عن زياد الرحباني الذي حرّر فيروز والمرأة من الانتظار والانكسار

من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
TT

عن زياد الرحباني الذي حرّر فيروز والمرأة من الانتظار والانكسار

من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)
من جنازة الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025 (أ.ب)

رحلَ زياد الرحباني من دون أن يحقِّق حلمه. كان يريد العثور على امرأةٍ يحبّها ويكمل معها الطريق إلى آخره. على الأرجح، فإنَّ الحبَّ الذي رسمه زياد في خياله غير موجود. هو من النوع الصادق، والشجاع، والدائم، وغير الموارِب، كذاكَ الذي يسكن أغنياتٍ ألّفها حيث الثقة والأمل والولَع توائم للحب.

مشى زياد الرحباني صوب الأبدِ وحيداً. لفظَ نغمَه الأخير بلا يدٍ شريكة تبثّ دفئاً في أصابعه قبل أن ينسحبَ النبضُ منها. غريبٌ هذا الرحيل داخل غرفةٍ خالية من رقّةِ أنثى، بينما الرجلُ الراحل هو أفضل مَن تحدّثَ بلسان الإناث.

سيدة تحمل صورة زياد الرحباني خلال وداعه الأخير (أ.ف.ب)

منحَ زياد الرحباني المرأةَ صوتاً لم يُلبسها إيّاه أحدٌ قبله. في السطور التي كتبَها وغنّتها فناناتٌ عربيات على رأسهنّ والدته السيّدة فيروز، تكلّم الموسيقار اللبناني باسمِ المرأة. تقمّصَها، جال في خاطرها ثم نطق بكلّ ما يجول فيه من دون تنميقٍ ولا تجميل. مزاجيّتُها، شكوكُها، انكساراتُها، غرائبُ عشقِها، تَمَرُّدُها، مللُها من الذكوريّة الطافحة، ثيماتٌ كثيرة سكبَها ابنُ عاصي وفيروز على ورقِه وعلى مفاتيح البيانو، لتتحوّل أناشيد أنثويّة لا مجرّد أغنياتٍ صباحيّة.

فيروز... العطر الأول واللحن الأول

ليس أمراً عادياً أن يكون أولُ عطرٍ يلتحمُ بجِلدِ طفل، وأولُ خصلةِ شَعرٍ تتسربلُ بها يدُه، وأولُ صوتٍ يدندنُ تهويدةً في أذنه، هو عطر وشَعر وصوت فيروز.

فيروز هي أنثى زياد الأولى وباكورةُ ألحانه. يوم أُدخل عاصي المستشفى عام 1973 ولم يستطع وضع اللمسات الأخيرة على مسرحية «المحطّة»، دمجَ زياد نوتاته بكلمات عمّه منصور فوُلدَت «سألوني الناس»؛ الأغنية التي كشفت عبقريّة ابن الـ17 عاماً.

تابع زياد الرحباني التلحين لوالدته من أشعار كبار الكلمة، أمثال طلال حيدر، وجوزيف حرب، والأخوين رحباني. وفي عام 1974، تسلّل إلى أعمالها للمرة الأولى كاتباً وملحّناً، مقدّماً وإياها نسخة جديدة من «بعتّلك روحي»، التي كان قد اكتشفها الجمهور في مسرحيّته «نزل السرور».

وإذا كانت «بعتّلك» ما زالت مصبوغة بسرديّة المرأة المستسلمة والضعيفة والمنتظرة أبداً عودة الرجل، قائلةً «ما دام ح تروح خود معك روحي»، فإنَّ ما تلاها من تعاونٍ بين زياد وأمّه نقل السيدة فيروز إلى مكانٍ آخر.

عندما استفردَ بها زياد كلاماً ولحناً كما يشاء، تحررت فيروز من الانتظار، وأمسى صوتُها عنوان المرأة الحرّة، صاحبة الموقف الشخصي، الهازئة حيناً والمتمرّدة أحياناً.

