الكرات الرأسية تعرّض لاعبي كرة القدم لتلف في الدماغ

الاتحاد الإنجليزي تجاهل القيام بدراسة ظاهرة أدت إلى إصابة الكثيرين ووفاة لاعب

TT

الكرات الرأسية تعرّض لاعبي كرة القدم لتلف في الدماغ

في الأوقات السعيدة، كانت هناك قصة اعتاد المدير الفني الإنجليزي إريك هاريسون - الذي ساعد في إصدار كتاب «ذا كلاس أوف 92»، عام 2013، والذي كان يركز على مسيرة ستة لاعبين بارزين في مانشستر يونايتد، وهم ديفيد بيكام، ونيكي بات، وريان غيغز، وغاري نيفيل، وفيل نيفيل وبول سكولز، ويروي تفاصيل عن حياتهم الكروية في مانشستر يونايتد والتي بدأت عام 1992 - أن يرويها للاعبيه في نادي مانشستر يونايتد، عن مجموعة من النصائح التي تلقاها ذات يوم من مدافع يعتبره أكثر لاعب صلب رآه في عالم كرة القدم.
وسوف يتذكر الجميع دائما جورج كورتيس على أنه الشريك في التدريب لجون سيليت في اليوم الذي حصل فيه نادي كوفنتري سيتي على لقب كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1987، لكن بالنسبة لجيل هاريسون في خمسينات وستينات القرن الماضي، ينظر إليه على أنه المدافع الصلب القادر على أن يسبب المتاعب لأمهر وأقوى اللاعبين في الفرق المنافسة. وقد لعب معه هاريسون أثناء الخدمة الوطنية وكان منبهرا للغاية، وهو يرى رجلا لا يتجاوز طوله خمسة أقدام و11 بوصة وهو يفوز بصراع الألعاب الهوائية ضد لاعبين يتجاوز طولهم ستة أقدام.
يقول كورتيس: «لا توجد مشكلة. في بداية المباراة، عندما تأتي أول كرة بيني وبين لاعب الفريق المنافس، لا أضرب الكرة، لكن أضرب الجزء الخلفي من رأس مهاجم الفريق المنافس؛ ولذا فإنه لا يعود مرة أخرى إلى منافستي في الألعاب الهوائية للحصول على الكرة».أعجب هاريسون كثيرا بما سمعه من كورتيس وقرر أن يسير على الضرب نفسه، لدرجة أنه كان يلقب بـ«الساطور» خلال عشر سنوات لعب خلالها جناحا في نادي هاليفاكس تاون. وكان هاريسون، حسب اعترافه هو شخصيا، يرى كل ضربة رأس على أنها تحد شخصي، بغض النظر عن أي شيء أخر.
ومع ذلك، كان لذلك عواقب وخيمة على اللاعب بكل تأكيد، فقد أخبرتني زوجته، شيرلي، عن قصة حدثت في الآونة الأخيرة تتعلق بحملها الأول ووضع ابنتهما، كيم، حيث كان هاريسون في المستشفى نفسه في ذلك اليوم، ويعاني من ارتجاج في المخ، ولم يحضر لحظة ولادة ابنته. وفي هذه المرة، فقد هاريسون توازنه بالكامل لمدة ثلاثة أيام. وقد وصل هاريسون الآن إلى عامه التاسع والسبعين، لكن لم يكن من السهل على أي لاعب من اللاعبين الذين تدربوا تحت قيادته في مانشستر يونايتد أن يروه الآن. تقول زوجته شيرلي: «لا يزال إريك يتحدث عن هؤلاء اللاعبين – غيغز وبيكام وسكولز والأخوين نيفيل – لكن لا يمكنه التعرف عليهم. لا يمكنه التعرف إلا علي أنا وعلى بناته، ولا يمكنه التعرف حتى على أحفاده. جميع اللاعبين يأتون لزيارته، لكنهم لا يرون إريك الذي عرفوه من قبل. كان الأمر صعبا للغاية عليهم، ولا سيما على سكولز، وكانوا جميعا يشعرون بالحزن الشديد عندما يرونه. لقد جاء بيكام لزيارته ومعه كعكة جزر صنعها بنفسه مع أولاده وزجاجة من النبيذ، لكن عندما رآه عاد ليجلس في سيارته ويبكي».
