عن زياد الرحباني الذي حرّر فيروز والمرأة من الانتظار والانكسار

من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
TT

عن زياد الرحباني الذي حرّر فيروز والمرأة من الانتظار والانكسار

من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)

رحلَ زياد الرحباني من دون أن يحقِّق حلمه. كان يريد العثور على امرأةٍ يحبّها ويكمل معها الطريق إلى آخره. على الأرجح، فإنَّ الحبَّ الذي رسمه زياد في خياله غير موجود. هو من النوع الصادق، والشجاع، والدائم، وغير الموارِب، كذاكَ الذي يسكن أغنياتٍ ألّفها حيث الثقة والأمل والولَع توائم للحب.

مشى زياد الرحباني صوب الأبدِ وحيداً. لفظَ نغمَه الأخير بلا يدٍ شريكة تبثّ دفئاً في أصابعه قبل أن ينسحبَ النبضُ منها. غريبٌ هذا الرحيل داخل غرفةٍ خالية من رقّةِ أنثى، بينما الرجلُ الراحل هو أفضل مَن تحدّثَ بلسان الإناث.

سيدة تحمل صورة زياد الرحباني خلال وداعه الأخير (أ.ف.ب)

منحَ زياد الرحباني المرأةَ صوتاً لم يُلبسها إيّاه أحدٌ قبله. في السطور التي كتبَها وغنّتها فناناتٌ عربيات على رأسهنّ والدته السيّدة فيروز، تكلّم الموسيقار اللبناني باسمِ المرأة. تقمّصَها، جال في خاطرها ثم نطق بكلّ ما يجول فيه من دون تنميقٍ ولا تجميل. مزاجيّتُها، شكوكُها، انكساراتُها، غرائبُ عشقِها، تَمَرُّدُها، مللُها من الذكوريّة الطافحة، ثيماتٌ كثيرة سكبَها ابنُ عاصي وفيروز على ورقِه وعلى مفاتيح البيانو، لتتحوّل أناشيد أنثويّة لا مجرّد أغنياتٍ صباحيّة.

فيروز... العطر الأول واللحن الأول

ليس أمراً عادياً أن يكون أولُ عطرٍ يلتحمُ بجِلدِ طفل، وأولُ خصلةِ شَعرٍ تتسربلُ بها يدُه، وأولُ صوتٍ يدندنُ تهويدةً في أذنه، هو عطر وشَعر وصوت فيروز.

فيروز هي أنثى زياد الأولى وباكورةُ ألحانه. يوم أُدخل عاصي المستشفى عام 1973 ولم يستطع وضع اللمسات الأخيرة على مسرحية «المحطّة»، دمجَ زياد نوتاته بكلمات عمّه منصور فوُلدَت «سألوني الناس»؛ الأغنية التي كشفت عبقريّة ابن الـ17 عاماً.

تابع زياد الرحباني التلحين لوالدته من أشعار كبار الكلمة، أمثال طلال حيدر، وجوزيف حرب، والأخوين رحباني. وفي عام 1974، تسلّل إلى أعمالها للمرة الأولى كاتباً وملحّناً، مقدّماً وإياها نسخة جديدة من «بعتّلك روحي»، التي كان قد اكتشفها الجمهور في مسرحيّته «نزل السرور».

وإذا كانت «بعتّلك» ما زالت مصبوغة بسرديّة المرأة المستسلمة والضعيفة والمنتظرة أبداً عودة الرجل، قائلةً «ما دام ح تروح خود معك روحي»، فإنَّ ما تلاها من تعاونٍ بين زياد وأمّه نقل السيدة فيروز إلى مكانٍ آخر.

عندما استفردَ بها زياد كلاماً ولحناً كما يشاء، تحررت فيروز من الانتظار، وأمسى صوتُها عنوان المرأة الحرّة، صاحبة الموقف الشخصي، الهازئة حيناً والمتمرّدة أحياناً.