فيروز وابنها زياد الرحباني عام 1973 (ويكيبيديا)

زياد يمنح فيروز حلّة جديدة

بعد انقضاء سنةٍ على رحيل عاصي الرحباني في يونيو (حزيران) 1986، أصدرَ زياد وفيروز أول ألبوم موسيقي لهما بعنوان «معرفتي فيك». أطلقَ الفنان البالغ حينذاك 31 عاماً، أمّه بحلّةٍ جديدة على مستويَي الكلمة واللحن. هو الذي شَهِدَ على العلاقة العاصفة بينها وبين والده، أخذ من الحب حلوَه ومُرَّه وجعلَ فيروز تغنّي الحياة كما هي، بشِعرٍ بسيط وحقائقَ معقّدة.

على خلاف «زعلي طوّل»، غنّت فيروز في «معرفتي فيك» للمرة الأولى عن جرأة مغادرة علاقةٍ عاطفية سامّة. ومنذ ذلك الحين انكسر المحظور.

«كيفك إنت»

جاء ألبوم «كيفك إنت» عام 1991 ليكرّس صورة فيروز الجديدة. في تلك التجربة التي شكّلت محطّةً مفصليّةً وانتقاليّة في مسيرتها الموسيقية، تفرّد زياد الرحباني بالألحان والكلمات كافة.

المرأة المتصالحة مع ندوب أجمل حبٍ مضى، نطقت بصِدقٍ وجرأة في «كيفك إنت». استحضر الرحباني لغةً تمزج ما بين التهكّم والحنين فغنّت فيروز: «كيفك قال عم بيقولوا صار عندك أولاد... أنا والله كنت مفكّرتك برّات البلاد».

في الألبوم ذاته، استعار زياد الرحباني كل ضمائر المؤنّث لينطق باسمِ امرأةٍ عاشقةٍ تقول «عندي ثقة فيك». لكنّه في الوقت ذاته، كان يُطلق أحد أجمل نداءات الولَه، ويوثّق لكبرى حكايات الحب في حياته، تلك التي جمعته بالممثلة اللبنانية كارمن لبّس.

«بكتب شعر فيك، بكتب نثر فيك... وبيكفّي. شو ممكن يعني اكتب بعد فيك». سلّم زياد الرحباني اعترافاته العاطفية لحنجرة فيروز التي تكفّلت بتخليدها.

بلغ التهكّم الأنثوي ذروته مرفقاً بكثيرٍ من اللامبالاة في أغنية «مش قصة هاي»، حيث تكلّم زياد الرحباني بلسان المرأة التي ما عادت تفيدها الأعذار. وصلت خيبتها من الشريك إلى مرحلة لا يُجدي فيها التملّق والصبر نفعاً، فقالت كل ما في قلبها؛ «بتعشق علاي اعشق ما بتعشق ما تعشق... مش فارقة معاي».

«مش كاين هيك تكون»

عام 1999، أهدى زياد الرحباني السيّدة فيروز وسائر السيّدات ألبوم «مش كاين هيك تكون». في «سلّملي عليه»، اعترافاتُ امرأةٍ عاشقة لا تخجل من المجاهرة بمشاعرها تجاه رجلٍ آثرَ الرحيل والصمت على التشبّث بحبّه. وتتكرَّر الحكاية ذاتها في «اشتقتلّك» حيث تغنّي فيروز: «برغم الحاصل من زمان، الوقت الكافي للنسيان، عزّة نفسي كإنسان... اشتقتلّك».

ثم تعود لغة التهكّم واصفةً يوميات ثنائيّ عاديّ في بيتٍ أقلّ من عاديّ: «كان أوسع هالصالون... كان أشرح هالبلكون... وطبعاً إنت يا حبيبي حبّك كان قد الكون». في «مش كاين هيك تكون»، تتصالح المرأة مع واقع أنَّ الحبَّ غالباً ما يحمل بين ثناياه خيبة، وترفض التعايش مع قلبٍ صار بارداً. ويبلغ التمرّد الأنثويّ ذروته في الألبوم مع أغنية «ضاق خلقي»، حيث تسقط المجاملات وتخرج المرأة المقموعة عن صمتها، مستعيرةً صوت فيروز.

