محيط كركوك، مع الاعتراف بوجود تركماني في مركز المدينة. أما الأحزاب الإسلامية، فالسنُّية منها ممثلة بالحزب الإسلامي العراقي يميل إلى أن الكُرد يعملون في سبيل «تكريد» كركوك، وبالتالي يؤدي ذلك إلى غبن حق القوميات الأخرى فيها، وخصوصاً القومية التركمانية، ويعلن الحزب المذكور أن كركوك لم تكن عاصمة لكردستان العراق، وليست هي جزءاً من الإقليم.
أما الأحزاب الشيعية الدينية التي تندرج معها الأحزاب الشيعية التركمانية، فأحد الأحزاب الأخيرة ما زال امتداداً لحزب الدعوة الإسلامية في الساحة التركمانية، والظاهر أن هذه الأحزاب لا تعلن تدخلها في شأن كركوك ذلك للحفاظ على العلاقة الجيدة مع الحزبين الكُرديين، الحزب الديمقراطي الكُردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكُردستاني الذي لم ينتخب زعيما له بعد رحيل زعيمه جلال طالباني. وعندما تتحدث هذه الأحزاب عن كركوك تتحدث بطريقة الموازنة والعمومية، كالقول إنها منطقة الإخاء العراقي القومي، دون الدخول بالتفاصيل.
لكن هذا كان قبل احتلال «داعش» الموصل (2014) ومحاولاته احتلال كركوك، ثم سيطرة البيشمركة على آبار النفط ومنافذ المدينة. هنا انتهى التوافق الشيعي - الكردي ودخل «الحشد الشعبي» طرفاً في المواجهة، على أنه يصطف مع الجيش العراقي (الاتحادي) ضد البيشمركة. وحصلت مناوشات، والكل يتهيأ للحرب. واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالمناكفات، واستغلت مجالس عاشوراء في التحريض ضد الكرد، وكذلك الطرف الآخر يرد بالمثل.
خلا ما تقدم، كان أكثر الإثارات في مسألة كركوك بعد (2003)، ما عُرف بـ«سياسة التعريب»، بوجود الأسر العربية، التي أتى بها نظام صدام حسين مقابل نقله للأسر التركمانية والكُردية إلى المناطق الجنوبية أو الوسطى من العراق. وهنا يظهر الاتفاق بين بعض الأحزاب التركمانية وعموم الأحزاب الكُردية حول تأجيل الانتخابات في كركوك، حتى تحلّ قضية المهجرين. وأشار مسعود بارزاني في وقت سابق إلى ضرورة «محو آثار التعريب»، وبسبب «الظلم الذي لحق بالكُرد والتركمان أيضاً»، دعا إلى «مراجعة الوثائق العثمانية وكيف وضعت وثائق كركوك ضمن كردستان العراق». وأردف «إننا لن نسمح لتركيا بالتدخل في وضع كركوك».
وهنا يأتي تدخل تركيا كعامل آخر في تأزيم الموقف بكركوك، فتركيا تطرح نفسها حامية للتركمان العراق، وتعتبر كركوك منطقة تركمانية، فيما تستشعر الأحزاب الكُردية الخطر من تصريحات القادة الأتراك ترى الأحزاب التركمانية (السنة تحديداً) تدخل تركيا، كدولة جوار، مسألة طبيعية. وهي قوة ضاغطة ضد الطموح الكُردي بكركوك، مثلما حدث في تلعفر. فخلال المواجهات بين المسلحين بالمدينة والقوات الأميركية أكثرت تركيا من التصريحات بشأن حماية التركمان، وتصاعد الموقف التركي بعد الاستفتاء. وإذا كان بارزاني يتحدث عن كركوك بحدود «كردستان العراق»، فاليوم انتهت هذه التسمية. فالاستفتاء، في ذهنه، لا بد أن يفضي إلى قيام دولة كردية، وربما تصبح كركوك عاصمتها، أو عاصمتها الثانية.

