أوروبا تواجه خامس موجة حر خلال صيف استثنائي

بريطانيا تكتسي لوناً بنياً رملياً بدلاً من لونها الأخضر اليانع المعهود

قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)
قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)
TT

أوروبا تواجه خامس موجة حر خلال صيف استثنائي

قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)
قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)

تُعد أوروبا القارة الأسرع احتراراً على وجه الأرض، وتفتقر بعض مناطقها إلى الاستعداد الكافي للتعامل مع الطقس الحار، بحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقد أدت موجات الحر المتكررة وحالات الجفاف إلى صيف حار تاريخياً شهد حرائق غابات، كما أسهمت في وفاة آلاف الأشخاص حتى الآن. ويعزو العلماء تزايد حدة وتواتر موجات الحر إلى التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية. ومن المتوقع أن تتجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية بالنسبة لما يقرب من ثلاثة من كل خمسة سكان أوروبيين (باستثناء تركيا) - أي ما يعادل نحو 340 مليون نسمة - وذلك وفقاً لتحليل يستند إلى توقعات هيئة الأرصاد الجوية الألمانية وإسقاطات سكانية لعام 2025 صادرة عن مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية. وتتفق نتائج «وكالة الصحافة الفرنسية» مع تلك التي توصلت إليها منظمة «كليما داشبورد» (Klimadashboard) النمساوية غير الحكومية.

تُظهر الصورة منطقة «ليوبولدسدورف إم مارشفيلد» في النمسا حيث تبرز شجرة جافة بجوار حقول أصابها الجفاف (أ.ف.ب)

أوروبا وموجات الحرارة

وهذا الأسبوع، عانت أجزاء واسعة من أوروبا الغربية من ارتفاع درجات الحرارة مع حلول موجة حر جديدة، اليوم الخميس، في بريطانيا وفرنسا، وهي الموجة الخامسة خلال هذا الصيف الذي وصف بأنه «استثنائي»، ويهدد بتسجيل المزيد من الأرقام القياسية بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

غراف الحر في أوروبا

وكانت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية قد صرحت، في وقت سابق من هذا الأسبوع، بأن تسجيل درجات حرارة عادية فقط خلال الفترة المتبقية من شهر أغسطس (آب) سيكون كافياً لتجاوز الرقم القياسي المسجل العام الماضي لأكثر الأعوام حرارة. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة في فرنسا لتصل إلى 40 درجة مئوية (104 درجات فهرنهايت) في المناطق الوسطى والجنوبية، وإلى 38 درجة مئوية في باريس. وتُظهر أحداث هذا الصيف أن كلاً من بريطانيا وفرنسا تفتقران إلى الاستعداد الكافي للتعامل مع مستويات الحرارة هذه؛ فعلى سبيل المثال، تُعد أنظمة تكييف الهواء أمراً نادراً خارج المتاجر والمكاتب.

يُظهر هذا المشهد الجوي أشخاصاً يسيرون على عشب جاف تماماً بمحاذاة قمة الجرف الواقع فوق المنارة في «بيتشي هيد» (Beachy Head) بالقرب من «إيستبورن» على الساحل الجنوبي لإنجلترا (أ.ف.ب)

وفي مستشفيات بريطانيا، تبيّن يوم الخميس أن ظروف العمل أصبحت صعبة للغاية، حيث سُجلت حالات إغماء بين الممرضين والممرضات بسبب الإجهاد الحراري، وذلك وفقاً للكلية الملكية للتمريض. وقالت نيكولا رينجر، الرئيسة التنفيذية والأمينة العامة للكلية: «عندما نرى أطقم التمريض ينهارون أو يشعرون بالدوار والغثيان، أو حتى يُنقلون للعلاج في المستشفيات ذاتها التي يعملون بها لأن أماكن عملهم غير مهيأة لتحمل الحرارة، فإن ذلك يبرز بوضوح مدى التقصير الشديد في حقهم».