«ولا كيف»

في ألبوم «ولا كيف» الصادر مطلع 2002، غلبت الرومانسيّة الأنثويّة، فبرعَ زياد الرحباني بالنطق بلسان المرأة العاشقة والمستسلمة لحبّها، في أغنيات مثل «صباح ومسا»، و«شو بخاف»، و«أنا فزعانة»، و«بيذكّر بالخريف».

لكنّ النبرة الساخرة لم تَغِب، فتجاوزت فيروز كل الصياغات الجريئة والخارجة عن المألوف التي سبق أن غنّتها، وذهبت إلى أقصى الشبَه بالنساء العاديّات في «إنشالله ما بو شي»، و«تنذكر ما تنعاد»، و«لا والله».

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

«إيه في أمل»

مع كلّ ألبوم جمع زياد بوالدته، اتّضح أكثر غوصُه عميقاً في دماغ المرأة واستيعابُه لمشاغلِها ومكامِن قلقها ومللِها. على مشارف ثمانينها، جعل فيروز تغنّي «إيه في أمل» للذكريات الطالعة من الملل، والمُدركة أنه مهما عاد الربيع، فإنّ الحبَّ لن يعود.

تنقّلت الواقعيّة الصارخة بين أغاني الألبوم الصادر في 2010، ممتزجةً كما العادة بالسخرية والفكاهة السوداء. بثقةٍ أقرب إلى الازدراء، تتوجّه المرأة إلى الرجل في «قال قايل»، و«كبيرة المزحة هاي»، و«ما شاورت حالي».

«إيه في أمل» آخر ألبومات فيروز مع زياد الرحباني (الشرق الأوسط)

الأنثى... صوتٌ يُطمئن زياد

لطالما استراح زياد الرحباني إلى صوت المرأة، فارتبط اسمُه بعددٍ من الفنانات العربيات اللواتي منحهنّ كلماته وألحانه. من بين مَن حظين بفرصة التعاون مع زياد، المطربة التونسية لطيفة التي أصدرت معه ألبوم «معلومات أكيدة» عام 2006. وبرزت من بين أغاني ذلك الألبوم «بنصّ الجوّ»، و«أمّنلي بيت»، و«دوّرت إيام الشتي».

ألّف الرحباني كذلك ألبوماً كاملاً للمغنية سلمى مصفي عام 2001 بعنوان «مونودوز»، وقد تصدّرته «ولّعت كتير»، و«آن فير شي نو».

ومن بين الفنانات اللواتي تعاون معهنّ المغنية الاستعراضية اللبنانية مادونا. أما أغنية ما بعد الرحيل فصدرت بصوت الفنانة كارول سماحة بعنوان «ما بتنترك وحدك».

كما الرجل الذي تغنّي عنه وله كارول سماحة في تلك الأغنية، كان من الأجدى لو لم يُترَك زياد الرحباني وحيداً ويتيماً من قلبِ أنثى خلال سنواته الأخيرة. لعلّه كان يقصد نفسه عندما كتب: «ما بتنترك وحدك يوم... بتروح... بتفلّ ناسي الباب مفتوح».


مقالات ذات صلة

مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

يوميات الشرق سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)

مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

«ضع الغناء والموسيقى أمامك، وألقِ كل شرّ خلفك، وتذكّر الأفراح، حتى يأتي يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت»، بهذه بدأت كلمة اليوم المصري للموسيقى.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق  ترمب متحدثاً إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» (رويترز)

ترمب يشارك الصحافيين أغانيه المفضلة على «إير فورس وان»... ما هي؟

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب الصحافيين على متن «إير فورس وان» قائمة من أغانيه المفضلة، قبل أن يتوجه إلى مقصورتهم لمعرفة رأيهم فيها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل سيلين ديون الأول في باريس ضمن مجموعة حفلات تحييها بعد غياب 6 سنوات (رويترز)

ليلة سيلين ديون في باريس... عودة مدويّة ومضادّة للألم

سيلين ديون تشعل ليل باريس مصارحةً الجمهور عن مرضها، ومؤدّيةً مجموعة من أغاينها الأسطورية وسط دموع الفرح.

