وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

23 منظمة حقوقية تطالب الجزائر بالعدول عن قرار تنفيذ الإعدام

وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)
وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة العدل)
TT

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)
وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة العدل)

تعهد وزير العدل الجزائري، لطفي بوجمعة، بتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة لكل من يُتهم في جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام، في حين طالبت تنظيمات حقوقية ودولية الحكومة الجزائرية بالعدول عن قرار رفع وقف تطبيق هذه العقوبة، معربة عن مخاوفها من تداعيات هذه الخطوة.

جاء ذلك خلال تصريحات صحافية أدلى بها الوزير، الثلاثاء، في ولاية وهران على بُعد 450 كيلومتراً غربي العاصمة، حيث تفقد ظروف العمل بمجلس قضاء وهران (محكمة الاستئناف)، واطَّلع على سير النشاط القضائي والمحاكم بالولاية، كما التقى عدداً من القضاة والموظفين ومساعدي العدالة وأعوان القضاء، وفق بيان أصدرته وزارة العدل.

محكمة الاستئناف بوهران التي زارها وزير العدل الثلاثاء (الوزارة)

وقال بوجمعة للصحافيين إن عقوبة الإعدام التي تم إقرارها منذ أيام قليلة «ستُفعَّل، وسيضرب القضاء بقوة كل من تثبت في حقه الجرائم المنصوص عليها قانوناً، لا سيما إشعال الحرائق عمداً واختطاف الأطفال والتنكيل بهم».

وأكد الوزير بنبرة فيها تهديد أن القضاء سيكون «في الموعد مع ضمان جميع شروط المحاكمة العادلة، وبعد استنفاد كل طرق الطعن وإجراءات التقاضي»، مضيفاً: «كل من تثبت إدانته سيدفع الثمن».

تشديد العقوبات

وشدّد الوزير على عزم الدولة على مكافحة الجريمة، ولا سيما آفة المخدرات، مشيراً إلى مصادرة ملايين الحبوب المخدرة وكميات كبيرة من المخدرات الصلبة، من بينها الكوكايين والهيروين، في الآونة الأخيرة، واصفاً هذه الظاهرة بأنها «دخيلة على مجتمعنا ووطننا».

مصادرة مخدرات بجنوب الجزائر (وزارة الدفاع)

يُذكر أن السلطات قررت تحويل ثكنة عسكرية في أقاصي الصحراء، قرب الحدود مع النيجر، إلى سجن لكبار تجار المخدرات، على سبيل ردع هذه الآفة التي تصاعدت حدتها في السنين الأخيرة.

وتناول الوزير في تصريحاته العرض الذي قدمه، الاثنين الماضي، إلى «اللجنة القانونية» لـ«المجلس الشعبي الوطني» بخصوص مشروع تعديل قانون العقوبات الذي ينص على رفع التجميد عن عقوبة الإعدام في حالتين: إضرام النار عمداً، وقتل الأطفال والتنكيل بهم؛ مشيراً إلى أنه تصرَّف «وفقاً لتعليمات رئيس الجمهورية الذي طلب إعداد هذا النص على وجه السرعة، وتشديد العقوبات على مرتكبي الحرائق العمدية، وجرائم اختطاف الأطفال والتنكيل بهم».

وجاءت هذه الخطوة كرد فعل مباشر على الحرائق الهائلة التي اجتاحت مناطق خلال صيف هذا العام، مخلفة عشرات القتلى. أما ظاهرة قتل الأطفال بعد خطفهم، فقد لوحظ استفحالها في السنوات الأخيرة بشكل مثير للقلق.

حرائق مستعرة بمنطقة قالمة بشرق الجزائر في يوليو 2026 (الحماية المدنية)

ويتضمن النص المثير للجدل ثماني مواد، تتمثل أكثرها تشدداً في المادة الجديدة «395 مكرر»، التي تنص على عقوبة الإعدام بحق «كل من يتعمد إضرام النار في الغابات أو الأحراش أو الحقول، سواء كانت مزروعة أو غير مزروعة، أو في الأشجار أو أجزاء الغابات»، وكذلك الأخشاب المخزنة على شكل أكوام أو رزم داخل مناطق الغابات.