فيروز وابنها زياد الرحباني عام 1973 (ويكيبيديا)

زياد يمنح فيروز حلّة جديدة

بعد انقضاء سنةٍ على رحيل عاصي الرحباني في يونيو (حزيران) 1986، أصدرَ زياد وفيروز أول ألبوم موسيقي لهما بعنوان «معرفتي فيك». أطلقَ الفنان البالغ حينذاك 31 عاماً، أمّه بحلّةٍ جديدة على مستويَي الكلمة واللحن. هو الذي شَهِدَ على العلاقة العاصفة بينها وبين والده، أخذ من الحب حلوَه ومُرَّه وجعلَ فيروز تغنّي الحياة كما هي، بشِعرٍ بسيط وحقائقَ معقّدة.

على خلاف «زعلي طوّل»، غنّت فيروز في «معرفتي فيك» للمرة الأولى عن جرأة مغادرة علاقةٍ عاطفية سامّة. ومنذ ذلك الحين انكسر المحظور.

«كيفك إنت»

جاء ألبوم «كيفك إنت» عام 1991 ليكرّس صورة فيروز الجديدة. في تلك التجربة التي شكّلت محطّةً مفصليّةً وانتقاليّة في مسيرتها الموسيقية، تفرّد زياد الرحباني بالألحان والكلمات كافة.

المرأة المتصالحة مع ندوب أجمل حبٍ مضى، نطقت بصِدقٍ وجرأة في «كيفك إنت». استحضر الرحباني لغةً تمزج ما بين التهكّم والحنين فغنّت فيروز: «كيفك قال عم بيقولوا صار عندك أولاد... أنا والله كنت مفكّرتك برّات البلاد».

في الألبوم ذاته، استعار زياد الرحباني كل ضمائر المؤنّث لينطق باسمِ امرأةٍ عاشقةٍ تقول «عندي ثقة فيك». لكنّه في الوقت ذاته، كان يُطلق أحد أجمل نداءات الولَه، ويوثّق لكبرى حكايات الحب في حياته، تلك التي جمعته بالممثلة اللبنانية كارمن لبّس.

«بكتب شعر فيك، بكتب نثر فيك... وبيكفّي. شو ممكن يعني اكتب بعد فيك». سلّم زياد الرحباني اعترافاته العاطفية لحنجرة فيروز التي تكفّلت بتخليدها.

بلغ التهكّم الأنثوي ذروته مرفقاً بكثيرٍ من اللامبالاة في أغنية «مش قصة هاي»، حيث تكلّم زياد الرحباني بلسان المرأة التي ما عادت تفيدها الأعذار. وصلت خيبتها من الشريك إلى مرحلة لا يُجدي فيها التملّق والصبر نفعاً، فقالت كل ما في قلبها؛ «بتعشق علاي اعشق ما بتعشق ما تعشق... مش فارقة معاي».

«مش كاين هيك تكون»

عام 1999، أهدى زياد الرحباني السيّدة فيروز وسائر السيّدات ألبوم «مش كاين هيك تكون». في «سلّملي عليه»، اعترافاتُ امرأةٍ عاشقة لا تخجل من المجاهرة بمشاعرها تجاه رجلٍ آثرَ الرحيل والصمت على التشبّث بحبّه. وتتكرَّر الحكاية ذاتها في «اشتقتلّك» حيث تغنّي فيروز: «برغم الحاصل من زمان، الوقت الكافي للنسيان، عزّة نفسي كإنسان... اشتقتلّك».

ثم تعود لغة التهكّم واصفةً يوميات ثنائيّ عاديّ في بيتٍ أقلّ من عاديّ: «كان أوسع هالصالون... كان أشرح هالبلكون... وطبعاً إنت يا حبيبي حبّك كان قد الكون». في «مش كاين هيك تكون»، تتصالح المرأة مع واقع أنَّ الحبَّ غالباً ما يحمل بين ثناياه خيبة، وترفض التعايش مع قلبٍ صار بارداً. ويبلغ التمرّد الأنثويّ ذروته في الألبوم مع أغنية «ضاق خلقي»، حيث تسقط المجاملات وتخرج المرأة المقموعة عن صمتها، مستعيرةً صوت فيروز.

