فيلمان إسرائيليان... فلسطين بين التوثيق والتغييب

«نازا» يكشف آليات استهداف غزة... وغيتاي يغلّف معاناة الفلسطينيين بالغموض

فريق فيلم «نازا» خلال جلسة تصوير في مهرجان فينيسيا السينمائي (رويترز)
فريق فيلم «نازا» خلال جلسة تصوير في مهرجان فينيسيا السينمائي (رويترز)
TT

فيلمان إسرائيليان... فلسطين بين التوثيق والتغييب

فريق فيلم «نازا» خلال جلسة تصوير في مهرجان فينيسيا السينمائي (رويترز)
فريق فيلم «نازا» خلال جلسة تصوير في مهرجان فينيسيا السينمائي (رويترز)

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا (7)

المحتوى الذي يقدّمه فيلم «نازا (Naza)» جريء، ويفتح الأعين على موضوع نعرفه جميعاً، لكننا لم نره من قبل بهذا القدر من الوضوح والتوثيق.

«نازا» فيلم إسرائيلي الهوية، بتمويل بريطاني - أميركي، أخرجه يوفال إبراهام وراشيل شور، اللذان شاركا قبل عامين، بالتعاون مع الفلسطينيَّين حمدان بلال وباسل عدرا، في فيلم «لا أرض أخرى (No Other Land)»، الذي عُرض أولاً في مهرجان برلين، ثم فاز لاحقاً بأوسكار أفضل فيلم وثائقي.

راشيل شور ويوفال أبراهام في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)

كلاهما فيلمان وثائقيان عن المحنة الفلسطينية. في الفيلم السابق، دار الحديث عن طرد الفلسطينيين من منازلهم في الضفة الغربية والاستيلاء عليها، تبعاً لنظام تهجير مدروس يهدف إلى اقتلاعهم من أراضيهم. وكان فيلماً جديراً بالاهتمام الذي حظي به، مع هنَّات قليلة، من بينها مشاهد بدا الحوار فيها معدّاً سلفاً.

أما الفيلم الثاني، فيذهب إلى ما هو أبعد بكثير مما ذهب إليه سابقه. هذه المرة، لا يصوِّر المخرجان سزور وأبراهام الهجوم المستمر على غزة فحسب، بل يكشفان أيضاً كيفية وقوعه، والطريقة التي ينظر بها إليه جنود قابلهم الفيلم وشاركوا في حرب الإبادة.

ويكشف هؤلاء عن نظام دقيق يعتمد تكتيكات ممنهجة لإلحاق أكبر قدر من القتل والأذى والضرر بكل ما ينتمي إلى غزة؛ من بشر ومنازل وشجر.

يتم ذلك عبر مقابلات مع جنود إسرائيليين يلتقيهم المخرجان ويحاورانهم على أسطح المباني، فيكشفون خلالها عن العنف الذي تنتهجه الإدارة العسكرية ضمن نظام استراتيجي.

عبر الهواتف المنقولة

فوق سطوح تل أبيب... جنود إسرائيليون يكشفون آليات الحرب (ملف مهرجان فينيسيا)

وبذلك، يصبح الفيلم تجسيداً لمقولة «وشهد شاهد من أهلها»؛ إذ يفضح الجنود الإسرائيليون الذين وافقوا على الحديث إلى المخرجَين ممارسات غير مسبوقة في تاريخ الحروب، من حيث التصفية العرقية والإبادة الجماعية، وحجم الاعتداء وشدته وضراوته، وهو اعتداء ما زال واقعاً يومياً حتى الآن.

وحسب اعتراف السلطات الإسرائيلية، هناك 73 ألف قتيل من الجنسين ومن مختلف الأعمار، بينما لا يزال العدّاد مستمراً. ويُشار إلى كل قتيل بكلمة «نازا»، وهي كلمة عبرية تُستخدم اسماً لجميع القتلى المدنيين، تجنباً لتحديد عدد الذكور والنساء والأطفال من الجنسين.

