ماذا يفعل الأثرياء أمام لوحة لا يفهمونها؟

من صالات المزادات إلى مقاعد الدراسة

الرفاهية الجديدة تكمن في معرفة ما تنظر إليه وفهم سبب أهميته (بيكسلز)
الرفاهية الجديدة تكمن في معرفة ما تنظر إليه وفهم سبب أهميته (بيكسلز)
TT

ماذا يفعل الأثرياء أمام لوحة لا يفهمونها؟

الرفاهية الجديدة تكمن في معرفة ما تنظر إليه وفهم سبب أهميته (بيكسلز)
الرفاهية الجديدة تكمن في معرفة ما تنظر إليه وفهم سبب أهميته (بيكسلز)

لم يعد اقتناء لوحة ثمينة وتعليقها على جدار المنزل كافياً بالنسبة إلى كثير من جامعي الفن الأثرياء. فمع اتساع سوق الأعمال الفنية، يتزايد عدد الراغبين في العودة إلى مقاعد الدراسة، لا بهدف الحصول على شهادة، وإنما لتعلم كيفية النظر إلى العمل الفني وفهم قصته وقيمته، والأهم تطوير ذائقتهم الخاصة.

فقد يشعر الشخص المثقف، بعد جولة طويلة في متحف كبير، بشيء من الحيرة أمام لوحة لا يفهم سبب أهميتها. قد يعرف مونيه وتيتيان، ويميز أسلوب كارافاجيو، لكنه يتساءل: لماذا تعد لوحة بوتيتشيلي مهمة إلى هذا الحد؟ وما الذي يجعل عملاً فنياً استثنائياً وليس مجرد لوحة جميلة؟

ووفقاً لصحيفة «التايمز»، أصبحت الإجابة عن هذه الأسئلة جزءاً من متعة الاقتناء نفسها. فامتلاك عمل فني مهم لا يعني بالضرورة معرفة تاريخه أو الظروف التي أحاطت بإنجازه، أو فهم سبب اختلاف قيمته عن أعمال أخرى تبدو مشابهة.

ولهذا تشهد دورات تاريخ الفن الموجهة إلى البالغين ازدهاراً ملحوظاً، بدءاً من دروس قصيرة عبر الإنترنت يمكن متابعتها خلال دقائق، وصولاً إلى برامج متخصصة تشمل زيارات للمتاحف وصالات العرض ودور المزادات.

وتستقطب هذه البرامج جامعي الأعمال، إلى جانب محامين وممولين ورواد أعمال وأشخاص يرغبون في تغيير مساراتهم المهنية.

تهدف الدراسات إلى التعرف أكثر على القصص والعمليات والسياقات التاريخية التي تشكّل الأعمال الفنية (بيكسلز)

وتقول لويزا كولبرت، نائبة الرئيس للبرامج المهنية والجامعية في معهد «سوذبيز»، إن هناك «شهية متزايدة» للتعليم الذي يجمع بين المعرفة الأكاديمية والتجربة العملية.

ولكن ما يبحث عنه كثير من الجامعين ليس المعرفة وحدها، بل الثقة. فقد يدخل أحدهم صالة عرض وهو يتساءل عما إذا كان الآخرون يرون في لوحة ما شيئاً لا يستطيع هو رؤيته. وتساعد الدراسة المنظمة على طرح أسئلة أبعد من اسم الفنان وتاريخ اللوحة: من طلب إنجازها؟ ماذا كان يحدث في ذلك الوقت؟ ومن امتلكها قبل وصولها إلى السوق؟

وتقول فيوليت غارنوك، مؤسسة «هيريتيج إكسبلور»، إن جمع الفن يمكن أن يصبح «رحلة شخصية جداً لاكتشاف الذات». وترى أن معرفة تاريخ العمل والأشخاص الذين امتلكوه والظروف التي صنع فيها، يمكن أن تحول قطعة معلقة في المنزل إلى جزء من قصة أكبر.