«ولا كيف»

في ألبوم «ولا كيف» الصادر مطلع 2002، غلبت الرومانسيّة الأنثويّة، فبرعَ زياد الرحباني بالنطق بلسان المرأة العاشقة والمستسلمة لحبّها، في أغنيات مثل «صباح ومسا»، و«شو بخاف»، و«أنا فزعانة»، و«بيذكّر بالخريف».

لكنّ النبرة الساخرة لم تَغِب، فتجاوزت فيروز كل الصياغات الجريئة والخارجة عن المألوف التي سبق أن غنّتها، وذهبت إلى أقصى الشبَه بالنساء العاديّات في «إنشالله ما بو شي»، و«تنذكر ما تنعاد»، و«لا والله».

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

«إيه في أمل»

مع كلّ ألبوم جمع زياد بوالدته، اتّضح أكثر غوصُه عميقاً في دماغ المرأة واستيعابُه لمشاغلِها ومكامِن قلقها ومللِها. على مشارف ثمانينها، جعل فيروز تغنّي «إيه في أمل» للذكريات الطالعة من الملل، والمُدركة أنه مهما عاد الربيع، فإنّ الحبَّ لن يعود.

تنقّلت الواقعيّة الصارخة بين أغاني الألبوم الصادر في 2010، ممتزجةً كما العادة بالسخرية والفكاهة السوداء. بثقةٍ أقرب إلى الازدراء، تتوجّه المرأة إلى الرجل في «قال قايل»، و«كبيرة المزحة هاي»، و«ما شاورت حالي».

«إيه في أمل» آخر ألبومات فيروز مع زياد الرحباني (الشرق الأوسط)

الأنثى... صوتٌ يُطمئن زياد

لطالما استراح زياد الرحباني إلى صوت المرأة، فارتبط اسمُه بعددٍ من الفنانات العربيات اللواتي منحهنّ كلماته وألحانه. من بين مَن حظين بفرصة التعاون مع زياد، المطربة التونسية لطيفة التي أصدرت معه ألبوم «معلومات أكيدة» عام 2006. وبرزت من بين أغاني ذلك الألبوم «بنصّ الجوّ»، و«أمّنلي بيت»، و«دوّرت إيام الشتي».

ألّف الرحباني كذلك ألبوماً كاملاً للمغنية سلمى مصفي عام 2001 بعنوان «مونودوز»، وقد تصدّرته «ولّعت كتير»، و«آن فير شي نو».

ومن بين الفنانات اللواتي تعاون معهنّ المغنية الاستعراضية اللبنانية مادونا. أما أغنية ما بعد الرحيل فصدرت بصوت الفنانة كارول سماحة بعنوان «ما بتنترك وحدك».

كما الرجل الذي تغنّي عنه وله كارول سماحة في تلك الأغنية، كان من الأجدى لو لم يُترَك زياد الرحباني وحيداً ويتيماً من قلبِ أنثى خلال سنواته الأخيرة. لعلّه كان يقصد نفسه عندما كتب: «ما بتنترك وحدك يوم... بتروح... بتفلّ ناسي الباب مفتوح».