وفي يوم الخميس، تركزت أشد موجات الحر مرة أخرى في غرب وجنوب أوروبا. وتوقعت الأرصاد ارتفاع درجات الحرارة لتتجاوز 35 درجة مئوية في مناطق فرنسية يقطنها 50 مليون نسمة. وفي إيطاليا، تشير التوقعات إلى تأثر 29 مليون نسمة بدرجات حرارة مماثلة، لا سيما على طول الساحل الغربي، وفي سهل «بو»، ومنطقة «كعب الحذاء» (جنوب شرقي البلاد)، والجزر.

كما يُرجح أن تتأثر أجزاء واسعة من شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث سيطال تأثير الموجة 25 مليون نسمة في إسبانيا. ومن المتوقع أيضاً أن تتجاوز درجات الحرارة 35 درجة مئوية بالنسبة لـ23 مليون نسمة في المملكة المتحدة، مع تركز الحرارة في وسط إنجلترا المكتظ بالسكان وفي لندن. وكانت هيئة الأرصاد الجوية الرسمية في البلاد (مكتب الأرصاد الجوية - Met Office) قد صرحت، الثلاثاء، بأن البلاد تتجه لتسجيل أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق.

جسر فوق مجرى نهر اللوار الجاف في لويرواكسانس (فإراد) غرب فرنسا (أ.ف.ب)

ضغوط على الموارد المائية

ولا عجب أن ظروف الجفاف آخذة في الانتشار؛ فمثلها مثل أجزاء كثيرة من أوروبا، تواجه بريطانيا وفرنسا موجات جفاف واسعة النطاق أدت إلى ذبول المحاصيل وجفاف الأنهار، مما يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المائية المخصصة للمنازل والزراعة والبيئة، ويجبر الحكومات والمستهلكين على البحث عن تدابير قصيرة وطويلة الأجل للتخفيف من آثار التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.

وتقدمت شركة «ساوثرن ووتر» (Southern Water) البريطانية - المسؤولة عن إمدادات المياه في جنوب إنجلترا - بطلب للحصول على قرار استثنائي يتعلق بحالات الجفاف؛ يهدف إلى حظر الاستخدام غير الضروري للمياه من قبل الشركات، بما في ذلك غسل السيارات وملء المسابح غير المنزلية، وذلك نظراً لأن نقص الأمطار «الاستثنائي» بات يهدد الإمدادات في مقاطعة هامبشاير وجزيرة وايت. وستتخذ وزيرة البيئة، أنجيلا إيجل، قراراً بشأن هذا الطلب الذي - في حال الموافقة عليه - سيكون أول حظر من نوعه منذ مايو (أيار) 2006.

دخان يتصاعد خلف الماشية جراء حريق غابات اندلع في 9 أغسطس في منطقة «نيو فورست» بالقرب من «رينغوود» بمقاطعة هامبشاير جنوبي إنجلترا (أ.ف.ب)

حرائق الغابات

ولا تزال المخاوف من حرائق الغابات تشكل خطراً داهماً؛ فمع جفاف الأرض وغياب أي مؤشرات على هطول أمطار مؤثرة، تظل السلطات في كل من بريطانيا وفرنسا في حالة تأهب قصوى لمواجهة حرائق الغابات. ففي بريطانيا - التي بدأت تكتسي لوناً بنياً رملياً بدلاً من لونها الأخضر اليانع المعهود - انتشر رجال الإطفاء بكثافة هذا الأسبوع لمحاولة السيطرة على حريق في منطقة «نيو فورست» (New Forest) بجنوب إنجلترا.

وقد سُجّل نحو 1017 حريقاً في الغابات في إنجلترا وويلز هذا العام - وفقاً لبيانات «المجلس الوطني لقادة فرق الإطفاء» - وهو ما يعادل إجمالي الحرائق القياسي المسجل في العام الماضي. ورغم أن هذه الحرائق لا تضاهي في حجمها تلك التي شهدتها فرنسا واليونان وإسبانيا، فإنها تقدم دليلاً دامغاً على حاجة المملكة المتحدة للتكيف مع واقع جديد.