ولا تقتصر دراسة الفن على الأثرياء. فمؤسسات مثل «سيتي ليت» و«معهد كورتولد للفنون» تقدم دورات بأسعار أكثر سهولة، بينما توفر منصات أخرى تعليماً عبر الإنترنت. وتقدم «دراسات لندن للفنون»، على سبيل المثال، دروساً قصيرة لا يتجاوز بعضها ثلاث دقائق، في محاولة لجعل تاريخ الفن جزءاً من الحياة اليومية.

وترى كيت غوردون، مؤسسة «دراسات لندن للفنون»، أن الاهتمام المتزايد بالفن يرتبط أيضاً بالبحث عن المعنى والراحة في عالم يبدو أكثر هشاشة، وربما يزداد هذا الاحتياج مع انتشار الذكاء الاصطناعي.

المفارقة أن المعلومات عن الفن أصبحت متاحة للجميع تقريباً وبالمجان. لكن المشكلة اليوم ليست نقص المعلومات، بل كثرتها. وكما تقول كولبرت: «المعلومات والتعليم ليسا الشيء نفسه».

فالتعليم الجيد لا يكتفي بإخبارك من رسم اللوحة ومتى؛ بل يعلمك كيف تنظر إليها. ومع الوقت، وكثرة الوقوف أمام الأعمال الأصلية ومقارنتها، تبدأ العين في التمييز بين الجميل والاستثنائي.

وفي النهاية، ربما لا تكون القيمة الحقيقية لهذه الدورات في جعل الشخص خبيراً بالفن، وإنما في مساعدته على الوصول إلى اللحظة التي يستطيع فيها أن يقول: «أعرف لماذا أحب هذه اللوحة»... وأن يثق بأن هذا الحكم يخصه هو.



«المتحف الكبير»... أيقونة مصرية جديدة لاستقبال الزعماء والرؤساء

ملوك ورؤساء وقادة العالم في افتتاح المتحف المصري الكبير (الصفحة الرسمية لملك إسبانيا على فيسبوك)
ملوك ورؤساء وقادة العالم في افتتاح المتحف المصري الكبير (الصفحة الرسمية لملك إسبانيا على فيسبوك)
TT

«المتحف الكبير»... أيقونة مصرية جديدة لاستقبال الزعماء والرؤساء

ملوك ورؤساء وقادة العالم في افتتاح المتحف المصري الكبير (الصفحة الرسمية لملك إسبانيا على فيسبوك)
ملوك ورؤساء وقادة العالم في افتتاح المتحف المصري الكبير (الصفحة الرسمية لملك إسبانيا على فيسبوك)

جددت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ للمتحف المصري الكبير، الأربعاء، ضمن زيارته الرسمية لمصر خلال هذه الأيام، الحضور «الأيقوني» للمتحف الذي يعد الأكبر في العالم المخصص لحضارة واحدة.

ويزور الرئيس الصيني مصر في إطار الاحتفال بمرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، ومن ضمن برنامج الزيارة جاءت زيارة المتحف المصري الكبير، والذي أعلن شي جينبينغ من قبل ما يشير إلى اهتمامه الشديد بالحضارة المصرية القديمة.

وتزينت المنطقة المحيطة بالمتحف بأعلام مصر والصين احتفاء بزيارة الرئيس الصيني. وفق وسائل إعلام محلية.

وكان الرئيس التنفيذي للمتحف أعلن قبل فترة أن المتحف سيتم إغلاقه أمام الزيارات يوم 2 سبتمبر (أيلول)، وأن سبب الإغلاق سيتم الإعلان عنه في حينه، حتى تتمكن وكالات وشركات السياحة والسفر من تعديل برامجها.

ومنذ افتتاحه التجريبي في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 كان المتحف بمنزلة الوجهة المفضلة لاستقبال الرؤساء والزعماء من كل أنحاء العالم خلال زيارتهم مصر، سواء كانت زيارات رسمية أو غير رسمية. ومن بينهم كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي زار المتحف في أبريل (نيسان) عام 2025، وأشاد ملك إسبانيا فيليب السادس، بالمتحف المصري الكبير خلال زيارته لمصر سبتمبر 2025، وقال إنه سيكون أكبر متحف أثري في العالم. وزارت الحاكم العام لكومنولث أستراليا، سام موستين، المتحف الكبير في أبريل 2025، ضمن زيارة رسمية التقت خلالها الرئيس المصري.