اعتراض حقوقي

كما توسّع المادة «396 مكرر 1» تطبيق العقوبة نفسها لتشمل «الإحراق العمدي لأي ممتلكات، عمومية كانت أو خاصة، إذا ارتُكب الفعل لصالح دولة أجنبية أو جهة أجنبية، في إطار الخيانة أو التخابر مع العدو أو الانتماء إلى جماعة إجرامية منظمة».

وتستهدف المادة «396 مكرر 2» كل «من يحرّض على هذه الأفعال أو يشجّع عليها أو يموّلها أو ينظّمها أو يسهّل ارتكابها، بما في ذلك عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي».

وزير العدل الجزائري خلال لقائه بالقضاة في وهران (الوزارة)

أما فيما يتعلق بالأطفال، فتنص المادة «291» على عقوبة الإعدام بحق «كل من يرتكب جريمة اختطاف طفل أو تعذيبه أو الاعتداء عليه جنسياً أو بتر أحد أعضائه، بغض النظر عن أي عقوبة أخرى مخالفة منصوص عليها في التشريع الساري المفعول».

وبالنسبة إلى جميع هذه الجرائم، لا يستفيد المحكوم عليه من أي ظروف مخففة.

قلق المنظمات الحقوقية

أبدت 23 منظمة حقوقية دولية رفضها لهذه الخطوة ببيانات متفرقة، أبرزها «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان» المُحلَّة بحكم قضائي، و«الائتلاف التونسي ضد عقوبة الإعدام»، و«المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب»، و«الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان»، و«منظمة العفو الدولية»، و«اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب».

واستندت هذه الجهات الحقوقية في اعتراضها على قرار الجزائر بمبادئ عامة مثل «التمسك بالحق في الحياة» ورفض عقوبة الإعدام، وتذكير الجزائر بأنها أوقفت تنفيذ الإعدام منذ عام 1993 بناء على توصيات الأمم المتحدة. كما أنها عدّت الإعدام «ليس وسيلة مثبتة للردع ومنع الجرائم»، داعية إلى محاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة بعقوبات صارمة دون إعدام.

وسجلت هذه المنظمات اعتراضها على توسيع نطاق الجرائم التي تستوجب الإعدام، خصوصاً في قضايا الحرائق واختطاف الأطفال.


مقالات ذات صلة

الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

شمال افريقيا ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)

الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

يعقد مسؤولون رفيعو المستوى من الجزائر وتونس اجتماعات ماراثونية، منذ أمس الثلاثاء، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي وتنمية المناطق الحدودية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
آسيا عربات إطفاء في ولاية كاليمانتان الغربية في إندونيسيا

الحرائق أتت على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في إندونيسيا

أتت الحرائق في إندونيسيا على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ونهاية سبتمبر (أيلول) من هذا العام.

شمال افريقيا رجال إطفاء يواجهون حرائق شرق الجزائر في يوليو 2026 (الحماية المدنية)

الجزائر توجّه اتهامات غير مسبوقة لباريس بشأن «حملات الاستقطاب»

تبدو تصريحات من موقوفَين جزائريين كأنها اتهامات رسمية جديدة موجهة إلى فرنسا، بخصوص «توظيف عملاء بهدف ضرب استقرار البلاد»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تتهم معارضاً في الخارج بإشعال حرائق الغابات

اتهمت السلطات الجزائرية رسمياً وبشكل مباشر اليوتيوبر المعارض اللاجئ في فرنسا، أمير بوخرص، بدفع أموال لشخصين مقابل إشعال الحرائق التي ضربت شرق البلاد...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
يوميات الشرق في جوف الأرض جمرٌ لا يعرف النوم (أ.ف.ب)

حرائق «الزومبي» في إندونيسيا... نيران تختبئ أشهراً تحت الأرض

لأسابيع متواصلة، بدت أجزاء من جزيرة بورنيو الإندونيسية كأنها مشهد من مشاهد الدمار الشامل، إذ يتجوّل السكان مرتدين الأقنعة وسط ضباب كثيف كريه الرائحة...

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)

موريتانيا وإسبانيا لتعزيز التعاون في محاربة الجريمة العابرة للحدود

الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)
الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا وإسبانيا لتعزيز التعاون في محاربة الجريمة العابرة للحدود

الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)
الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)

أجرى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الثلاثاء في نواكشوط، مباحثات مع وزير الداخلية الإسباني فرناندو مارلاسكا، تناولت تعزيز التعاون في مكافحة الهجرة غير القانونية والجريمة العابرة للحدود، في إطار التعاون مع موريتانيا والاتحاد الأوروبي، استناداً إلى الاتفاق الموقع عام 2024 بين نواكشوط وبروكسل.