طائرة إطفاء تحلق بينما يتصاعد الدخان من حريق غابات في أزنالكويار بإسبانيا (رويترز)

وعاد رجال الإطفاء في فرنسا أيضاً إلى العمل الميداني بعد صيف عصيب، ملوحين بالإضراب للمطالبة بتوفير المزيد من الكوادر والموارد اللازمة للتعامل مع الظواهر الجوية المتطرفة التي تزداد حدة. وقد اندلع أحد الحرائق في وقت متأخر من يوم الأربعاء في منطقة «با - دو - كاليه» (Pas - de - Calais) الشمالية، واندلع حريق آخر في منطقة بريتاني، وهي مناطق تقع بعيداً عن المناطق الجنوبية الأكثر حرارة وجفافاً وعرضة للحرائق في فرنسا. يُذكر أن حريقاً هائلاً كان قد أتى على مساحات واسعة من الغابات بالقرب من مدينة بوردو، الشهر الماضي، مما أجبر ربع مليون شخص على إخلاء منازلهم.


مقالات ذات صلة

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

علوم ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية... ما هي؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم «إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيّف الموجهة

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم عامل بمطعم وجبات سريعة يحاول تبريد شخص برشّ الماء على رأسه خلال موجة حر شديدة بطوكيو 22 يوليو 2026 (رويترز)

ثلث سكان العالم تعرضوا لمستويات مرتفعة من تلوث الأوزون في 2026

تعرَّض نحو ثلث سكان العالم لمستويات مرتفعة للغاية من تلوث الهواء بالأوزون خلال عام 2026، نتيجة موجات الحر وحرائق الغابات والانبعاثات الناجمة عن الأنشطة البشرية.

«الشرق الأوسط»
صحتك تعزيز جهازك المناعي يقلل من خطر الإصابة بالإنفلونزا خلال موسم الشتاء (بيكساباي)

كيف تقوّي مناعتك مع بداية موسم الإنفلونزا كل عام؟

يستعرض التقرير قائمة بالنصائح والاستراتيجيات لتعزيز جهازك المناعي وتقليل خطر الإصابة بالإنفلونز خلال موسم الشتاء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
TT

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)

رحلت الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي، والدة المخرج المعروف باسم كريستو. وقد نعاها ابنها ووحيدها على صفحاته الخاصة على وسائل التواصل، ناشراً صورة له برفقتها.

وكتب باسم كريستو متوجهاً لوالدته بالقول إنه سيشتاقها كثيراً، وسيشتاق لانشغال بالها عليه حين يسافر، ولابتسامتها قبل رحيلها وحين تنظر إليه وتغالب مرضها ووجعها. تلك الابتسامة التي ستبقى محفورة في عينيه وقلبه مدى الحياة.

المخرج باسم كريستو نشر صورة على مواقع التواصل برفقة والدته (وسائل التواصل)

والشاعرة باسمة بطولي لها دواوين عدة، منها: «عربات الصدى» 2009، «مع الحب حتى الموت» 1978، «مكللة بالشوق» 1996، «حين ترتدي النار عريها» 2012، «أصداء بصرية» 2013، «سلالي ومياه الوقت» 2016، و«على مقام الصِّبا والصَّبا» 2017.

ولدت في مدينة بيروت، والدها الكاتب توفيق الباطولي ووالدتها الرسامة ليندا قازان الباطولي. حصلت باسمة بطولي على إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها من جامعة ليون في فرنسا، ودبلوم في الصحافة من كلية الصحافة المصرية، وخريجة دار المعلمين والمعلمات في لبنان.

عملت موظفة إدارية في وزارة التربية الوطنية، وأعدت وقدمت برامج ثقافية في تلفزيون لبنان. نشطت في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والمؤتمرات.

وكما كتبت الشعر العمودي والتفعيلة رسمت مئات اللوحات المائية والزيتية، وشاركت بأعمالها في معارض فنية فردية وجماعية.

نالت العديد من الجوائز والتكريمات أبرزها وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، منحها إياه عام 2022 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، العماد ميشال عون، تقديراً لمسيرتها الإبداعية في الشعر والرسم.


«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
TT

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي، أشبه بنافذة لأهالي المدينة حيث يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية، والحوارات، والتجاريب الجريئة، من التاسع وحتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

إذا كان العام الماضي قد استقبل بشكل خاص فنانين من المدينة، فهو هذه السنة ينفتح على المناطق والجنسيات. وتقول مديرة «مرسح» نادين علي ديب، وهي المنظمة للتظاهرة: «إن المناطق غالباً ما ألحقت بالمركز، أما مهرجاننا هذا فيرى طرابلس جديرة بأن تكون فضاء للإنتاج والإبداع، وتبلور الطاقات، وهذا ما نحاول أن نشجعه في مركزنا ومن خلال مهرجاننا السنوي».