الشهادات مؤلمة، وتؤكد أن المنهج المتَّبع لم يقتصر على القتل، بل التدمير الشامل أيضاً. ويؤكد أحد الجنود أن القذائف الموجَّهة كانت تُستخدَم بالاستعانة بأحدث أدوات التنصّت الهاتفي. ويعترف بأن عدد الضحايا الأبرياء كان آخر ما يشغل القيادة؛ إذ كانت القذيفة تُوجَّه إلى المبنى بأسره، بما يوسّع دائرة الضحايا. وإلى جانب ذلك، تعاملت القيادة العسكرية، وفق مجنّد آخر، مع الوضع على أساس أنه لا يوجد فلسطيني بريء، وبالتالي فإن الجميع يستحقون القتل. ويُذكِّر ذلك بما كان يتردد بين ضباط الجيش الأميركي حيال السكان الأصليين للبلاد، إذ كانوا يقولون: «الهندي الطيب هو الهندي الميت».

أما النواحي التقنية، فليست ذات شأن. يعتمد الفيلم بناءً مبسّطاً يحتضن موضوعاً يريد المخرجان إبقاءه في صدارة الاهتمام. لكن يمكن، إلى حد بعيد، التغاضي عن افتقاد الفيلم لغة فنية كتلك التي نجدها في أفلام وثائقية أخرى، مثل التي تقدّمها باربرا كوبل في «يونيون تاون»، أو تلك التي اعتاد تقديمها المخرج المعتكف روجر مور. وينتقد البعض هذا التغييب، علماً بأنه لم يعد هناك مجال لتقييم عمل عبر البحث عن نقيصة واحدة ونسيان ما هو أهم.

ومنح معظم النقاد الغربيين العاملين في صحف ومنصات كبرى الفيلم علامات إعجاب عالية. وحين انتهى عرضه، قوبل بتصفيق حار استمر أكثر من 20 دقيقة، وقوفاً.

رحلة لا تنجز هدفها

من «الطريق إلى أريحا» (ملف مهرجان فينيسيا)

فيلم إسرائيلي آخر، عُرض خارج المسابقة، عنوانه «الطريق إلى أريحا (The Road to Jericho)»، للمخرج المعروف أموس غيتاي. لا بأس بنواياه الحسنة، على الرغم من الغموض المقصود الذي يكتنف بعضها. لكن الفيلم، على خلاف سابقه، يدفع إلى انتقاد أسلوبه واختيار مخرجه لمفرداته السينمائية، كما هي الحال في كثير من أفلام غيتاي خلال السنوات الـ15 الماضية على الأقل.

وصف غيتاي فيلمه بأنه «موسيقي وشاعري»، ومنه نُقل هذا الوصف وتكرر استخدامه. وفي الواقع، لا يخلو الفيلم من الموسيقى، ولا من لمسات شعرية تظهر في بعض سرده لرحلة طريق، مزوّدة ببعض المواد الوثائقية والانتقالات بين ما يُصوَّر ضمن هذه الرحلة، وما يخطر على بال المخرج من مشاهد إضافية.

غير أن هذا التجاذب بين جوانب فنية مختلفة لا يساعد على إلقاء الضوء على الموضوع الذي يشتغل عليه الفيلم. فعلى الطريق من القدس إلى أريحا، يمر المخرج بقرية اسمها «الخان الأحمر»، تتألف من خيام لبدو لا يزيد عددهم على 300 شخص، يعيشون حالة منسية من الوجود. ويتوقف غيتاي عند حقيقة أن القرية بحاجة إلى مدرسة، لكن المحكمة لم توافق عليها بعد، ولا يبدو أنها ستفعل، إذ إن القرية نفسها مهددة بالزوال.

أموس غيتاي مخرج فيلم «الطريق إلى أريحا» في مهرجان فينيسيا السينمائي (رويترز)

يعرض المخرج ما يريد، لكنه لا يتبنّاه. ولديه، في السنوات الأخيرة، ميل إلى السباحة الحرة في الأسلوب، متنقلاً بين ما يُروى وما يتم تسجيله، على نحو يؤدي إلى تمييع موقف الفيلم مما يعرضه.