وقال وزير الداخلية الإسباني، عقب اللقاء، إنه بحث مع الرئيس الموريتاني «التعاون الاستراتيجي في مجال مكافحة الهجرة غير القانونية»، كما «تعمق البحث في قضايا الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود»، موضحاً أن «العلاقة في هذا المجال جيدة، ويحق لنا وصف الشراكة بالاستراتيجية، استناداً إلى الثقة القائمة بيننا، ما يضفي فاعلية على تعاوننا».

وأكد وزير الداخلية الإسباني أن موريتانيا «شريك استراتيجي ومحاور أساسي لإسبانيا»، وأن التعاون بين البلدين حال دون وصول أكثر من 4300 مهاجر إلى جزر الكناري هذا العام.

جاءت هذه التصريحات في ختام زيارة مارلاسكا إلى موريتانيا، بعد لقاء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ووزير الداخلية والصيد والدفاع، فيما أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن السلطات الموريتانية اعترضت هذا العام 37 قارباً كانت متجهة إلى الكناري، وكانت تحمل أكثر من 4300 شخص «في ظروف شديدة الخطورة».

وزير الداخلية الإسباني خلال استقباله من طرف نظيره الموريتاني أمس (وزارة الداخلية الموريتانية)

وأشاد مارلاسكا بمستوى تنسيق البلدين في مواجهة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود، وأعلن دعم بلاده لاستمرار «شراكة استراتيجية شاملة» بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي. وقال في هذا السياق إن «بناء مناخ من الثقة كان أساسياً» لنجاح الجهود المشتركة، مشيراً إلى تجربته وزيراً للداخلية منذ 8 سنوات، قبل أن يشكر جهود موريتانيا في «إنقاذ الأرواح وحماية الفئات الأكثر ضعفاً ومحاربة شبكات الجريمة».

مطالب مدريد

كما أشاد مارلاسكا بنموذج التعاون بين موريتانيا وإسبانيا في مجال محاربة الهجرة غير النظامية، خصوصاً من خلال وجود ضابط اتصال موريتاني ملحق بمركز التنسيق الإقليمي في جزر الكناري، وفريق التحقيق الشرطي، العامل المشترك في مدينة نواذيبو الموريتانية، وطلب تكرار هذه التجربة في نواكشوط.

ودعا وزير الداخلية الإسباني كذلك إلى تعزيز عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين، وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، قائلاً إنها «عنصر أساسي» في سياسة هجرة فعالة بسبب أثرها الرادع، وإنها تتطلب تعاوناً وثيقاً.

وتنشر إسبانيا في موريتانيا 40 عنصراً من الشرطة الوطنية والحرس المدني، يملكون قاربين ومروحية واحدة و14 مركبة رباعية الدفع. وتُرسل طائرات وسفن عابرة للمحيطات بين وقت وآخر، خصوصاً للدوريات المشتركة.

وفي ختام الزيارة التي استمرت عدة ساعات، لم يعلن عن اتفاقيات جديدة أو تمويل جديد، فيما شدد مارلاسكا، على أن بلاده ستدفع نحو تعزيز تعاون الاتحاد الأوروبي مع موريتانيا.

موقف موريتانيا

من جانبها، قالت وزارة الداخلية الموريتانية، في بيان، إن المحادثات مع الجانب الإسباني تناولت سبل تطوير التعاون وتعزيز الشراكة، خصوصاً فيما يتعلق بالجانب الأمني.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الداخلية الموريتاني المختار ولد أحمد بوسيف أن بلاده تعتمد مقاربة شاملة لمكافحة الهجرة غير النظامية، وتراهن على دعم الشركاء في هذا المجال.

وأوضح ولد بوسيف أن المقاربة الموريتانية «تجمع الأبعاد الأمنية والقانونية والإنسانية والتنموية، وتركز على التصدي لشبكات التهريب والاتجار بالأشخاص، وتعزيز مراقبة الحدود، ومنع استخدام الأراضي الموريتانية معبراً نحو أوروبا»، وفق تعبيره.

