كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

قراءة في واقعها على ضوء ما خلّفه الاستفتاء الكردي

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي
TT

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

كانت مدينة كركوك، المركزَ الرئيسَ للثروة النفطية في العراق والعقدةَ الديمغرافيةَ الحساسةَ في شماله، في قلب الأحداث في أعقاب إجراء الاستفتاء الكردي فيها على الرغم من أنها جزء مما يسمى بـ«المناطق المتنازع عليها»، وهو المصطلح المعتمد للمناطق المختلطة عرقياً ولغوياً ودينياً في العراق منذ بعض الوقت. واليوم تفتح «الشرق الأوسط» ملف كركوك... تاريخاً وواقعاً.
لفت النفط قبل اكتشافه واستخراجه نظر اليونانيين الغازين، وهم يمرّون بكركوك في طريقهم إلى بابل. كان يفور من باطن الأرض، وعُرف آنذاك بـ«القير البابلي». ثم اشتهر بئر بابا كُركُر Baba Gurgur (الكاف الفارسية)، فكركوك إذاً بنفطها، مع أنه تضاءل كثيراً، فالبئر المذكورة جفت مؤخراً وأُعلنت وفاتها، على حد التعزية المعنوية التي كتبها فيها وزير نفط العراق الأسبق عصام الجلبي.
ولكن عندما تمتزج رائحة النفط برائحة الدم، حيث التهيؤ للحرب، بين «الحشد الشعبي» والجيش العراقي من جهة والقوات الكردية (البيشمركة) من جهة أخرى، ستُعاد الآلام والموجعات على كركوك وإقليم كردستان والعراق بأكمله. ذلك لأن كركوك «فُلك مشحون» بالأقوام والأديان والمذاهب، وتاريخ طويل من الإخاء والعداء أيضاً. إنها مضارب العرب والكُرد والتركمان والسريانيين والكاكائيين والإيزيديين والشّبك والصّوفيين بمختلف تكاياهم، وبين حين وآخر تكون موضع قدم للصابئة المندائيين، ونُحل ومذاهب لم يظهر منها إلى العلن غير أسمائها.

كركوك... جغرافياً
تقع كركوك، كحد فاصل بين المنطقة الجبلية والسهلية، من أرض العراق، تحدها شمالاً محافظة أربيل وشرقاً محافظة السليمانية، وغرباً الجزء الشمالي من محافظة صلاح الدين (كانت حتى 1976 جزءاً من محافظة بغداد)، وجنوباً محافظة ديالى، وهي تبعد عن أربيل بمسافة 92 كلم وعن السليمانية 109 كلم وعن عاصمة بغداد 255 كلم.
كركوك مدينة من مدن العراق القديمة، اختلف المؤرخون في أصل اسمها، بين أن تكون منحوتة من «كركر» أي شعلة النار، فأخبار نفطها كانت معروفة من قبل التاريخ، كما تقدم، أو من «كرخ سلوخ» الآرامية أو حسب التسمية الكَنَسية الشرقية لها.
كركوك القديمة كان أساسها قلعة حصينة (قلعة كركوك الشهيرة) تقوم على مستوطن أثري قديم، ورد اسمها في ألواح استخرجت منها، ويدعى «أرابخا». ويبلغ ارتفاع القلعة نحو 129 قدماً تقريباً وتعلو عن سطح البحر بحدود 160 قدماً، وتكون هذا التل من تراكم طبقات السكن المتعاقبة منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وللقلعة أربعة أبواب: طوب قابو «أي باب المدفع» ودمير قابو «الباب الحديدي»، وباب يدي قيزلر «أي باب سبع بنات أو أبكار» وباب حلوة جيلر بازاري «أي باب سوق الحلوجية».
تبلغ مساحة كركوك 28 ألفاً و679 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها مليوناً وخمسمائة ألف نسمة (عن الموقع الرسمي لمحافظة كركوك). وحسب إحصاء عام 1997، وهو آخر إحصاء سُكاني: يؤلف العرب من سكانها (72 في المائة) بعدد 554. 596 والأكراد يُشكلون 21 في المائة بعدد 155.861 والتركمان يُشكلون 7 في المائة بعدد 50.599 نسمة. لكن ذلك الإحصاء لم يؤخذ به، لأنه رفع نسبة العرب على حساب نسب الأكراد والتركمان، وأول مَن رفضه كانت الأحزاب الكردية.
يرد اسمها الآرامي «كرخ سلوخ»، بينما يقرُّ مصطفى جواد (ت 1969) اسم: «كرخينا» (مجلة سومر، المجلد 8)، التي لم تذكر لدى البلدانيين والمؤرخين المسلمين إلا في القرن السابع الهجري. وذكرها الحموي (ت 626هـ): «كرخيني، قلعة...... بين دقوقا وأربل». وذكرها ابن الأثير (632هـ): «بلد الكرخيني، وبلد دقوقا» (الكامل في التاريخ). وذكرها اليونيني (726هـ): «قلعة يقال لها الكرخيني من أعمال أربل بينها وبين بغداد» (ذيل مرآة الزمان). أما كركوك فأول مَنْ وردها علي اليزدي (ت 830هـ) في «ظفر نامه». لكن، أليس بين كرخ سلوخ وكرخيني من وشيجة لفظية؟! ومعنى كرخ بالآرامية: «يحيط أو يستدير» (القاموس المندائي)، بهذا يكون أصلها لا عربية، ولا تركمانية، ولا كردية.