ووفق عالم الآثار الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، فإن «تحول المتحف المصري الكبير إلى وجهة لاستقبال كبار قادة وزعماء العالم يعكس المكانة التي اكتسبها هذا الصرح باعتباره رمزاً جديداً لمصر، ليس فقط على المستويين الثقافي والسياحي، وإنما أيضاً على مستوى الدبلوماسية والقوة الناعمة».

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «اختيار المتحف المصري الكبير لاستقبال ضيوف مصر من القادة والرؤساء يبعث برسالة شديدة الأهمية مفادها بأن السياحة الثقافية والآثار يمكن أن تكونا جزءاً من العلاقات الدولية، وأن المتحف أصبح مساحة يلتقي فيها التاريخ بالدبلوماسية، والحضارة بالسياسة، والماضي بالمستقبل».

رئيس فنلندا خلال زيارته للمتحف (صفحة المتحف على فيسبوك)

وكان المتحف قد شهد حفلاً أسطورياً لافتتاحه في أول نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 حضره 79 وفداً رسمياً من دول العالم، من بينهم أعضاء من الأسر الحاكمة من بلجيكا وإسبانيا، والدنمارك، والأردن، والبحرين، وسلطنة عمان، والإمارات، والسعودية، ولوكسمبورغ، وموناكو، واليابان وتايلاند. كما شارك أيضاً رؤساء جيبوتي، والصومال، وفلسطين، والبرتغال، وأرمينيا، وألمانيا، وكرواتيا، وقبرص، وألبانيا، وبلغاريا، وكولومبيا، وغينيا الاستوائية، والكونجو الديمقراطية، وغانا، وإريتريا.

وبعد افتتاحه ظل المتحف المصري الكبير يمثل أيقونة جديدة لزائري مصر، بعد أن كانت خططهم في الزيارة تركز على الأهرامات والمتحف المصري بالتحرير أو زيارة معالم سياحية أخرى في الأقصر وأسوان. واستقبل المتحف من زعماء العالم الدكتور ألكسندر ستوب، رئيس جمهورية فنلندا، خلال زيارته الرسمية إلى مصر في أبريل الماضي. وفي 29 يوليو (تموز) الماضي استقبل المتحف ميكائيل راندريانيرينا، رئيس جمهورية مدغشقر، والوفد المرافق له، وذلك على هامش زيارته الرسمية لمصر.

الرئيس الصيني خلال زيارته لمصر (صفحة المتحدث باسم رئاسة الجمهورية على فيسبوك)

وحسب المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان «يمثل اختيار المتحف المصري الكبير لاستقبال الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارته إلى مصر دلالة تتجاوز مجرد زيارة أحد المعالم السياحية؛ فالمتحف أصبح واحداً من أهم الواجهات الحضارية التي تقدم مصر من خلالها نفسها إلى العالم».

ومن منظور أثري، كما تقول لـ«الشرق الأوسط» فإن «قيمة المتحف لا تكمن فقط في ضخامة مبناه أو ما يضمه من مقتنيات، وإنما في قدرته على تقديم الحضارة المصرية القديمة في إطار عصري يربط بين عراقة الماضي وتطور الحاضر. ولذلك فإن وجود رئيس دولة بحجم الصين داخل هذا الصرح يمثل رسالة حضارية مهمة، تؤكد أن التراث المصري لا يزال حاضراً في المشهد الدولي وقادراً على أن يكون جسراً للتواصل بين الشعوب والحضارات».

وتابعت: «مصر حين تستقبل ضيوفها الكبار في قلب حضارتها، فإنها تقول للعالم إن التاريخ ليس ماضياً نحتفي به، وإنما قوة ثقافية نستخدمها لبناء الحاضر وتعزيز جسور التعاون مع المستقبل».

