مصريون يتخوفون من تعمق أزمات القاهرة البيئية

بسبب «قطع الأشجار»... ووعود حكومية بالتعويض

جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يتخوفون من تعمق أزمات القاهرة البيئية

جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال التطوير في شارع جامعة الدول بالجيزة (الشرق الأوسط)

سرعان ما عادت أزمة قطع الأشجار إلى الواجهة في مصر، مع تصريحات حكومية بشأن «تعويض» الأشجار التي أزيلت من مناطق رئيسية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، وهو ما أثار تساؤلات لدى نشطاء ومتخصصين أبدوا تخوفهم من تداعيات قطع الأشجار، وتساءلوا بشأن جدوى هذا التعويض، في ضوء الفارق بين شتلات حديثة وأشجار استغرق نموها عشرات السنين.

ووجهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض بحصر الأشجار التي قُطعت في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود (غرب القاهرة)، وتحديد أسباب إزالتها بدلاً من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة، مع اختيار أنواع ملائمة لطبيعة المكان وأعمال التطوير. كما طالبت بتشكيل لجنة علمية للمتابعة الميدانية لأعمال التشجير والتجميل، وعدم التهاون في قطع الأشجار أو تقليمها بشكل جائر.

وجددت هذه التوجيهات احتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تداول سكان ونشطاء بيئيون صوراً ومقاطع فيديو لأشجار قديمة أزيلت من الجزيرة الوسطى للشارع، وطالبوا بالكشف عن أعدادها وأعمارها، والجهة التي وافقت على إزالتها.

وانتقد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إزالة أشجار شارع جامعة الدول والدقي والمهندسين، وكتب على صفحته على «فيسبوك»: «هذه الأشجار لها عشرات وربما مئات السنين ولذلك تعمقت جذورها حتى وصلت إلى المياه الجوفية السطحية المخزنة على عمق يتراوح بين 1.5 - 2.5 متر من سطح الأرض، وأصبحت هذه الأشجار تشرب وتتغذى ذاتياً من هذه المياه وما بها من عناصر غذائية ذائبة من طبقات الطين أعلاها وأسفلها، والقول بأنه سيتم إحلال هذه الأشجار ليس بالسهولة أبداً، فوضع أشجار صغيرة أي شتلات ذات أعماق جذور لا تتجاوز ربع متر يعني أننا سنحتاج إلى رى هذه الأشجار مرتين أسبوعياً للتعامل مع جذورها السطحية ولمدة عشر سنوات وربما أكثر حتى تتعمق جذور هذه الشتلات وتصل إلى أعماق المياه الجوفية السطحية الحالية، وهي عملية ليست بالسهلة».

جانب من قطع الأشجار في منطقة المهندسين غرب القاهرة (منصة إكس)

ويصف الناشط البيئي المصري أحمد فتحي تعهد الوزيرة بزراعة أعداد مضاعفة بأنه «توجه جيد»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لكن كان من الضروري إجراء تقييم للأثر البيئي ودراسة البدائل قبل إزالة الأشجار، فتأييد مشروعات المنفعة العامة وتطوير الطرق لا يعني التضحية تلقائياً بالعناصر البيئية الموجودة، خصوصاً أن بعض الأشجار يمكن نقلها إذا تولى العملية متخصصون».

ويشير إلى تكرار وقائع مماثلة خلال السنوات الماضية في مصر الجديدة ومحافظتي الإسكندرية وأسوان، مضيفاً: «لا تقدم مضاعفة أعداد الأشجار المزروعة تعويضاً فورياً عن الأشجار القديمة؛ فالشتلات تحتاج إلى سنوات حتى تنمو وتؤدي الوظائف نفسها».

وتكتسب هذه المخاوف ثقلاً أكبر في مدينة تعاني نقصاً واضحاً في المساحات الخضراء. فحسب دراسة نشرتها دورية علمية متخصصة على منصة «سبرنجر نيتشر» في فبراير (شباط) 2022، فقدت القاهرة نحو 911 ألف متر مربع من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017 و2020، لتنخفض مساحتها الإجمالية من نحو 7.8 مليون إلى 6.9 مليون متر مربع.