وهنا أيضاً، يستخدم أسلوباً مجرداً، لا هو واقعي ولا خيالي، ولا ينجح من خلاله في تجسيد الحالة الفلسطينية التي يقول إنه يريد طرحها، بل يواصل وضعها في قالب هلامي. والناتج فيلم قائم على خيارات فنية لا تصب في خدمة موضوعه.

على سبيل المثال، يتحدث فلسطيني من سكان مدينة القدس عن أن الأطفال الفلسطينيين في سن الـ12 قد يُلقى القبض عليهم إذا اشتكى منهم أطفال إسرائيليون، في حين يتعرّض الأطفال الإسرائيليون للفلسطينيين من دون عقاب أو تدخل من السلطات. يستمع غيتاي وجمهور الفيلم إلى مثل هذه الشهادات، لكنه يمضي منها إلى أمور أخرى بعيدة تماماً عن اتخاذ أي موقف، مع ما استمعنا إليه أو ضده.

ويتكرر ذلك على امتداد الفيلم بأسره؛ إذ إن الاقتراب من أوضاع أبناء الضفة العرب لا يؤدي إلى أريحا، بل إلى وجهة أخرى خالية من الأهمية.


مقالات ذات صلة

مصر: انفراجة في مهرجان الموسيقى العربية مع عودة بعض النجوم

يوميات الشرق مدحت صالح من نجوم الدورة الجديدة لمهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

مصر: انفراجة في مهرجان الموسيقى العربية مع عودة بعض النجوم

شهدت أزمة اعتذارات الدورة الـ34 من مهرجان الموسيقى العربية، والتي ستبدأ فعالياتها يوم 20 أكتوبر الحالي، انفراجة ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق مطالبات بسرعة تعيين وزير ثقافة (وزارة الثقافة)

هل تسبب شغور منصب وزير الثقافة بمصر في أزمات فنية؟

بعد مرور نحو 3 أشهر على شغور منصب وزير الثقافة في مصر، ووقوع أزمات عدة بالآونة الأخيرة، حمَّل نقاد ومثقفون مصريون الحكومة مسؤولية تلاحق الأزمات الفنية.

انتصار دردير (القاهرة)
شؤون إقليمية أشخاص يزورون موقع مهرجان «نوفا» حيث قُتل واختُطف رواد المهرجان خلال هجوم «حماس» وذلك قبل يوم واحد من الذكرى السنوية الأولى للهجوم في رعيم بجنوب إسرائيل يوم 6 أكتوبر 2024 (رويترز)

خلاف في إسرائيل حول إقامة تجمّع ديني في موقع مهرجان قبيل ذكرى 7 أكتوبر

الملخص: أثار تجمع ديني مرتقب في موقع مهرجان «نوفا» انقساماً في إسرائيل، وسط معارضة عائلات قتلى هجوم 7 أكتوبر ودفاع آخرين عنه بوصفه تعبيراً عن الصمود.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

مصر لاستئناف مهرجاناتها السينمائية المتوقفة بعد حل أزماتها

قررت وزارة الثقافة المصرية استئناف تنظيم المهرجانات السينمائية التي توقفت منذ فترة مع بدء العمل على حل أزماتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)

السينما الفلسطينية توسّع رواية غزة أمام العالم

قوة هذه الأعمال لا تكمن فقط في عرض صور الدمار والضحايا، وإنما في قدرتها على مساءلة الروايات السائدة حول الحرب.

أحمد عدلي (القاهرة)

«نوبل الطب» لثلاثة علماء كشفوا عن آلية إنتاج الذكريات والمشاعر

3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)
3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)
TT

«نوبل الطب» لثلاثة علماء كشفوا عن آلية إنتاج الذكريات والمشاعر

3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)
3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)

أعلنت الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد، الاثنين، فوز الأميركي كارل ديسيروث (54 عاماً) والألمانيين بيتر هيغيمان (71 عاماً) وجيورج ناغل (73 عاماً) بجائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026، تقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بـ«القنوات الأيونية التي يتم التحكم فيها بالضوء» وتقنية «علم البصريات الوراثي».

