تتجه الأنظار القضائية والحقوقية في الولايات المتحدة صوب سجن ريفربيند، شديد الحراسة في ناشفيل، حيث تقف ولاية تينيسي الأميركية على أعتاب حدث تاريخي وقانوني غير مسبوق منذ العصر الحديث.
وتستعد الولاية لإنفاذ حكم الإعدام بحق السجينة كريستا غايل بايك (50 عاماً)، في خطوة تشكل المرة الأولى التي تُعدم فيها امرأة في هذه الولاية منذ ما يزيد على مائتي عام، وتحديداً منذ عام 1819.

وجاء هذا التطور البارز بعد أن أعلن حاكم الولاية، بيل لي، رسمياً رفضه التدخل لمنح الرأفة التنفيذية أو تخفيف العقوبة، مؤكداً أن الجريمة الفظيعة التي ارتكبتها بايك قبل نحو ثلاثة عقود لا تترك مجالاً للتراجع عن القصاص القانوني.
ظلال جريمة مروّعة عمرها 3 عقود
شغلت هذه القضية التي تعود فصولها إلى عام 1995 الرأي العام الأميركي طويلاً نظراً لوعورة تفاصيلها وصغر سن الجناة والضحية، إذ كانت كريستا بايك مراهقة في الثامنة عشرة من عمرها وتدرس في مركز للتدريب المهني بمدينة نوكسفيل.
وبدافع من الغيرة الشديدة والخلافات الشخصية، استدرجت بايك، بمساعدة صديقها، زميلتها كولين سليمر (19 عاماً) إلى منطقة معزولة في حرم جامعة تينيسي. وهناك، نفَّذ الجناة هجوماً وحشياً تضمن تعذيب الضحية لمدة نصف ساعة، ونقش رموز غريبة على جسدها، قبل أن تقضي عليها بايك بضربات قاتلة في الرأس، بل إنها احتفظت بقطعة من جمجمة الضحية «تذكاراً». وصدر بحقها حكم الإعدام عام 1996 لتصبح حينها أصغر امرأة تنتظر الإعدام في البلاد والوحيدة في عنبر الإعدام بتينيسي.

ورغم اعتراف بايك المبكر بالذنب، خاض فريق الدفاع عنها معركة قانونية شرسة امتدت لعقود، مستنداً إلى أن الحكم الصادر عام 1996 أغفل مراجعة التاريخ المأساوي لبايك، التي عانت طفولة قاسية تخللتها اعتداءات جسدية وجنسية متكررة، فضلاً عن إصابتها باضطرابات نفسية وعقلية حادة لم تُعالج وقت وقوع الجريمة. وجادل المحامون بأن الدماغ في سن الثامنة عشرة لا يكون مكتمل النمو، وأن بايك الخمسينية النادمة اليوم تختلف تماماً عن المراهقة المحطمة التي ارتكبت الجريمة قبل ثلاثة عقود.
ثغرات البروتوكول والطعن الدستوري
إلى جانب البعد الإنساني والنفسي، ركزت الاستراتيجية القانونية للدفاع على الطعن في شرعية بروتوكول الإعدام المتبع في تينيسي. وتقدم المحامون بطلبات عاجلة إلى المحكمة العليا الأميركية لوقف التنفيذ، بدعوى أن آلية الحقنة القاتلة تنطوي على مخاطر التسبب بآلام مبرحة ومعاناة تفوق الحد الدستوري، لا سيما أن بايك تعاني من اضطراب في الدم وضيق في الأوردة قد يؤدي إلى مضاعفات دموية شديدة في أثناء العملية. وفي خطوة أثارت كثيراً من الجدل القانوني، تقدمت بايك بطلب استثنائي وغير مألوف للسلطات، تطالب فيه بأن يتكون الفريق المسؤول عن تقييدها وتنفيذ الحقنة القاتلة من النساء بالكامل دون أي وجود رجالي، مبررةً ذلك بأن تعامل الحراس الرجال مع جسدها سيعيد إحياء صدمات الاغتصاب والانتهاك القديمة التي تعرضت لها في صغرها، وهو ما يراه الدفاع نوعاً من التعذيب النفسي المحظور دستورياً.

كما أثار الدفاع مخاوف حيال الإشراف الطبي، مشيرين إلى إخفاقات سابقة للولاية في العثور على أوردة السجناء في قضايا أخرى. غير أن السلطات القضائية بالولاية ردت بأن هذه الدفوع تظل في إطار الاحتمالات النظرية، وقضت المحكمة العليا في نهاية المطاف برفض تجميد الحكم.
العدالة المؤجلة ورسالة الوداع
أعادت هذه القضية إشعال الانقسام القيمي والأخلاقي العميق في المجتمع الأميركي حول عقوبة الإعدام، إذ يرى نشطاء حقوقيون وخبراء من الأمم المتحدة أن إعدام امرأة خمسينية نادمة على جريمة ارتكبتها وهي مراهقة لم يكتمل نمو دماغها يمثل قسوة مفرطة، لا سيما أن كل الأحكام المماثلة لليافعين في تينيسي قد خُففت سابقاً.

في المقابل، تمسكت عائلة الضحية بضرورة إنفاذ القانون حتى النهاية، إذ قطعت والدة كولين، ماي مارتينيز، مئات الكيلومترات لحضور التنفيذ، معبرةً عن أن العقوبة هي السبيل الوحيد لتحقيق العدالة لابنتها التي سُلبت حياتها في مقتبل العمر. وقبيل لحظاتها الأخيرة، وجهت بايك رسالة ودعت فيها العالم قائلة: «أنا في سلام، ولا أشعر بالخوف من الموت. أود أن أشكر الجميع على الوقت والاهتمام اللذين خُصصا لإظهار شخصيتي الحقيقية، بعيداً عن الصورة العامة الضيقة التي كانت الرواية الوحيدة المنشورة عني». ويعد هذا التنفيذ حدثاً نادراً للغاية في الولايات المتحدة، حيث تمثل النساء نحو 2 في المائة فقط من إجمالي أحكام الإعدام المنفذة منذ سبعينات القرن الماضي.





