أدلة جديدة على أصول اللغتين الإنجليزية والألمانية

نقوش صخرية وضعت بالتزامن مع توسع السلالة البشرية بالعصر البرونزي في شرق إسكندنافيا (جامعة كوبنهاغن)
نقوش صخرية وضعت بالتزامن مع توسع السلالة البشرية بالعصر البرونزي في شرق إسكندنافيا (جامعة كوبنهاغن)
TT

أدلة جديدة على أصول اللغتين الإنجليزية والألمانية

نقوش صخرية وضعت بالتزامن مع توسع السلالة البشرية بالعصر البرونزي في شرق إسكندنافيا (جامعة كوبنهاغن)
نقوش صخرية وضعت بالتزامن مع توسع السلالة البشرية بالعصر البرونزي في شرق إسكندنافيا (جامعة كوبنهاغن)

قاد فريق بحثي دولي، بمشاركة جامعتي كوبنهاغن في الدنمارك وليدن في هولندا، دراسةً حلل خلالها الحمض النووي لأكثر من 4500 فرد من العصور القديمة، من بينهم 712 جينوماً جرى تحديد تسلسلها الجيني للمرة الأولى. وبالاستعانة بمناهج متعددة التخصصات، جمعت بين علم الوراثة والآثار واللغويات، تمكّن الباحثون من إعادة بناء مسارات الهجرات الكبرى التي أسهمت في تشكيل اللغات المتداولة في مختلف أنحاء أوروبا اليوم.

وتنتمي الإنجليزية والألمانية والهولندية واللغات الإسكندنافية جميعها إلى عائلة اللغات الجرمانية، التي يتحدث بها اليوم مئات الملايين من الأشخاص. لكن ما الأصل الذي انحدرت منه هذه اللغات؟

ووفقاً لنتائج دراستين جديدتين نُشرتا، الأربعاء، في مجلة «نيتشر» الشهيرة، قد يكمن جزء من الإجابة في الحمض النووي لآلاف الأوروبيين القدماء.

وقال إيسكي ويلرسليف، أستاذ في معهد غلوب بجامعة كوبنهاغن، وأحد المؤلفين الرئيسيين: «من خلال الجمع بين الحمض النووي القديم والأدلة اللغوية والأثرية، يُمكننا البدء في تتبع كيفية انتشار اللغات وتطورها على مدى آلاف السنين».

وكانت جهود الباحثين قد كشفت عن هجرة كبيرة غير معروفة سابقاً إلى الدول الإسكندنافية قبل نحو 4000 عام. ويُرجح أن الوافدين الجدد قدموا من مناطق حول بحر البلطيق، وانتشروا بسرعة في جميع أنحاء الدول الإسكندنافية. وكان لوصولهم أثرٌ بالغٌ على سكان شمال أوروبا، ما دفع الباحثين إلى اقتراح أنهم ربما حملوا معهم أقدم سلف للغات الجرمانية الحالية.

ويتحدّى هذا الاكتشاف الافتراض السائد منذ زمن طويل بأن جذور اللغات الجرمانية وصلت مع هجرات سابقة قبل نحو 5000 عام، وبدلاً من ذلك، تشير النتائج إلى أن الأسس اللغوية للغة الإنجليزية والألمانية والهولندية واللغات الإسكندنافية ربما انتشرت بعد ألف عام مما كان يُعتقد سابقاً.

وقال هيو ماكول، الأستاذ المساعد في معهد غلوب بجامعة كوبنهاغن، وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة: «على مدى أكثر من قرن، ظل الباحثون يناقشون توقيت وصول اللغات الجرمانية إلى شمال أوروبا ومصدرها. والمثير للاهتمام أننا أصبحنا الآن قادرين على اختبار بعض هذه الفرضيات بصورة مباشرة. وقد اكتشفنا موجة هجرة لم تكن معروفة من قبل، وقعت في الزمان والمكان نفسيهما اللذين توقعنا أن تنتشر فيهما أقدم أشكال اللغات الجرمانية».

أصول «الفايكنج»

وكشفت النتائج أيضاً عن جانب غير متوقع من تاريخ الدول الإسكندنافية؛ إذ أظهرت أنه قبل نحو 1500 عام، أي قبل عدة قرون من عصر «الفايكنج»، هاجرت مجموعات من السكان من المنطقة التي تُعرف اليوم بشمال ألمانيا إلى الدنمارك وجنوب السويد؛ حيث شكّلوا نسبة كبيرة من السكان المحليين في بعض المناطق.

