بينما كانت سها الهواري تختار وجهة مصيفها بما يتناسب مع دائرة الحياة الاجتماعية لأبنائها وأصدقائهم، كان أحمد سليم يبحث عن قرية سياحية تمنحه إجازةً عائليةً هادئةً بتكلفة معقولة، في حين اكتفت أسرة نورا عبد السلام باستئجار شقة شعبية صغيرة في مدينة رأس البر بمحافظة «دمياط» لقضاء عطلتها، كما استغنى محمود إبراهيم عن فكرة المبيت بالمصيف من الأساس، مكتفياًً برحلة ليوم واحد إلى شاطئ الإسكندرية.
وتنتشر مقاطع فيديو تستعرض أنماط الحياة في الساحل الشمالي الجديد، أو «الساحل الشرير» كما يحلو لكثير من المصريين تسميته، الممتد من منطقة سيدي عبد الرحمن، وحتى رأس الحكمة بمطروح غرباً؛ حيث تصل أسعار زجاجة المياه الصغيرة في بعض الأماكن إلى نحو 100 جنيه (الدولار الأميركي يعادل نحو 50 جنيهاً)، كما تتحوَّل أطباق طعام مثل «الفول بالجمبري»، الذي يتجاوز سعره ألف جنيه، إلى مادة لصناعة «الترند».

ويواكب ذلك جدل متكرِّر حول خلافات الملاك والمستأجرين بشأن استخدام الشواطئ والمرافق، بما يغذي النقاشات حول الانقسام الاجتماعي والطبقي بين المصطافين.
غير أنَّ خريطة المصايف في مصر تبدو أكثر تنوعاً وتعقيداً من الصورة التي تعكسها هذه المقاطع، إذ تحكم اختيارات الأسر اعتبارات اقتصادية واجتماعية متباينة، تمتد من نمط الحياة إلى القدرة على تحمُّل تكاليف الإجازة نفسها. فبالنسبة إلى سها الهواري، الموظفة بإحدى المدارس الدولية، لم يكن اختيار القرية السياحية مرتبطاً بالبحر وحده، بقدر ما يرتبط بالحياة الاجتماعية لأبنائها، فتقول لـ«الشرق الأوسط»: «اخترت استئجار وحدة في إحدى قرى الساحل الشمالي لأنَّ معظم أصدقاء أبنائي يقضون عطلتهم الصيفية هناك، فأصبح هذا الاعتبار بالنسبة لكثير من الأسر جزءاً من قرار اختيار المصيف».
وتضيف: «تكلفة الإقامة لم تكن بسيطة، إذ بلغ إيجار الوحدة نحو 15 ألف جنيه يومياً، ما يعني أنَّ إقامة الأسرة لمدة 5 أيام تجاوزت 75 ألف جنيه، من دون احتساب مصروفات الطعام والترفيه، وحاولنا تقليل النفقات بإحضار بعض الاحتياجات معنا من القاهرة، مثل عبوات المياه والعصائر، لكن في النهاية لا يمكن الاستغناء عن المطاعم والكافيهات والخدمات داخل القرية، وهناك تتراوح الأسعار بين ضعفي وثلاثة أضعاف مثيلاتها في القاهرة».

وتشير إلى أن «المفارقة لم تكن في ارتفاع التكلفة وحدها، بل في القيود التي قد يواجهها بعض المستأجرين، إذ فوجئ أصدقاء لنا كانوا يستأجرون وحدة في قرية مجاورة بعدم السماح لهم باستخدام الشاطئ المُخصَّص للملاك؛ ما أدى إلى خلاف مع مالك الوحدة بعدما اكتشفوا أنَّ هذه القيود لم تُذكَر لهم قبل التعاقد، وانتهى الأمر بمغادرتهم القرية قبل انتهاء فترة العطلة».
وإذا كانت سها الهواري تتحمَّل نحو 100 ألف جنيه لقضاء إجازة لا تتجاوز 5 أيام في إحدى قرى الساحل الشمالي، التي يصل سعر إيجار بعض فيلاتها إلى نحو مليون جنيه في الشهر، ونصف مليار جنيه للتمليك، فإنَّ أسرة أخرى يمكنها قضاء أسبوع كامل مقابل نحو 5 آلاف جنيه داخل شقة شعبية في مدينة رأس البر بمحافظة دمياط، إحدى أقدم المصايف المصرية، التي ظلت لعقود وجهةً صيفيةً تقليديةً للأسر، قبل أن يعيد الساحل الشمالي رسم خريطة المصايف في مصر.
تقول نورا عبد السلام، وهي أم لـ3 أبناء، لـ«الشرق الأوسط»: «رأس البر هي وجهتنا في معظم السنوات، صحيح أن الشقة ليست على البحر، ونمشي نحو ربع ساعة، وربما أكثر، للوصول إلى الشاطئ، لكن في المقابل تمنحنا فرصة قضاء أسبوع كامل بعد انتهاء امتحانات الأولاد بتكلفة نستطيع تحملها».