ومن المحتمل أن تقرأ الآن عن صحة هاريسون المتدهورة والمخاوف الحتمية من أن يعاني مما وصفه الطبيب الشرعي في التحقيق في وفاة أسطورة نادي ويست بروميتش ألبيون جيف أستل بأنه «مرض صناعي»، أي الخرف الناتج من ركل الكرة بالرأس. في الحقيقة، لا يمكن لأحد أن يؤكد وجود علاقة بين ما حدث لهاريسون وبين الكرات الهوائية التي كان يلعبها، لكن، كما تقول شيرلي، يجب أن تأخذ وهي والعائلة هذا الشيء في الاعتبار بالنظر إلى الكثير من القصص التي تروى عما حدث للكثير من اللاعبين المحترفين في فترات سابقة - وعلى وجه الخصوص اللاعبون الذين كانوا مشهورين بتفوقهم في ألعاب الهواء والكرات الرأسية، والذين عانوا من أمراض مماثلة.
وقد قادت عائلة أستل حملة قوية لإجراء المزيد من الأبحاث في هذا الصدد، وبدأت هذه الحملة للمرة الأولى في هذا العمود في «الغارديان» في مارس (آذار) 2014، وربما وصلنا أخيرا إلى النقطة التي أعلن فيها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ورابطة لاعبي كرة القدم المحترفين عزمهما إجراء دراسة لفحص المخاطر الناجمة عن ركل الكرة بالرأس، ونرى ما يمكن أن يحدث بعد ذلك. ومع ذلك، كانت هذه العملية تسير ببطء شديد، حيث أعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ورابطة لاعبي كرة القدم المحترفين في عام 2002 أنهما سيجريان برنامجا بحثيا مشتركا لمدة عشر سنوات؛ ولذا فأنا أتساءل كيف يشعر كيفن دويل الآن بعدما اضطر إلى اعتزال كرة القدم بناءً على نصائح طبية لأن ركل الكرة بالرأس يسبب له صداعا مستمرا!
وجاء إعلان دويل عن اعتزاله بعد ما وصفه بمعاناته من ارتجاجات «كثيرة»، بما في ذلك معاناته من الارتجاج مرتين هذا الموسم، بعدما كان لاعبا معروفا بتفوقه في الألعاب الهوائية وتسجيله للنسبة الأكبر من الأهداف برأسه عندما كان يلعب مع ريدنغ وولفرهامبتون واندررز وكولورادو رابيدز. يقول دويل، البالغ من العمر 34 عاما والذي خاض 64 مباراة دولية مع منتخب جمهورية آيرلندا، إن الأطباء نصحوه باعتزال كرة القدم «لتفادي احتمال أن تصبح هذه الأعراض دائمة وأكثر خطورة». وببساطة، ستكون المخاطر كبيرة للغاية.
ولكن على الأقل قرر دويل أن يتوقف عن كرة القدم الآن بدلا من أن يعرض نفسه لمزيد من «العقاب»، إن جاز التعبير، على أمل ألا يعاني من مشاكل أخرى في المستقبل، بينما كان في الماضي يتم تشجيع اللاعبين في مثل هذه الحالات على الاستمرار في اللعب بغض النظر عن العواقب. ومع ذلك، فإنه دائما ما يكون من الصعب للغاية أن تنصح رياضيا محترفا بالتوقف عن ممارسة الرياضة لأسباب طبية، وبخاصة في حالة دويل عندما يعتقد كثيرون منا أنه لا يوجد ما يدعو للقلق من تسديد الكرة بالرأس في كرة القدم الآن.
قد يكون من السهل أن نفترض ذلك، وأود أن أعترف بأنني كنت من أولئك الذين ظنوا أن مخاطر ركل الكرة بالرأس قد زالت إلى حد كبير بمجرد عدم الاعتماد على الكرات الجلدية الثقيلة، التي غالبا ما تكون مشبعة بالماء، والتي كان ينظر إليها على أنها السبب في المشاكل الطبية المتعلقة بركل الكرة بالرأس في الأجيال السابقة. ومع ذلك، قد يكون هذا خطأ شائعا لأنك لو استمعت إلى بعض الخبراء الذين كانوا يدرسون هذه الحالات فستعرف أن هذا الأمر غير صحيح تماما.