وأظهرت الدراسة أن 22 من أحياء القاهرة الـ37، وتضم نحو ثلثي سكان المدينة، سجلت «أقل من نصف متر مربع من المساحات الخضراء للفرد، بينما يشير دليل التنسيق الحضاري للمدن القائمة في وادي النيل إلى حد أدنى يبلغ 7 أمتار مربعة للفرد».

وترى هايدي جاويش، المحامية والباحثة القانونية، أن أزمة الأشجار «تعود بشكل رئيسي إلى غياب الخطط القومية للاهتمام بالمنظومة البيئية، بما فيها تلوث البحار والهواء، وليس الأشجار فقط».

وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(المادة 45) من الدستور تُلزم الدولة بحماية المساحات الخضراء في الحضر وتنميتها، والحفاظ على الثروة النباتية، بينما تقر (المادة 46) بحق كل شخص في بيئة صحية سليمة، وتُلزم الدولة بعدم الإضرار بها والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يحفظ حقوق الأجيال المقبلة».

من جانبها، تقول الناشطة البيئية مها عواد لـ«الشرق الأوسط»: «كل جهة تلقي المسؤولية على الأخرى، من عمال النظافة إلى الأحياء والمحافظات والوزارة وهيئات الطرق، وكأن الأشجار في البلد ليست لها جهة محددة مسؤولة عنها».

وتنتقد مها إسناد التعامل مع الأشجار إلى عمال نظافة أو أطقم غير متخصصة، رغم أن تحديد حاجة الشجرة إلى التقليم أو العلاج أو النقل أو الإزالة يتطلب خبرة فنية وبيئية.

صورة لأعمال التشجير بمحافظة الجيزة (صفحة المحافظة على فيسبوك)

وتستشهد بأشجار قديمة فقدتها مناطق بالعجوزة ومصر الجديدة، مؤكدة أن «قيمتها لا تقتصر على دورها البيئي، وإنما تمتد إلى ارتباطها بذاكرة الأحياء وهويتها العمرانية». وترى أن «التعهد بزراعة بدائل لا يجيب وحده عن أسئلة المسؤولية، وفي مقدمتها من اتخذ قرار القطع؟ وهل دُرست إمكانية نقل الأشجار أو تعديل التصميم قبل إزالتها؟».

وكانت وزارة البيئة قد أعلنت في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 عن تشكيل لجنة استشارية علمية لدعم ملف التشجير، استناداً إلى قرار صدر في 5 أغسطس (آب) من العام نفسه. كما أعلنت تعميم تعليمات تمنع قطع الأشجار أو تقليمها بشكل جائر إلا بعد الرجوع إلى اللجنة المختصة في كل محافظة، ودراسة المردودين البيئي والاقتصادي للأنواع المقترح زراعتها.

غير أن تكرار وقائع الإزالة يثير تساؤلات بشأن مدى تطبيق تلك التعليمات، وما إذا كانت اللجان تتدخل قبل بدء المشروعات أم بعد تصاعد الاحتجاجات عليها.

ويرى فتحي أن «منع تكرار الأزمة يتطلب قاعدة ملزمة تقضي بإجراء تقييم بيئي قبل اعتماد تصميمات مشروعات الطرق، مع إعطاء الأولوية للإبقاء على الأشجار، ثم تعديل التصميم حولها».

وتشغل الأراضي الصحراوية نحو 92 في المائة من مساحة مصر، وفق بيانات «اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي» ما يوضح محدودية الرقعة التي تتركز فيها الكثافة السكانية والزراعة والغطاء النباتي، وتجعل فقدان الأشجار داخل المدن أكثر تأثيراً في درجات الحرارة وجودة الهواء.


مقالات ذات صلة

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

بيئة ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية في المحيط الهادئ.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

جماعات بيئية تُقاضي إدارة ترمب بسبب تخفيف معايير كفاءة استهلاك الوقود

أقامت منظمات معنية بالبيئة، الجمعة، دعوى قضائية على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسبب تخفيفها لمعايير رئيسية تتعلق بكفاءة استهلاك وقود المركبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.


الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».