من تاريخها السياسي
إذا تحدثنا وفق التاريخ المكتوب فكركوك تقع ضمن منطقة ورد اسمها بميديا ثم كوردستان، ومن الناحية الجغرافية شأنها شأن جنوب العراق أو وسطها ضمن هذه البلاد وإدارتها، من دون إغفال إمارات عشائرية هنا وهناك. ولعلَّ أحدث تنظيمات البلاد الإدارية تنظيم والي العراق مدحت باشا (1869)، أي في الأيام الأولى من ولايته، وبموجبه أصبح العراق عشرة سناجق أو ألوية (النجار، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد): بغداد، شهرزور (مركزه كركوك)، السليمانية، الموصل، الدليم (الأنبار)، كربلاء، الديوانية، البَصْرة، العمارة (ميسان)، المنتفك (ذي قار). هذا، وقبل مائة سنة من ذلك التنظيم كتب أسقف بغداد الكاثوليكي تقريراً إلى البابا في روما العام 1742 جاء فيه عن بغداد، التي في أحايين ترد بدلاً من اسم العراق: «تشمل منطقة مادي شرقاً، وهي المعروفة بكردستان» (مجلة بين النهرين).
برزت قضية كركوك بشكل جلي وأخذت طابع العداء، كمشكلة بين التركمان والأكراد، على وجه الخصوص، بعد «أحداث تموز» يوليو (تموز) 1959، خلال الذكرى الأولى لـ«ثورة 14 تموز» التي نقلت أو أرخ لها بعدة روايات. ولقد طرحها الباحث الأميركي الفلسطيني الأصل حنا بطاطو، من خلال وثائق الشرطة العراقية، وظهر أن تلك المشكلة الكبرى كانت مسؤولية طبيعة ذلك الزمان وانفلات القسوة. وأشار باللوم إلى الأكراد المتزمتين «ذوي الميول المختلفة» على حد عبارته، وما حدث ليست مسؤولية الأكراد كشيوعيين وإنما مسؤوليتهم بفعل الواعز القومي. بينما يحملها الكتّاب التركمان للحزب الشيوعي العراقي والأكراد معاً. لكن عزيز محمد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي - وهو كردي - وكان مسؤول المنطقة الشمالية آنذاك يقول: إن ما حدث ليس بين أحزاب، إنما بين المتظاهرين والذين استفزوا المظاهرة، وإنه لم يكن في ذلك اليوم يحمل سلاحه (ضمن مقابلة له مع مجلة «الوسط» الصادرة في لندن). أما الرأي الآخر فيرى أن استفزاز المظاهرة في الذكرى الأولى للثورة من قبل مجموعة من التركمان كانت سبباً في انفجار الحدث.
عموماً، ما زالت أحداث كركوك واحدة من الخلافات أو بواعث الخلافات بين الأكراد والتركمان، إذ يحملها الكتاب والباحثون الأكراد للتركمان وتعاملهم مع القوميين العرب جملة وتفصيلاً. وبعدها ظلت كركوك واحدة من أسباب فشل المباحثات بين الحكومة العراقية والقيادة الكردية في السبعينات، فالأكراد إذ يعترفون باختلاطها القومي، فإنهم ينظرون إليها كجزء من جغرافية إقليم كردستان، بل قال بعض قادتهم عنها «إنها قدس الأقداس بالنسبة للأكراد».
كَركوك، لو نظرت في خرائط العراق لوجدت موقعها منه موقع القلب، أعلى الحجاب الحاجز، في الوسط مع ميل إلى جهة اليسار، وحسب خريطة 1957، يعطيك هذا الموقع كم هي قريبة من العراق كافة! وبعد اعتبار تكريت (محافظة صلاح الدين اليوم) محافظة حدّتها غرباً، واستقطعت أقضية ونواحٍ منها لصالح الأخيرة، ولو كان الأمر لم يجر بهاجس قومي للُحقت الحويجة بالموصل مثلاً، وحتى استبدال كركوك بـ«التأميم» (1969) جاء للدافع نفسه، أي لتجاوز تاريخها القومي.