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس أصيل هميم لـ«الشرق الأوسط»: أشعر بفضول تجاه الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الفن

أصيل هميم لـ«الشرق الأوسط»: أشعر بفضول تجاه الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الفن

استطاعت الفنانة العراقية أصيل هميم أن تثبت حضورها في الساحة الغنائية العربية، متنقلة بين الأغنية العراقية والخليجية، ومحققة نجاحات لافتة على مدى سنوات.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس لينا شاماميان: الموسيقى أنقذتني في أصعب لحظات حياتي

لينا شاماميان: الموسيقى أنقذتني في أصعب لحظات حياتي

قالت المطربة السورية لينا شاماميان إنها في حالة شوق متجدد للغناء في مصر ولأغنيات التراث المصري، لا سيما التي قدمها الموسيقار سيد درويش

انتصار دردير (القاهرة)

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
TT

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)

أقام أغسطس، أول إمبراطور لروما القديمة، النصب ‌التذكاري الذهبي، الذي يُعرف باسم «المَعْلم الذهبي»، في المنتدى الروماني عام 20 قبل الميلاد ليكون بمثابة نقطة انطلاق رمزية لكل الطرق في الإمبراطورية مترامية الأطراف. وشكلت هذه الطرق بالفعل العمود الفقري لأول شبكة نقل على مستوى قارة في ​العالم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأجرى الباحثون الآن تحليلاً هيكلياً مفصلاً لشبكة الطرق في الإمبراطورية، والتي تمتد على مسافة 300 ألف كيلومتر تقريباً وتعبر أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأظهرت الدراسة أن المقولة القديمة «كل الطرق تؤدي إلى روما» لم تكن دقيقة تماماً، وأن أنسب ما تنطبق عليه هذه المقولة هي القسطنطينية العاصمة اللاحقة للإمبراطورية (إسطنبول حالياً).

وخلص الباحثون في الدراسة إلى أن الرومان كانوا يفضلون بناء طرق مستقيمة، لكن التضاريس الوعرة كانت تعرقل أحياناً تحقيق هذا الهدف.

ووثقوا وجود علاقة في العديد من المناطق بين الطرق الرومانية القديمة والطرق السريعة الحديثة.

وشيد الرومان، الذين كانوا بارعين في الهندسة والبناء، طرقا تمتد من ‌صحاري المغرب والجزيرة ‌العربية جنوباً وشرقاً وصولاً إلى اسكوتلندا والمحيط الأطلسي شمالاً ​وغرباً. ‌وربطوا ⁠هذه الطرق ​بالأنهار الصالحة ⁠للملاحة والممرات البحرية لتشكيل شبكة نقل متكاملة.

وقال عالم الآثار القديمة توم بروجمانز من جامعة آرهوس في الدنمارك: «هذه البنية التحتية تعني أن منطقة شاسعة أصبحت أكثر تكاملاً، فقد وفرت منطلقاً بحجم قارة لانتشار الناس والحيوانات والبضائع والأفكار ومسببات الأمراض».

وأضاف بروجمانز، الذي ساعد في إعداد الدراسة التي نشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، أن «الفيالق الرومانية كانت تسير على الطرق للاستجابة للتهديدات وإغاثة زملائها واستعمار أراض جديدة... لكن الطرق نفسها كانت تستخدم في ⁠الغالب للانتقال بشكل متكرر بين المزارع والحقول أو إلى الأسواق المحلية لبيع المنتجات ‌الزراعية».

وتم قياس المسافات البرية من روما انطلاقا من ‌المعلم الذهبي، لكن هل كانت هذه المدينة القديمة الضخمة مركز ​الشبكة حقاً؟

وقال بروجمانز: «هل كل الطرق تؤدي إلى ‌روما؟ ليس بالضرورة».

