تجاذبات أميركية ـ روسية حول الصواريخ متوسطة المدى

تهدد بـ«حرب باردة» واتهامات متبادلة بانتهاكات للمعاهدات الموقعة

منصات لأنظمة صواريخ «إس-300» التي استخدمت في المناورات الروسية - البيلاروسية الأخيرة (أ.ف.ب)
منصات لأنظمة صواريخ «إس-300» التي استخدمت في المناورات الروسية - البيلاروسية الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

تجاذبات أميركية ـ روسية حول الصواريخ متوسطة المدى

منصات لأنظمة صواريخ «إس-300» التي استخدمت في المناورات الروسية - البيلاروسية الأخيرة (أ.ف.ب)
منصات لأنظمة صواريخ «إس-300» التي استخدمت في المناورات الروسية - البيلاروسية الأخيرة (أ.ف.ب)

جددت الولايات المتحدة اتهاماتها لروسيا بانتهاك معاهدة الحد من الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى المبرمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عام 1987. وحذرت على لسان الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس أركان القوات الأميركية، من تدابير عسكرية تستعد واشنطن لاتخاذها بغية إجبار روسيا على الالتزام بتلك المعاهدة.
وكان دانفورد قال في كلمة أمام الكونغرس إن روسيا ما زالت تشكل «التهديد الوجودي الرئيسي للولايات المتحدة»، وشدد على ضرورة إجبار موسكو الالتزام بفقرات المعاهدة، التي تنص بما في ذلك على تدمير الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى من 500 إلى 5500 كم، وعدم إجراء تجارب عليها. وأكد أنه بحال وافق الكونغرس على بقائه في منصبه فسيعمل مع الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) كل ما بوسعه كي تلتزم روسيا بنص المعاهدة. واتهم موسكو بتحديث كل أنواع أسلحتها النووية في السنوات الأخيرة، أي الصواريخ النووية بمنصات إطلاق برية، ومنصات بحرية، من على متن السفن والغواصات، والمنصات الجوية بواسطة القاذفات الاستراتيجية. وحذر دانفورد من أن هذا الوضع سيؤدي إلى تفوق روسيا على الولايات المتحدة في المجال العسكري. وتقول الولايات المتحدة إن روسيا تجري اختبارات على صواريخ «كاليبر» المجنحة البحرية، أي المنصوبة على القطع البحرية الروسية ويتم إطلاقها من على متن تلك السفن فقط، لتصنيع نسخة برية، أي «كاليبر» يتم إطلاقها من منصات برية. وترى في هذه التجارب انتهاكاً لمعاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، لأن مدى الصاروخ الذي يدور الحديث حوله يقع ضمن المدى الذي تحظره المعاهدة، أي من 500 إلى 5500 كم. وكان مصدر من البيت الأبيض قال لوكالة رويترز في منتصف فبراير (شباط) مطلع العام الجاري إن روسيا تنتهك المعاهدة، وأشار إلى أن «المشكلة تصبح أكثر جدية»، نظراً لأن عدد الصواريخ الروسية متوسطة المدى الجاهزة للإطلاق يتزايد. وفي نهاية أبريل (نيسان) الماضي أعدت الخارجية الأميركية تقريراً أكدت فيه أن روسيا تواصل انتهاكاتها للمعاهدة، وإثر ذلك قال الأميرال هاري هارس، قائد أسطول المحيط الهادي في القوات الأميركية، إن واشنطن تنظر في إمكانية إعادة النظر في المعاهدة «لأن أحد أطرافها ينتهك شروطها دون أن يتحمل المسؤولية عن ذلك».