الفن لمواجهة القسوة

يشارك هذه المرة فنانون لبنانيون ودوليون تتناول أعمالهم مسائل تتعلق بالأرض والخيال والانتماء. وتشرح نادين: «إن الأعمال تنتمي إلى الفن المعاصر، وهو حاجة للمدينة. فالفنانون يملكون القدرة على أن يقدموا شهادات محمولة بالأخيلة في محاولة للإجابة عن صعوبات الواقع القاسي الذي نواجهه».

أمام الجغرافيا الممزقة وسرديات الحرب، يأتي الخيال والذاكرة والهوية، كطوق نجاة. هذا نراه في المعرض التشكيلي حول «الحرب والجغرافيا» الذي استضافه «مرسح» يوم الافتتاح (الجمعة)، ويستمر حتى نهاية الشهر. تسعة أعمال بصرية، منها أربعة أعمال مختارة من معرض «إحكي لي يا جنوب» الذي استقبله مركز «بيت بيروت» سابقاً. أحد هذه الأعمال هو «منطقة عازلة» لفرح برو، حيث تقارب عودة إلى قرية الأجداد، أما رباب شمس الدين في «بس قرب موسم الرمان» فتتأمل استمرار الحياة وسط الاضطراب. ويحوّل أديب فرحات في «بعد العشاء» الروايات الشفهية لأربع نساء من الجنوب إلى أرشيف حيّ حول مائدة طعام، وتبحث سما بيضون في «ما تبقى» عن العلاقة الهشّة بين الذاكرة والمكان والصورة.

ويضم المعرض أيضاً «اجتياز» لفاطمة جمعة عن الجسد والشهادة والموت، و«أورفيو والوحوش» لكارولين حاتم الذي يعيد تخيّل رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي باللهجة اللبنانية. وتقدّم منى أيوب، الفنانة المقيمة في استوديو «مرسح»، «بين الزقاقات»، وهو جدارية نسيجية محاكة بألوان طبيعية جُمعت من نباتات أحياء طرابلس القديمة.

معرض في حمام عز الدين الأثري

معرض تشكيلي ثانٍ يفتح أمام الجمهور في حمّام عز الدين الأثري الذي يقع في سوق طرابلس القديم، في الرابع عشر من أكتوبر الحالي. حيث تعاد الحياة إلى هذا المكان الجميل بعد هجرٍ وإغلاق من خلال ثلاثة أعمال لأحمد النابلسي وريبيكا طوق بعنوان «في البدء كان الماء»، مستوحاة من يوميات الحمام. أحد الأعمال وثائقي، وثان منفذ بتقنية الواقع الافتراضي، وثالث يعتمد الصوت. تتبع ربيكا طوق في عملها الوثائقي «نهر أبو علي» وهو ينحدر من أعلى وادي قاديشا وصولاً إلى مدينة طرابلس الساحلية، حاملاً طبقات من الذكريات. هذا النهر يوحي أيضاً لأحمد النابلسي أن يصور بتقنية الواقع الافتراضي رحلة متخيَّلة تصور ما جرى محوه من خلال «شخصية أبو علي». والعمل الثالث المعروض في الحمام، مستوحى من أصوات الماء والاستحمام والحركة ويحولها إلى شكل آخر من أشكال الذاكرة. ويستمر المعرض حتى الثامن عشر من الشهر.

طوفان نهر أبو علي يوم جرف المدينة في خمسينات القرن الماضي وسيكون محور عدد من الأعمال الفنية في المهرجان (مواقع التواصل)

بالتزامن مع إطلاق المهرجان في اليوم الأول، كان المعرض الفني في «مرسح» وكذلك قدمت مسرحية «أربعون حجراً من ركام الضاحية»، للممثل والمخرج هاشم هاشم وبترا سرحال. وفي اليوم الثاني أي العاشر من الشهر قدم «عايشين»، وهو رقص معاصر لفرقة «السراب»، تلاه حفل غنائي لسندي شمعون وفرقتها حيث غنت بصوتها المتمرس أغاني للمحبوب الشيخ إمام.