وتتزامن هذه الهجرة مع ظهور اللغة النوردية القديمة، وهي اللغة التي كان يتحدث بها شعب «الفايكنج». وتشير النتائج إلى أن العديد من شعوب «الفايكنج» الدنماركيين والسويديين ينحدرون في جزء كبير من أصولهم من هؤلاء الوافدين الجدد، الذين كانوا على صلة وثيقة بمجموعات أسهمت أيضاً في تكوين ثقافة «الأنغلو ساكسون» في بريطانيا.

وقد يُساعد هذا الاكتشاف في تفسير أوجه التشابه التاريخية بين ثقافتي «الفايكنج» و«الأنغلو ساكسون»، بما في ذلك التقاليد الفنية المشتركة واللغات المتقاربة.

وقال هيو ماكول: «جاءت هذه الهجرة بمثابة مفاجأة حقيقية لم يتوقعها علماء الآثار واللغويون، لكنها تُساعد في تفسير عدد من الروابط الثقافية واللغوية بين الدول الإسكندنافية وبريطانيا، والتي حيّرت الباحثين لفترة طويلة».

الجمع بين علم الوراثة واللغة والتاريخ

ويؤكد الباحثون أن الحمض النووي (DNA) وحده لا يكفي للكشف عن اللغة التي تحدثتها الشعوب القديمة؛ لذا تعمد الدراسات إلى دمج الأدلة الجينية مع عقود من الأبحاث اللغوية والأثرية. ومن خلال تتبع توقيت تنقل الشعوب ومساراتهم، تمكن الفريق من اختبار فرضيات طال أمدها حول كيفية انتشار اللغات في أنحاء أوروبا، وتقديم صورة أكثر تفصيلاً عن ماضي القارة مقارنة بأي وقت مضى.

وقال كريستيان كريستيانسن، أستاذ علم الآثار في جامعة غوتنبرغ: «تُظهر هذه الدراسات الآفاق التي تفتحها عملية الجمع بين علم الوراثة وعلم الآثار وعلم اللغويات، إذ بات بالإمكان الآن معالجة أسئلة ظلَّت عالقة لأجيال، وذلك بالاستناد إلى أدلة لم يكن الحصول عليها ممكناً في السابق».


مقالات ذات صلة

معركة في اسكوتلندا على حيوان برّي أُنقذ من الجوع

يوميات الشرق بعض الحيوانات تألف يد الإنسان حتى تغدو البرية غريبةً عنها (بكسلز)

معركة في اسكوتلندا على حيوان برّي أُنقذ من الجوع

يخوض عالم بيئي في منطقة الحدود الاسكوتلندية معركة للحصول على إذن بالاحتفاظ بغرير أنقذه من الموت جوعاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق التاريخ يعرف كيف يُعيد الغرقى إلى السطح (أ.ف.ب)

سرّ قرصان عمره 330 عاماً يلاحق شاطئاً نيويوركياً شهيراً

عثر مؤرّخ هاوٍ على دليل مثير للجدل يتّصل بلغز لا يزال قائماً بشأن مصير قرصان سيئ السمعة نهب قبل قرون سفينة كنوز ملكية هندية...

«الشرق الأوسط» (وانتاغ - نيويورك)
يوميات الشرق مملكة صغيرة لم تحمِها سرّية التراب (بكسلز)

سرقة مملكة نمل بملكاتها ورعاياها في إنجلترا

أعلن صندوق خيري معنيٌّ بالحفاظ على الطبيعة أنّ عشّاً يضمّ ما يصل إلى 5 آلاف نملة من أحد أندر أنواع النمل في إنجلترا قد سُرق من إحدى المحميات الطبيعية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)

لضيق المساحة… متحف يبيع لوحة كاندينسكي بـ62 ألف دولار وسعرها اليوم 80 مليوناً

بعد نحو 15 عاماً على وفاة سولومون آر. غوغنهايم، خلصت المؤسسة المشرفة على مجموعته الفنية الضخمة إلى أنها تمتلك عدداً من أعمال الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)