من جانبها ترى روسيا أن الولايات المتحدة تنتهك المعاهدة من خلال نشر منظومة الدرع الصاروخية في أوروبا. وكان سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي قال في وقت سابق إن تلك المنصات يمكن استخدامها لإطلاق صواريخ اعتراضية، مضادة للصواريخ، الأمر الذي يشكل انتهاكا للمعاهدة. وفي رده على التصريحات الأميركية الأخيرة التي جاءت على لسان جوزيف دانفورد، قال ريابكوف أول من أمس إن الولايات المتحدة لا تمتلك أدلة تثبت تلك الادعاءات، ولم ينف بصورة واضحة كما لم يؤكد تصنيع روسيا لصواريخ متوسطة وقريبة المدى، لكنه أشار إلى أن «الاتهامات ليست جديدة، وكانت تتردد طيلة السنوات الماضية سرا وعلانية»، وأضاف: «نحن وكما في كثير من المسائل في العلاقات مع الولايات المتحدة، نقف أمام تأكيدات مع محاولات لوضعنا في موقف التبرير، دون أن يقدموا أي وقائع يمكن النظر إليها كأدلة أميركية» على الاتهامات. وأكد أن «كل ما قالوه لنا عبر القنوات الدبلوماسية لا يدفع لاستنتاج بوجود أدلة لدى الأميركيين... ولا ندري من أي أسس ينطلقون في توجيه الاتهامات». وبالمقابل أكد ريابكوف أن وزارة الدفاع الروسية لديها الكثير من الاعتراضات حول كيفية التزام الولايات المتحدة بالمعاهدة المذكورة. وترى موسكو أن تجارب يجريها الأميركيون على طائرات من دون طيار تشكل انتهاكا لحظر التجارب على الصواريخ المجنحة بمنصات إطلاق أرضية.
وتشكل معاهدة الحد من الصواريخ متوسطة وقريبة المدى حجر أساس في التفاهمات التي أدت إلى تخفيف حدة التوتر بين الاتحاد السوفياتي والغرب ونهاية الحرب الباردة، وسباق التسلح خلالها بين الجانبين. ويحذر مراقبون من أن الخروج عن نص المعاهدة أو انسحاب أي من الطرفين منها سيعني تثبيت الأجواء السلبية القائمة منذ سنوات والعودة إلى التنافس بشكل يشبه مرحلة الحرب الباردة. ويتوقع أن يطفو ملف هذه المعاهدة مجددا وبصورة حادة على جدول أعمال العلاقات الأميركية - الروسية العام القادم، ذلك أن الكونغرس الأميركي، وخلال اعتماده الموازنة لعام 2018، وذلك في منتصف سبتمبر (أيلول) الجاري، منح الرئيس دونالد ترمب مهلة 15 شهرا لتقديم أدلة على عدم انتهاك روسيا للمعاهدة، وإلا فإن الكونغرس سيمنح البنتاغون الحق في تصنيع صواريخ بمدى 500 إلى 5500 كم.
وفي أحدث علامة على التوترات المتصاعدة بين البلدين نقلت وكالات أنباء روسية عن ريابكوف قوله إن موسكو سترد على الولايات المتحدة في خلاف بشأن اتفاقية تسمح للبلدين بالقيام بطلعات مراقبة جوية عسكرية فوق أراضي البلد الآخر. واتهمت الولايات المتحدة روسيا بخرق ما يسمى باتفاقية الأجواء المفتوحة التي تهدف إلى بناء الثقة بين جيشي البلدين وقالت إنها تعتزم اتخاذ تدابير انتقامية ضد موسكو. وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد ذكرت أن ذلك سيشمل الحد من الطلعات الجوية الروسية فوق الأراضي الأميركية ردا على ما وصفته بمنع موسكو طلعات المراقبة الأميركية فوق جيب كاليننجراد الروسي المدجج بالسلاح في منطقة البلطيق.
وقال ريابكوف للصحافيين «لا يساورني شك بأنه سيكون هناك رد (روسي). ولكن قبل إعلان شيء بشأن ذلك علينا تحليل الموقف مع قواتنا المسلحة وبحث كيفية الرد على الأميركيين».
ونُقل عن ريابكوف وصفه لموقف واشنطن من هذا الخلاف بأنه متحيز وقوله إن روسيا لن تذعن للضغوط الأميركية كي تقدم تنازلات. وقال دانفورد إن واشنطن ترى من الأفضل استمرار اتفاقية الأجواء المفتوحة ولكن إذا كانت روسيا تنتهكها فيجب عدم الإبقاء عليها.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.