وزير داخلية إسبانيا خلال تصريح صحافي بعد استقباله من الغزواني أمس (الرئاسة الموريتانية)

وشدد الوزير الموريتاني على أن مواجهة شبكات التهريب «تتطلب تنسيقاً مستمراً مع الشركاء الإقليميين والدوليين»، قبل أن يؤكد أن موريتانيا حريصة على استمرار الشراكة مع إسبانيا وتعزيزها وتوسيع آفاقها، وفق تعبيره.

وقالت وزارة الداخلية الموريتانية، في بيان، إن الوزير الإسباني وصف خلال مباحثاته مع نظيره الموريتاني علاقات البلدين بأنها «جد متميزة»؛ حيث تعتبر بلاده أن موريتانيا «شريك وحليف استراتيجي»، قبل أن يدعو إلى تنويع مجالات التعاون لتشمل الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى الجانب الأمني.


«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
TT

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى قبل أيام، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون، ومن ثم تعريف المؤثرين، وما إذا كان تحديدهم يستند إلى عدد المتابعين أم «قيمة» ما يقدمونه وقدرته على ترك أثر.

كان وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان قد التقى، الأحد، بنحو 70 من صُناع المحتوى ضمن اللقاءات التي تعقدها الوزارة مع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان الوزارة الذي أطلق شرارة الجدل، حيث وصف المجموعة بأنها «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع».

إشكالية التعريف

أستاذة الإعلام في جامعة القاهرة، سارة فوزي، ترى أن نحو 25 في المائة فقط من المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام هم من يقدمون محتويات هادفة متخصصة جيدة، بينما يدور محتوى الباقين حول التندر أو السخرية أو الدخول في معارك بهدف جذب المتابعين.

وقالت: «عدد المتابعين ليس معياراً يمكن الاستناد إليه عند التعامل مع صنُاع المحتوى، فقد يتابع أحدهم ملايين المتابعين لكن التفاعل معهم قائم على الهجوم على ما يقدمونه، وليس الإعجاب به».

أما أستاذ الإعلام ونائب رئيس أكاديمية الشروق، محمد شومان، فيعتبر تعريف المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي «إشكالية»، خصوصاً أنه «لا يوجد تعريف واحد مرجعي ملزم قانونياً لصناع المحتوى والمؤثرين حول العالم يمكن الاستناد إليه، فيتم تعريفهم بصور مختلفة مثل منشئي المحتوى عبر وسائل التواصل بهدف التأثير في الجماهير، أو فئة فاعلة ومؤثرة في الرأي العام والتسويق والقضايا السياسية».

لكنه يعدد معايير يمكن الاستناد إليها في تمييز المؤثرين من بين صناع المحتوى الكثيرين، منها «عدد المتابعين، واستمرارية النشر، وحجم التفاعل معهم، ومدى تأثيرهم الفعلي في المتابعين».

إطار تنظيمي

خبير الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا، معتز نادي، نبَّه إلى ضرورة التفرقة بين «المؤثر» و«المنتشر»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المنتشر قد يحصد ملايين المشاهدات بفضل ترند عابر أو محتوى مثير للجدل، بينما يمتلك المؤثر ثقة متراكمة لدى جمهوره، وقدرة على تشكيل القناعات وتغيير السلوك، حتى لو كان عدد متابعيه أقل؛ ولذلك لا أعتبر أرقام المشاهدات والمتابعين وحدها معياراً لقياس التأثير الحقيقي».

وأضاف: «من منظور الاتصال المؤسسي، يستطيع صناع المحتوى المساهمة في تبسيط السياسات والخدمات العامة، والتعريف بالفرص الاقتصادية والسياحية والثقافية، ونقل اهتمامات الجمهور وتساؤلاته إلى المؤسسات؛ لكن من المهم ألا تتحول هذه العلاقة إلى توظيف المؤثرين لأغراض دعائية، لأن استقلاليتهم ومصداقيتهم هما مصدر قوتهم الحقيقي في إطار حديثهم بلسان حال الناس».

