أنقرة تحمِّل إدارة بارزاني «مسؤولية الدم» في شمال العراق

TT

أنقرة تحمِّل إدارة بارزاني «مسؤولية الدم» في شمال العراق

حمَّلت أنقرة إدارة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني المسؤولية عن حالة الفوضى التي يشهدها شمال العراق، وعن «أي نقطة دم» تسيل هناك، وجددت تأييدها للخطوات التي تقوم بها حكومة بغداد رداً على استفتاء استقلال كردستان الذي أجري في 25 سبتمبر (أيلول) الماضي.
ووجَّه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان انتقادات حادة إلى بارزاني، فيما يتعلق بمحافظة كركوك العراقية. وقال في خطاب أمام عُمد القرى والأحياء التركية (المخاتير) في القصر الرئاسي بالعاصمة أنقرة أمس: «بأي حق تقول (بارزاني) إن كركوك لك؟ ما عملك هناك؟»، مضيفاً أن التاريخ يؤكد عكس ما يدعيه رئيس إقليم كردستان العراق.
وحمَّل إردوغان بارزاني المسؤولية عن العقوبات والمشكلات التي يتعرض لها سكان الإقليم، وقال: «بالأمس كنا ننظر إلى إقليم شمال العراق نظرة ملؤها المحبة، واليوم نُغلق حدودنا معه. على إدارة الإقليم أن تُجيب عن سبب ذلك؛ لأنها هي من أوصلت المسألة إلى هذه النقطة». كما حمَّله مسؤولية «كل نقطة دم تسيل» في العراق «نتيجة ما فعلته في كركوك».
ولفت الرئيس التركي إلى أن بلاده تواجه محاولات محاصرتها من قبل المنظمات الإرهابية، مشدداً على أنه لا توجد لتركيا أدنى مشكلة مع المواطنين الأكراد في سوريا والعراق. وقال إن حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي» في سوريا «منظمة إرهابية تستغل أشقاءنا الأكراد في المنطقة»، مضيفاً أن هذا الحزب «رديف لحزب العمال الكردستاني (المصنّف إرهابياً في تركيا)... إن طرقنا ستفترق عن الإخوة الأكراد الذين يدافعون عن هاتين المنظمتين الإرهابيتين»، في إشارة إلى الحزبين الكرديين («الاتحاد الديمقراطي» في سوريا و«العمال الكردستاني» في تركيا).
وأعلن في أنقرة أمس أن النائب الأول للرئيس الإيراني إسحاق جيهانغيري سيبدأ، اليوم الخميس، زيارة لتركيا تأتي بعد أسبوعين من زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لطهران.
وقالت مصادر في رئاسة مجلس الوزراء التركي، إن جيهانغيري سيلتقي رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم خلال الزيارة، لافتة إلى أن المباحثات ستركز على الأوضاع في شمال العراق، لا سيما عقب الاستفتاء في كردستان، والخطوات التي تقوم بها حكومة بغداد رداً على هذه الخطوة التي شملت السيطرة على كركوك ومناطق أخرى، والإجراءات التي اتخذتها أيضاً إيران وتركيا في هذا الصدد.
وتابعت بأن المباحثات ستتناول أيضاً التطورات الأخيرة في سوريا، وبدء نشر المراقبين الأتراك في إدلب، في إطار اتفاق مناطق خفض التصعيد الذي تم التوصل إليه بضمانات من روسيا وتركيا وإيران، والعلاقات بين البلدين.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن حكومة إقليم كردستان رفضت الاستماع إلى النصائح التركية قبل بدء الاستفتاء حول الاستقلال. وقال في مؤتمر صحافي مع نظيره البرتغالي أغوستو سانتوس سيلفا، عقب مباحثاتهما في أنقرة أمس: «إن حكومة إقليم كردستان أجرت حساباً خاطئاً ولم تستمع إلى نصيحتنا. قلنا لهم إنه قد تكون هناك مشكلات مثل تلك التي يواجهونها الآن». وأضاف أن بارزاني اعتقد أنه سيوحِّد الأكراد؛ لكن ما حدث هو العكس، إذ أدى الاستفتاء إلى «تقسيم الأكراد» في العراق، مشيراً إلى أن الاستفتاء أدى أيضاً إلى «فوضى كبيرة» في المنطقة.
في السياق ذاته، جدد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم دعم تركيا للخطوات التي أقدمت عليها الحكومة المركزية في العراق تجاه إقليم كردستان.