مقالات ذات صلة

لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

الوتر السادس لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

قالت الفنانة التونسية لطيفة إن اختيارها أغنية «شبهي بالمِلّي» عنواناً لألبومها الجديد جاء من شعورها بأنها الأقرب إلى شخصيتها وحالتها الإنسانية والفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس مادلين مطر لـ«الشرق الأوسط»: «السوشيال ميديا» أعادتني إلى الواجهة من جديد

مادلين مطر لـ«الشرق الأوسط»: «السوشيال ميديا» أعادتني إلى الواجهة من جديد

لم تشأ الفنانة مادلين مطر أن تحرق انتظار جمهورها بأغنية عادية، فبحثت وخططت وخلطت أوراقها من جديد، لتطل بعمل فني مختلف يُحدث فرقاً.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

ماذا كشف وثائقي ترافيس باركر الجديد عن ليلة سقوط طائرته الخاصة؟

الموسيقي العالمي يواجه ندوب الماضي في «أعلى من الخوف»... ويستحضر ليلة كارولاينا الجنوبية المنكوبة التي خطفت 4 أرواح، وحوَّلته إلى ناجٍ وحيد يطارد الذكريات.

كوثر وكيل (لندن)
الوتر السادس فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

في مشهد فني خرج عن المألوف، أطلق الفنان رامي عيّاش الفيديو كليب الخاص بأغنيته الجديدة «عذّبيني».

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

قال الموسيقار المصري محمود طلعت إن الموسيقى التصويرية لا تُكتب بالقواعد نفسها في كل عمل، فلكل وسيط فني لغته وأدواته

أحمد عدلي (القاهرة)

مفاجأة أثناء الحفر في بلجيكا... سبائك وعملات ذهبية بـ10.4 مليون دولار

تقوم الشرطة بفهرسة الذهب الموجود في بلجيكا (لوكالي بوليتي ديندرموند على فيسبوك)
تقوم الشرطة بفهرسة الذهب الموجود في بلجيكا (لوكالي بوليتي ديندرموند على فيسبوك)
TT

مفاجأة أثناء الحفر في بلجيكا... سبائك وعملات ذهبية بـ10.4 مليون دولار

تقوم الشرطة بفهرسة الذهب الموجود في بلجيكا (لوكالي بوليتي ديندرموند على فيسبوك)
تقوم الشرطة بفهرسة الذهب الموجود في بلجيكا (لوكالي بوليتي ديندرموند على فيسبوك)

اكتشف عمال بناء في بلجيكا كنزاً من الذهب تقدر قيمته بنحو 10.4 مليون دولار، وذلك أثناء تنفيذ أعمال لإنشاء شبكة صرف صحي أسفل مبنى كان في السابق مصنعاً للجعة، وفقاً لما نقلت «فوكس نيوز» عن الشرطة المحلية.

ووقع الاكتشاف في بلدة سينت-غيليس-ديندرموند التابعة لإقليم فلاندرز، خارج العاصمة بروكسل. وسارع العمال إلى إبلاغ الشرطة بما عثروا عليه، قبل أن تقوم السلطات بجرد القطع الذهبية، ونقلها إلى خزنة حكومية اتحادية شديدة الحراسة.

عامل شاب ظن أن القطع عملات من فئة يورو

وقال عامل يبلغ من العمر 18 عاماً، يُدعى كوبي، لشبكة «في آر تي» البلجيكية، إنه ظن في البداية أن القطع التي عثر عليها ليست سوى عملات معدنية من فئة يورو.

وأضاف: «كان رد فعلنا الأول في الواقع عدم التصديق، والمفاجأة. بالطبع لم نتوقع العثور على الذهب».

وكان العمال يضطرون إلى إزالة جزء من أساس المبنى لإفساح المجال أمام أنابيب شبكة الصرف الصحي، قبل أن يلاحظوا شيئاً بين التربة.

«وجدنا الذهب... ثم ظهرت العملات والسبائك»

وقال ماريو، قائد المشروع، إن لحظة اكتشاف الكنز كانت بمثابة «شعور جنوني».

وأوضح أن العمال صاحوا: «وجدنا الذهب»، قبل أن يذهب لتفقد ما عثروا عليه بنفسه.

وقال ماريو: «أخذت الذهب بين يدي. وواصلنا أيضاً الحفر، فعثرنا على مزيد من العملات والسبائك. عندها فقط أدركنا حقاً ما وجدناه».

وبعد ذلك اتصل ماريو بمديره، ثم أبلغ الشرطة بالاكتشاف.