ربما أصبحت الكرات أخف وزنا في هذه الأيام، لكن هذا يعني أنها تسير أسرع بكثير. وقد أصبحت اللعبة نفسها أسرع من ذي قبل، وهو ما يعني وجود عدد أكبر من الكرات العرضية وعدد أكبر من ضربات الرأس. قد لا يكون هناك القوة البدنية نفسها مقارنة بالأيام السابقة، على حد تعبير هاريسون، عندما قال: إن «محاولة كسر لاعبي الفريق المنافس إلى نصفين» كانت جزءا من مهام اللاعب في المباريات في السابق. لكن السرعة الكبيرة تعني أيضا أن هناك خطرا أكبر لتلقي اللاعبين لضربات قوية أو عنيفة في الرأس.
وقال ويلي ستيوارت، عالم الأعصاب الذي فحص أستل وشبه ما وجد بدماغ ملاكم قديم، إنه «لتوصيف كسول» أن تفكر في أنها مجرد مشكلة من الماضي. ومع ذلك، فإن كثيرين ما زالوا يفعلون ذلك، وربما يفسر هذا السبب الذي جعل السلطات في إنجلترا تقرر النظر في الاتجاه الآخر لفترة طويلة ولا تفكر في مواجهة الأمر وتحمل عناء ذلك. ومن المؤكد أن الأمر يستحق السرد مرة أخرى بعدما وعد الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أسرة أستل عام 2002 بأنه سيعطي أولوية قصوى لعلاج هذه القضية.
ولكن بدلا من ذلك، تلقت الأسرة رسالتين ولم تسمع أي شيء من الاتحاد الإنجليزي على مدى 12 عاما بعد ذلك، حتى جاء الوقت الذي أعرب فيه جريج دايك، رئيس الاتحاد الإنجليزي آنذاك، عن اعتذاره عما حدث من المسؤولين السابقين. وكانت الرسالة الأولى من محامي الاتحاد الإنجليزي ينصح الأسرة بعدم اتخاذ إجراءات قانونية. أما الرسالة الثانية فكانت عبارة عن الخطة التي كان يعتمد عليها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على مدى سنوات عدة مع ضحايا الاعتداءات الجنسية - من خلال تقديم تذاكر مجانية للمباريات الودية المقبلة للمنتخب الإنجليزي، على أن يكون الحد الأقصى المسموح به هو مقعدين فقط.
وفي الحقيقة، هناك بلدان أخرى كرست وقتا كبيرا لإجراء مثل هذه الدراسات دون أن تترك انطباعا بأنها لن تتحرك من دون ممارسة مزيد من الضغوط عليها. ووجدت إحدى الدراسات التي أجريت في نيويورك أن اللاعبين في الثلاثينات من عمرهم الذين ركلوا الكرة برأسهم لما يتراوح بين 885 و1550 مرة في السنة كان لديهم حركة مائية أقل بكثير في ثلاثة مناطق من أدمغتهم، وأن من ركلوا الكرة برأسهم أكثر من 1800 مرة يكونون أسوأ بشكل ملحوظ في اختبارات الذاكرة. وتتميز الرياضة الأميركية بأنها أسرع بكثير في التعرف على مخاطر الارتجاج. وفيما يتعلق بالاعتلال الدماغي المزمن وأمراض الدماغ الناجمة عن ضربات متكررة في الرأس، أعلنت جامعة بوسطن الأسبوع الماضي عن إحراز تقدم كبير في تشخيص المرض لدى المرضى الأحياء بدلا من التعرف عليه بعد وفاة الشخص، كما كان الحال سابقا.
وتشعر الولايات المتحدة بأنها أكثر تقدما بفارق كبير في أبحاثها وتعاملها مع الأمراض (فرضت الولايات المتحدة حظرا، منذ عام 2015 على ركل الكرة بالنسبة لمن يقل عمره عن 10 سنوات)، انطلاقا من إدراكها أن الأشخاص الذين يلعبون الرياضة لديهم الحق في معرفة المخاطر. قد لا يغير ذلك الطريقة التي يلعبون بها، أو ما يطلبه المديرون الفنيون، لكن على الأقل سيكونون مدركين مخاطر ما يقومون به.