وكان صناع المحتوى قد طالبوا في اجتماع وزير الدولة للإعلام بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار، واقترح أحدهم أن ينضموا إلى شعبة بنقابة الصحافيين المصرية؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

عدد من صناع المحتوى خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام يوم الأحد (وزارة الدولة للإعلام)

وأيد شومان طلب تنظيم المؤثرين وصناع المحتوى، معتبراً أن إيجاد مثل هذا الإطار سواء بنقابة أو اتحاد أو شعبة على غرار الشعب التجارية، يتيح وضع إطار تنظيمي وتعريف لهم.

وتابع قائلاً: «توفير كيان قانوني للمؤثرين مفيد لهم وللدولة، فيمكن عندها العودة إليه عند مخالفة بعضهم للمعايير والأسس المجتمعية، كما أنه سينظم في قانون واحد هذا العمل ومعاييره وأخلاقياته، ويفرض عقوبات على المتلاعبين فيه، مثل المؤثرين الذين يشترون مشاهدات ومتابعين وهميين لإيهام الجمهور بشعبية ليست حقيقية».

لكن سارة فوزي تتحفظ على استعانة الحكومة بـ«المؤثرين» دون وضع معايير محددة أو خطة واضحة وهدف لمثل هذه اللقاءات، مستبعدة أن تتمكن المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام من مساعدة الوزارة في التأثير في الرأي العام.

وقالت: «الجمهور يتابعهم لمحتوى معين، ويسهل عليه اكتشاف التحول أو التغير فيه، وعادة لا يتقبل مثل هذه التغيرات ويهجر صانع المحتوى عند تغيير طريقته المعتادة، وهو ما حدث مع الكثير من المؤثرين».

وترى أنه من الأفضل أن «تضع الحكومة خطة ومعايير واضحة، وتدعم صناع محتوى جدداً نابهين من كليات الإعلام والكليات الاجتماعية، لديهم الموهبة، ويمكن أن تمدهم بالتدريب والتأهيل اللازمين، وتساعدهم على إنتاج محتوى هادف مفيد للمجتمع، لا أن تنجذب إلى ضخامة عدد متابعين لمحتوى قد يكون تافهاً ولا يقدم شيئاً».


أسعار الطاقة تدفع الحكومة المصرية لـ«سيناريو الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
TT

أسعار الطاقة تدفع الحكومة المصرية لـ«سيناريو الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)

تتجه الحكومة المصرية مجدداً إلى سيناريو «ترشيد الإنفاق»، خاصة في المجالات المرتبطة باستهلاك الطاقة، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية، وتأثير الاضطرابات العالمية على الاقتصاد؛ غير أن تلك الخطوات أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت ستمسَّ المواطنين عبر زيادة أسعار الوقود أو عودة «تخفيف الأحمال».

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً «للجنة المركزية لإدارة الأزمات»، مساء الاثنين، إن هناك «خطة لترشيد الإنفاق الحكومي، وإيجاد حيز مالي محدد للتعامل مع الأزمة الراهنة يتم إعدادها بالتعاون والتنسيق بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية».

وأوضح أن الخطة تتضمن عدداً من البنود المرتبطة بترشيد الاستهلاك الحكومي في الوقود والكهرباء، والتي سبق تطبيقها عند اندلاع الأزمة، مع إيلاء الأهمية القصوى لعمليات الإنتاج والتصنيع وتعزيز التصدير للأسواق الخارجية، وترشيد الإنفاق في جميع مخصصات مجالات الدعاية والإعلان بالجهات الحكومية.

وسبق أن طبقت الحكومة المصرية خطة تقشفية «استثنائية» بعد أيام من اندلاع الحرب الإيرانية، وأقرت في شهر مارس (آذار) الماضي، حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، تضمنت إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق، وخفض الإنارة الداخلية للشوارع لأقل مستوى، وإغلاق الحي الحكومي في السادسة مساءً وإطفاء الأنوار فيه بالكامل، وإغلاق المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساءً، قبل أن تُوقف قرار غلق المحال العامة بعد شهر من تطبيقه، وتبعه التراجع عن باقي القرارات المرتبطة بـ«الخطة الاستثنائية».

فجوة الموازنة

يأتي التوجه الحالي للحكومة في وقت تشكو فيه من وجود فجوة في الموازنة العامة التي بُنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، بينما ارتفع حالياً إلى نحو 107 دولارات وفقاً لأرقام وزارة البترول؛ فيما أكد مدبولي، الشهر الماضي، أن كلفة شحنات الطاقة المستوردة تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل عامين.