العمال لن يحتفظوا بالكنز

وعلى الرغم من قيمة الذهب الكبيرة، فإن عمال البناء لا يحق لهم الاحتفاظ به بموجب القانون البلجيكي.

وينص القانون على أن صاحب الذهب الشرعي يملك حق المطالبة به خلال خمس سنوات.

وعندما سُئل ماريو عما إذا كان قد فكر في الاحتفاظ بالذهب، أجاب بأن الأمر كان صعباً للغاية بسبب العدد الكبير من العملات والسبائك، مضيفاً أن الاحتفاظ بها سيُعد سرقة.

أما كوبي، فقال إنه لا يزال يأمل في الحصول على مكافأة مالية لمن عثر على الكنز، قائلاً: «سيكون ذلك أمراً جميلاً».

مؤسسة للرعاية الاجتماعية قد تستفيد من الكنز

ويعود المبنى الذي جرى فيه الاكتشاف إلى منظمة تقدم خدمات الرعاية والدعم الاجتماعي للمجتمع الفلمنكي.

وقال مدير المنظمة، وفقاً لـ«بي بي سي»، إنه يأمل في أن يُستخدم الذهب لمساعدة الناس، في ظل «الاحتياجات الهائلة التي نواجهها يومياً».

الشرطة تحذر الباحثين عن الكنوز

وحذرت الشرطة المحلية الباحثين عن الكنوز من التوجه إلى موقع الاكتشاف، مؤكدة أنه موقع بناء مغلق، ومحاط بسياج، ويضم حُفراً خطرة عدة.

وأوضحت السلطات أن الذهب جرى نقله بالكامل من الموقع، داعية إلى عدم محاولة الوصول إلى المكان.

وقالت الشرطة إنها تأمل في أن ينتهي هذا الكنز «في الأيدي المناسبة»، وأن يسهم هذا الاكتشاف غير المتوقع في تغيير حياة كثير من الناس نحو الأفضل.


بارون ترمب يبيع المتّة ويجني مليونه الأول... رائد أعمال على خُطى والدِه

يبدو بارون ترمب متأثراً بوالده في عالم الأعمال (أ.ف.ب)
يبدو بارون ترمب متأثراً بوالده في عالم الأعمال (أ.ف.ب)
TT

بارون ترمب يبيع المتّة ويجني مليونه الأول... رائد أعمال على خُطى والدِه

يبدو بارون ترمب متأثراً بوالده في عالم الأعمال (أ.ف.ب)
يبدو بارون ترمب متأثراً بوالده في عالم الأعمال (أ.ف.ب)

لو لم يكن ابنَ دونالد ترمب، لَرُبّما احترف بارون كرة القدَم. قبل بلوغه الـ12 من العمر، انضمّ إلى أكاديمية «دي سي يونايتد» في واشنطن متدرّباً مبتدئاً. راقت له اللعبة وأظهرَ موهبةً فيها. وعندما طلب من والده أن يدعو النجم البريطاني واين روني إلى البيت الأبيض عام 2018، لبّى الرئيس ترمب الطلب.

لكن بين نجوميّة روني الكُرويّة وسُلطة والده وهيبتِه، كان على بارون أن يختار الثانية. تربّى الابن الخامس لترمب، وهو الوحيد من ميلانيا، في ظلّ رجلٍ يُبَدّي السلطة والعمل والمال على أي شيءٍ آخر. متأثّراً به أو ربما من أجل إرضائه، سلك بارون طريقاً مشابهاً، لا بل إنه نسخة طبق الأصل من مسار والده المهني. كانت البداية بتأسيسه شركة عقارية في سن الـ18، ومن الواضح أنّ أعماله لن تتوقف عند حدود مشروب المتّة الذي أطلقه قبل أشهر.