مقالات ذات صلة

ترتيب هدافي كأس العالم عبر التاريخ: من يتربع على العرش العالمي ومن يهدد الصدارة؟

الرياضة عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

ترتيب هدافي كأس العالم عبر التاريخ: من يتربع على العرش العالمي ومن يهدد الصدارة؟

ترتيب هدافي كأس العالم عبر التاريخ، كلوزه يتصدر العرش بـ16 هدفاً، مبابي يطارد الأساطير، وسر غامض يحجب المركز التاسع من قائمة العظماء.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية لاعب الوسط النمساوي كونراد لايمر (رويترز)

بايرن ميونيخ يقترب من تجديد عقد لايمر

ذكرت تقارير أن لاعب الوسط النمساوي كونراد لايمر اقترب من تجديد عقده مع بايرن ميونيخ الألماني.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عربية المدرب الفرنسي الجوال هيرفي رينارد (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: مهمة «كوماندوز» جديدة لرينارد مع تونس

يعود المدرب الفرنسي الجوال هيرفي رينارد، الذي تم تعيينه الثلاثاء على رأس المنتخب التونسي في خضم نهائيات كأس العالم، إلى منتخب أفريقي، أرض إنجازاته الأولى.

«الشرق الأوسط» (مونتيري)
رياضة عالمية تدريبات منتخب كندا في فانكوفر (أ.ب)

المنتخب الكندي يصل فانكوفر استعداداً لمواجهة قطر وسويسرا

وصلت بعثة المنتخب الكندي لكرة القدم إلى مدينة فانكوفر استعداداً لخوض مباراتيه المقبلتين في نهائيات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)
رياضة عالمية سون هيونغ-مين في تدريبات كوريا الجنوبية بغوادالاخارا (أ.ف.ب)

لاعبو كوريا الجنوبية يقاطعون الإعلام إثر تصريحات عن خدمة سون العسكرية

امتنع لاعبو كوريا الجنوبية عن الظهور الإعلامي بكأس العالم، بعد تقارير أفادت بقيام عدد من الصحافيين بالسخرية من قضية الخدمة العسكرية لقائد الفريق سون هيونغ-مين.

«الشرق الأوسط» (غوادالاخارا )

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير
TT

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

تحتفظ ذاكرة كأس العالم بصفحات خالدة سطرها جيل من المهاجمين الأفذاذ، الذين لم تكن أهدافهم مجرد أرقام في لوحات الملاعب، بل تحولت إلى صكوك دخلوا بها تاريخ الساحرة المستديرة من أوسع أبوابه. وفي صراع «الأحذية الذهبية» عبر العقود، يظل السؤال الأزلي يتردد مع كل نسخة مونديالية: من يجلس على العرش العالمي، ومن يهدد عروش السابقين؟

ميروسلاف كلوزه (المركز الأول - 16 هدفاً)

لم يكن الألماني ميروسلاف كلوزه أكثر المهاجمين موهبة في جيله، لكنه كان الأكثر فاعلية وحسماً أمام الشباك، حيث نجح عبر مشاركته في أربع نسخ متتالية (2002-2014) في اعتلاء قمة الهرم المونديالي، متوجاً مسيرته بلقب نسخة 2014 التي شهدت تحطيمه للرقم القياسي التاريخي في معقل البرازيل بالذات، مدفوعاً بذكاء تموقعه داخل منطقة الجزاء وإتقانه الأسطوري للضربات الرأسية.