المتحف المصري الكبير يضم قطعاً أثرية تحكي قصة الحضارة المصرية القديمة (صفحة المتحف على فيسبوك)

وبدأت فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير في تسعينات القرن الماضي، وفق الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار، وفي عام 2002 تم وضع حجر الأساس ليتم تشييده في موقع متميز يطل على أهرامات الجيزة، حيث أعلنت الدولة المصرية، وتحت رعاية «اليونيسكو» عن مسابقة دولية لتصميمه، وأنشئ على مساحة 500 ألف متر مربع، ويضم نحو 100 ألف قطعة أثرية، من أبرزها كنوز الملك الذهبي توت عنخ آمون، فضلاً عن المقتنيات الأثرية المختلفة منذ عصر ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني، ليصبح أكبر متحف في العالم يحكي قصة الحضارة المصرية القديمة.


عندما يظهر التلاعب في صورة ضحية... علامات تكشف النرجسية الخفية

كيف يمكن أن تظهر النرجسية الخفية؟ (بيكسلز)
كيف يمكن أن تظهر النرجسية الخفية؟ (بيكسلز)
TT

عندما يظهر التلاعب في صورة ضحية... علامات تكشف النرجسية الخفية

كيف يمكن أن تظهر النرجسية الخفية؟ (بيكسلز)
كيف يمكن أن تظهر النرجسية الخفية؟ (بيكسلز)

قد تبدو النرجسية واضحة عندما يتحدث الشخص باستمرار عن إنجازاته ويبحث عن الإعجاب، لكن بعض السلوكيات النرجسية قد تكون أكثر خفاءً، وتظهر في صورة حساسية مفرطة للنقد أو لعب دور الضحية أو التلاعب بالمشاعر. وقد يصعب أحياناً اكتشاف هذه الأنماط، خصوصاً عندما تظهر داخل العلاقات القريبة أو في بيئة العمل.

ويستعرض تحقيق نشره موقع «فيريويل مايند»، أبرز علامات النرجسية الخفية، وكيف يمكن أن تظهر في تعاملات الشخص مع الآخرين، ولماذا قد تتطور، إلى جانب طرق التعامل معها، ووضع حدود صحية في العلاقات.

طلب التقدير بطريقة غير مباشرة

قد يسعى النرجسي الخفي إلى الحصول على الإعجاب من خلال التقليل المتعمد من إنجازاته أو مواهبه، أو تقديم مجاملات تحمل انتقاصاً مبطناً، بهدف دفع الآخرين إلى طمأنته والتأكيد على مدى تميزه.

وبدلاً من المطالبة المباشرة بالاهتمام، قد يطلب باستمرار تأكيد الآخرين لمهاراته وإنجازاته وأهميته.

إلقاء اللوم وإشعار الآخرين بالعار

قد يستخدم النرجسي الخفي اللوم والإحراج للحفاظ على شعوره بالتفوق. وبينما قد يلجأ النرجسي الصريح إلى الإهانة أو الانتقاد المباشر، قد يشرح النرجسي الخفي بطريقة أكثر هدوءاً لماذا يكون الطرف الآخر مخطئاً ولماذا لا يتحمل هو المسؤولية.

وقد يتقمص دور الضحية أو يستخدم الإساءة العاطفية للحصول على الطمأنة والثناء، فيما يبقى الهدف في الحالتين هو جعل الطرف الآخر يشعر بأنه أقل قيمة.

خلق الارتباك وزعزعة الثقة

قد يتعمد بعض النرجسيين الخفيين خلق حالة من الارتباك تجعل الآخرين يشككون في إدراكهم للأمور أو يعيدون التفكير في أحكامهم.

ومن خلال ذلك، يمكنهم اكتساب مساحة أكبر للتأثير والسيطرة، ثم استغلال الطرف الآخر أو التلاعب به.

تجاهل الآخرين وعدم احترام وقتهم

قد يحافظ النرجسي الخفي على مركزية اهتمام الآخرين به من خلال تجاهلهم بدلاً من إبعادهم بشكل مباشر.

وقد يظهر ذلك في عدم الالتزام بالمواعيد، أو التأخر في الرد على الرسائل، أو الوصول متأخراً باستمرار، أو تجنب وضع خطط مؤكدة. وفي هذه الحالات، قد يشعر الطرف الآخر بأن وقته واحتياجاته لا تحظى بأي أهمية.