وأضاف: «تقع روما في موقع مركزي بالنسبة للملاحة البحرية في البحر المتوسط، لكنها ‌ليست مركزية في شبكة الطرق الرومانية بالتحديد. وجدنا أن عواصم الأقاليم كانت تتمتع بمواقع ممتازة على الطرق في أقاليمها، مما يسهل إدارة الأقاليم وجمع الضرائب بفاعلية».

وكانت أنقرة في تركيا ولندن في بريطانيا وكورنث في اليونان بعضاً من هذه العواصم.

وأضاف بروجمانز: «كانت روما نفسها في موقع مركزي على الطرق المقامة على ساحل إيطاليا المطل على ‌بحر طرانة. لكن عندما نظرنا إلى جميع التحركات داخل شبه الجزيرة الإيطالية بأكملها، صدمنا عندما اكتشفنا أن الطريق الأكثر مركزية يتبع في ⁠الواقع ساحل البحر الأدرياتيكي المقابل، ⁠متجاوزاً روما تماماً».

عاصمة جديدة

نقل الإمبراطور قسطنطين العاصمة إلى القسطنطينية في أوائل القرن الرابع الميلادي.

وقال بروجمانز: «كانت هذه العاصمة الجديدة تتمتع بموقع استراتيجي عند ملتقى أوروبا وآسيا، وكشفت أبحاثنا أنها كانت مركزية بشكل غير عادي للسفر البري عبر الإمبراطورية بأكملها، أكثر بكثير من روما».

وأضاف أنها «تقع على مضيق البوسفور، ونعلم أن عبارات كانت تعبر هذا المضيق في العصور القديمة، مما ربط حركة المرور البرية الأوروبية والآسيوية بشكل فعال».

وساهمت هذه الطرق القديمة في تنظيم التفاعلات بين مئات الملايين من الناس لأكثر من ألفي عام بسبب استمرار استخدام عدد منها لفترة طويلة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في سنة 476 ميلادية وسقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والتي تسمى أيضاً الإمبراطورية البيزنطية، عام 1453.

ويقتفي العديد من الطرق السريعة الحديثة أثر تلك القديمة.

وأفاد بروجمانز: «من الأمثلة الرائعة على ذلك طريق ​فيا أوجوستا، الذي يمتد من قادس في جنوب ​إسبانيا إلى جبال البرانس. ويمر الطريق تحت قوس نصر اسمه قوس بيرا بين تاراجونا وبرشلونة، حيث يمكنك أن ترى بوضوح أنه يسير في نفس مسار الطريق السريع الحديث (إن-340)».

اقرأ أيضاً


مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
TT

مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)

جددت واقعة توقيف أحد الأشخاص بمحافظة المنيا (جنوب مصر) وبحوزته 151 قطعة أثرية تعود للعصور المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني من نتاج التنقيب غير المشروع، قضايا «التجارة المحرمة» في الآثار والمجرمة قانونا.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية عن استمرار جهود أجهزة مكافحة جرائم حيازة القطع الأثرية والاتجار بها حفاظاً على ثروات البلاد وتراثها القومي، وفي هذا الإطار أكدت معلومات وتحريات قطاع شرطة السياحة والآثار قيام أحد العناصر الإجرامية بمحافظة المنيا بحيازة قطع أثرية بقصد الاتجار بها.

ووفق بيان للوزارة «عقب تقنين الإجراءات أمكن ضبطه بدائرة مركز شرطة المنيا، وضُبط بحوزته (151) قطعة أثرية متنوعة (2 تابوت أثرى – 37 تمثالاً من الحجر الجيري والبرونزي والفيانس – قاعدة تمثال – تميمة – 3 أوانٍ – قنينة من الفخار –97 عملة معدنية - عدد من القطع الأثرية المتنوعة)، وبمواجهته اعترف بأن القطع الأثرية المضبوطة نتاج أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الآثار بإحدى المناطق الجبلية بدائرة مركز شرطة أبو قرقاص، وحيازته لها بقصد الإتجار، وبعرض المضبوطات على الجهات المعنية أفادت بأن القطع المضبوطة جميعها أثرية تعود للعصور الفرعونية واليونانية والرومانية».