«منطقة متنازع عليها»
وبعدما وضعت المادة (140) من الدستور العراقي (2005)، أصبحت كركوك ضمن «المناطق المتنازع عليها»، وأكبر أزمة حصلت بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان (عاصمته أربيل) بسبب اجتماع مجلس الوزراء الاتحادي فيها (2012). أو لنقل زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى كركوك، واستقباله مِن قبل محافظها طبيب الجملة العصبية نجم الدين كريم الكُردي الكركوكلي، في ظروف متأزمة بين المركز والإقليم، ولولا تلك الظروف، وما حصل إلى حد قد يصل إلى كسر العظم مثلما يُقال، لمرت الزِّيارة عادية. فيومها اعتبرت الأحزاب الكُردية، وهي تمثل الإقليم، اختيار كركوك مكاناً لهذا الاجتماع استفزازاً وتجاوزاً على الدُّستور، على أساس أن قضية كركوك، وهي مِن الأراضي المتنازع عليها بشدة، وليست محلولة بعد وفق المادة 140 مِن الدستور، وأنها منطقة كُردستانية بمعنى تابعة لإقليم كرُدستان، وليس مِن حق المركز التصرف بها.
ردَّ المركز، ممثلاً بالحكومة التنفيذية، بأن كركوك «منطقة عراقية تمثل الأخوة العراقية بين الطوائف التي تعيش فيها منذ القِّدم»، وأن عقد مجلس الوزراء جاء ضمن اجتماعاته في بقية المحافظات العراقية، التابعة للمركز، فقد عُقد في البصرة وسيعقد بمحافظات أخرى، وأن حل قضية كركوك لا يتم بالتهديد وفرض الأمر الواقع إنما يتم عبر القنوات الحوارية، وهي قضية يحتاج حلها إلى زمن طويل وتفاهم مريح.
بطبيعة الحال، عندما يجري حوار لا ينجح إذا كان المتحاورون قد حددوا مسبقاً ما يريد كل منهم بتشدد لا لين فيه، بينما من عادة الحوار لحل مشكلة لا بد من التفكير بتنازلات، لأن من دونها الحرب ستلتهم الأخضر واليابس، وستفقد الأحزاب مصداقيتها في معارضة النظام السابق، فهو الآخر كان قد أنهى الحوار على كركوك (1974) بإعلان الحرب، وقد حصل ما حصل في وقتها من مآسٍ للشعب الكردي بالذات، ناهيك عن قتلى الجيش العراقي.
ظلت كركوك لسنوات طويلة مستثنية من انتخابات مجالس المحافظات العراقية والكردستانية، نظراً لوضعها الخاص. وهي واقعة في نزاع بين الأقوام، وبالتأكيد السياسة وراء ذلك، أما الناس فعاشوا وما زالوا يعيشون متجاورين. تبع هذا الموقف تسابق التركمان والأكراد، في تأكيد كل منهم أحقيته التاريخية أو أسبقيته بالمنطقة، فالكتاب والباحثون الكُرد يؤكدون كردية كركوك وحداثة الوجود التركماني فيها الذي يعيدونه إلى السلطان العثماني مراد الرابع، أي القرن السابع عشر الميلادي تقريباً. في المقابل يؤكد باحثون تركمان قدم وجودهم منذ العصور الإسلامية الأولى فيها، كمقاتلين في ثغور الدولة الإسلامية بمواجهة الروم آنذاك، ويشيرون لقيام دول تركمانية فيها مثل دولتي «الخروف الأسود» و«الخروف الأبيض» ما هي إلا امتداداً للوجود السلجوقي التركي الذي كان في القرن الخامس الهجري أو الحادي عشر الميلادي.

