لطالما واجه العلماء صعوبة في تحديد الموطن الأصلي لنشوء الخفافيش، حيث اقترحت فرضيات سابقة مواقع مثل أفريقيا، وآسيا، وأميركا الشمالية.
ولكن أبحاثاً جديدة أعادت صياغة التاريخ التطوري للخفافيش، مقدمةً أدلةً تشير إلى أن هذه الثدييات المجنحة نشأت على الأرجح في أوروبا خلال أواخر عصر الباليوسين، منذ نحو 60 إلى 65 مليون سنة.
وتقدم نتائج هذه الأبحاث الآن صورة أوضح حول مكان وزمان نشأة هذه السلالة الفريدة. فمن خلال الجمع بين البيانات الجينومية لجميع فصائل الخفافيش الحية وسجلات الحفريات القديمة، تمكن فريق دولي ضم 137 باحثاً من 64 دولة -ويعملون ضمن تحالف «Bat1K (بات وان كيه)»، وهو مبادرة عالمية مكرسة لتسجيل تسلسل جينومات جميع أنواع الخفافيش الحية- من إعادة كتابة التاريخ التطوري للخفافيش، وكشف اللغز التاريخي لمكان نشأتها الأولى.
حللت الدراسة المنشورة، الأربعاء، في دورية «نيتشر» الشهيرة، جينومات 103 أنواع من الخفافيش -بما في ذلك 42 تجميعاً جينومياً جديداً على مستوى الكروموسومات- ممثلةً لجميع فصائل الخفافيش المعترف بها، والبالغ عددها 21 فصيلة. وجرى دمج هذه البيانات مع أدلة مستمدة من حفريات لـ44 نوعاً من الخفافيش.

ووجد الباحثون أن الخفافيش تطورت في البداية -على الأرجح- في أوروبا خلال أواخر عصر الباليوسين، ومن هناك انتشرت سلالاتها إلى أفريقيا.
ومع تنوع الخفافيش، توسعت مجموعات مختلفة بشكل مستقل نحو الأميركتين، وآسيا، وأستراليا، مما أدى في النهاية إلى ظهور المجموعات الرئيسة للخفافيش الموجودة حول العالم اليوم.
وقالت الباحثة الرئيسة البروفسورة ليليانا إم. دافالوس، من جامعة ستوني بروك الأميركية، في بيان الأربعاء: «إن المنهجية التي استخدمناها لنمذجة تطور الأنواع الأحفورية والحية معاً تتيح لنا القيام بما تعجز عنه الطرق الأخرى؛ ألا وهو تحديد أقدم مجموعة من الخفافيش الأحفورية، مع مراعاة البيانات الجينومية، والكشف عن زمان ومكان نشأة الخفافيش».
ومن خلال إعادة بناء جينوم السلف القديم الذي تحدرت منه جميع الخفافيش الحية باستخدام أساليب حاسوبية، تمكن الباحثون من تقديم لمحة عن التركيب الجيني لواحد من أوائل الثدييات الطائرة.
وسيتيح هذا المورد الجينومي الجديد للعلماء دراسة التغيرات الجينية الكامنة وراء التنوع والتكيفات الاستثنائية للخفافيش -بما في ذلك الطيران، وتحديد الموقع بالصدى، وطول العمر، ومقاومة الأمراض- فضلاً عن قدرتها المذهلة على مقاومة الأمراض، وطول عمرها الاستثنائي مقارنة بحجمها.
أكثر الثدييات تميزاً وإثارة
وتُعد الخفافيش من أكثر الثدييات تميزاً وإثارة للدهشة على وجه الأرض؛ فهي الثدييات الوحيدة القادرة على الطيران النشط الحقيقي. وتعتمد معظم الخفافيش على الصوت وحده لتحديد الاتجاهات في الظلام الدامس من أجل الإيقاع بالفريسة، كما أنها تشكل خُمس إجمالي الثدييات الحية، وتلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على صحة النظم البيئية في جميع أنحاء العالم.
وتُظهر العديد من أنواع الخفافيش مقاومة مذهلة للأمراض، وتعيش لفترات طويلة جداً مقارنة بأحجامها.

وقالت البروفسورة إيما تيلينغ -الباحثة الرئيسة، والأستاذة في كلية الأحياء وعلوم البيئة بجامعة كلية دبلن: «إنه لأمر مذهل؛ فبعد عقود من الأبحاث والنتائج المتضاربة، أصبح لدينا أخيراً شجرة تطورية متينة يمكننا استخدامها لفهم كيفية ومكان تطور السمات الفريدة للخفافيش بشكل صحيح».
وأضافت: «لدينا أيضاً الجينومات اللازمة للكشف عن الأساس الجزيئي لهذه التكيفات المذهلة لدى الثدييات، وتحديد موقع الخفافيش الأحفورية ضمن شجرة تطورها».
ووفق الباحثين تُمثّل هذه الدراسة أضخم بحث يجمع بين بيانات الجينوم والسجلات الأحفورية للخفافيش على الإطلاق؛ إذ اعتمدت على عينات جُمعت على مدار عقود من خفافيش منتشرة حول العالم، بما في ذلك بعض الأنواع النادرة وغير المألوفة التي لا توجد إلا في أكثر المناطق النائية عزلة.