ضبط شخص بحوزته قطع أثرية في المنيا (وزارة الداخلية)

وكانت أجهزة المن قد ضبطت من قبل العديد من الحالات المشابهة من بينها ضبط شخص بحوزته 277 قطعة أثرية بالمنيا في أبريل (نيسان) الماضي، وضبط 9 أشخاص بحوزتهم 118 قطعة أثرية تماثيل وقطع متنوعة في محافظة القاهرة، خلال أغسطس (آب) الماضي.

ويجرم القانون المصري تجارة الآثار والتنقيب غير المشروع عنها، ويحدد القانون 117 لسنة 1983 اختصاصات ومسؤوليات التنقيب باعتبار المسؤول عنها المجلس الأعلى للآثار، وبخلاف ذلك تصل عقوبات التنقيب غير المشروع عن الآثار والاتجار بها إلى السجن المؤبد وغرامة 5 ملايين جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن «هناك حالة من الهوس لدى البعض من الشعب المصري للحلم بالثراء السريع عبر التنقيب غير المشروع عن الآثار؛ ما يتطلب تحرك الدولة سريعاً في اتخاذ بعض الإجراءات لوقف عمليات التنقيب والحفر خلسة عن الآثار، بتشديد العقوبات، والعمل سريعاً على تسجيل الأماكن الأثرية بالكامل، وزيادة الحراسة المشددة على المواقع والمناطق الأثرية، وعمل دوريات أمنية للحد من انتشار هذه الظاهرة، حيث إنه يعد إهداراً لتاريخ وحضارة المصريين والآثار المصرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر «يتطلب تعديلات جديدة بقانون حماية الآثار، تتضمن تأمين من يقوم بالإبلاغ عن أعمال الحفر خلسة، ومكافآت مالية كبرى».

وأشار إلى أن «هناك خطورة كبيرة على الآثار التي تنتج عن الحفر خلسة، وتعد كارثة بكل المقاييس، فهذه الآثار تهرب وتباع في المزادات العلنية بالخارج، وليس لنا أي حقوق في عودتها؛ لأنها غير مسجلة، ولا نملك دليلاً على خروجها بطريقة غير شرعية، ومن العجيب أنه حين يتم اكتشاف آثار مصرية بالخارج مهربة، يطلب الجانب الأجنبي إثبات أن هذه الآثار مصرية، وحين ترد مصر بأنها آثار مصرية، ولكنها غير مسجلة يعدها الجانب الأجنبي مسوغاً له لبيع هذه الآثار في المزادات».


مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
TT

مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)

«ضع الغناء والموسيقى أمامك، وألقِ كل شرّ خلفك، وتذكّر الأفراح، حتى يأتي يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت»، بهذه الجملة المنحوتة على جدار مقبرة مصرية قديمة في الأقصر، بدأ الموسيقار المصري راجح داوود كلمته احتفالاً باليوم المصري للموسيقى، الذي يواكب ذكرى رحيل «فنان الشعب» سيد درويش (رحل في 15 سبتمبر «أيلول» 1923) أحد أهم رموز التجديد في الموسيقى.

واستشهد داوود بكلمات لكبار فلاسفة العالم، من بينهم شوبنهاور: «كل الفنون تطمح إلى أن تكون موسيقى». ونيتشه: «من دون الموسيقى، ستكون الحياة خطأ»، وهانس كريستيان أندرسن: «حين تعجز الكلمات، تتكلم الموسيقى».

وقال الموسيقار المصري إن الموسيقى لم تكن ترفاً لدى المصري القديم، بل جزءاً من حياته وحضارته. فكانت الموسيقى حاضرة في العمل والاحتفال والطقوس وسائر المناسبات، بل كانت الموسيقى دائماً على اتصال بإيقاع الحياة نفسها.