العطاء مقابل الحصول على شيء

قد يبدو النرجسي الخفي سخياً، لكن قد يكون عطاؤه مرتبطاً برغبة في الحصول على مقابل، مثل الإعجاب أو التقدير.

فبدلاً من تقديم شيء لمجرد مساعدة الآخرين، قد يحرص على أن يكون عطاؤه ملحوظاً عندما يعلم أن الآخرين يراقبونه، بما يتيح له الحصول على الثناء.

إهمال الاحتياجات العاطفية

قد يواجه النرجسي الخفي صعوبة في تكوين روابط عاطفية صحية، حتى لو بدا أكثر لطفاً وأقل صخباً من النرجسي الصريح.

ومن العلامات المحتملة:

- نادراً ما يوجه المديح للآخرين.

- يبدي اهتماماً محدوداً بمواهب الآخرين وقدراتهم.

- يتوقع من الطرف الآخر بذل الجهد العاطفي الأكبر في العلاقة.

- قد تبدو استجابته العاطفية مصطنعة أو مرتبطة بهدف معين.

- يستخدم المشاعر للتأثير في الآخرين أو جعلهم يشعرون بالضآلة من خلال التجاهل أو اللوم أو الإحراج.

- يفتقر إلى التعاطف والاستجابة العاطفية الصحية تجاه شريكه.

- سلوكيات النرجسية الخفية في العمل.

في مكان العمل قد تظهر السمات النرجسية الخفية في صورة:

- التعامل مع الزملاء بتعالٍ أو شعور بالتفوق.

- تقديم صورة عامة تختلف كثيراً عن السلوك داخل العلاقات الخاصة.

- توجيه مطالب غير منطقية إلى الزملاء والمرؤوسين.

- التقليل من الآخرين وتحميلهم مسؤولية الأخطاء.

- نشر الشائعات عن الزملاء.

- إظهار الغضب ثم إنكار الشعور به.

عبارات قد تكشف النمط

قد يستخدم الشخص الذي تظهر لديه سمات النرجسية الخفية عبارات تعكس شعوره بالاستحقاق أو التميز، مثل: «أنا أفضل من أن أتعامل مع هذا»، أو «الناس لا يقدّرون مدى تميزي»، أو «أنت مدين لي لأنني ساعدتك في الماضي».

وقد يلجأ أيضاً إلى عبارات تقلل من الطرف الآخر، مثل الادعاء بأنه لن يجد شخصاً أفضل منه، أو أنه يجب أن يشعر بالامتنان لبقائه إلى جانبه، ثم التراجع عن الإساءة بالقول إنه «كان يمزح».

كيف تظهر النرجسية الخفية في العلاقات؟

في العلاقات العاطفية والعائلية، قد تظهر هذه السمات من خلال ضعف التعاطف مع مشاعر واحتياجات الآخرين، واستخدام الشعور بالذنب أو العار للسيطرة عليهم، وتوقع أن يتولى الآخرون حل مشكلاته.

وقد تشمل السلوكيات أيضاً التقليل من مشاعر الآخرين أو إنكار تجاربهم، والاستفادة من نقاط ضعفهم، واستخدام أساليب «التلاعب النفسي» أو العدوانية السلبية.

لماذا تتطور النرجسية الخفية؟

لا تزال أسباب النرجسية غير مفهومة بالكامل، لكن الخبراء يرجحون ارتباطها بمجموعة من العوامل، بينها الوراثة، وتجارب الإساءة والصدمات في الطفولة، وطريقة التربية والعلاقات مع مقدمي الرعاية، إضافة إلى الشخصية والمزاج.

وقد يرتبط اضطراب الشخصية النرجسية أيضاً بالنشأة في بيئة يتركز فيها الاهتمام بصورة كبيرة على المكانة والإنجاز، ما قد يعزز لدى الطفل اعتقاداً بأنه أكثر تميزاً وقيمة من الآخرين.