ويعقد لقاء وورشة عمل يوم الأحد حول الفن والواقع الممتد وطرق جديدة للإنتاج، مع الفنانة البريطانية لارا قبيسي حيث ستكون المشاركة بعد التسجيل المسبق إلزامية.

ويوم الخامس عشر سيكون منتدى بعنوان «العمل المشترك والأطراف: إعادة صياغة منظومتنا الثقافية»، حيث يدور نقاش عملي بين العاملين في الحقل الثقافي والفنانين لتطوير بنية أكثر ترابطاً وإنصافاً بين العاصمة والأطراف. ويقدم عرض لخيال الظل بعنوان «حية نهر أبو علي». وهو الأول للفنان راشد بشناتي المقيم في استوديو «مرسح».

«جوغينغ» أخيراً في طرابلس

ويوم الجمعة 16 من الشهر الحالي حفل موسيقي للعازف والمؤلف المصري حازم شاهين. يليه يوم السبت عرض مسرحي بعنوان «جوغينغ» لحنان الحاج علي، جاب مهرجانات ونال جوائز، ولا يزال يعرض منذ عدة سنوات. ويختتم المهرجان يوم الأحد، الثامن عشر من الشهر، بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان «الأرض امرأة» بالتعاون مع مؤسسة ريف، ثم بعرض سمعي بصري وحوار مع فراس حلاق «جلسات القبة»، يتحدث خلالها عن تسجيل موسيقي فريد قام به تحت قبة مسرح معرض رشيد كرامي، تليه حفلة لمكرم أبو الحسن وغسان سحاب.

حنان الحاج علي في مسرحية جوكينج (مواقع التواصل)

و«مرسح» هو مركز فني مستقل ومنصة للفن متعدد التخصصات، مقرّه الميناء في طرابلس. تأسس عام 2023. وتقول نادين التي تدير «مرسح» وتنظم المهرجان السنوي: «إن المركز يراكم الممارسات النقدية والأعمال المعاصرة، من شتى المدارس الفنية، وينظم الإقامات لفنانين، ينتجون أعمالهم الخاصة، بعضها مشارك في المهرجان. وهذا الأخير فسحة لنعود ونتخيل جماعياً ونترك للفنانين فسحة أمل ليقولوا بلغتهم ما نحن بحاجة إلى الاستماع إليه.» لهذا يعمل «مرسح» مع فنانين محليين بشكل خاص، ويبقى من المساحات المفتوحة القليلة في مدينة طرابلس إن لم تكن الوحيدة المتاحة لأصحاب الإبداعات لا للتعبير فقط، بل لتطوير ملكاتهم ومثاقفتها مع تجارب جديدة أخرى.


فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
TT

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية التي صدرت عام 1995 لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون والإخراج الذكي لأنغ لي. لذا، عندما سألتها المنتجة إنديا فلينت عام 2024 عما إذا كانت مهتمة بتقديم معالجة سينمائية جديدة للرواية، شعرت أوكلي بالحماس، لكنها أدركت في الوقت ذاته أنها ستواجه حتماً مقارنات مع الفيلم السابق. تقول أوكلي (38 عاماً) عن فيلمها: «لا أحد يدعي أن هذه هي النسخة النهائية أو المطلقة للعمل، وهذا الأمر يخفّف بعضاً من الضغط». ويتناول الفيلم قصة الشقيقتين داشوود -إلينور الرزينة (التي تمثل «العقل»)، وماريان المندفعة عاطفياً (التي تمثل «العاطفة»)- وذلك في أعقاب وفاة والدهما، حيث تواجهان الفقر المفاجئ وتجدان نفسيهما محط أنظار عدد من الخُطّاب.

نالت إيما تومسون جائزة الأوسكار عن سيناريو «العقل والعاطفة» في عام 1996 (imdb)

شهدت نسخة عام 1995 قيام كل من تومسون وكيت وينسلت بدور الشقيقتين، في حين لعب هيو غرانت وآلان ريكمان دوري الحبيبين في حياتهما. وقد أسهم ذلك الفيلم -الذي حاز على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو- في تجديد الاهتمام بأعمال أوستن؛ إذ كان واحداً من ستة أعمال سينمائية وتلفزيونية اقتُبست من قصصها وصدرت خلال عامي 1995 و1996.