وأوضحت جمعية نوبل في معهد كارولينسكا السويدي أن اكتشافات العلماء الثلاثة قادت إلى تطوير «علم البصريات الوراثي»، وهي تقنية تتيح تشغيل نشاط خلايا عصبية محددة أو وقفه باستخدام الضوء داخل الدماغ الحي. وأحدثت التقنية تحولاً في علوم الأعصاب، إذ مكّنت الباحثين من دراسة الدوائر العصبية المرتبطة بذكريات ومشاعر وسلوكيات محددة، وفهم دور أنواع معينة من الخلايا العصبية في اضطرابات عصبية ونفسية عدة.

أداة ثورية

بدأت القصة في أوائل تسعينات القرن الماضي، عندما درس هيغيمان طحلباً وحيد الخلية يسمى «كلاميدوموناس» (Chlamydomonas)، يستطيع السباحة نحو الضوء. ولاحظ أن استجابته للضوء تحدث خلال نحو نصف مللي/ثانية، وهي سرعة تفوق بأكثر من 20 مرة بعض المراحل المماثلة في عين الإنسان.

دفع ذلك هيغيمان إلى افتراض وجود بروتين يجمع بين التقاط الضوء وفتح قناة تسمح بمرور الأيونات وإنتاج إشارة كهربائية. وبعد سنوات من البحث، تمكن بالتعاون مع ناغل من تحديد بروتين حساس للضوء يُعرف باسم «تشانيل رودوبسين» (channelrhodopsin)، واتضح أنه يعمل كقناة أيونية تُفتح عند التعرض للضوء. وفي عام 2003، أظهرا أن إدخال الجين المسؤول عن هذا البروتين إلى خلايا أخرى يجعلها حساسة للضوء وقادرة على إنتاج إشارات كهربائية.

ديسيروث يحول الاكتشاف إلى علم جديد

استفاد ديسيروث من هذا الاكتشاف في تطوير وسيلة للتحكم في نشاط الخلايا العصبية. وفي عام 2005، نجح فريقه في جعل خلايا عصبية مزروعة في المختبر تستجيب للضوء الأزرق وتطلق إشارات عصبية. ثم انتقل الباحثون إلى التجارب على الحيوانات، ونجحوا في عام 2007 في تنشيط خلايا عصبية محددة داخل أدمغة فئران حية والتحكم في حركاتها. كما تمكن فريق ديسيروث في العام نفسه من تنشيط خلايا مرتبطة باليقظة وإيقاظ فئران نائمة.

وفي عام 2012، استخدم ديسيروث التقنية، بالتعاون مع سوسومو تونيجاوا، لإعادة تنشيط خلايا مرتبطة بذاكرة الخوف لدى الفئران، أو ما يعرف بـ«إنغرام الذاكرة»، وهو نمط من الخلايا والمسارات العصبية يتشكل عند تكوين ذكرى. وعندما أعاد الباحثون تنشيط هذه الخلايا، أظهرت الفئران استجابة خوف رغم غياب الخطر، مما قدم دليلاً على دور مجموعة محددة من الخلايا العصبية في ذاكرة بعينها.

كيف غيّرت التقنية فهم الدماغ؟

يحتوي دماغ الإنسان البالغ على نحو 90 مليار خلية عصبية، ترتبط كل منها بآلاف الوصلات، مما يجعل تحديد وظيفة كل نوع من الخلايا أمراً بالغ التعقيد. لكنّ «علم البصريات الوراثي» أتاح للباحثين تشغيل مجموعات محددة من الخلايا أو وقفها، ثم مراقبة تأثير ذلك مباشرة.

