مَن يملك الساحل؟... إيطاليا تُعيد النظر في امتيازات تأجير شواطئها

آلاف المنشآت الساحلية التي يديرها القطاع الخاص تتولى تأجير المقاعد والمظلات

لقطة للمنازل والقوارب الملونة في ميناء «مارينا كوريتشيلا» بجزيرة بروسيدا في إيطاليا (شاترستوك)
لقطة للمنازل والقوارب الملونة في ميناء «مارينا كوريتشيلا» بجزيرة بروسيدا في إيطاليا (شاترستوك)
TT

مَن يملك الساحل؟... إيطاليا تُعيد النظر في امتيازات تأجير شواطئها

لقطة للمنازل والقوارب الملونة في ميناء «مارينا كوريتشيلا» بجزيرة بروسيدا في إيطاليا (شاترستوك)
لقطة للمنازل والقوارب الملونة في ميناء «مارينا كوريتشيلا» بجزيرة بروسيدا في إيطاليا (شاترستوك)

يُعدّ أغسطس (آب) -كما جرت العادة- شهر العطلات المقدّس لدى الإيطاليين. وعادةً ما تكون شواطئ أوستيا، التابعة لبلدية روما، مكتظة في هذا الوقت من العام بالمصطافين؛ فتتلاصق الأجساد، وتتراص المقاعد الشاطئية، وتتجاور المظلات. هكذا تكون الحال كل عام عندما تشتد أشعة الشمس لأسابيع متواصلة. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث هذا العام؛ إذ عملت جرافات الهدم في «شيلينغ» (من أشهر المنشآت الشاطئية في أوستيا) وجرى هدم أكشاك دورات المياه. وباستثناء عمال الهدم، لم يكن هناك أي شخص على الشاطئ، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتُعد «شيلينغ» مثالاً جيداً على التحول في طريقة التعامل مع الشواطئ في إيطاليا. فعلى امتداد الساحل الإيطالي على البحر المتوسط، البالغ طوله 7500 كيلومتر، توجد آلاف المنشآت الشاطئية التي يديرها القطاع الخاص، وتتولى تأجير المقاعد والمظلات، وهو نهج متبع في إيطاليا منذ عقود. لكن السلطات في أوستيا وأماكن أخرى بدأت الآن التصدي لفرض رسوم مقابل السماح للناس بالوصول إلى البحر. ويرتبط ذلك بتوجيه أوروبي صدر قبل 20 عاماً، ومن المقرر أخيراً تطبيقه. غير أن الأمر لا يتعلق بذلك وحده؛ فالوصول إلى الشاطئ مجاني في إيطاليا أيضاً، من حيث المبدأ.

يذكر أنه يوجد رسمياً في إيطاليا أكثر من 7300 منشأة شاطئية، إلا أن العدد الفعلي على الأرجح يزيد على ذلك ببضعة آلاف. وتتولى إدارة هذه المنشآت في الغالب شركات عائلية. كما تشارك المافيا في إدارة بعض الأماكن. وقد جمع كثيرون ثروات من تأجير المقاعد الشاطئية والمظلات. ويبلغ متوسط إيجار مقعدين ومظلة في الموسم الحالي نحو 40 يورو يومياً. وقد تكون التكلفة أعلى بكثير في بعض المناطق مثل توسكانا.

ومع ذلك، فإن الساحل في إيطاليا -شأنه شأن السواحل في أماكن أخرى من أوروبا- ملك للدولة أيضاً من حيث المبدأ. وبموجب القانون، يفترض أن يكون الوصول إلى الشاطئ في أي مكان متاحاً للجميع مجاناً، لكن أكثر من نصف الشواطئ مؤجر للقطاع الخاص، وغالباً بطرق غير رسمية، وفي كثير من الأحيان بأسعار زهيدة للغاية. ويبلغ متوسط تكلفة الحصول على امتياز للتأجير 8200 يورو سنوياً. أما متوسط الإيرادات -وفقاً لحسابات مركز السياسة الأوروبية «سي إي بي»- فيبلغ 260 ألف يورو، وتذهب تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى بكثير.