بارون ترمب متوسطاً والده ورئيس «الفيفا» في نهائي كأس العالم (فيفا)

متّة ترمب بنكهة الأناناس

عام 2011 وخلال تقديمه برنامج «The Apprentice»، ابتكر دونالد ترمب عبوة مياه شرب تحمل اسم «ترمب آيس»، وطلب إلى المتبارين تسويقها وبيعها لمتاجر نيويورك. لم تنجح العلامة التجارية فكُتبت لها نهاية سريعة. هذا ما حصل كذلك مع «ترمب فودكا»، المشروب الكحولي الذي توقّف تصنيعه.

إلا أنّ تلك التجارب الفاشلة لم تردع بارون (20 سنة) عن إطلاق مشروبه الخاص في مايو (أيار) 2026. بالشراكة مع 4 أصدقاء تتراوح أعمارهم بين 19 و23 عاماً، ابتكر «سولوس» (Sollos) وهو مزيج من عشبة المتّة البرازيلية، وسكّر القصب، والعسل، وفاكهة الراهب؛ وكلّها مكوّنات عضويّة تُضاف إليها نكهة الأناناس وجوز الهند الطبيعية. وليس المشروب متوفراً للبيع سوى في فلوريدا أو من خلال المتاجر الرقميّة.

تُباع 12 عبوة من مشروب «سولوس» مقابل 39 دولاراً (موقع سولوس)

تُعدّ خطوة بارون ترمب وشركائه ذكيّة في التوقيت، بما أنّ الجيل زد معروفٌ بتقليله من تناول الكحول، واعتماده أكثر على المشروبات الغنية بمادة الكافيين. وتحتوي عبوة واحدة من «سولوس» على 120 ملّيغراماً من الكافيين الطبيعي المستخرَج من المتّة.

في المقابل، لم ينجُ «سولوس» من الانتقادات؛ إذ شبّه بعض الصحافيين نكهته بواقي الشمس! أما سياسياً، فصُوّبت السهام إلى مُنتَجٍ مصنوع من عشبة من أميركا الجنوبية ويحمل اسماً إسبانياً، في وقتٍ يستهدف فيه دونالد ترمب المجتمعات اللاتينية من خلال قوانين الهجرة التي فرضها.

شبّه البعض نكهة مشروب «سولوس» بواقي الشمس (موقع سولوس)

بارون ترمب... متران وبضع سنتيمترات

حاولت ميلانيا قدر المستطاع إبعاد ابنها عن الضوء والصخب المحيطَين بحياة والده، وقد نجحت في ذلك إلى حدٍ ما. لا يملك بارون ترمب حساباتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو مرتاحٌ إلى استراتيجيّة أمّه؛ إذ إنه لم يتحدّث مرةً إلى الإعلام، ونادراً ما يُطلّ في المناسبات الرئاسية.

يُعرَف عنه أنه يدرس إدارة الأعمال في جامعة نيويورك، وأنّ طوله فارع وفق ما يردّد والدُه. ويتكفّل الأخير بإفشاء بعض الأسرار عن ابنِه الأصغر، كأن يقول إنه «نابغة في الكمبيوتر والتكنولوجيا».

إلّا أنّ انطلاقة بارون لم تكن معلوماتيّة؛ ففي عام 2024 خطا أولى خطواته في عالم الأعمال من باب العقارات. وهذا تماماً ما فعله والده قبله، يوم سار على خُطى والده فريد ترمب، مثاله الأعلى.

دونالد ترمب وابنه بارون في صورة من عام 2020 (أ.ف.ب)

بارون ترمب للعقارات

صيف 2024، أسّس بارون ترمب بالتعاون مع زملاء له في المدرسة، شركة تطوير عقاري طامحة للاستحواذ على عقارات وأراضي ملاعب غولف في عددٍ من الولايات الأميركية. كان الابنُ الخامس والأصغر لدونالد ترمب في الـ18 من عمره حينذاك، ومتخرجاً للتوّ من مدرسة «أُكسبريدج» في فلوريدا.

