جدَّد الإعلان عن استعادة مصر قناعاً أثرياً من سويسرا مطالب الأثريين والمتخصصين المصريين باسترداد الآثار المهرَّبة إلى الخارج، وسط إشادات بجهود الدبلوماسية المصرية في هذا الصدد، وبالمسارات القانونية التي تتبعها وزارة السياحة والآثار لاستعادة القطع المهرَّبة.
وأعلنت السفارة السويسرية لدى مصر، الأربعاء، إعادة قناع جنائزي أثري إلى مصر يعود إلى العصر البطلمي، ويبلغ عمره أكثر من ألفي عام.
ووفق ما نشرته السفارة عبر صفحتها على «فيسبوك»، «كانت الجمارك السويسرية قد أوقفت دخول القناع إلى البلاد عام 2022، قبل أن يؤكد خبراء الآثار أصله المصري. وفي برن، سلَّمت المستشارة الفيدرالية إليزابيث بوم شنايدر القناع رسمياً إلى سفير مصر لدى سويسرا محمد نجم».
وتأتي استعادة القناع في إطار التعاون الممتد بين سويسرا ومصر لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية. ومنذ عام 2011، أعادت سويسرا إلى مصر نحو 80 قطعة أثرية وثقافية.
ووصف البيان الحدث بأنه «كنز آخر يعود إلى مصر... وقطعة من التاريخ تعود إلى موطنها».
وعدَّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، استرداد القناع الجنائزي المصري من سويسرا «خطوة مهمة في مسار استعادة الآثار المصرية، ليس فقط لقيمة القناع الفنية، وإنما لما يحمله من دلالات مرتبطة بالعقيدة الجنائزية المصرية في العصر البطلمي».
وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «فالقناع، الذي يرجع إلى القرن الثاني قبل الميلاد، يعكس استمرار التقاليد المصرية في التعامل مع الموتى والحفاظ على هوية المتوفى، خلال مرحلة شهدت تفاعلاً بين العناصر المصرية والتأثيرات الهلنستية».

وأشارت إلى أن «هذه الواقعة تؤكد أن ملف استرداد الآثار يعتمد بصورة متزايدة على التكامل بين التوثيق الأثري والخبرة العلمية والإجراءات القانونية والتعاون الدولي. وهذا مهم للغاية؛ لأن نجاح مصر في استعادة أي قطعة أثرية موثَّقة يرسّخ مبدأ أن التراث الثقافي ليس سلعة عابرة للحدود، وإنما جزء من الذاكرة التاريخية للشعوب، وأن حماية هذه الذاكرة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الدول والمؤسسات المتخصصة. لذلك، فإن عودة هذا القناع إلى مصر تمثل إضافة حقيقية إلى جهود صون التراث المصري واستعادة القطع التي خرجت من البلاد بصورة غير مشروعة».
ونجحت مصر، خلال السنوات العشر الأخيرة، في استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية كانت مهرَّبة إلى خارج البلاد، وفق تصريحات سابقة لوزير السياحة والآثار، الذي أكد أن الدولة تولي ملف استرداد التراث الأثري أهمية كبيرة ضمن جهودها للحفاظ على هوية مصر الثقافية والتاريخية.
وشهدت الفترة الماضية استرداد كثير من القطع الأثرية من الولايات المتحدة وفرنسا وهولندا وغيرها من الدول، عبر الجهود الدبلوماسية والقانونية والاتفاقيات الدولية، بينما نشطت حملات أهلية ومطالبات أطلقها متخصصون في الآثار لاستعادة قطع أثرية مهمة موجودة في متاحف أوروبية.
وأشار الخبير الآثاري المصري الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إلى أن «العائق الأكبر في استرداد الآثار يتمثل في عدم عدالة الاتفاقيات الخاصة بحقوق الملكية الفكرية».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «استعادة القطع الأثرية من الخارج تمثل حماية لتاريخنا وتراثنا المصري، ويجب العمل على استعادة هذه القطع على المستويين الرسمي والأهلي».
ويطالب ريحان بتحويل إدارة الآثار المستردة في وزارة السياحة والآثار إلى هيئة مستقلة تحمل اسم «هيئة الآثار المستردة»، على غرار هيئة المتحف المصري الكبير، وتضم آثاريين وقانونيين وخبراء مساحة، إلى جانب خبرات دبلوماسية وأمنية وإعلامية. وتتولى الهيئة استعادة الآثار المصرية الموجودة في الخارج، والحصول على حقوق مادية من المتاحف العالمية التي تعرض آثاراً مصرية، أو تتربح من نسخ مستنسخة منها، أو تستخدم الآثار المصرية علامات تجارية، وذلك في ضوء الضوابط القانونية الدولية والمحلية المنظِّمة لهذا الأمر، مع احتفاظ مصر بحقها القانوني في المطالبة باستعادة هذه الآثار.