أسوار وجدران تحجب الوصول إلى البحر

وتسببت رسوم استئجار المقاعد الشاطئية مراراً في استياء السياح القادمين من الخارج. أما الإيطاليون، فقد اعتادوا عليها على مدار عقود، لكن الأمر أصبح مبالغاً فيه بالنسبة إلى بعضهم أيضاً. وتقول إيزابيلا بيدرلي، وهي من سكان روما وجاءت إلى أوستيا برفقة طفليها: «الأسرة العادية لم تعد قادرة على تحمّل تكاليف ذلك على الإطلاق».

وفي نابولي، احتل نشطاء مؤخراً مناطق يُفرض على مرتاديها رسوم، مستخدمين مناشفهم ومظلاتهم. كما تثير الأسوار والجدران المرتفعة، التي تحول في كثير من الأماكن دون الوصول إلى البحر، استياءً متزايداً.

ولا يكاد المرء يرى شيئاً من البحر على امتداد كيلومترات في أوستيا. ومن المنتظر أن يتغير الوضع الآن؛ حيث بدأت بلدية روما، التي لا تزال أوستيا تتبع لها، منذ فترة اتخاذ إجراءات صارمة ضد المباني غير القانونية والممارسات المخالفة. وصودرت منشأة «شيلينغ» بسبب مخالفات بناء واتهامات أخرى موجهة إلى مشغلها. كما تعرضت المنشأة لأضرار بالغة خلال الشتاء بسبب العواصف، حتى باتت مهددة بالتحول إلى أنقاض.

السلطات تتحرك أيضاً في أماكن أخرى بإيطاليا

ويجري الآن هدم «شيلينغ»، وكذلك «سبورتينغ بيتش» المجاورة. ويريد رئيس بلدية روما الاشتراكي الديمقراطي، روبرتو جوالتيري، إنشاء «Spiaggia Libera»، أي «شاطئ حر»، في الموقع. كما سحبت المدينة امتياز منشأة «فيليغ» الأخرى في إطار تحقيقات مرتبطة بالمافيا، ومنحته إلى مؤسسة تعاونية.

والهدف من تلك الإجراءات هو زيادة طول الشاطئ المجاني من 1.2 كيلومتر فقط حالياً، من إجمالي 11.3 كيلومتر، إلى 6.5 كيلومتر، وبدلاً من 70 منشأة شاطئية، من المقرر ألا يتجاوز عددها في أوستيا 35 مستقبلاً.

وفي أماكن أخرى أيضاً، مثل الريفييرا الإيطالية في ليجوريا أو بوليا في الجنوب، بدأ رؤساء البلديات إعادة الشواطئ لتصبح مجانية. ويرتبط ذلك أيضاً بتوجيه أوروبي صدر عام 2006. وبموجب هذا التوجيه، يجب طرح الامتيازات الحكومية الخاصة بقطاعات الشواطئ في مناقصات جديدة بصورة دورية، لأنها تتعلق بأراضٍ عامة.

التوجيه الأوروبي بصدد التطبيق أخيراً

وأرجأت حكومات متعاقبة في روما مراراً تطبيق التوجيه الأوروبي. ومن المقرر الآن أن يبدأ تطبيقه في عام 2027، ويأمل كثيرون أن تؤدي زيادة المنافسة إلى انخفاض الأسعار، لكن ذلك ليس مؤكداً.

وتحظى إعادة تنظيم الشواطئ وتحويل أجزاء منها إلى مناطق مجانية بإشادة مبادرات مدنية، مثل جمعية «ماري ليبيرو» (بحر حر). ويقول ممثل الجمعية في روما، دانييلي روجيري: «علينا أن نوضح أن الشاطئ والبحر والهواء منافع عامة، وليست أشياء يمكن ببساطة بيعها أو التنازل عنها... لكن لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به».

جدل جديد حول الأطعمة والمشروبات

وفي الواقع، اندلع أخيراً جدل جديد بعدما أراد بعض مشغلي المنشآت الشاطئية في بوليا منع زبائنهم أيضاً من تناول الأطعمة والمشروبات التي يحضرونها معهم. وبرر المشغلون ذلك باحتمال «الإضرار بصورة المكان».