ما الذي قد يحفز السلوك النرجسي؟

قد تظهر السلوكيات النرجسية الخفية عندما يشعر الشخص بأنه يتعرض للتجاهل أو عدم الاحترام، أو عندما يتعرض تقديره لذاته للتهديد أو يشعر بالعار.

وقد تشمل المحفزات أيضاً وجود أشخاص يتمتعون بمكانة أعلى، أو الشعور بأنه أقل جاذبية أو تعليماً من الآخرين، أو امتلاكه أقل مما يملكه الآخرون، أو عدم حصوله على الاهتمام الذي يعتقد أنه يستحقه، إضافة إلى الغيرة والشعور بفقدان السيطرة.

النرجسية الخفية والصريحة... اختلاف في الأسلوب

يتمثل الفرق الأساسي في طريقة ظهور السلوك أكثر من اختلاف السمات نفسها. فالنرجسي الصريح يكون عادة أكثر وضوحاً، وقد يتسم بالغرور والحاجة المستمرة إلى المديح وعدم الحساسية تجاه احتياجات الآخرين.

أما النرجسي الخفي، فقد يكون أكثر انطواءً وتحفظاً، ما يجعل اكتشاف سماته أصعب. ومع ذلك، يشير الباحث كريغ مالكين إلى أن وصف «الخفي» قد يكون مضللاً، لأن السمات الأساسية للنرجسية يمكن أن تكون متشابهة لدى النوعين.

وفي الحالتين، قد يتمحور السلوك حول الشعور بالأهمية والخيالات المتعلقة بالنجاح والعظمة، إلى جانب صعوبات في تنظيم تقدير الذات.


«غرق»... صرخة سينمائية لحماية صحة الأبناء النفسية

كلارا خوري ووسام طبيلة في دوري الأم والابن (متروبوليس)
كلارا خوري ووسام طبيلة في دوري الأم والابن (متروبوليس)
TT

«غرق»... صرخة سينمائية لحماية صحة الأبناء النفسية

كلارا خوري ووسام طبيلة في دوري الأم والابن (متروبوليس)
كلارا خوري ووسام طبيلة في دوري الأم والابن (متروبوليس)

مؤخراً، دعت سينما «متروبوليس» أهل الصحافة والإعلام إلى مشاهدة فيلم «غرق» (SINK). وهو أول فيلم روائي طويل للمخرجة الأردنية، زين الدريعي، يغوص -في قالب درامي جريء- في قضايا الصحة النفسية، والعلاقة المعقَّدة بين الأم وابنها المراهق، ويفتح الباب أمام أسئلة حسَّاسة عن دور الأهل في مساندة أولادهم في مواجهة أزماتهم النفسية.

يجمع الفيلم في بطولته كلارا خوري، ومحمد نزار، ووسام طبيلة، وتدور أحداثه حول ناديا، وهي أم أربعينية لثلاثة أبناء، حيث تجد نفسها أصلاً وسط أزمة زوجية، وشعور متفاقم بأنها تفقد نفسها. وفي خضم هذه الظروف يصبح ابنها البكر باسل، طالب الثانوية المتفوِّق والمنعزل اجتماعياً، أقرب أبنائها إليها، إذ يشكِّل رابطها العاطفي الأقوى. لكن حياة العائلة تنقلب بعد وقوع حادثة عنيفة في المدرسة تؤدي إلى إيقاف باسل عن الدراسة. ومن هنا تبدأ ناديا رحلة مستميتة لحماية ابنها، محاولة إقناع نفسها ومحيطها بأن ما يمرُّ به ليس سوى أزمة عابرة يمكن تجاوزها.

من اللحظات الأولى يلحظ المشاهد غرابة في تصرفات الابن الأكبر لعائلة مؤلفة من أم، وأب، وشقيق، وشقيقة. فالمراهق يتمتع بذكاء حاد، ويحلم بأن يصبح طبيباً عندما يكبر، غير أن اضطرابه النفسي ينعكس على حياته، وعلاقته بعائلته، ومحيطه. ومن خلال كاميرتها، تُمرِّر المخرجة رسائل غير مباشرة عن النواقص العاطفية التي يعاني منها الشاب. فوالده، الحاضر الغائب في المنزل، لا يمتلك القدرة الكافية على التواصل معه، في حين تضع الأم كل طاقتها وإمكاناتها في خدمته، وتغمره بالحب، والحنان.