رجعة تاريخية
ما يتعلق بوجود تركماني بالعراق، لا بكركوك فقط، أكدت المصادر التاريخية الإسلامية أنهم استدعوا كمقاتلين من البلاد الإيرانية من قبل الولاة الأمويين. ثم تكاثر عددهم ونفوذهم في زمن الخليفة العباسي المعتصم بالله، القرن التاسع الميلادي، حتى قيل إن الخليفة المذكور نقل عاصمته من بغداد إلى سامراء بفعل كثرة الترك في جيشه وضيق الناس بهم. ومعلوم أن التاريخ الإسلامي يخبر عن هيمنة تركية في الحكومات العباسية، وذلك منذ زمن المتوكل وحتى سيطرة البويهيين على بغداد، ثم عادوا بقوة بعد السيطرة السلجوقية التركية.
نفهم مما تقدم أنه ليس من شك في قِدم التركمان بالعراق، لكن الخلاف على قِدمهم بكركوك نفسها، فالمنطقة التي توالت عليها دول عديدة أصبحت بعد اكتشاف النفط مقصداً للعاملين فيها من كل القوميات، ويشير بطاطو إلى تكاثر الكُرد والعرب والآشوريين فيها بسبب النفط.
قلنا إن الأحزاب الكُردية، والرأي العام الكُردي، ترى في كركوك قدساً لإقليم كردستان، ويسعى إلى تأكيد ذلك من الناحية التاريخية والجغرافية، وتؤكد على وجود أكثرية كردية في محيط كركوك، مع الاعتراف بوجود تركماني في مركز المدينة. أما الأحزاب الإسلامية، فالسنُّية منها ممثلة بالحزب الإسلامي العراقي يميل إلى أن الكُرد يعملون في سبيل «تكريد» كركوك، وبالتالي يؤدي ذلك إلى غبن حق القوميات الأخرى فيها، وخصوصاً القومية التركمانية، ويعلن الحزب المذكور أن كركوك لم تكن عاصمة لكردستان العراق، وليست هي جزءاً من الإقليم.
أما الأحزاب الشيعية الدينية التي تندرج معها الأحزاب الشيعية التركمانية، فأحد الأحزاب الأخيرة ما زال امتداداً لحزب الدعوة الإسلامية في الساحة التركمانية، والظاهر أن هذه الأحزاب لا تعلن تدخلها في شأن كركوك ذلك للحفاظ على العلاقة الجيدة مع الحزبين الكُرديين، الحزب الديمقراطي الكُردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكُردستاني الذي لم ينتخب زعيما له بعد رحيل زعيمه جلال طالباني. وعندما تتحدث هذه الأحزاب عن كركوك تتحدث بطريقة الموازنة والعمومية، كالقول إنها منطقة الإخاء العراقي القومي، دون الدخول بالتفاصيل.
لكن هذا كان قبل احتلال «داعش» الموصل (2014) ومحاولاته احتلال كركوك، ثم سيطرة البيشمركة على آبار النفط ومنافذ المدينة. هنا انتهى التوافق الشيعي - الكردي ودخل «الحشد الشعبي» طرفاً في المواجهة، على أنه يصطف مع الجيش العراقي (الاتحادي) ضد البيشمركة. وحصلت مناوشات، والكل يتهيأ للحرب. واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالمناكفات، واستغلت مجالس عاشوراء في التحريض ضد الكرد، وكذلك الطرف الآخر يرد بالمثل.
خلا ما تقدم، كان أكثر الإثارات في مسألة كركوك بعد (2003)، ما عُرف بـ«سياسة التعريب»، بوجود الأسر العربية، التي أتى بها نظام صدام حسين مقابل نقله للأسر التركمانية والكُردية إلى المناطق الجنوبية أو الوسطى من العراق. وهنا يظهر الاتفاق بين بعض الأحزاب التركمانية وعموم الأحزاب الكُردية حول تأجيل الانتخابات في كركوك، حتى تحلّ قضية المهجرين. وأشار مسعود بارزاني في وقت سابق إلى ضرورة «محو آثار التعريب»، وبسبب «الظلم الذي لحق بالكُرد والتركمان أيضاً»، دعا إلى «مراجعة الوثائق العثمانية وكيف وضعت وثائق كركوك ضمن كردستان العراق». وأردف «إننا لن نسمح لتركيا بالتدخل في وضع كركوك».
وهنا يأتي تدخل تركيا كعامل آخر في تأزيم الموقف بكركوك، فتركيا تطرح نفسها حامية للتركمان العراق، وتعتبر كركوك منطقة تركمانية، فيما تستشعر الأحزاب الكُردية الخطر من تصريحات القادة الأتراك ترى الأحزاب التركمانية (السنة تحديداً) تدخل تركيا، كدولة جوار، مسألة طبيعية. وهي قوة ضاغطة ضد الطموح الكُردي بكركوك، مثلما حدث في تلعفر. فخلال المواجهات بين المسلحين بالمدينة والقوات الأميركية أكثرت تركيا من التصريحات بشأن حماية التركمان، وتصاعد الموقف التركي بعد الاستفتاء. وإذا كان بارزاني يتحدث عن كركوك بحدود «كردستان العراق»، فاليوم انتهت هذه التسمية. فالاستفتاء، في ذهنه، لا بد أن يفضي إلى قيام دولة كردية، وربما تصبح كركوك عاصمتها، أو عاصمتها الثانية.