وردّ رئيس الإقليم أنطونيو ديكارو بتوبيخ أصحاب امتيازات التأجير، موضحاً أنه في ظل الأسعار المرتفعة للغاية بالفعل للمظلات والمقاعد الشاطئية، فإنه من العبث أن يُفرَض على الناس أيضاً شراء أطعمة باهظة الثمن، وقال: «البحر ملك للجميع، ولا يجوز أن يتحول إلى سلعة فاخرة».


مقالات ذات صلة

من توثيق التراث إلى الفنون التفاعلية... الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القطاع الثقافي

يوميات الشرق فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)

من توثيق التراث إلى الفنون التفاعلية... الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القطاع الثقافي

يرصد التقرير تطبيقات التقنية في 16 قطاعاً، تمتد من الإبداع والإنتاج إلى الحفظ والتوثيق والتعليم والتسويق.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق تقنية «التنفس المربع» تمنع حدوث ارتفاعات كبيرة في معدل ضربات القلب ومؤشرات التوتر الأخرى (بيكسلز)

«أقوى حيلة» للسيطرة على التوتر... ما هو «التنفس المربع»؟

تعد تقنية «التنفس المربع» واحدة من «أقوى الحيل» للسيطرة على التوتر... فكيف تؤديها؟ وما هي فوائدها؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق للجدار ذاكرة لا يغطّيها الطلاء بسهولة (إنستغرام)

صاحب مقهى يستعين بالسكان لإعادة رسم جدارية عمرها 30 عاماً

لأكثر من 3 عقود، زيَّنت أعمال فنية زاهية الألوان جانب حانة «بريدج بار» السابقة في شارع بريدج بمدينة بانبوري، في مقاطعة أوكسفوردشاير الإنجليزية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق كبر المنزل على الورق... ثم كبر الخلاف على الأرض (إنستغرام)

منزل من 7 غرف يُشعل «حرباً» بين الجيران في بريطانيا

أثار منزل «ضخم» مكوَّن من 7 غرف نوم، يجري بناؤه على أطراف مدينة باث، خلافاً بشأن التخطيط العمراني مع جيرانه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما عَبَرَ قصور الملوك خرج من المتحف في يدَي لصّين (غيتي)

سرقة كنز ملكة مصر من متحف في فيينا

سُرقت قلادة ألماس ثمينة تعود لملكة مصر السابقة نازلي من متحف في فيينا.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

الهلال يتفق مع آرسنال على ضم مارتينيلي بأكثر من 65 مليون يورو

مارتينيلي (رويترز)
مارتينيلي (رويترز)
TT

الهلال يتفق مع آرسنال على ضم مارتينيلي بأكثر من 65 مليون يورو

مارتينيلي (رويترز)
مارتينيلي (رويترز)

توصل نادي الهلال إلى اتفاق مع آرسنال الإنجليزي للتعاقد مع الجناح البرازيلي غابرييل مارتينيلي، في صفقة تتجاوز قيمتها 65 مليون يورو (نحو 282 مليون ريال سعودي) شاملة الإضافات.

وبحسب الصحافيين فابريزو روماو وماتيو موريتو، فإن الاتفاق أُنجز بين الأطراف، فيما سيوقع مارتينيلي عقداً طويل الأمد مع الهلال، بعدما حصل على الضوء الأخضر للسفر خلال الساعات الـ24 المقبلة تمهيداً لاستكمال إجراءات انتقاله.

ويأتي حسم صفقة الدولي البرازيلي ضمن تحركات الهلال لتعزيز خطه الهجومي، بالتزامن مع العمل على إتمام التعاقد مع الإنجليزي أولي واتكينز، مهاجم أستون فيلا، ليكون الثنائي واتكينز ومارتينيلي ضمن خطة النادي لتدعيم هجومه.