إعادة كائن مجهري إلى الحياة بعد بقائه متجمداً 24 ألف عام

تمكن علماء من إعادة كائن حي مجهري إلى الحياة، بعد أن أمضى نحو 24 ألف عام مدفوناً في التربة الصقيعية بسيبيريا، في اكتشاف علمي يسلط الضوء على قدرات بعض الكائنات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ملح صحي قد يسهم في منع ملايين الوفيات سنوياً

يقلِّل الملح المُعزز بالبوتاسيوم من مستويات ضغط الدم ومن المخاطر القلبية (بيكسباي)
يقلِّل الملح المُعزز بالبوتاسيوم من مستويات ضغط الدم ومن المخاطر القلبية (بيكسباي)
TT

ملح صحي قد يسهم في منع ملايين الوفيات سنوياً

يقلِّل الملح المُعزز بالبوتاسيوم من مستويات ضغط الدم ومن المخاطر القلبية (بيكسباي)
يقلِّل الملح المُعزز بالبوتاسيوم من مستويات ضغط الدم ومن المخاطر القلبية (بيكسباي)

قيّم باحثون من «معهد جورج للصحة العالمية» في أستراليا الفوائد الصحية المترتبة على استبدال ملح الطعام بواسطة ملح مدعوم بالبوتاسيوم في 193 دولة. وخلصت نتائج الدراسة، المنشورة الأربعاء في دورية «نيتشر هيلث»، إلى أن هذا التحول قد يسهم في الوقاية من نحو 3 ملايين حالة وفاة و10 ملايين إصابة جديدة بأمراض القلب والأوعية الدموية والكلى سنوياً على مستوى العالم.

وأشار بروس نيل، الباحث البارز في معهد «جورج»، إلى أن المكاسب الصحية ستكون واسعة النطاق، وقد تسهم في تجنب حالة وفاة واحدة من بين كل 10 حالات وفاة ناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية في معظم البلدان.

وقال نيل في بيان صدر الأربعاء: «يُعد الإفراط في تناول الصوديوم ونقص البوتاسيوم من الأسباب المؤكدة لارتفاع ضغط الدم، وهو عامل خطر رئيسي للإصابة بحالات تهدد الحياة، مثل السكتات الدماغية والنوبات القلبية وأمراض الكلى. لذا، فإن التحول إلى الملح المدعوم بالبوتاسيوم يعالج هاتين المشكلتين الغذائيتين في آن واحد، ويحقق فوائد صحية كبيرة».

وأضاف: «يمثل التحول العالمي من الملح العادي إلى بدائل مدعومة بالبوتاسيوم نقطة انطلاق تدفع الدول إلى التفكير في هذه الفرصة، التي تنطوي على إمكانات أكبر بكثير، وبتكلفة أقل بكثير مقارنة بكثير من العلاجات الدوائية».

ويُصنع الملح المدعوم بالبوتاسيوم عن طريق استبدال جزء من كلوريد الصوديوم، المكوّن الأساسي لملح الطعام العادي، بواسطة كلوريد البوتاسيوم. ويشبه هذا الملح نظيره العادي من حيث المظهر والمذاق وطريقة الاستخدام في الطهي. وفي عام 2025، أوصت منظمة الصحة العالمية باستخدام الملح المُدعّم بالبوتاسيوم للمساعدة في خفض ضغط الدم وتقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وعلى مستوى العالم، يعاني واحد من كل 3 بالغين تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عاماً من ارتفاع ضغط الدم، أي ما يعادل نحو 1.4 مليار شخص. وتُعد أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة والعجز في العالم؛ إذ تسببت في 19.2 مليون حالة وفاة خلال عام 2023، بزيادة تقارب 50 في المائة مقارنة بما كانت عليه الحال قبل 30 عاماً.

مكاسب صحية

بحثت الدراسة مجموعة من السيناريوهات الافتراضية، بدءاً من التحول الكامل عالمياً إلى استخدام الملح المدعوم بالبوتاسيوم، وصولاً إلى قصر استخدامه على الأشخاص الذين شُخّصت إصابتهم بارتفاع ضغط الدم ويتلقون علاجاً له. وأظهرت النتائج أنه حتى في أكثر السيناريوهات محدودية، لا يزال من الممكن تحقيق مكاسب صحية كبيرة.