لكن هنا يبرز السؤال الأساسي الذي يطرحه الفيلم: هل يكفي الحب لمعالجة الأزمات النفسية التي يعيشها أولادنا؟ تُجيب زين الدريعي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك في أن الحب حاجة ضرورية، وينتظر الأولاد أن يعبِّر عنه أهلهم بصورة متواصلة. ولكن من خلال مجريات الفيلم نستنتج أن الحب وحده لا يكفي لحلِّ أمور معقدة إلى هذه الدرجة؛ في المقابل، من شأنه أن يحفِّز الولد الذي يعاني مشكلة نفسية على طلب المساعدة. وهذه هي النقطة الأساسية التي يحتاج إليها أي شخص يعاني اضطراباً نفسياً، أو أزمة من أي نوع».

وتُشير زين إلى أن الفيلم مستوحى من قصة حقيقية، ويتناول موضوعاً نادراً ما يحضر في السينما العربية. تقول: «موضوع الصحة النفسية شائق، وغالباً ما يُتغاضى عنه في صناعاتنا السينمائية المحلية. وقد حان الوقت لتسليط الضوء على أهميته في مجتمعنا، كي نبني أجيالاً سليمة، ومتوازنة نفسياً، وجسدياً».

«غرق» فيلم يتناول بجرأة الصحة النفسية عند الأولاد (متروبوليس)

وعن الصعوبات التي واجهتها في معالجة القصة، لا سيما أنها تغوص في أدق التفاصيل لنقل صورة واضحة عن المشكلة، ترد: «كانت كتابة النص دقيقة جداً، لكن الأهم بالنسبة لي أن أضع هذا الشريط السينمائي خارج السياق العادي. أردته مختلفاً في موضوعه، ومعالجته، وحتى في طريقة تصويره. كما أن جوهر الفيلم بالنسبة إليَّ يتمحور حول علاقة الأم بابنها المراهق، ومدى تماهيها مع حالته إلى حدِّ الغرق معه في أزمته النفسية. فهي تعيش حالة من الإنكار، ولا تريد الاعتراف بوضع ابنها المتأزم، فتبدأ بخسارته رويداً، رويداً».

وتُشدِّد زين على تفاصيل صغيرة تُبيِّن مدى تفاقم حالة الشاب، خصوصاً في ظل رفضه الحصول على مساعدة طبية. فوالده ووالدته يحاولان مراراً إقناعه بزيارة الطبيب، لكنه يرفض. ومع اهتزاز العلاقة بينه وبين والديه، يختار الأب اصطحاب ولديه الآخرين في عطلة صيفية، تاركاً الأم وحدها في مواجهة مشكلة ابنها التي تتفاقم تدريجياً إلى حدِّ محاولته قتلها.

وفي مشاهد أخرى، تبلغ تضحية الأم ذروتها في محاولتها فهم ابنها، والتعاطف معه. فنراها تذوب في حالته إلى درجة التحوُّل إلى مرآة له، فتبدأ بالتصرُّف مثله لعلَّها تتمكن من فهم ما يشعر به. وبكاميرا واثقة وجريئة، تحوِّل زين هذه المواقف إلى مشاهد مؤثرة تنقل إلى المشاهد إحساساً بالاختناق، وتدفعه بدوره إلى خوض تجربة الأم، والتساؤل: هل ما تفعله هو الحب في أقصى درجاته؟ أم إنه محاولة للهروب من الحقيقة والعيش في حالة من الإنكار؟

وتمنح زين الحب مساحة واسعة في مجريات الفيلم، لكنها تصل في النهاية إلى خلاصة واضحة: الحب ضروري، لكنه وحده لا يكفي. فمساندة الطفل -أو المراهق- الذي يعاني أزمة نفسية تبقى أساسية، والحب يمكن أن يكون المدخل الذي يدفع الأهل إلى احتضان أولادهم، وتشجيعهم على طلب المساعدة التي يحتاجون إليها.