هل باتت «حماس» أكثر انفتاحاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية خلال اجتماع سابق بالعاصمة المصرية القاهرة (حساب حماس في تلغرام)
جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية خلال اجتماع سابق بالعاصمة المصرية القاهرة (حساب حماس في تلغرام)
TT

هل باتت «حماس» أكثر انفتاحاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية خلال اجتماع سابق بالعاصمة المصرية القاهرة (حساب حماس في تلغرام)
جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية خلال اجتماع سابق بالعاصمة المصرية القاهرة (حساب حماس في تلغرام)

هل باتت «حماس» أكثر انفتاحاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل؟ هذا السؤال الذي يتردد حالياً في قطاع غزة بعد تسريبات إسرائيلية حول هذا الأمر، إذ تحدث موقع «واللا» العبري، قبل أيام، عن اتصالات مباشرة جرت بين عضو مكتبها السياسي الحالي وفريق المفاوضات فيها غازي حمد ورجل أعمال إسرائيلي يُدعى شلومي فوغل، المقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وذلك خلال الحرب على غزة عام 2014.

وموضوع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يثير كثيراً من الجدل داخل حركة «حماس» منذ أن طُرح للمرة الأولى في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2014 على لسان موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي للحركة، إذ خرج حينها بتصريح متلفز وصفه بأنه من «العيار الثقيل» بتأكيد أن التفاوض مع إسرائيل «ليس محرماً شرعاً»، وأن الحركة قد تجد نفسها مضطرة إلى ذلك في حال كان هذا مطلباً للشعب الفلسطيني.

تأييد ورفض

وكان أبو مرزوق حينها يتحدث من داخل قطاع غزة، الذي زاره آنذاك برفقة قيادات أخرى، لقناة «القدس» الفضائية التابعة لحركة «حماس»، قائلاً: «كما نفاوض بالسلاح يمكن أن نفاوض بالكلام». كما أن تلك التصريحات جاءت بعد حرب استمرت 51 يوماً في القطاع عام 2014.

خليل الحية المسؤول البارز في «حماس» يُشير بيده خلال اجتماع قبل إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بمدينة شرم الشيخ أكتوبر الماضي (قناة القاهرة الإخبارية)

لكن خرجت أصوات من «حماس» ترد عليه بقولها إن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل «ليست من سياسة الحركة، وليست مطروحة في مداولاتها».

لكن يبدو أن تلك التصريحات من أبو مرزوق، لم تكن سوى تعبير عن نهج بعض القيادات في «حماس» الذين كانوا يرون في الحلول الدبلوماسية خياراً لتفكيك كثير من العقبات التي تواجه الحركة منذ حكمها لقطاع غزة عام 2006 - 2007.

التفاضل مشروع

وفي الرابع من مايو (أيار) 2017، وقبل يومين فقط من نجاح إسماعيل هنية في تولي رئاسة المكتب السياسي في انتخابات أجريت آنذاك، وبعد يوم واحد فقط من تغيير ميثاق «حماس» الذي دعا بشكل أساسي لإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، خرج خالد مشعل في تصريح مثير للجدل، قال فيه خلال مقابلة مع وكالة «الأناضول» التركية، إن «التفاوض مع الأعداء مشروع من حيث المبدأ حين يلزم، فهو سياسة قابلة للتغير، ومن حق أي حركة أو دولة أن تفاوض عدوها حين يكون ذلك ضرورياً ومحققاً لغاياته».

اتصالات فردية

وعلى مدار سنوات، لم يتبن هنية أو نائبه صالح العاروري، مثل هذا النهج العلني، وفضلوا مساراً تفاوضياً غير مباشر. لكن يبدو أن تلك التصريحات، كانت تحمل تبريراً لحلقة تواصل غير رسمية، وكشف عنها لاحقاً بعدما دفعت في عام 2011، إلى إتمام صفقة تبادل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي اختطفته «حماس» عام 2006 في عملية عسكرية نفذتها على حدود رفح جنوب القطاع، بأكثر من 1000 أسير فلسطيني من بينهم يحيى السنوار الذي قاد الحركة لاحقاً، وذلك بعد 5 سنوات عجاف من المفاوضات عبر الوسطاء لم تنجح فيها الأطراف في تقريب وجهات النظر قبل أن تنجح عملية تواصل فردية بإيجاد حلول للوصول للصفقة.