المواقف الحزبية
تتباين الأحزاب العراقية الأساسية، غير الكُردية والتركمانية، في الرأي أو الموقف تجاه كركوك. مثلاً لم يظهر للحزب الشيوعي العراقي ما يلفت النظر تجاه المنطقة، وذلك لحساسيتها في هذا الوقت بالذات. وهو تولي رئاسة لجنة البت في حل القضايا المترتبة على التغيير الطوبوغرافي في المناطق المتنازع عليه، وفق المادة (140)، ولم يحل شيء منها. أما إزاء الاستفتاء الأخير فبعدما أيده قبل حصوله، عاد ليتحدث عن تأجيله وحل المشاكل العالقة بالحوار، بهدف الإبقاء على الوحدة العراقية بشكل يُرضي الجميع. وكما يبدو فإن هذا الرأي له صلة بموقف الاتحاد الوطني الكردستاني (السليمانية)، وكان قد دخل في الاستفتاء كي لا يفقد شعبيته بين الكُرد، لأن شعار الدولة الكردية ما زال مغرياً، لكنه بعد تفاقم الأزمة أعلن حزب الاتحاد موقفه بوضوح أنه ليس مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (أربيل)، في تعقيد الوضع في كركوك، مراعياً عدم الانجرار إلى إعلان الحرب. وهذا ما جاء أيضاً على لسان بافيل نجل الرئيس السابق جلال الطالباني عبر كلمة موجهة باللغة الإنجليزية. فالأزمة بدأت حادة بإقالة البرلمان العراقي لمحافظ كركوك، ورفض مجلس محافظتها الاعتراف بهذا القرار، إذ أصدر في أواخر الشهر الماضي، رفضاً لقرار مجلس النواب. ثم صدرت قرارات من رئاسة الوزراء في بغداد منها السيطرة على المداخل الحدودية لإقليم كردستان، على أنها مواقع اتحادية. ومن قبل أوقفت حكومة بغداد منح النسبة المئوية من الميزانية العراقية لكردستان، وهي تبلغ 17 في المائة، مما سبب بخفض الرواتب في الإقليم، وتصاعد الموقف الكردي، وبان بشكل جلي باتجاه الاستفتاء بعد إقالة وزير المالي هوشيار زيباري، وكأن هذه الإقالة استهدفت الكُرد. وفي المقابل ينحو الحزب الشيوعي الكُردستاني منحى الحزب الديمقراطي الكردستاني، ودعا الأحزاب الشيوعية العربية وغيرها إلى تأييد ما يترتب على الاستفتاء الكردي من أجل دولة كردية.
أما الأحزاب الإسلامية فتنقسم إلى قسمين: السنُّية منها تقف مع تركمان كركوك ضد هيمنة كردية، حسب تصريحات الحزب الإسلامي العراقي (الإخوان المسلمين) وهو الحزب الرئيسي السنُّي ذو الطابع الديني. أما الأحزاب الشيعية الدينية، فتحاول الحفاظ على رابط أو علاقة ما مع الأحزاب الكُردية، إلا أن هذا لم يستمر وانتهى الوفاق أخيراً، علماً بأن معظم التركمان الشيعية هم في مناطق خارج كركوك، مثل تلعفر وكفري وهي مناطق قطعت من كركوك لتتبع محافظة ديالى. لكن الشد يزداد بين المركز والإقليم على أنها مربط خيل كل منهما، وتبقى كركوك عصية على الحل، مع أن الأيسر، حسب رأي عضو المكتب للحزب الديمقراطي الكردستاني السابق فلك الدين كاكائي، في مقابلة لصحيفة «المدى» البغدادية، أن يكون حل قضية كركوك العصية بإقليم قائم بذاته.
أخيراً، إن الأمر قد حُسم، في ضحى الاثنين (16 - 10 - 2017) لصالح الجيش الاتحادي مع عدم اعتراض من قِبل الاتحاد الكردستاني، وانسحبت البيشمركة بلا قتال. وبهذا تكون خطوة الاستفتاء، التي أصر عليها «الديمقراطي الكردستاني» غير محسوبة، وكأنه أراد فرض أمر واقع، بعدم التراجع عن كركوك بعد المشاركة بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية ضد داعش.
كان التصور الخطأ أن قيام الدولة الكردية صار قاب قوسين أو أدنى، وأنها فرصة منحها الزمن، وهذا في السياسة الراهنة وظروف المنطقة كان بعيداً عن المنطق. لقد أضافت هذه التجربة أن المحافظة على ما حصل عليه أكراد العراق، قياساً بدول المنطقة الأخرى، لا يجب أن يُضحى به بهذه السهولة، وأن ما يحصل عليه الإقليم من نسبة إيرادات النفط، من العراق ككل، أكبر بكثير مما تبقى من النفط في آبار كركوك، بعد إعلان موت، مثلما تقدم، أقدم بئر بابا كُركُر.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.