مهاجم منتخب ألمانيا السابق ميروسلاف كلوزه (د.ب.أ)

رونالدو نازاريو (المركز الثاني - 15 هدفاً)

جسد البرازيلي رونالدو مفهوم «المهاجم المتكامل» أو «الظاهرة» الذي يجمع بين السرعة الخارقة والمهارة الفائقة والإنهاء القاتل، وتمكن عبر ثلاث بطولات فعلية شارك بها من كتابة التاريخ، لا سيما في مونديال 2002 عندما قاد «السامبا» لرفع الكأس الذهبية وتوج هدافاً للبطولة، ليبقى رقمه صامداً لسنوات كرمز للرعب التهديفي الذي عانت منه أعتى دفاعات العالم.

رونالدو نازاريو (أ.ف.ب)

غيرد مولر (المركز الثالث - 14 هدفاً)

عُرف الألماني غيرد مولر بلقب «المدفعجي» وكان بمثابة الثقب الأسود داخل منطقة جزاء الخصوم، إذ تميز بقدرة خارقة على التسجيل من أشباه الفرص وبمختلف أجزاء جسده، تاركاً بصمة تاريخية لا تُمحى في نسختي 1970 و1974، حيث أحرز هدف التتويج بلقب كأس العالم الأخير في شباك هولندا، ليظل نموذجاً كلاسيكياً للمهاجم القناص الذي يطوع المساحات الضيقة لخدمة الشباك.

غيرد مولر (1945-2021) هو أسطورة كرة قدم ألماني وأحد أعظم الهدافين في التاريخ (ويكيبيديا)

ميسي وفونتين عبقرية العصر الحديث وإعجاز الخمسينيات، أسطورتان من زمنين مختلفين يتشاركان المركز الرابع برصيد 13 هدفاً.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

ليونيل ميسي (المركز الرابع مكرر - 13 هدفاً)

توج الأسطورة الأرجنتيني ليونيل ميسي مسيرته الخيالية بصعوده إلى المركز الرابع التاريخي بعد مونديال استثنائي في قطر 2022، حيث لم يكتفِ برفع الكأس الإعجازية بل سجل 7 أهداف حاسمة في تلك النسخة، ليثبت للعالم أن صانع الألعاب والعبقري الذي يتحكم في إيقاع المباريات يمكنه أيضاً أن ينافس أعتى المهاجمين الصرحاء في عقر دارهم التهديفية.

جاست فونتين نجم كرة القدم الفرنسي الراحل (ويكيبيديا)

جاست فونتين (المركز الرابع مكرر - 13 هدفاً)

حقق الفرنسي الراحل جاست فونتين إعجازاً كروياً عصياً على التكرار في تاريخ المستديرة، عندما سجل جميع أهدافه الثلاثة عشر في نسخة واحدة فقط وهي بطولة السويد 1958، ليمنح بلاده مركزاً متقدماً ويعلن عن نفسه كصاحب أعلى معدل تهديفي في بطولة منفردة، في محطة تاريخية تقف شاهداً على عبقرية هجومية سبقت عصرها بكثير.

ومن عتبة المركز الرابع الذي دخله ميسي وفونتين برصيد 13 هدفاً، تقفز الحسابات الرياضية مباشرة إلى المركز السادس لتلغي المرتبة الخامسة، حيث يلتقي الأسطورة بيليه بالفرنسي الشاب مبابي عند حاجز الـ12 هدفاً.

في المركز السادس نجد بيليه ومبابي، بين إرث «الملك» وتهديد «الفتى الذهبي»، يلتقي الماضي بالحاضر والمستقبل.

بيليه (أ.ف.ب)

بيليه (المركز السادس - 12 هدفاً)

بينما يظل بيليه «الملك» واللاعب الوحيد المتوج بثلاثة ألقاب لكأس العالم، فإن أهدافه الاثني عشر كانت بمثابة اللوحات الفنية التي صاغت أمجاد البرازيل الكروية، حيث بدأ مسيرته مراهقاً مذهلاً في 1958 وختمها بعبقرية مطلقة في 1970، مسجلاً في المباريات النهائية الكبرى ومثبتاً أن النجومية ترتبط بالحضور الحاسم في المواعيد التي تصنع التاريخ.