مفتاح العلاقة

وكانت تلك العملية، قد جرت بتواصل مباشر بين حمد، ورجل الأعمال والناشط الإسرائيلي الذي يحمل الجنسية الأميركية، غيرشون باسكن، الذي كان مفتاح العلاقة بينهما صحافيين إسرائيليين يناهضون السياسات الصهيونية، وكانوا يعملون في صحيفة «هآرتس» العبرية، وكانوا يرون في حمد شخصية غير متشددة ومنفتحة أكثر من بقية قيادات حركته، قبل أن يقطع هو علاقته مع أولئك الصحافيين.

مجدداً إلى الواجهة

وعاد حمد مجدداً للواجهة، بعد ما كشفه موقع «واللا» العبري، قبل أيام عن اتصالات مباشرة جرت بينه وبين فوغل الذي تبين أنه أجرى الاتصالات مع حمد مباشرة بمعرفة نتنياهو شخصياً، ودون علم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي علمت لاحقاً بالاتصالات في ظل أنها كانت تتواصل مع مصر وقطر ضمن الآلية المعتادة للوساطة.

القيادي في حركة «حماس» غازي حمد (أرشيفية - رويترز)

ونفى نتنياهو وكذلك فوغل تلك الأنباء، إلا أن هذا الكشف لم يكن الوحيد، بل كُشف في هيئة البث العامة الإسرائيلية، والقناة الثانية عشرة العبرية، عن اتصالات مباشرة جرت بين غازي حمد، ومسؤول كبير في جهاز الأمن العام «الشاباك» كان يشارك في المفاوضات مع الدول الوسيطة، بإيعاز من نتنياهو، ورئيس الجهاز السابق رونين بار، وذلك خلال عام 2024 في خضم الحرب على قطاع غزة.

ووفقاً لما ورد في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن الاتصالات نشأت لأول مرة بعد مقتل 6 مختطفين إسرائيليين في أغسطس (آب) 2024، داخل نفق برفح، الأمر الذي ولد حالة من الإحباط في أوساط المستويين السياسي والعسكري، وكانت هناك حالة من الإدراك لضرورة إيجاد طرق أخرى لاستعادة المختطفين، مشيرةً إلى أن نتنياهو وافق على فتح قناة الاتصال بين المسؤول في «الشاباك»، وغازي حمد القيادي في «حماس»، وقد وافق من جانبه خليل الحية على هذا التواصل.

مسلحون من «حماس» في مدينة غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وحسب التقارير ذاتها، فإنه قد جرت الاتصالات من خلال عشرات المكالمات الهاتفية على مدار الساعة، وبحضور رئيس «الشاباك» نفسه على الخط، وقد أفضت فعلاً لإحداث اختراق تفاجأ فيه الجميع حتى الوسطاء الذين كانوا يعملون باستمرار، ليكتشفوا لاحقاً وجود اتصالات مباشرة، وهو أمر لم يكشف حتى للوزراء الإسرائيليين.

قنوات اتصال كثيرة

وبينما تلتزم حركة «حماس» الصمت، حيال ما نشر إسرائيلياً، اكتفى غازي حمد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، برفض التعقيب على هذه التسريبات.

مصدر قيادي في «حماس» داخل قطاع غزة، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن التسريبات الإسرائيلية في هذا الوقت لها أهداف انتخابية داخلية، لن تنجر إليها الحركة.

وأشار إلى أن اتصالات كثيرة كانت تجري عبر كثير من الوساطات المعروفة وغير المعروفة، من أجل الوصول إلى اتفاق بشأن تبادل الأسرى، ووقف الحرب بغزة، سواء خلال هذه الحرب أو في حرب 2014، وحتى ما بعد عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

وأوضح المصدر أن هناك دولاً غربية شاركت في تلك الاتصالات بشكل غير معلن، والحركة تعاملت بإيجابية مع كل الجهات التي تواصلت معها.

لا اتصالات سرية

وقال مصدر قيادي آخر من «حماس» بالخارج، إن أي اتصالات مع أي طرف كان، لا تتم بشكل سري، ويتم إطلاع قيادة الحركة عليها باستمرار، ولذلك أي تواصل يكون الهدف منه إيجاد حلول سريعة لقضايا خطيرة، وليس هدفه التفاوض لمجرد التفاوض.