المواقف الحزبية
تتباين الأحزاب العراقية الأساسية، غير الكُردية والتركمانية، في الرأي أو الموقف تجاه كركوك. مثلاً لم يظهر للحزب الشيوعي العراقي ما يلفت النظر تجاه المنطقة، وذلك لحساسيتها في هذا الوقت بالذات. وهو تولي رئاسة لجنة البت في حل القضايا المترتبة على التغيير الطوبوغرافي في المناطق المتنازع عليه، وفق المادة (140)، ولم يحل شيء منها. أما إزاء الاستفتاء الأخير فبعدما أيده قبل حصوله، عاد ليتحدث عن تأجيله وحل المشاكل العالقة بالحوار، بهدف الإبقاء على الوحدة العراقية بشكل يُرضي الجميع. وكما يبدو فإن هذا الرأي له صلة بموقف الاتحاد الوطني الكردستاني (السليمانية)، وكان قد دخل في الاستفتاء كي لا يفقد شعبيته بين الكُرد، لأن شعار الدولة الكردية ما زال مغرياً، لكنه بعد تفاقم الأزمة أعلن حزب الاتحاد موقفه بوضوح أنه ليس مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (أربيل)، في تعقيد الوضع في كركوك، مراعياً عدم الانجرار إلى إعلان الحرب. وهذا ما جاء أيضاً على لسان بافيل نجل الرئيس السابق جلال الطالباني عبر كلمة موجهة باللغة الإنجليزية. فالأزمة بدأت حادة بإقالة البرلمان العراقي لمحافظ كركوك، ورفض مجلس محافظتها الاعتراف بهذا القرار، إذ أصدر في أواخر الشهر الماضي، رفضاً لقرار مجلس النواب. ثم صدرت قرارات من رئاسة الوزراء في بغداد منها السيطرة على المداخل الحدودية لإقليم كردستان، على أنها مواقع اتحادية. ومن قبل أوقفت حكومة بغداد منح النسبة المئوية من الميزانية العراقية لكردستان، وهي تبلغ 17 في المائة، مما سبب بخفض الرواتب في الإقليم، وتصاعد الموقف الكردي، وبان بشكل جلي باتجاه الاستفتاء بعد إقالة وزير المالي هوشيار زيباري، وكأن هذه الإقالة استهدفت الكُرد. وفي المقابل ينحو الحزب الشيوعي الكُردستاني منحى الحزب الديمقراطي الكردستاني، ودعا الأحزاب الشيوعية العربية وغيرها إلى تأييد ما يترتب على الاستفتاء الكردي من أجل دولة كردية.
أما الأحزاب الإسلامية فتنقسم إلى قسمين: السنُّية منها تقف مع تركمان كركوك ضد هيمنة كردية، حسب تصريحات الحزب الإسلامي العراقي (الإخوان المسلمين) وهو الحزب الرئيسي السنُّي ذو الطابع الديني. أما الأحزاب الشيعية الدينية، فتحاول الحفاظ على رابط أو علاقة ما مع الأحزاب الكُردية، إلا أن هذا لم يستمر وانتهى الوفاق أخيراً، علماً بأن معظم التركمان الشيعية هم في مناطق خارج كركوك، مثل تلعفر وكفري وهي مناطق قطعت من كركوك لتتبع محافظة ديالى. لكن الشد يزداد بين المركز والإقليم على أنها مربط خيل كل منهما، وتبقى كركوك عصية على الحل، مع أن الأيسر، حسب رأي عضو المكتب للحزب الديمقراطي الكردستاني السابق فلك الدين كاكائي، في مقابلة لصحيفة «المدى» البغدادية، أن يكون حل قضية كركوك العصية بإقليم قائم بذاته.
أخيراً، إن الأمر قد حُسم، في ضحى الاثنين (16 - 10 - 2017) لصالح الجيش الاتحادي مع عدم اعتراض من قِبل الاتحاد الكردستاني، وانسحبت البيشمركة بلا قتال. وبهذا تكون خطوة الاستفتاء، التي أصر عليها «الديمقراطي الكردستاني» غير محسوبة، وكأنه أراد فرض أمر واقع، بعدم التراجع عن كركوك بعد المشاركة بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية ضد داعش.
كان التصور الخطأ أن قيام الدولة الكردية صار قاب قوسين أو أدنى، وأنها فرصة منحها الزمن، وهذا في السياسة الراهنة وظروف المنطقة كان بعيداً عن المنطق. لقد أضافت هذه التجربة أن المحافظة على ما حصل عليه أكراد العراق، قياساً بدول المنطقة الأخرى، لا يجب أن يُضحى به بهذه السهولة، وأن ما يحصل عليه الإقليم من نسبة إيرادات النفط، من العراق ككل، أكبر بكثير مما تبقى من النفط في آبار كركوك، بعد إعلان موت، مثلما تقدم، أقدم بئر بابا كُركُر.



حضرموت تؤكد أولوية الأمن والخدمات والشراكة مع القبائل

الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)
الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)
TT

حضرموت تؤكد أولوية الأمن والخدمات والشراكة مع القبائل

الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)
الخنبشي يقود جهوداً حثيثة لتطبيع الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت (سبأ)

شهدت مدينة المكلا سلسلة لقاءات موسعة عقدها عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، ووكيل أول المحافظة، عمرو بن حبريش، خُصصت لمناقشة مجمل الأوضاع الخدمية والأمنية والتنموية في المديريات الصحراوية والساحلية، والتأكيد على أهمية توحيد الجهود الرسمية والقبلية والمؤسسية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وترسيخ مسار التنمية المستدامة في المحافظة.

ووفق الإعلام الرسمي، فقد ناقش الخنبشي في مكتبه بمدينة المكلا، مع مشايخ قبائل المناهيل، أوضاع المديريات الصحراوية والتحديات الخدمية والأمنية التي تواجهها، وسبل معالجتها بما يحقق الاستقرار ويلبي احتياجات المواطنين.

وأكد الخنبشي، بحضور مديرَي مديريتَيْ رماه وثمود، أن قيادة السلطة المحلية تولي المديريات الصحراوية أولوية خاصة، وبدعم من السعودية، مشدداً على الاستعداد لتعزيز خدمات الكهرباء والتعليم والمياه، إلى جانب تطوير البنية التحتية، وتقوية الجوانب العسكرية والأمنية، بما يسهم في حماية المصالح العامة وترسيخ الأمن والاستقرار.

ونقلت المصادر الرسمية أن مشايخ قبائل المناهيل عبروا عن تقديرهم اهتمام محافظ حضرموت وحرصه على الاستماع لمطالب أبناء المديريات الصحراوية، مؤكدين وقوفهم إلى جانب السلطة المحلية ودعمهم كل الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار وخدمة أبناء المحافظة.