مبابي يحمل كأس العالم بعد فوز منتخب فرنسا عام 2018 (أ.ف.ب)

كيليان مبابي (المركز السادس - 12 هدفاً)

يمثل الفرنسي كيليان مبابي الإعصار الحديث الذي يهدد العروش المونديالية السابقة، إذ نجح في غضون نسختين فقط (2018 و2022) في الوصول إلى هدفه الثاني عشر وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، مستنداً إلى سرعته النفاثة وثلاثيته التاريخية (الهاتريك) في نهائي «لوسيل» بقطر، مما يجعله المرشح الأول في السنوات القادمة للانفراد بصدارة هذا السجل التاريخي.

ومن ضفاف المركز السادس المشترك بين بيليه ومبابي بـ12 هدفاً، يتجاوز قطار التوثيق المرتبة السابعة المحجوبة، ليحط الرحال مباشرة عند المركز الثامن الذي يتشاركه كوتشيس وكلينسمان برصيد 11 هدفاً.

تستمر قائمة العظماء بأسماء حفرت مكانتها بمداد من ذهب:

ساندور كوتشيس (المركز الثامن- 11 هدفاً)

يعد المجري ساندور كوتشيس صاحب الومضة الهجومية الأكثر رعباً في خمسينيات القرن الماضي، حيث سجل أهدافه الأحد عشر في نسخة واحدة فقط (سويسرا 1954) وخلال خمس مباريات، بفضل ارتقاءاته الخيالية التي منحت لقب «الرأس الذهبي»، ليدون أول ثنائية «هاتريك» في تاريخ البطولة قبل أن تنهي الظروف السياسية مسيرة جيله الذهبي مبكراً.

لاعب منتخب المجر السابق ساندور كوتشيس (ويكيبيديا)

يورغن كلينسمان (المركز الثامن - 11 هدفاً)

سطر الألماني يورغن كلينسمان قصة نجاح ممتدة على مدار عقد كامل في الملاعب المونديالية، نجح خلالها في توزيع أهدافه الأحد عشر على ثلاث نسخ متتالية بدأها في إيطاليا 1990 بثلاثة أهداف أسهمت في قيادة الماكينات لرفع الكأس العالمية، ثم بلغ ذروة توهجه في أميركا 1994 محرزاً خمسة أهداف من بينها مقصيته الشهيرة في شباك كوريا الجنوبية، قبل أن يختتم مشواره في فرنسا 1998 بثلاثة أهداف أخرى. وقد تميز كلينسمان بأدائه كمهاجم شامل يجمع بين السرعة والذكاء التكتيكي العالي والقدرة على حسم الهجمات من مختلف الوضعيات، فضلاً عن احتفاليته الأيقونية بالارتماء على العشب، ليظل واحداً من الرموز الخالدة التي صاغت أمجاد الهجوم الألماني في العصر الحديث.

الألماني يورغن كلينسمان (ويكيبيديا)

لغز الترتيب المحجوب... كيف ألغت حسابات «الفيفا» المركز التاسع؟

في عالم الأرقام والإحصاءات المونديالية، كثيراً ما تفرض «لعبة الكراسي الموسيقية» أحكاماً رقمية صارمة تُلغي مراكز بأكملها من لوائح الشرف، وهو تماماً ما يتجلى في هذا المنعطف من سباق الهدافين التاريخيين لكأس العالم، حيث يختفي «المركز التاسع» تماماً من المشهد. يعود السبب في هذا التواري الإحصائي إلى القواعد الدولية المعتمدة التي تقضي بأنه في حال تعادل لاعبين في مرتبة واحدة كما هو الحال مع كلينسمان وكوتشيس اللذين يتقاسمان المركز الثامن برصيد 11 هدفاً فإن المرتبة الرقمية التي تليها تُحجب تلقائياً لتكافؤ الفرص الشاغرة.