ورداً على سؤال فيما إذا كان ذلك يؤكد وجود اتصالات، اكتفى المصدر بالقول: «ليس كل ما يسرب يكون صحيحاً أو بالشكل الذي تم تسريبه، وقنوات الاتصال خلال الحرب الحالية وغيرها كانت موجودة باستمرار مع أطراف كثيرة، منها دول غربية عملت وسيطة في ملفات معقدة».

سياسة براغماتية

ويرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن «حماس» حركة سياسية براغماتية، تعمل لمصالحها وليس لديها مشكلة في التواصل المباشر مع إسرائيل كما فعلت مع الولايات المتحدة، من أجل مصالحها، مشيراً إلى أنها تعد ذلك اعترافاً بها من قبل تلك الجهات، وتظهر قدرتها على المناورة والتكتيك.

أساليب السياسة

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون، المحسوب على حركة «حماس»، إن المفاوضات تمثل أسلوباً من أساليب السياسة، وأن الحركة تمارس السياسة والمفاوضات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، بوصفها أسلوباً سياسياً طبيعياً يمكن ممارسته في أي وقت.

وأضاف المدهون في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن (حماس) لديها هذا المنطق، ولديها القدرة، ولديها القرار، لكنها تنظر إلى ما إذا كان الجلوس المباشر مع الاحتلال سيحقق فائدة سياسية أم لا، وكذلك إلى ما إذا كان الاحتلال أصلاً يقبل الجلوس المباشر معها دون شروط مسبقة أم لا».

وأوضح أن المفاوضات في العرف السياسي للحركة، مشروعة ويمكن ممارستها ما دام أنها تخدم المصلحة الوطنية، في حين ترفضها ما دام هدفها الاعتراف بإسرائيل.


إسرائيل تبرم أكبر صفقة تسلح لليونان في تاريخها بـ3.6 مليار يورو

اليونان لشراء نظام دفاعي من إسرائيل (رويترز)
اليونان لشراء نظام دفاعي من إسرائيل (رويترز)
TT

إسرائيل تبرم أكبر صفقة تسلح لليونان في تاريخها بـ3.6 مليار يورو

اليونان لشراء نظام دفاعي من إسرائيل (رويترز)
اليونان لشراء نظام دفاعي من إسرائيل (رويترز)

في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركية الإسرائيلية موجات توتر متلاحقة، ويقدر فيه كثيرون بأن هذا التوتر صعد إلى طريق الصدام العسكري الحتمي، الذي يكون الحيد عنه أعجوبة، تستعد وزارتا الدفاع الإسرائيلية واليونانية للتوقيع على اتفاقية بيع أسلحة وخدمات عسكرية بقيمة 3.6 مليار يورو.

مظلة دفاعية

والغرض من هذه الصفقة هو دفع مشروع اليونان الدفاعي المعروف باسم «درع أخيل»، لإنشاء مظلة دفاعية متعددة الطبقات، يعزز قدراتها في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي والبحري والسيبراني.

وقد حضر وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس، إلى تل أبيب لغرض التوقيع على الصفقة، الاثنين، سوية مع نظيره الإسرائيلي، يسرائيل كاتس. وسيستغرق تنفيذ الصفقة 35 شهراً من تاريخ توقيع الاتفاق، بالتعاون بين شركات السلاح الكبرى التابعة للجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع وبين شركات يونانية، التي ستتولى تنفيذ أعمال وإنتاج بعض الأسلحة الإسرائيلية بقيمة 700 مليون يورو من إجمالي قيمة المشروع.

وزير الدفاع اليوناني نيكوس داندياس (أ.ب)

وكشفت صحيفة «معاريف» أن المفاوضات بين البلدين استغرقت عدة شهور لكن التوقيع عليها تأجل عدة مرات بسبب إصرار اليونان على إدارة عملية استخدام هذه الأسلحة بالكامل، من دون أي تدخل إسرائيلي.

فعلى الرغم من أن اليونان تعد زبوناً عسكرياً رئيسياً لإسرائيل، حيث اشترت صواريخ وقنابل وطائرات مسيّرة من إسرائيلية عبر عدة سنوات، حاولت تل أبيب فرض رقابة تتيح لها منع وصول التقنيات إلى دول معادية، لكن اليونان رفضت.