إدارة المخاطر لدى مرضى الكلى

على الرغم من الفوائد المحتملة الكبيرة، لا تزال هناك مخاوف بشأن خطر ارتفاع مستويات البوتاسيوم في الدم (فرط بوتاسيوم الدم) لدى الأشخاص المصابين بأمراض الكلى المتقدمة. ومع ذلك، خلصت الدراسة إلى أن الفوائد تفوق المخاطر، حتى لدى المرضى الذين يعانون مراحل متقدمة من أمراض الكلى.

وقال فيفيك جها، الطبيب المتخصص في أمراض الكلى والأستاذ الزميل الأول في معهد «جورج»: «يحتاج الأشخاص المصابون بأمراض كلى خطيرة، وكذلك الذين يتناولون أدوية ترفع مستويات البوتاسيوم في الدم بشكل ملحوظ، إلى اتخاذ تدابير وقائية. ويمكن إدارة المخاطر التي تواجه هذه الفئات بفاعلية من خلال توعية المرضى، ووضع ملصقات توضيحية على المنتجات، وتوفير الإشراف السريري».

ومن جانبه، أكد نيل ضرورة وضع استراتيجيات خاصة بكل دولة، بحيث تُصمَّم وفقاً للمصدر الرئيسي للصوديوم في النظام الغذائي، سواء أكان الملح المستخدم في المنازل أم الأطعمة المصنعة.

وأضاف: «لتحقيق أقصى استفادة من التحول إلى الملح المدعوم بالبوتاسيوم، نحتاج إلى مشاركة قطاع الصناعات الغذائية في أوروبا وأميركا الشمالية، حيث يأتي أكثر من 70 في المائة من استهلاك الملح من الأطعمة المصنعة والوجبات المقدمة في المطاعم. ويتطلب ذلك أيضاً البحث عن سبل لزيادة إنتاج كلوريد البوتاسيوم لتلبية الطلب المتنامي».


ميلتشو مانشيفسكي لـ«الشرق الأوسط»: أعالج القضايا الجادة بالسخرية

عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان طوكيو السينمائي ( الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان طوكيو السينمائي ( الشركة المنتجة)
TT

ميلتشو مانشيفسكي لـ«الشرق الأوسط»: أعالج القضايا الجادة بالسخرية

عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان طوكيو السينمائي ( الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان طوكيو السينمائي ( الشركة المنتجة)

قال المخرج المقدوني ميلتشو مانشيفسكي إن فيلمه «أخت، أخ، غطاء بالوعة» (Sister Brother Manhole Cover) بدأ من رغبته في حكي قصة عن أشخاص يعيشون على هامش المجتمع، ويبحثون عن روابط تمنحهم الإحساس بالعائلة، موضحاً أن شخصياته تواجه التفاوت الاجتماعي بالسخرية والتحدي.

وأضاف مانشيفسكي، في حواره مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أنه لا يبدأ العمل من رسالة يريد إيصالها، وإنما من حكاية وشخصيات يسمح لها بأن تقوده إلى اكتشاف موضوعات الفيلم، مشيراً إلى أنه يتعامل مع الإبداع بروح اللعب لدى الأطفال، وبالمتعة نفسها التي قد يجدها الفنان في تأليف الموسيقى أو رسم لوحة.

وفاز الفيلم بـ«جائزة طوكيو الكبرى»، التي تحمل اسم جائزة محافظ طوكيو، في الدورة التاسعة والثلاثين لمهرجان طوكيو السينمائي الدولي الذي أقيم في اليابان واختتمت فعالياته أخيراً، فيما أشادت لجنة التحكيم في حيثيات الجائزة بقدرة مخرج الفيلم على المزج بين الفكاهة والمأساة والدراما، وبالإنسانية والتعاطف في تقديم شخصياته.

حاز الفيلم جائزة محافظ طوكيو في المهرجان (الشركة المنتجة)

ويتتبع الفيلم الشقيقين «مالينا» و«فيكتور»، اللذين يعيشان على هامش المجتمع في «سكوبيه» بمقدونيا الشمالية، ويؤمنان احتياجاتهما عبر سرقة تماثيل نصفية برونزية لأبطال وطنيين وبيعها خردة، لكن إحدى السرقات تنتهي بإصابة خطيرة لفيكتور، لتجد شقيقته نفسها مضطرة إلى الدخول في صفقة مع طبيب فاسد، وتنفتح أمامهما سلسلة من المواقف التي تختبر روابطهما وقدرتهما على البقاء.