ومن هذا المنطلق الحسابي، يتجاوز قطار التاريخ محطة الرقم تسعة، ليقذف بنا مباشرة إلى «المركز العاشر»، وهو المركز الأكثر ازدحاماً وصخباً في الأرشيف المونديالي، حيث يتشارك في ثناياه ستة فرسان من أساطير اللعبة الذين اصطدمت طموحاتهم بجدار الـ10 أهداف، ليرسموا معاً لوحة كروية امتدت عبر مختلف الأجيال والمدارس الكروية.

غاري لينيكر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

النجم الإنجليزي غاري لينيكر (أ.ب)

يبرز الإنجليزي غاري لينيكر كأحد أذكى قناصي منطقة الجزاء في تاريخ الكرة البريطانية، حيث نال الحذاء الذهبي في مونديال 1986 برصيد 6 أهداف وأضاف 4 أخرى في نسخة 1990، متميزاً ببرود أعصابه أمام المرمى وسجله الأخلاقي الناصع، إذ اعتزل كرة القدم دون أن يتلقى بطاقة صفراء أو حمراء واحدة طوال مسيرته الدولية والمحلية.

توماس مولر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الألماني توماس مولر (ويكيبيديا)

أعاد الألماني توماس مولر تعريف مركز المهاجم في العصر الحديث من خلال ابتكاره لدور «صائد المساحات»، حيث فجر طاقته بخمسة أهداف في مونديال 2010 نال بها الحذاء الذهبي، ثم كرر الرقم ذاته في مونديال 2014 ليقود بلاده لمنصة التتويج، معتمداً على تحركاته الذكية الخالية من الكرة وتوقعه المثالي لأخطاء المدافعين.

غابرييل باتيستوتا (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا (ويكيبيديا)

حمل الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا لقب «باتي غول» لشدة وقوة تسديداته المدمرة التي لم ترحم حراس المرمى، ودخل التاريخ كونه اللاعب الوحيد في أرشيف كأس العالم الذي نجح في تسجيل ثلاثية (هاتريك) في نسختين متتاليتين من البطولة (1994 ضد اليونان و1998 ضد جامايكا)، مجسداً بقميص «التانغو» ذروة القوة البدنية والإنهاء الشرس.

تيو فيلو كوبيلاس (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو (ويكيبيديا)

يعتبر تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو وأحد أعظم لاعبي خط الوسط الهجومي في تاريخ أميركا الجنوبية، حيث وزع أهدافه العشرة بالتساوي بإحرازه 5 أهداف في مونديال 1970 و5 أخرى في مونديال 1978، مبهراً العالم بمهارته الفائقة في المراوغة وتنفيذه للركلات الحرة الملتفة التي سكنت شباك كبار حراس المرمى.

غرزيغورز لاتو (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الجناح السريع لمنتخب بولندا غرزيغورز لاتو (ويكيبيديا)

قاد الجناح السريع غرزيغورز لاتو منتخب بولندا إلى عصرها الذهبي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتوج هدافاً لمونديال 1974 برصيد 7 أهداف ليقود بلاده للمركز الثالث، قبل أن يعزز رصيده في نسختي 1978 و1982، مستغلاً سرعته النفاثة وانطلاقاته من الأطراف لضرب الدفاعات والتسجيل بكفاءة المهاجم الصريح.

هلموت ران (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

يحتل الألماني هلموت ران مكانة أسطورية مقدسة في الذاكرة الكروية لبلاده، فهو المدفعجي الذي سجل هدف الفوز التاريخي في نهائي مونديال 1954 ضد المجر في المباراة الشهيرة بـ«معجزة بيرن»، وتابع توهجه في مونديال 1958 برصيد 6 أهداف كاملة، ليؤكد إرثه كلاعب المواعيد الكبرى الذي يظهر عندما يحتاجه الوطن في اللحظات القاتلة.

ويبقى السؤال معلقاً فوق العشب الأخضر، هل يصمد عرش كلوزه أمام طموح مبابي الجارف، أم أن مونديال 2026 سيعيد كتابة التاريخ ويغير ملامح نادي العظماء؟


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.