«أجندة 2030»

وأفادت مصادر عسكرية في تل أبيب، وفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست»، بأن «درع أخيل» جاءت ضمن خطة يونانية بعنوان «أجندة 2030»، لمجابهة «التهديدات المحتملة من تركيا وإيران»؛ ولذلك فإن منسوب الهجوم الذي يشنه قادة أنقرة ضد إسرائيل يرتفع إلى درجات عالية. وإسرائيل تقدم عليه بحماسة؛ لأنها تعمل بشكل حثيث على تطوير صناعاتها العسكرية، ولأنها تتحول الى «دولة عظمى إقليمياً»، وعزز علاقاتها مع دول البحر المتوسط. ووصفت الصحيفة الإسرائيلية الاتفاق مع اليونان، «أكبر صفقة تصدير عسكرية في تاريخ إسرائيل»، حتى الآن، إذ إن أكبر صفقة أسلحة قبلها تمت مع ألمانيا، وشملت أول عملية بيع لنظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي مقابل 3.5 مليار دولار، التي تم توقيعها عام 2023.

«مقلاع داود»

والصفقة مع اليونان، تشمل بيعها شبكة دفاع متكاملة ومتعددة الطبقات، من أنظمة «مقلاع داود» لاعتراض الصواريخ الثقيلة والباليستية، وأنظمة «سبايدر» المتنقلة لمواجهة الطائرات المسيّرة، إضافة إلى نظام «باراك إم إكس» المصمم للدفاع ضد الطائرات والصواريخ. ويشمل الاتفاق أيضاً إنشاء مركز قيادة وتحكم في اليونان لتشغيل الأنظمة وإدارة عمليات الإطلاق، على غرار النظام المستخدم في إسرائيل، اعتماداً على قدرات الذكاء الاصطناعي.

نظام «مقلاع داود» للدفاع الجوي (أرشيفية - رويترز)

وفي تفاصيل الصفقة يظهر أن شركات الأسلحة الإسرائيلية «رفائيل» و«آلبيت»، و«آلتا» و«سبارك»، وشركة الصناعات الجوية، ستزود اليونان بطائرات مسيرة قتالية من طراز «هارون 1» و«في بات» وأقمار اصطناعية فضائية صغيرة من طراز «سار» وطائرات مسيرة مضادة للطائرات المسيرة المعادية، و3 طائرات نقل من طراز «ملينيوم سي 390» وصواريخ «هالفير»، التي يتم تفعيلها من طائرات أباتشي الأميركية بالليزر وعشر آليات بحرية تعرف على أنها شبه غواصة، كما تشمل الصفقة قيام الشركات الإسرائيلية بتحديث وترميم العديد من الآليات العسكرية البحرية.

حرب خفية

وقالت صحيفة «معاريف» إن إسرائيل واليونان تدركان أن تركيا لا تنظر بعين الرضا إلى هذه الصفقة، بل تعدها جزءاً من تعزيز التحالف العسكري اليوناني القبرصي الإسرائيلي ضدها وجزء من الحرب التي تديرها إسرائيل ضد تركيا بشكل خفي في المجال الاقتصادي، خصوصاً مشروع مد أنابيب نقل الغاز إلى أوروبا عبر اليونان بدلاً من الخط الذي يمر عبر تركيا.

ولذلك، عادت القيادة التركية إلى شن هجوم سياسي على إسرائيل واتهامها بالسعي إلى زعزعة استقرار المنطقة عبر ما وصفه بـ«الاستفزازات».

جنون الطرفين

وقد حذر العديد من الخبراء في تل أبيب من التدهور إلى صدام عسكري بين إسرائيل وتركيا، واعتبرته صحيفة «هآرتس» جنوناً من الطرفين. وكتب البروفيسور أيار زيسر، في صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية أن «تركيا وإسرائيل تكسبان من الخصومة الصاخبة بينهما. ومع ذلك أبديا حتى الآن الحذر من الانتقال من الأقوال إلى الأفعال؛ لأن الأمر يتعارض مع كل منطق ومصلحة.

لكن المسار الذي صعدنا إليه هو مسار صدام محتم، من الصعب أن نتخيل أنه سيتم تفاديه، ولكن ينبغي الأمل في أن يكبحه أحد ما في اللحظة الأخيرة».