تكثيف الجهود

وفي سياق متصل، اطّلع الخنبشي على أوضاع عدد من المديريات والمكاتب التنفيذية بساحل حضرموت، شملت مديريتَيْ مدينة المكلا والعبر، ومكتبَيْ الأشغال العامة والطرق، والخدمة المدنية والتأمينات، حيث استمع من القيادات المحلية والتنفيذية إلى شرح مفصل بشأن مستوى الخدمات الأساسية، والمشروعات المنفذة وتلك المخطط لتنفيذها خلال الفترة المقبلة، إضافة إلى أبرز التحديات التي تواجه سير العمل.

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي بتكثيف الجهود وتعزيز التنسيق بين المكاتب التنفيذية، وتحديد الأولويات الخدمية وفق الإمكانات المتاحة، مع الإسراع في استكمال المشروعات الحيوية، والالتزام بمعايير الجودة والشفافية، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المديريات.

جانب من اللقاءات التي يعقدها عضو مجلس القيادة اليمني سالم الخنبشي في المكلا (سبأ)

كما ناقش محافظ حضرموت مع المدير التنفيذي لـ«مؤسسة صلة للتنمية»، علي باشماخ، مجمل مشروعات وبرامج المؤسسة المنفذة وتلك المزمع تنفيذها في عدد من القطاعات التنموية والخدمية بالمحافظة، مؤكداً أهمية تكامل الجهود بين السلطة المحلية والمؤسسات التنموية لتحقيق أثر تنموي مستدام، وتوجيه المشروعات وفق أولويات واحتياجات المديريات. وفي ختام اللقاء، تسلّم المحافظ درعاً تقديريةً من «مؤسسة صلة للتنمية»؛ لجهوده ودعمه المتواصل أنشطة وبرامج المؤسسة.

الأداء الأمني

واطّلع وكيل أول محافظة حضرموت، عمرو بن حبريش، على مستوى الأوضاع الأمنية بساحل حضرموت، مستمعاً من المدير العام لأمن الساحل، العميد عبد العزيز الجابري، إلى تقرير عن مستوى الأداء الأمني والمهام الميدانية المنفذة لتعزيز الأمن والاستقرار.

وأورد الإعلام الرسمي أن بن حبريش أكد على «أهمية إيلاء الملف الأمني اهتماماً مضاعفاً، بصفته الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية»، مشيداً بدور القبائل في تعزيز النسيج الاجتماعي ووحدة الصف.

بن حبريش شدد على إيلاء الملف الأمني أهمية مضاعفة (إكس)

وأكد بن حبريش، خلال لقائه عدداً من مشايخ ووجهاء قبائل العوابثة والمناهيل، «أهمية المرحلة الراهنة وما تتطلبه من توحيد الجهود القبلية والشعبية، وتغليب لغة الحوار، بما يخدم حضرموت ويحافظ على أمنها واستقرارها»، وهو ما أكده المشايخ والوجهاء بتجديد دعمهم قيادة السلطة المحلية وحرصهم على تحقيق المصلحة العامة.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يقيّدون الإنترنت في معقلهم الرئيسي بصعدة

مسلّح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بأحد أحياء صنعاء (إ.ب.أ)
مسلّح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بأحد أحياء صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يقيّدون الإنترنت في معقلهم الرئيسي بصعدة

مسلّح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بأحد أحياء صنعاء (إ.ب.أ)
مسلّح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بأحد أحياء صنعاء (إ.ب.أ)

بينما تُواصل الجماعة الحوثية تصعيد إجراءاتها ضد القطاع المصرفي في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر حجب التطبيقات البنكية الرقمية منذ أيام، شكا سكان محليون في محافظة صعدة، المَعقل الرئيسي للجماعة، من استمرار قطع خدمة الإنترنت عبر تقنية الجيل الرابع «4G» عن مناطق واسعة في المحافظة، ما فاقم معاناة السكان وأثّر سلباً على مختلف مناحي الحياة.

وندّد سكان في صعدة بمواصلة قطع الحوثيين المُتعمد لخدمة الإنترنت من الجيل الرابع عن عدد من المديريات، من بينها مديرية حرف سفيان المجاورة والتابعة لمحافظة عمران، ورأوا أن هذا الإجراء يفتقر إلى أي مبررات منطقية أو فنية، ويضاعف الأعباء اليومية التي يتحملها السكان في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.

وأوضح عدد منهم، لـ«الشرق الأوسط»، أن خدمة «فور جي» متاحة في محافظات أخرى خاضعة لسيطرة «الجماعة»، مثل صنعاء وذمار وإب، في حين تُحرَم منها صعدة، دون توضيح رسمي، مما يثير تساؤلات واسعة حول دوافع هذا الاستهداف وانعكاساته على الحياة العامة.

مقر شركة «تليمن» المزوّد الرئيسي لخدمة الاتصالات الخاضع للحوثيين (إكس)

وأكدوا أن غياب الخدمة تسبّب في شلل واضح بقطاعات التجارة والتواصل والتعليم، وزاد من عزلة المحافظة عن بقية المناطق.