لكن مع فوز ترمب في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، جرى حلّ الشركة بعد 4 أشهر من تأسيسها، تفادياً لضجيج الإعلام بالتزامن مع عودة العائلة إلى البيت الأبيض. لم يحقّق المشروع أي عوائد ماليّة تُذكَر، إلّا أنه جسّد دخول بارون الرمزي إلى عالم ريادة الأعمال، في محاكاةٍ لانطلاقة والده المبكرة.

بارون برفقة والدَيه ليلة فوز دونالد ترمب بانتخابات 2024 (أ.ف.ب)

بارون يُدخل والده عالم الـ«كريبتو»

ليس عبثاً إن نادَتهُ والدتُه «دونالد الصغير»، فمن بين إخوته يبدو بارون ترمب الأقرب إلى مسيرة أبيه وطموحه المادّي. ومن غير المعروف ما إذا كان يسير وفق توجيهات والده، أم إذا كانت ميلانيا هي التي تُسرّ في أذنه وتدفع به إلى الأمام. لكن المؤكّد أنّها السنَد الأكبر، فوفق سيرتِها التي نُشرت عام 2020، أعادت ثالثة زوجات ترمب التفاوض على اتفاقية ما قبل الزواج، لتأمين شروط ميراثٍ أفضل لابنها ومشاركة أكبر في أعمال العائلة.

أتى ذلك بثمارٍ سريعة؛ إذ انضمّ بارون إلى أخوَيه غير الشقيقَين إريك ودونالد جونيور في سبتمبر (أيلول) 2024، لدى تأسيس مشروع العملات المشفّرة (كريبتو) لعائلة ترمب (World Liberty Financial). ووفق عدد من التقارير الصحافية، فإنّ بارون كان أول أفراد العائلة إدراكاً لإمكانات هذه السوق، وهو الذي أقنعَ الجميع بإطلاق الشركة. وقد أقرّ دونالد ترمب حينذاك بعدم إلمامه بمصطلحات العملات المشفّرة، قائلاً: «لا أعرف حتى ما هي المحفظة الرقميّة، فيما ابني بارون لديه 4 محفظات».

بارون ترمب مع إخوته غير الأشقّاء: إريك ودونالد جونيور وإيفانكا وتيفاني (إنستغرام)

بارون ترمب وأول 100 مليون

بصفتِه شريكاً مؤسِساً، كان بارون ترمب من بين أكبر المستفيدين من التداولات الرقمية لشركة العملات المشفّرة الخاصة بالعائلة. عام 2025، وفي سنته الـ19، أصبح ترمب الأصغر يملك ثروةً تُقدّر بـ150 مليون دولار وفق أرقام مجلّة «فوربس». وبذلك، أصبح أحد أغنى أبناء الجيل زد في الولايات المتّحدة، كما فاقت أمواله ثروةَ والدته ميلانيا.

لم تقتصر الأرباح الناتجة عن شركة العملات المشفّرة على بارون وحده؛ إذ شهدت ولاية ترمب الرئاسية الثانية تضاعفاً في حسابات ولدَيه إريك ودونالد جونيور. تضاعفت ثروة الأخير 10 مرات لتصل إلى 500 مليون دولار. أما إريك فنما رصيده من 40 مليون دولار إلى 750 مليوناً خلال سنة واحدة.

دونالد جونيور وإريك ترمب في سوق «ناسداك» بنيويورك (رويترز)

بعد العملات المشفّرة، ومشروب المتّة، وسوق العقارات، من المرجّح أن يخوض بارون ترمب تجربةً رابعة لم تتّضح ملامحها بعد. فهل يدخل بحُكم أعماله الكثيرة فضاء التواصل الاجتماعي، أم يبقى منكفئاً؟ مع العلم بأنه أطلق في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، حملةً للانضمام إلى قيادة «تيك توك»، بالتزامن مع إصدار والده أمراً تنفيذياً بإنشاء مشروع مشترك لعمليّات المنصة في الولايات المتحدة.


حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».