ويتجه قطاع كبير في المقابل للبحث عن حلول تُحقِّق قدراً من الهدوء من دون تحمُّل تكلفة المنتجعات الأعلى سعراً، ربما من أحد تلك الحلول الاستفادة من التعاقدات التي تبرمها النقابات المهنية مع عدد من القرى السياحية، وكان هذا هو الخيار الذي لجأ إليه أحمد سليم، الصحافي، بحثاً عن مصيف يجمع بين الهدوء والتكلفة المقبولة، بعيداً عن زحام المصايف الشعبية.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «اشتركت هذا العام في أحد المصايف المتعاقدة مع النقابة داخل إحدى قرى الساحل الشمالي من الفئة المتوسطة، وبلغت تكلفة الأسبوع نحو 9 آلاف جنيه بعد الخصم النقابي».
ويضيف: «كانت التجربة جيدة في مجملها، فأسعار المطاعم والخدمات داخل القرية، وكذلك إيجار مستلزمات الشاطئ، كانت معقولة مقارنة بما نسمع عنه في بعض القرى الأعلى سعراً، لذلك شعرت بأننا حصلنا على توازن بين التكلفة ومستوى الخدمة».
أما بالنسبة لشريحة أخرى، فلم يعد السؤال أي قرية يختارون، وإنما هل يستطيعون الإقامة أصلاً لأيام أمام البحر، فلعل أعداد المصطافين التي تعلنها محافظتا الإسكندرية ومطروح، والتي تتجاوز مليون زائر، في عطلات نهاية الأسبوع منذ منتصف يوليو (تموز)، تكشف عن قطاع واسع من المصريين لا يزال متمسكاً بفكرة المصيف التقليدي، القائم على قضاء يوم أو يومين على الشاطئ، دون الإقامة في قرية سياحية أو شقة مصيفية.
محمود إبراهيم، موظف في شركة للانتقالات، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا هو نمط الإجازة التي نستطيع تدبيرها في ظلِّ ارتفاع الأسعار، نأتي أنا وأسرتي ومعنا والدتي لقضاء يوم على البحر، وتقتصر التكلفة على تذاكر القطار والمواصلات داخل الإسكندرية، وهي في مجملها أقل من تكلفة الإقامة، ففي العام الماضي استأجرنا شقةً في منطقة ميامي، لكن هذا العام لم يعد ذلك متيسراً، لذلك اكتفينا برحلة يوم واحد، وأتمنى أن تسمح الظروف العام المقبل بقضاء أكثر من يوم».

وتأتي هذه الفوارق في وقت تستهدف فيه مصر خفض نسبة السكان تحت خط الفقر إلى 30 في المائة بنهاية العام المالي 2029 - 2030، مقارنة بنحو 33 في المائة في عام 2021 - 2022، وفق مستهدفات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، وهو ما يعكس استمرار التحدي المرتبط بتوسيع قدرة الأسر على الوصول إلى أنماط معيشية وترفيهية أكثر تنوعاً.
وربما لهذا لم تعد خريطة المصايف في مصر مجرد استراحة على البحر، بقدر ما أصبحت في كثير من الأحيان، ترسيخاً لخطاب اجتماعي وطبقي كما تقول سارة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع، التي ترى أن «تداول المصريين ترندات ساخرة مثل الساحل الطيب والساحل الشرير، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد دعابة متداولة على مواقع التواصل، بل يحمل آثاراً اجتماعية حقيقية، لأنه يعيد إنتاج الفوارق الطبقية ويكرسها في الوعي العام».
وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «جزء كبير من الأزمة يرتبط بغياب شواطئ عامة كافية توفر مستوى جيداً من الخدمات والانضباط بأسعار مناسبة، وهو ملف ينبغي العمل عليه طوال العام استعداداً لموسم الصيف، لا أن يقتصر التعامل معه على حلول مؤقتة، فنحن نجد في المقابل أسعاراً فلكية في بعض المنتجعات، وصوراً للتكدُّس والفوضى في الشواطئ الشعبية، بينما تتآكل تدريجياً المساحة الوسطى التي كانت تتيح خيارات مناسبة لشريحة واسعة من المصريين».