وبهذه الطريقة، حدد العلماء دوائر عصبية مرتبطة بالألم، والسلوك الاجتماعي، والعطش، وتناول الطعام، والشعور بالمكافأة والانتباه، إضافةً إلى وظائف مثل تنظيم الساعة البيولوجية. كما وسّعت التقنية دراسة الجهاز العصبي خارج الدماغ، وكشفت عن صلات بين نشاط القلب والمشاعر، وعن دور خلايا معينة في الأمعاء في تفضيل بعض الأطعمة.

آمال علاجية

وحسب جمعية نوبل، ساعدت التقنية في تعميق فهم اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق والفصام وألزهايمر وباركنسون. ويختبر الباحثون أيضاً إمكاناتها العلاجية، إذ تُستخدم في تجارب سريرية جارية لمحاولة استعادة الرؤية لدى أشخاص فقدوا البصر بسبب التهاب الشبكية الصباغي.

وفي إحدى المحاولات، أدى إدخال بروتين شبيه بـ«تشانيل رودوبسين» إلى شبكية مريض إلى استعادة قدر محدود من الرؤية، وتمكن بمساعدة نظارات خاصة تبعث الضوء من تمييز أجسام والإمساك بها. كما يأمل الباحثون في استخدام التقنية مستقبلاً لتحسين زراعة القوقعة عبر تنشيط العصب السمعي بالضوء بدلاً من الكهرباء بدرجة أكبر من الدقة. وهكذا، حوّل العلماء الثلاثة اكتشاف بروتين حساس للضوء في طحلب وحيد الخلية إلى تقنية غيّرت طريقة دراسة الدماغ، وفتحت مجالاً جديداً لفهم ارتباط الدوائر العصبية بالذكريات والمشاعر والسلوكيات، مع آمال بتطوير علاجات جديدة للاضطرابات العصبية والنفسية.


«الأبد هو الآن» يراهن على الأيدي الناعمة في استدعاء روح الماضي

«الأبد هو الآن» معرض يقام أمام الأهرامات (من الملصق الترويجي للمعرض)
«الأبد هو الآن» معرض يقام أمام الأهرامات (من الملصق الترويجي للمعرض)
TT

«الأبد هو الآن» يراهن على الأيدي الناعمة في استدعاء روح الماضي

«الأبد هو الآن» معرض يقام أمام الأهرامات (من الملصق الترويجي للمعرض)
«الأبد هو الآن» معرض يقام أمام الأهرامات (من الملصق الترويجي للمعرض)

في نسخته السادسة، يبدو معرض «الأبد هو الآن» محملاً بسمتين مختلفتين عن الدورات السابقة، تتمثل الأولى في الهيمنة النسائية اللافتة بمعدل 5 فنانات من أصل 8 فنانين عالميين يشاركون في الحدث على نحو يصنع الفارق، ويجعل الأيدي الناعمة ترسم أبرز ملامحه، أما الثانية فتتمثل في الزيادة الملحوظة للأنشطة الفنية التي تتزامن مع المعرض.

وأوضحت نادين عبد الغفار، مؤسِّسة «آرت دي إيجيبت» الجهة المنظمة للمعرض، أن «فعاليات الدورة الجديدة تنطلق في الفترة من 4 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل أمام أهرامات الجيزة، ليستمر المعرض في مسيرته كحدث غير مسبوق، فهو الأول والأكبر من نوعه بين معارض الفن التشكيلي المعاصر التي تقام في تلك البقعة الأثرية الساحرة».

وأضافت في المؤتمر الصحافي الذي عُقد يوم الأحد بـ«النادي الدبلوماسي» بوسط القاهرة أن «المعرض يشهد في دورته السادسة مشاركة 5 فنانات هن: الصينية جيانغ تشيونغ إير، والتي تُعرض بعض أعمالها ضمن مجموعات المتحف البريطاني، ومتحف فيكتوريا وألبرت، وهناك كذلك الفنانة المصرية ريهام أبو العزم التي تجمع أعمالها بين الرسم والنحت، فضلاً عن الفنانة البريطانية - الجامايكية روشيل - ويبستر نيمبارد التي تشتغل على التراب، والطين، والحجر باعتبارها عناصر تروي ذاكرة الأرض».