حافلات على أحد الطرق الرئيسية في مصر (وزارة النقل)

وقال الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إن خطة «الترشيد» مجدداً مهمة وإيجابية، وبحاجة لأن تتكامل مع إجراءات أخرى تهدف إلى تقليص فاتورة الوقود.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن من بين تلك الإجراءات وجود نظام محكم للرقابة على «منظومة البونات» التي تُمنح لصالح السيارات التابعة للحكومة، وضمان عدم تسريبها للاستخدام الشخصي، إلى جانب وجود منظومة رقمية لجميع وسائل الانتقال.

واستطرد قائلاً إن الحكومة تعمل على تتبع استخدام الوقود لكنها في الوقت ذاته لم تستكمل منظومة «بطاقة البنزين»، والتي كان من المفترض تعميمها منذ سنوات للتعرف على استهلاك الوقود.

وأضاف: «في حال تفعيل هذه المنظومة فسيمكن تحديد كميات محددة مدعومة شهرياً، وهو ما يُمكِّن الحكومة من تحقيق عوائد بيع أفضل للمستهلكين المحليين، كما أن ذلك يمنحها القدرة على تقدير احتياجات السوق ومتطلباته بشكل أكثر دقة».

وقال الإدريسي إن الحكومة أمام وضع صعب بسبب الفجوة بين كلفة دعم الوقود في الموازنة العامة والأسعار العالمية، إلى جانب تراجع الجنيه مقابل الدولار، وهو أيضاً ما يرفع تكاليف الاستيراد.

وتراجع الجنيه المصري بنسبة 5.81 في المائة خلال الشهر الماضي، وانخفض بنسبة 17.27 في المائة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وفقاً لمؤشر «تريندغ إيكونومي».

خيارات صعبة

وقالت مصادر حكومية، الثلاثاء، إنه جرى إخطار الشركات الأجنبية المتعاقد معها بتأجيل تسلم 5 شحنات من الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات السوق المحلية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من إجمالي 15 شحنة جرى التعاقد عليها، في ظل ارتفاع تكلفة الشحنة الواحدة إلى أكثر من 100 مليون دولار، بزيادة 100 في المائة، مقارنة بسبتمبر (أيلول) الماضي، بحسب ما نشرته «الشرق بلومبرغ».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف عن أن مصر «لم تتمكن من ملء مستودعاتها الاستراتيجية لتخزين البترول، رغم أن سعتها الإجمالية تبلغ 33 مليون برميل، بسبب عدم توفر التمويل اللازم»، المقدر بنحو 2.5 مليار دولار.

وقال رئيس لجنة الاستثمار بحزب «الوعي»، أحمد شكري: «قرارات الترشيد جيدة لكنها تأخرت كثيراً، وكانت بحاجة لأن يتم تطبيقها بحسم منذ بداية الحرب الإيرانية»، مشيراً إلى أن «الترشيد» يجب ألا يقتصر على استهلاك الطاقة وحسب، وأن على الحكومة إعادة خططها نحو تدشين مشروعات جديدة، وعدم البدء في مشروعات تشكل ضغطاً على الموازنة، ولو مؤقتاً إلى أن تتضح الرؤية بشأن تمدد صراعات المنطقة.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة مطالبة أيضاً بترشيد على مستوى الاستعانة بالمستشارين، ومعالجة أزمة تكرارية المناصب في جهات مختلفة تؤدي الدور نفسه، والحد من استيراد السلع غير الضرورية التي تستهلك الرصيد الدولاري».

رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في إحدى الجلسات البرلمانية (مجلس الوزراء)

وأثار العديد من المواطنين تساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إذا كان التقشف قد يطول الخدمات المقدمة إليهم، في ظل حديث سابق للحكومة عن «خيارات صعبة» للتعامل مع أزمة إمدادات الوقود.

لكن المتحدث باسم الحكومة، المستشار محمد عادل، قال في تصريحات إعلامية، مساء الاثنين، إن إجراءات التقشف «لا ترتبط بتخفيف الأحمال أو اتخاذ أي قرارات تمس المواطنين بشكل مباشر»، وإن اجتماع اللجنة المركزية لإدارة الأزمات ناقش ترشيد استهلاك الطاقة والوقود داخل الوزارات والهيئات الحكومية.