وأوضح المخرج المقدوني ميلتشو مانشيفسكي أن جميع الشخصيات الرئيسية في الفيلم تعيش، بطريقة أو بأخرى، خارج الأطر المألوفة، وأن أحد الموضوعات التي ظهرت خلال الكتابة كان البحث عن عائلة غير متوقعة وغير تقليدية، يجمع أفرادها اهتمام حقيقي تجاه بعضهم، بينما تمثل الموضوع الآخر في الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون، وكيف تؤثر مسألة العدالة في حياة الناس وتفاصيل اختياراتهم.

وأشار إلى أن علاقة الشقيقين بالمجتمع تتضح من خلال التناقض بين الاحتفاء بأبطال الماضي والعجز عن تقديم فرص حقيقية للأحياء، موضحاً أنهما يعيشان في مجتمع يمجد تاريخه عبر التماثيل، ويقدم وعوداً كثيرة، لكنه لا يحقق منها إلا القليل، فيظل المستقبل الموعود بعيداً عن متناولهما.

وأضاف أن سرقة التماثيل تحمل جانباً من التمرد على هذا الواقع، لكنها تظل أيضاً فعلاً عملياً تفرضه الحاجة إلى البقاء؛ فالشقيقان يبيعان البرونز بالوزن للحصول على المال، لافتا إلى أن سرقة أغطية البالوعات تمثل الوجه المقابل لسرقة تماثيل الأبطال؛ فبينما يحتفي المجتمع بالتماثيل، تخفي الأغطية ما يجري تحت شوارعه، عادّاً أن إزالتها تكشف ما يحاول المجتمع حجبه وتفضح نفاقه.

وعن اختيار الممثلين، أوضح مانشيفسكي أن هذه المرحلة تحظى بأهمية كبيرة في عمله، وأن التعاون معهم يمثل غالباً أكثر مراحل صناعة الفيلم إمتاعاً بالنسبة إليه، مشيراً إلى أنه يخوض عملية طويلة مع مدير اختيار الممثلين، يشاهد خلالها عشرات المرشحين، ثم يعقد جولات متتالية من الاختبارات.

المخرج المقدوني ميلتشو مانشيفسكي (الشركة المنتجة)

ويلفت مانشيفسكي إلى أنه يطلب من الممثلين في الجولة الأولى قراءة نصوص كلاسيكية، من بينها أعمال لشكسبير، قبل الانتقال في الجولات التالية إلى مشاهد من السيناريو، موضحاً أن الاختبارات نفسها تتحول تدريجياً إلى بداية للبروفات واستكشاف الشخصيات والعلاقات بينها.

وأشار مانشيفسكي إلى أنه يخصص، بعد الاستقرار على فريق التمثيل، ثلاثة أسابيع للبروفات، يجلس خلالها مع الممثلين حول طاولة لقراءة السيناريو والتدرب على كل مشهد وكل جملة، ومناقشة التفاصيل وتبادل الملاحظات، مع إجراء بعض التدريبات في مواقع التصوير حين تستدعي الحاجة.

وفي حديثه عن التمويل، قال المخرج المقدوني إنه أحد أكبر التحديات التي تواجه صناعة السينما، لأنها تتطلب مبالغ كبيرة ومشاركة جهات قادرة على توفيرها، لافتاً إلى أنه يشعر بالغيرة من الشعراء والرسامين الذين يستطيعون ممارسة فنهم من دون الحاجة إلى ميزانيات ضخمة أو تدخل ممولين.

وأضاف مانشيفسكي أنه رغم إقامته سنوات طويلة في نيويورك، يصنع في الغالب أفلاماً أوروبية، لأنه يفضل المساحة التي تمنحها المنظومة الأوروبية للمخرج، وما يراه فيها من احترام لسينما المؤلف، لكنه أشار إلى أن ذلك لا يعفي صناع الأفلام من التعامل مع البيروقراطية وهيئات التمويل الحكومية.

الطابع الآيديولوجي

وانتقد ما وصفه بازدياد الطابع الآيديولوجي لدى صناديق تمويل الأفلام والمهرجانات خلال السنوات الأخيرة، مشبهاً هذا الاتجاه بنوع من الواقعية الاشتراكية بصيغة جديدة، وموضحاً أن تأمين التمويل عملية طويلة قد تستغرق نحو عامين، ثم يستغرق إنجاز الفيلم عاماً آخر.