ولفتت -في سياق الإعلان عن تفاصيل النسخة الجديدة- إلى أن «أعمال الفنانة البريطانية - الفرنسية شارلوت كولبير حازت على مجموعة جوائز، وتُعرض أعمالها في متاحف ومعارض عالمية بارزة، وهو ما ينطبق على الفنانة الفرنسية - الأميركية رافاييل شيرلي».

جانب من المؤتمر الصحافي (الشرق الأوسط)

ويأتي اسم الفنان الفرنسي برنار فينيه المشارك بالدورة باعتباره «واحداً من أكثر الفنانين الفرنسيين الأحياء حضوراً على المستوى العالمي»، وقد اشتُهر بـ«القوس الأعظم»، وهو عمل نحتي استثنائي يبلغ ارتفاعه 60 متراً، وتم توثيقه رسمياً باعتباره «أكبر عمل فني عام في العالم».

وأيضاً من فرنسا يشارك جيفري بيثون، الذي تحتفي المتاحف الشهيرة حول العالم بأعماله، لا سيما متحف «سانتا باربرا للفنون» بالولايات المتحدة، فيما تكتسب مشاركة الفنان التركي سيجكين بيريم دلالة خاصة، كون أعماله تستلهم فلسفة جلال الدين الرومي.

ومن أبرز الحضور بالمؤتمر الصحافي السفير وائل النجار، مساعد وزير الخارجية المصري للعلاقات الثقافية، وكذلك بول كوستير، مدير مكتب اليونيسكو الإقليمي بالقاهرة، كما حضر أيضاً الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي للمتحف المصري الكبير، فضلاً عن الفنانة جيانغ تشيونغ إير.

وبالتزامن مع فعاليات المعرض، كشفت نادين عبد الغفار عن انطلاق عدد من المعارض والأنشطة الموازية بمنطقة وسط القاهرة، من أبرزها «حي القاهرة الدولي للفنون» في الفترة من 11 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري إلى 8 نوفمبر، وتتوزع فعالياته في «ذا فاكتوري» و«ممر كوداك» و«أكسس آرت سبيس». كما يستضيف المتحف المصري، بميدان التحرير، النسخة الثانية من معرض «تكوّن بالحوار»، في الفترة من 5 إلى 14 نوفمبر، بمشاركة فنانين عالميين عبر أعمال تعيد اكتشاف التراث بمفهوم جمالي خاص عبر التصميم، والأزياء، والمجوهرات.

الفنانة الصينية المشاركة في المعرض (منظمو المعرض)

وفي أحياء القاهرة التاريخية، وتحديداً «بيت السحيمي»، تنطلق في الفترة من 23 أكتوبر حتى 8 نوفمبر النسخة الأولى من معرض «الحِرف حين تعاد رؤيتها»، والذي يشتغل على خامات الخشب، والحجر، والزجاج، والنسيج، والخيامية بوصف أنها «مادة خام لصنع إبداعات جديدة متطورة».

وعدّت نادين عبد الغفار النسخة السادسة من معرض «الأبد هو الآن» والأنشطة الموازية له بمثابة «تأكيد على فلسفة الجمع بين قيم الخلود والأصالة المتمثلة في أعظم آثار العالم، وهي أهرامات الجيزة من ناحية، وبين قيم الحداثة والتطور من ناحية أخرى، عبر أعمال فنية معاصرة تستلهم روح وعبق التاريخ». وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الأنشطة الموازية للحدث الرئيس تأتي هي الأخرى في سياق الجمع بين الماضي والحاضر، مع التطلع إلى المستقبل، وفق رؤية جمالية فكرية ترتكز على أن ما يجمع البشر أكثر وأهم مما يفرقهم».


