عثر فريق دولي من علماء الآثار على لوح حجري مطلي بالألوان يعود تاريخه إلى نحو 4 آلاف عام، في جزيرة ويتار النائية شرق إندونيسيا. ويمثل الاكتشاف أول نموذج معروف لـ«فن محمول» ينتمي إلى ما يُعرف بـ«تقليد الرسم الأسترونيزي»، ويقدم نافذة نادرة على العالم الرمزي لشعوب كانت من أبرز رواد الملاحة البحرية في التاريخ.
وجاء الاكتشاف خلال أعمال تنقيب في ملجأ صخري يُعرف باسم «هوكناور» في جزيرة ويتار، نفذها فريق بحثي دولي بقيادة علماء آثار من الجامعة الوطنية الأسترالية، بالتعاون مع الوكالة الوطنية للبحث والابتكار في إندونيسيا. ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS).
ويُطلق مصطلح «تقليد الرسم الأسترونيزي» على مجموعة من الأنماط الفنية الصخرية المنتشرة في جزر شرق إندونيسيا وغرب المحيط الهادئ، وهي مناطق استوطنتها الشعوب الناطقة باللغات الأسترونيزية خلال توسعها البحري.
ويتميز هذا التقليد الفني بالدوائر متحدة المركز والخطوط المتشعبة الشبيهة بأشعة الشمس، إلى جانب أشكال آدمية وحيوانية، وربما ارتبطت بعض رموزه بالحماية والهوية والانتماء الجماعي.
وتنتمي اللغات الأسترونيزية إلى واحدة من أكثر العائلات اللغوية انتشاراً في العالم، إذ تمتد من مدغشقر، عبر جنوب شرقي آسيا والمحيط الهادئ، وصولاً إلى هاواي ونيوزيلندا.
ووفق الدراسة، يحمل اللوح المكتشف تصميماً أحمر يتكون من دوائر متحدة المركز وخطوط متشعبة تشبه أشعة الشمس، وهو نمط يُعد سمة أساسية لهذا التقليد الفني. ورغم انتشار هذه الرسومات على نطاق واسع، فإن معظمها مرسوم على جدران الكهوف والملاجئ الصخرية؛ ما يصعّب تحديد عمرها، ويجعل تسلسلها الزمني غير واضح إلى حد كبير.
ويقدم لوح ويتار أول دليل أثري على ظهور هذه التصاميم على قطع قابلة للنقل، كما يوفر العثور عليه ضمن سياق أثري مؤرخ بدقة مرجعاً زمنياً نادراً لتحديد عمر هذا النمط الفني.
رموز سبقت ظهور الفخار
عُثر على اللوح داخل طبقة أثرية تسبق ظهور الفخار؛ ما يشير إلى أن تقليد الرسم الأسترونيزي وصل إلى جزيرة ويتار قبل استخدام الفخار، وهو أحد أبرز المؤشرات المادية التي يعتمد عليها علماء الآثار في تتبع توسع الشعوب الأسترونيزية.
ويرى الفريق أن النتيجة تقدم منظوراً جديداً للهجرات الأسترونيزية؛ إذ توضح أن ما انتقل بين الجزر لم يقتصر على التقنيات والأدوات والممتلكات، بل شمل أيضاً الأفكار والرموز والمعتقدات.
ويمنح اللوح الباحثين دليلاً مادياً نادراً على الجانب الرمزي من حياة هذه المجتمعات القديمة؛ فبينما تكشف الأدوات عن التقنيات وأنماط المعيشة، يمكن للرموز الفنية أن تقدم مؤشرات على الهوية والانتماء الجماعي، كما يرى الباحثون أن قابليتها للنقل ربما أتاحت انتقالها مع الأشخاص، وأسهمت في التعبير عن الروابط المشتركة بين المجتمعات الجزرية.
وأشار الفريق إلى أن تصاميم شبيهة بأشعة الشمس كانت تُرسم تاريخياً على القوارب وغيرها من الأشياء، وربما استُخدمت رموزاً للحماية. وتمكن هؤلاء البحّارة من الانتشار عبر آلاف الكيلومترات من المحيط؛ ما يرجح أن الفن والتقاليد الرمزية المشتركة رافقا حركتهم البحرية منذ مراحلها الأولى.