وعن التحديات العملية خلال التصوير، قال مانشيفسكي إن الفريق عمل في مواقع صعبة خلال فصل الصيف، ووصلت درجات الحرارة في بعض الأيام إلى 40 درجة مئوية، بينما كان الممثلون مطالبين بالجري وأداء مشاهد تحتاج إلى مجهود تحت الشمس.

المخرج المقدوني ميلتشو مانشيفسكي (الشركة المنتجة)

ويؤكد مانشيفسكي أن طبيعة الإنتاج المشترك فرضت أيضاً تنسيقاً بين مشاركين قدموا من سبع أو ثماني دول، مشيراً إلى التعاون بين مقدونيا الشمالية وبلغاريا وإيطاليا وصربيا وبريطانيا وألبانيا، وما تطلبه ذلك من ترتيبات لتنظيم حضور أفراد الفريق والعمل معاً.

وفي المقابل، أوضح أن الجوانب الإبداعية سارت بسلاسة إلى حد كبير، بفضل فريق من المتعاونين الذين عرفوا ما يريدون تحقيقه، والتحضير الذي سبق التصوير.

ولفت مانشيفسكي إلى أن التوجه نحو الكوميديا كان واضحاً لدى الفريق، موضحاً أنه أراد تقديم كوميديا تحمل قدراً من العبث، وتستخدم السخرية للاقتراب من قضايا جادة، بما يسمح بوجود الألم والفكاهة في الحكاية نفسها.

وعن علاقته بمهرجان «طوكيو»، قال مانشيفسكي إن هذه هي المرة الرابعة التي تشارك فيها أفلامه بالمهرجان، واصفاً العلاقة بينهما بأنها «قصة حب»، ومشيراً إلى أن المهرجان يوفر للفيلم تقديماً يليق به أمام العالم والموزعين والصحافة، وأمام جمهور يمتلك حساً نقدياً وقدرة على التذوق.


مصر تروّج للاستثمار السياحي في المنطقة المحيطة بالمتحف الكبير

المتحف المصري الكبير يحتفل بعامه الأول (المتحف المصري الكبير)
المتحف المصري الكبير يحتفل بعامه الأول (المتحف المصري الكبير)
TT

مصر تروّج للاستثمار السياحي في المنطقة المحيطة بالمتحف الكبير

المتحف المصري الكبير يحتفل بعامه الأول (المتحف المصري الكبير)
المتحف المصري الكبير يحتفل بعامه الأول (المتحف المصري الكبير)

تسعى مصر للترويج للاستثمارات السياحية في المنطقة المحيطة بالمتحف المصري الكبير بالجيزة (غرب القاهرة) عبر تشجيع شركات من دول مختلفة على إقامة مشروعات سياحية بالمنطقة.

واستعرض وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي فرص الاستثمار السياحي في المنطقة المحيطة بالمتحف المصري الكبير والمطلة على منطقة أهرامات الجيزة، خلال حضوره «بورصة لندن الدولية للسياحة»، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وأشار فتحي إلى ما تتمتع به أماكن سياحية متنوعة في مصر من مقومات للاستثمار السياحي، من بينها «محافظة مطروح التي تتضمن فرصاً استثمارية واعدة، في ضوء تنوع مقوماتها السياحية التي تشمل الشواطئ المتميزة، والتراث الثقافي، والموروث البدوي الأصيل، بما يتيح تطوير منتجات وتجارب سياحية متنوعة»، وفق البيان.

كما تم استعراض خطط تعزيز الاستثمارات السياحية في مصر، مع شركات وجهات متخصصة في الاستثمار السياحي، حيث ستقوم إحدى المجموعات بإنشاء منتجع سياحي بمدينة الغردقة، مشيرة إلى رغبتها في التوسع في هذا المجال لتشمل وجهات سياحية أخرى منها القاهرة والساحل الشمالي.

وتناول فتحي خلال لقاءات مع ممثلين ومسؤولين وقيادات بعدد من كبرى شركات الطيران ومنظمي الرحلات السياحية العالمية، سبل تعزيز الحركة السياحية الوافدة إلى مصر، وبحث التعاون القائم مع الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي في تنفيذ الحملات الترويجية المشتركة، وما تحققه من نتائج إيجابية في التعريف بالمقصد السياحي المصري وتحفيز الطلب عليه، وبحث الاستعداد لإطلاق حملة ترويجية جديدة خلال الفترة المقبلة.