حين تصبح ضحكات مطعم شهير مصدر إزعاج

ديانا أميرة ويلز (رويترز)
ديانا أميرة ويلز (رويترز)
TT

حين تصبح ضحكات مطعم شهير مصدر إزعاج

ديانا أميرة ويلز (رويترز)
ديانا أميرة ويلز (رويترز)

في أحد أحياء لندن الراقية، قد تكون المسافة بين مطعم شهير وغرفة نوم طفل أربعة أمتار فقط. وهي مسافة كافية، على ما يبدو، لتحويل الضحكات وأصوات الكؤوس والأحاديث التي تملأ أمسية صيفية إلى شكوى أمام البلدية.

هذه هي الحكاية التي يعيشها حالياً مطعم «لا فاميليا» في تشيلسي، الذي أصبح على مدى نصف قرن واحداً من الأماكن المحببة للعائلات الملكية ونجوم الفن والموسيقى.

«لا فاميليا» (إنستغرام)

المشكلة ليست في الطعام، ولا في شهرة المطعم، بل في الحديقة الخارجية.

فقد يضطر المطعم الإيطالي الشهير إلى تقليص ساعات استخدام حديقته بعد شكوى تقدم بها أحد الجيران بسبب الضوضاء. والحديقة نفسها جزء أساسي من شخصية المكان، الذي ارتبط اسمه بذكريات كثيرة في الحي.

كانت الأميرة الراحلة ديانا قد اصطحبت ابنها الأمير ويليام لتناول الغداء في «لا فاميليا» خلال إحدى آخر إطلالاتهما العامة معاً، كما عاد الأمير لاحقاً إلى المطعم برفقة زوجته كيت.

ومنذ تأسيسه عام 1975 على يد ألفارو ماتشيوني، حافظ المطعم، المعروف بأطباقه المستوحاة من المطبخ التوسكاني، على طابعه العائلي. وتديره اليوم ابنته مارييتا بمساعدة والدتها ليتيزيا، البالغة 92 عاماً.

لكن بالنسبة إلى فرانشيسكو بيرتيكاراري، وهو مستثمر إيطالي يبلغ 34 عاماً، أصبحت أجواء الحديقة أكثر من مجرد أصوات عابرة.

يستأجر بيرتيكاراري منزلاً تقدَّر قيمته بنحو مليوني جنيه إسترليني، ويطلّ مباشرةً على الحديقة. ويقول إن أصوات الحديث والضحك، وأحياناً الهتافات، إضافةً إلى أصوات الأطباق والكؤوس، تزعج عائلته.

ويشير إلى أن غرفة نوم ابنته البالغة عامين لا تبعد سوى نحو أربعة أمتار عن المظلة التي تغطي جزءاً من الحديقة، فيما تنتظر زوجته مولودهما الثاني.

لذلك طالب بتقليص ساعات عمل الحديقة إلى التاسعة مساءً من الاثنين إلى السبت، والثامنة مساءً يوم الأحد، بدلاً من منتصف الليل و11:30 ليلاً على التوالي.

لكن المطعم لم يواجه الشكوى وحيداً. فقد تلقت بلدية كنسينغتون وتشيلسي 247 رسالة تؤيد استمرار عمل الحديقة.

وكان من بين المدافعين عنها عازف الغيتار إريك كلابتون، الذي يرتاد «لا فاميليا» منذ أكثر من 30 عاماً، إلى جانب المغني براين فيري، والممثل غاري فانين، ولاعب كرة القدم السابق لي تشابمان وزوجته الممثلة ليزلي آش.

وترى جمعية سكان «تين إيكر»، التي تمثل أكثر من مائة أسرة، أن الحديقة جزء من حياة المنطقة، فيما تقول البلدية إن عدد الشكاوى ظل محدوداً رغم تسجيل بعض الملاحظات خلال العام الماضي.

وفي 13 أكتوبر (تشرين الأول)، ستنظر لجنة التراخيص في الطلب.

وعندها سيتحدد ما إذا كانت ضحكات رواد «لا فاميليا» ستبقى جزءاً من ليالي تشيلسي، أم أن حديقة المطعم الذي أحبّته الأميرة ديانا ستضطر إلى أن تقول: «تصبحون على خير»، في وقت أبكر بقليل.