وأكدت مصادر مطّلعة في صعدة أن استمرار قطع خدمة الإنترنت الحديثة عن المحافظة يُمثل شكلاً من أشكال العزل الرقمي المُتعمّد يهدف إلى تضييق دائرة الوصول إلى المعلومات والتحكم في تدفقها. وأشارت المصادر إلى أن غياب الشفافية وعدم صدور أي توضيح رسمي من سُلطة الجماعة يعززان الشكوك بوجود دوافع سياسية وأمنية وراء هذا القرار.

عزل رقمي

واستغرب ناشطون يمنيون من إصدار الحوثيين قرارات غير مُعلَنة تقضي بحرمان مناطق مثل بني عوير وآل عمار وغيرها من خدمة «فور جي» بحجة ضعف التغطية، مؤكدين أن هذه المناطق لا تضم مواقع عسكرية، ولا تمثل أي تهديد أمني.

وقال الناشط قائد فلحان، في منشور عبر «فيسبوك»، إن استمرار غياب الخدمة يؤكد أن المسألة لا تتعلق بالاعتبارات الأمنية، كما يُروَّج، بل بحسابات ضيقة تُلحق ضرراً مباشراً بالمواطنين. وطالب بإعادة الخدمة فوراً، ووضع حد لحالة البطء الشديد التي تعاني منها خدمات الاتصالات والإنترنت، داعياً «الجماعة» إلى تقديم تفسير واضح لتعنُّتها في منع الخدمة عن صعدة والمديريات المجاورة.

مبنى وزارة الاتصالات الخاضعة للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

من جهته، قال مُسفر، وهو مالك محل تجاري بمدينة صعدة: «نُجبَر على العمل بإنترنت ضعيف لا يفي بأبسط الاحتياجات، بينما يعمل التجار في محافظات أخرى بخدمة (فور جي) شبه طبيعية». وأضاف أن عدداً من أصحاب الأنشطة التجارية اضطروا لتقليص أو إيقاف تعاملاتهم الإلكترونية كلياً بسبب رداءة الشبكة، ما تسبَّب في خسائر مالية متزايدة.

وسبَق للحوثيين أن أَقدموا، في فترات سابقة، على قَطع خدمة الإنترنت عن مناطق عدة في صعدة، تارةً بذريعة ما يُسمى «محاربة الرذيلة»، وتارة أخرى بحجة منع رصد تحركات قياداتهم من قِبل الطيران الأميركي أو الإسرائيلي، بعد انتقال عدد من قادتهم إلى مناطق جبلية ومخابئ سرية داخل المحافظة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار حرمان صعدة من خدمات الاتصالات الحديثة سيؤدي إلى تفاقم التراجع الاقتصادي الذي تشهده المحافظة، ويُكرس واقع العزلة والتهميش، في وقت أصبحت فيه خدمات الإنترنت ركيزة أساسية للحياة اليومية والتعليم والتجارة.

التطبيقات المصرفية

ويتزامن التضييق على الإنترنت في صعدة مع مواصلة الحوثيين استهدافهم البنوك عبر حجب تطبيقاتها الرقمية، وسط شكاوى متزايدة من مواطنين يواجهون صعوبة في الوصول إلى حساباتهم البنكية والمحافظ المالية الإلكترونية.

وتتهم مصادر مصرفية الجماعة بفرض قيود تقنية عبر شبكة «يمن نت»، المزود الرئيسي للإنترنت بمناطق سيطرتها، ما عرقل قدرة المستخدمين على الاستفادة من خدمات «الموبايل بانكنج».

الحوثيون مستمرون منذ الانقلاب في استغلال قطاع الاتصالات اليمني (فيسبوك)

وأعلنت «جمعية البنوك اليمنية» تلقّيها شكاوى عدة من عملاء واجهوا صعوبات في الوصول إلى حساباتهم البنكية عند استخدام شبكة «يمن نت»، محذّرة من خطورة استخدام خدمات الاتصالات أداة للضغط على القطاع المصرفي.

وطالبت الجمعية الجهات المسيطرة على قطاع الاتصالات في صنعاء بوقف أي إجراءات تعوق وصول المواطنين إلى التطبيقات البنكية، مؤكدة أنها قد تلجأ إلى خطوات تصعيدية في حال استمرار هذه القيود.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


عدن: تحويل أبرز موقع عسكري ومخزن سلاح إلى منتجع ترفيهي

«جبل حديد» ارتبط بالصراعات التي شهدتها مدينة عدن (إعلام محلي)
«جبل حديد» ارتبط بالصراعات التي شهدتها مدينة عدن (إعلام محلي)
TT

عدن: تحويل أبرز موقع عسكري ومخزن سلاح إلى منتجع ترفيهي

«جبل حديد» ارتبط بالصراعات التي شهدتها مدينة عدن (إعلام محلي)
«جبل حديد» ارتبط بالصراعات التي شهدتها مدينة عدن (إعلام محلي)

ارتبط «جبل حديد» بالصراعات التي شهدتها مدينة عدن خلال فترات زمنية مختلفة، ليصبح أحد أكثر المواقع العسكرية إثارة للجدل في ذاكرة المدينة وسكانها، قبل أن يعود اليوم إلى الواجهة مجدداً، لكن هذه المرة بوصفه أحد رموز التحول المرتقب من الطابع العسكري إلى الطابع المدني، ضمن رؤية يقودها تحالف دعم الشرعية لإعادة تشكيل ملامح العاصمة اليمنية المؤقتة.