لقاءات في بورصة لندن لتعزيز السياحة والاستثمار في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدّ الخبير السياحي المصري الدكتور حسام هزاع الترويج للمتحف المصري الكبير في بورصة لندن الدولية للسياحة (WTM) ترويجاً لوجهة سياحية متكاملة تعيد رسم خريطة السياحة في القاهرة ومصر بصفة عامة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المتحف المصري الكبير أصبح واحداً من أهم عناصر القوة السياحية لمصر، وتكمن الأهمية الأكبر في المنطقة المحيطة به والفرص الاستثمارية والسياحية التي يمكن تنفيذها بناءً على وجود هذا الصرح العالمي».

وأوضح أن «المنطقة تضم المتحف المصري الكبير، وأهرامات الجيزة، وأبو الهول، مما يخلق فرصة استثنائية لتقديم تجربة سياحية متكاملة للسائح، تجمع بين عظمة الحضارة المصرية القديمة، والثقافة، والترفيه، والإقامة الفندقية الفاخرة، والتسوق، والخدمات السياحية الحديثة».

ويأتي هذا التوجه في بورصة لندن السياحية في الوقت الذي يحتفل فيه المتحف المصري الكبير بمرور عام على افتتاحه عبر أنشطة فنية وثقافية متنوعة لجذب السائحين، مع الإعلان عن وصول عدد زائري المتحف خلال العام الماضي إلى أكثر من 5 ملايين زائر.

ويرى الخبير السياحي المصري أيمن الطرانيسي أن «التحرك المصري في بورصة لندن للسياحة (WTM) للترويج للاستثمار السياحي في المنطقة المحيطة بالمتحف المصري الكبير خطوة استراتيجية تحوّل غرب القاهرة من مجرد (نقطة عبور) إلى (وجهة سياحية متكاملة ومستدامة) وتتلخص الأبعاد الفنية لهذا التوجه في إعادة التموضع السياحي من خلال استغلال افتتاح المتحف الكبير ومطار سفنكس لتمديد فترة إقامة السائح بالقاهرة وجذب الفئات ذات الإنفاق المرتفع».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «نتحدث عن منظومة استثمارية متكاملة، حيث إن المنطقة لا تحتاج إلى غرف فندقية تقليدية فحسب، بل تتطلب استثمارات نوعية في فنادق البوتيك التراثية ومناطق ترفيهية ثقافية وخدمات ذكية ترفع معدل الإنفاق اليومي للسائح».

ولفت إلى أن منصة بورصة لندن تعتبر اختياراً ذكياً لطرح المشروعات، حيث إنها تضع الفرص الاستثمارية المصرية مباشرة أمام الاستثمار العالمي وصناع القرار مما يعزز الثقة بمناخ الاستثمار في مصر.

المتحف المصري الكبير (فيسبوك)

وتعتمد مصر على العديد من المقومات السياحية وتنوع مقاصدها وأنماط السياحة بها لجذب السائحين من جميع أنحاء العالم، باعتبار السياحة من مصادر الدخل القومي الرئيسية في مصر، ومع تقديرات معلنة للوصول بعدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030.

ويرى الخبير السياحي المصري محمد كارم أن الترويج للاستثمار السياحي في المنطقة المحيطة بالمتحف الكبير في بورصة لندن السياحية يعيد ترتيب خريطة السياحة الثقافية والاستثمار في مصر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن أن تضم المنطقة المحيطة بالمتحف منظومة متكاملة من الأنشطة السياحية الفندقية والترفيهية كما أن تعدد المزارات بالمنطقة وقربها من مطار سفنكس يجعلانها أكثر جذباً للمستثمرين».

ولفت إلى أن «هذا التوجه من شأنه تحويل زيارة السائح للمتحف والأهرامات التي قد تستغرق ساعات عدة إلى تجربة سياحية متكاملة تصل لأيام عدة، كما يسهم ذلك في زيادة الإنفاق السياحي وتعظيم العائد الاقتصادي من السائحين الوافدين ويعزز فرص دخول استثمارات جديدة للسوق المصرية».