غير أن أوكلي وديانا ريد (30 عاماً) -كاتبة السيناريو الجديد- رأتا أن هناك مبرراً لتقديم معالجة درامية جديدة تتناول قضايا أزلية، مثل التبعية المالية والاجتماعية والفراغ الأخلاقي لدى الطبقات العليا. وقالت أوكلي: «أعتقد أن حقيقة إنتاج ذلك الفيلم الأول قبل 30 عاماً قد أتاحت مجالاً لإعادة استكشاف القصة من منظور جديد». وتضم النسخة التي أعدتها أوكلي في طاقم تمثيلها كلاً من ديزي إدغار-جونز في دور «إلينور»، وإسمي كريد-مايلز في دور «ماريان»، وجورج ماكاي وهربرت نورد في دوري الخاطبين.

أومأت ريد -التي انضمت إلى أوكلي عبر مكالمة فيديو من لندن في شهر أغسطس (آب)- موافقةً على ذلك. وقالت: «هناك جانب مألوف للغاية ومعاصر في الصراع المحوري بين الشقيقتين وفي طبيعة ما يفرق بينهما»، مضيفةً: «غالباً ما تكون السمات التي تجذبنا لشخص ما هي نفسها التي ينتهي بها المطاف لتكون مصدراً لاستيائنا منه». وقد شرعت كل من أوكلي وريد في معالجة الرواية من منظورين يجمعان بين الواقعية القاسية المتمثلة في الانهيار المالي للأسرة، والرابطة العميقة التي تجمع الشقيقتين بالطبيعة. واستذكرت أوكلي توجيهها لفريق تصفيف الشعر والمكياج بضرورة «الحرص على أن يكون المكياج بسيطاً وقليل الأثر قدر الإمكان».

لقطة من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

«أردتُ تقديم نسخة من القصة تتسم بالبساطة والعفوية»، هكذا أوضحت رؤيتها للطابع البصري والجمالي للفيلم. وفي إشارة منها إلى أن الشقيقات قضين وقتاً طويلاً في المنزل بصحبة والدهن -الذي كان قد تُوفي للتو- أضافت قائلة: «لم أستطع أن أتقبل فكرة أنهن، في ظل تلك الظروف، كنّ سيظهرن بالمظهر نفسه الذي تظهر به امرأة تعيش في لندن وتحضر الحفلات الراقصة كل عام». بالنسبة إلى أوكلي كانت النساء في تصورها لذلك العالم يعتمدن تسريحات شعر فضفاضة تبدو وكأن الرياح قد عبثت بها قليلاً (بعيداً عن التجعيدات المصففة بإحكام)، ويرتدين فساتين انسيابية. وأوضحت قائلة: «عندما أشاهد الأعمال المقتبسة من روايات أوستن، أشعر أحياناً بمسافة تفصلني عن الشخصيات، ويعود ذلك إلى طريقة تصفيف شعرهن أو المظهر المثالي والنظيف للغاية لملابسهن. لذا، أردتُ تقديم شيء أكثر واقعية وعفوية، يلامس الجانب الإنساني البسيط».

شمل ذلك تشكيل وحدة مختصة بالطبيعة، ضمت فريقاً من المصورين الفوتوغرافيين ومصوري الفيديو الذين قضوا ساعات في التخييم وسط التضاريس الوعرة بجنوب غربي إنجلترا. وقد تمثلت مهمتهم في إضفاء لمسات بصرية تعكس «الإيقاع البطيء» على الفيلم، مثل العناكب وهي تنسج خيوطها، والنحل وهو يتنقل بين الزهور، والضوء وهو ينساب عبر التلال الوعرة. تقول أوكلي: «عند تخيل عالمٍ يعود إلى ما قبل 200 عام، حيث لا وجود للشاشات ولا شيء يقطع الأفق أمام البصر، ندرك أن انتقال الشخصيات للعيش في ذلك الكوخ يمثّل تجربة صعبة للغاية. لذا، كنت أرغب حقاً في استكشاف ذلك الرابط؛ ليس فقط مع الطبيعة، بل أيضاً مع علاقة الشخصيات بالزمن». كما تطلّب هذا النهج خلق أجواء أكثر قتامة، بدلاً من الاعتماد على الغرف المشرقة التي تغمرها أشعة الشمس.