وأضاف في كلمة أمام منتدى إعلامي في إسطنبول، أمس، أن بلاده تولي اهتماماً كبيراً لوحدة الأراضي العراقية، وأن موقف أنقرة تجاه ما يدور في هذا البلد «واضح وصريح منذ البداية». وكرر أن تركيا تتطلع إلى إبداء الحكومة العراقية الحساسية اللازمة حيال «إعادة تأسيس البنية الديموغرافية لمدينة كركوك، بشكل يتماشى مع العمق التاريخي لها»، في إشارة إلى أن الأتراك يعتبرون أن التركمان هم من يشكلون الغالبية في هذه المحافظة العراقية المتنازع عليها. ولفت يلدريم إلى أن كركوك «تعرضت للتغيير من خلال استخدام العنف وسياسة الأمر الواقع».
وأشار إلى أن تركيا أقدمت من جانبها على «خطوات مهمة» مثل إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات القادمة إلى إقليم كردستان العراق والمغادرة منه أيضاً، مضيفاً أن أنقرة بدأت في عملية تسليم إدارة المعابر الحدودية إلى الحكومة المركزية العراقية.
في سياق متصل، قال السفير العراقي لدى تركيا هشام علي الأكبر العلوي، إن مئات من مقاتلي «حزب العمال الكردستاني» المحظور نشطوا في كركوك؛ لكن الحكومة المركزية «عازمة على تطهير الأراضي العراقية من المجموعات الأجنبية». وأضاف في مقابلة مع صحيفة «حريت» التركية أمس: «من الواضح أن هذا يشكل مصدر قلق لنا وللسكان المحليين. وحكومتنا حريصة على التأكد من أن قوات الأمن العراقية تسيطر وتمارس سلطتها على كامل المحافظة. نحن لا نريد أي قوات أجنبية، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني، في كركوك أو في أي مكان آخر».
وقال السفير إن القوات الحكومية العراقية تم نشرها في كركوك رداً على استفتاء إقليم كردستان، و«من واجب الحكومة حماية جميع مواطنيها». وزاد أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية سيطرت قوات «البيشمركة المحلية على حقول النفط في كركوك. وهذا أمر غير دستوري. وهناك افتقار للشفافية حول العائدات».
وشدد العلوي على أن ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية لم يكن لها سوى «دور محدود» في عملية كركوك، مضيفاً أن قوات الحكومة المركزية للجيش العراقي والشرطة الاتحادية ووحدات مكافحة الإرهاب، استخدمت للسيطرة على المؤسسات الرئيسية وحقول النفط، وهي موجودة فقط في «محيط كركوك».
ونفى ادعاءات بأن الجنرال الإيراني قاسم سليماني كان مسؤولاً عن «الحشد الشعبي» في عملية الإطاحة بـ«البيشمركة» في كركوك، قائلاً: «جميع قوات الأمن، بما فيها الحشد الشعبي، تخضع لسيطرة رئيس الوزراء العراقي (حيدر العبادي) الذي هو القائد العام. ليس لدينا أي وحدات تحت سيطرة إيران أو سليماني».
وفيما يتعلق بإرجاء الزيارة التي كان مقرراً أن يقوم بها رئيس الوزراء التركي إلى بغداد الأحد الماضي، قال العلوي إنه تم تأجيلها في اللحظات الأخيرة، وإنه علم يوم السبت بأن الزيارة لن تتم، «وعندما اتصلت بالمسؤولين الأتراك، اقترحت أنقرة أن يقوم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بزيارة تركيا، بينما كان بدوره في زيارة رسمية أخرى».
ولفت إلى أنه إذا لم تتمكن الحكومة العراقية من السيطرة على بوابة خابور الحدودية مع تركيا، والتي كانت خاضعة سيطرة إدارة بارزاني، فإنه يتعين إغلاقها، كما يتعين تفعيل طريق آخر بديل من تركيا إلى العراق.
وبالنسبة إلى تصدير النفط من كردستان، قال السفير العراقي: «طلبنا من أنقرة وقف التعامل مع حكومة إقليم كردستان عندما يتعلق الأمر بتصدير النفط. نحن لا نطلب من السلطات التركية وقف صادرات النفط. نحن ببساطة نطالب بالإشراف الكامل والشفاف للحكومة المركزية العراقية على الصادرات، بما يتماشى مع الدستور العراقي، ولإدخال الإيرادات في حساب الميزانية الوطنية بدلاً من الحسابات الشخصية المجهولة التي يسيطر عليها مسعود بارزاني وفريقه»، مضيفاً أن بغداد تقترح زيادة قدرة خط أنابيب كركوك - جيهان النفطي، بعد إصلاح الأضرار الحالية.



إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.