وخلال لقاء تعارفي عُقد في مقر قيادة «التحالف» بعدن، بحضور عدد من الصحافيين، رسم مستشار قائد القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن فلاح الشهراني، ملامح مرحلة جديدة للمدينة، تقوم على استكمال عملية إخراج المعسكرات والمواقع العسكرية من داخل النطاق الحضري، وتحويلها منشآت مدنية تخضع لإدارة السلطة المحلية، وفي مقدمها موقع «جبل حديد» الذي يعدّ من أهم مخازن الأسلحة والمواقع العسكرية في عدن.

مستشار قائد تحالف دعم الشرعية في اليمن مع محافظ عدن (إعلام حكومي)

وأوضح اللواء الشهراني أن تنفيذ هذه الرؤية سيتم وفق خطة زمنية محددة تمر بثلاث مراحل، وبالتنسيق مع قيادة السلطة المحلية والقادة العسكريين، مشيراً إلى أنه سيتم الإعلان عن جهاز أمني محلي يتولى مسؤولية تأمين المدينة، على أن يحصل على آليات ومعدات خاصة تعكس الطابع المدني والحضاري للعاصمة المؤقتة، بعيداً عن المظاهر العسكرية التقليدية.

ذاكرة الصراع والتحولات

ويعدّ «جبل حديد»، الذي يتوسط مديريات خور مكسر وصيرة والمعلا، واحداً من أبرز المواقع العسكرية التي ورثتها الدولة اليمنية عن الاستعمار البريطاني، ولعب دوراً محورياً في حسم الصراعات التي شهدتها المدينة خلال مراحل زمنية مختلفة، كان آخرها سيطرة قوات المجلس الانتقالي المنحل عليه وطرد القوات الحكومية في عام 2019.

ولم يكن هذا الموقع مجرد منشأة عسكرية، بل شكّل شاهداً على مراحل قاسية من تاريخ المدينة، حيث ارتبط في ذاكرة السكان بالمآسي والأحداث الدامية. فقد شهد انفجارات ضخمة لمخازن الأسلحة في نهاية تسعينات القرن الماضي، كما لقي العشرات مصرعهم أثناء محاولتهم نهب تلك المخازن عقب اقتحام جماعة الحوثي لعدن في منتصف عام 2015؛ ما عزز المخاوف الشعبية من بقاء مثل هذه المواقع داخل الأحياء السكنية.

وأكد اللواء الشهراني خلال اللقاء أن السلاح الثقيل لن يبقى داخل مدينة عدن، وأن جميع القادة العسكريين أبدوا تفهماً كاملاً لهذا التوجه، وسيعملون على تنفيذ عملية إخراج المعسكرات من المدينة.

كما شدد على اهتمام قيادة السعودية بتنمية المحافظات المحررة، ومعالجة القضية الجنوبية بشكل عادل، وفق مخرجات الحوار الجنوبي الذي تستضيفه الرياض.

خطوات متزامنة

وفي سياق متصل، ناقش لقاء عسكري آخر عُقد برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان العامة، اللواء الركن أحمد البصر، تنفيذ توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، ومحافظ محافظة عدن عبد الرحمن شيخ، بشأن تسريع الإجراءات الرامية إلى تعزيز الأمن في المدينة.

وحسب رئاسة هيئة الأركان اليمنية، استعرض اللقاء آليات تأمين مدينة عدن من خلال تعزيز انتشار القوات الأمنية وفروع الشرطة العسكرية، وبإشراف ومراقبة قوات «درع الوطن» و«قوات العمالقة»، بما يضمن ترسيخ الأمن والاستقرار والحفاظ على الطابع المدني للمدينة. كما جرى بحث خطة إخراج الوحدات العسكرية الأخرى إلى معسكرات خارج نطاق المدينة، وإعادة تنظيمها وتأهيلها وتدريبها، بما يضمن جاهزيتها لتنفيذ أي مهام تصدر عن القيادة العليا.

تهيئة عدن وتعزيز أمنها وتحقيق الاستقرار في الخدمات (إعلام حكومي)

وشدد المشاركون في اللقاء، الذي حضره قادة التشكيلات العسكرية في عدن ورئيس هيئة العمليات المشتركة بوزارة الدفاع اللواء الركن صالح حسن، على أهمية توحيد الجهود وتعزيز التنسيق المشترك بين مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية؛ لضمان تنفيذ عملية النقل بصورة منظمة وسلسة، وبما يحافظ على الجاهزية العسكرية، ويحقق المصلحة العامة دون الإخلال بالمهام الأمنية والدفاعية.

ورأى المجتمعون أن إخراج المعسكرات يمثل خطوة أساسية لتحسين الأوضاع الأمنية والخدمية، وتهيئة بيئة مناسبة للحياة المدنية، والتنمية المستدامة، وتحويل عدن من مدينة مثقلة بتركة الصراع إلى مدينة مستقرة قادرة على استعادة دورها الاقتصادي والسياحي والتجاري في المنطقة.