الممثلة البريطانية فيونا شو في دور الأم في مشهد من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

تقول مصممة الإنتاج فرانشيسكا دي موتولا -في مكالمة فيديو أجريت مؤخراً من برلين حيث كانت تعمل على مشروعها القادم-: «لقد شاهدنا من قبل أفلاماً تدور أحداثها في المملكة المتحدة داخل قصور ريفية ضخمة وفخمة، لكن ذلك لم يكن البتة ما كنا نبحث عنه». وعندما تعلق الأمر بتصوير تدهور أوضاع الأسرة -إذ تضطر العائلة إلى مغادرة منزلها بعد وفاة الأب، لأن ملكية المنزل تؤول بالكامل إلى ابنه من زواجه الأول- أوضحت دي موتولا أنهم ركزوا على إظهار التبعات العملية التي واجهتها بنات عائلة «داشوود». فعلى سبيل المثال، حين تنتقل الأسرة من قصر ريفي في مقاطعة «ساسكس» إلى كوخ «بارتون» الأصغر بكثير في مقاطعة «ديفونشاير»، لا يرافقهن سوى خادم واحد، وبدلاً من المشاهد التقليدية التي تظهر الشخصيات وهن يستعددن لحضور الحفلات الراقصة، نرى مشاهد لهن وهن يقمن بأعمال الغسيل والطهي وتقطيع الحطب.

قالت دي موتولا: «إنك ترى كيف يضطرون إلى التأقلم مع حياة جديدة تماماً؛ إذ بات عليهم الآن القيام بكل تلك المهام المرتبطة بالعيش في القصور، وهي أمور عادةً ما يتولى شخص آخر مساعدتك في إنجازها». وأشارت ليندا تروست -وهي أستاذة اللغة الإنجليزية في كلية «واشنطن وجيفرسون» بولاية بنسلفانيا وشاركت في تحرير كتاب عن الاقتباسات السينمائية لأعمال أوستن- إلى أن النزعة الواقعية كانت حاضرة في اقتباسات أعمال أوستن من قبل؛ فعلى سبيل المثال، طُلب من الممثلين في المسلسل القصير «إيما» (Emma) الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 1972 ألا يغسلوا شعورهم بانتظام، وذلك لكي يبدو أقل كثافة وهيشاناً وأكثر ملاءمة لطبيعة العصر الذي تدور فيه أحداث القصة.

لقطة من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

لم يتردد بعض صُنّاع الأفلام أيضاً في إظهار الجوانب الخشنة والواقعية القاسية، فعلى سبيل المثال، أظهر فيلم «الإقناع» (Persuasion) الصادر عام 1995 شخصية «آن إليوت» وهي تستقل عربة بصحبة خنزير وإوزة، كما صوّر المسلسل القصير «العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility) الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 2008 كوخاً متداعياً وأجواء يسودها هطول مستمر للمطر. ومع ذلك، ترى «تروست» أن ثمة حاجة إلى بذل المزيد من الجهد لتصوير القذارة والأوساخ التي ميّزت تلك الحقبة الزمنية بصدق وواقعية. غير أن الهدف الأسمى بالنسبة إلى «أوكلي» لم يكن الالتزام الصارم بالدقة التاريخية؛ إذ أوضحت أنها سعت -من خلال التخلي عن بعض مظاهر البريق واللمعان التي باتت سمة معتادة في الأعمال الفنية- إلى إبراز المشاعر الإنسانية الكامنة في القصة. وقالت «أوكلي» إن الشخصيات ربما لا تتسم بـ«الجرأة أو خفة الظل بالمعنى العصري، لكن ذلك لا ينفي إنسانيتها»، مضيفة: «لا يزال بإمكانك التواصل معها بعمق، وإدراك مدى صدق قصصها وقدرتها على ترك أثرٍ في النفس».

* خدمة «نيويورك تايمز»