وأضاف أنه «بينما عرف المصريون القدماء الآلات الموسيقية، وصوروا العازفين والمغنين والراقصين على جدران المعابد والمقابر، يأتي اليوم دورنا، بكل ما أوتينا من أدوات تكنولوجية واتصالات عابرة للبحار والقارات، لإحياء تلك الصور والمدونات إلى موسيقى تصدح بها أرجاء الكون».

وأكد داوود أن «سيد درويش كان نقطة تحول من عالم الصالونات والنخب إلى العامل والفلاح والجندي والشارع، ليكمل الطريق بعده القصبجي وزكريا أحمد وعبد الوهاب والسنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد فوزي ومحمد الموجي في جسر متنوع ومختلف في قوالبه وهيئته وأطيافه الموسيقية».

وشاركت قطاعات وهيئات وزارة الثقافة بعدد من الفعاليات للاحتفاء بهذه المناسبة بالقاهرة وكافة المحافظات المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية.

تمثال سيد درويش في أوبرا الإسكندرية (فيسبوك)

وقال المخرج عادل حسان، رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إن برنامج وزارة الثقافة للاحتفال باليوم يتضمن برنامج الهيئة العامة لقصور الثقافة، وبه عدد من الحفلات الموسيقية من خلال الفرق الفنية التابعة للهيئة بمحافظات مصر، أبرزها: فرقة القاهرة للموسيقى العربية، كورال مركز الجيزة الثقافي، بجانب فرق الموسيقى العربية المتنوعة.

ويعقد المجلس الأعلى للثقافة جلسة تثقيفية بعنوان «قبل الستارة... سيد درويش وصناعة الأوبريت» بإدارة الدكتورة حنان أبو المجد، أستاذ التاريخ والتحليل الموسيقى، وعميد المعهد العالي للموسيقى «الكونسيرفتوار».

وشارك قطاع الفنون التشكيلية بإقامة ورشة رسم لنخبة من كبار الفنانين التشكيليين بحارة سيد درويش بكوم الدكة بالإسكندرية خلال الفترة من 7 سبتمبر حتى 13 سبتمبر، وكذلك بقاعة «ممر 35» يوم 21 سبتمبر. ويشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بتقديم عرض خاص للفرقة القومية للموسيقى الشعبية بقاعة صلاح جاهين، بينما تشارك أكاديمية الفنون برئاسة الدكتورة نبيلة حسن؛ بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية بقيادة المايسترو محمد عبد الستار.

كما ستشارك الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية في الاحتفالية بندوة بعنوان «اليوم المصري للموسيقى»، ويصاحب الندوة معرض توثيقي عن فنان الشعب سيد درويش، يضم مجموعة من الصور والمواد التوثيقية التي تستعرض مسيرته الفنية وإسهاماته البارزة في تاريخ الموسيقى والغناء المصري.

ومن المقرر إقامة احتفال كبير على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، سوف يشهد تكريم 5 من رموز الموسيقى والغناء المصري، تقديراً لإسهاماتهم الفنية في تاريخ الموسيقى المصرية، وهم «الموسيقار صلاح الشرنوبي، والفنانة عايدة الأيوبي، والدكتور ناير ناجي، والدكتور خيري الملط، والفنان والملحن عهدي شاكر»، وتُقدم خلاله الفرقة الموسيقية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية مختارات غنائية تمثل تاريخ وتراث الموسيقى المصرية.

أمسية تستدعي تراث سيد درويش (وزارة الثقافة)

ويستعيد قصر الأمير بشتاك «بيت الغناء العربي» بشارع المعز لدين الله الفاطمي، التابع لصندوق التنمية الثقافية، تجربة الموسيقار سيد درويش، من خلال أمسية فنية بعنوان «فنان الشعب... سيد درويش»، بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لوفاته.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن «تخصيص يوم للموسيقى في ذكرى سيد درويش يأتي في إطار إحياء مصر لرموزها، فسيد درويش معروف أنه واحد من أهم المجددين في الموسيقى المصرية والعربية بشكل عام، فقد غيّر شكل الأغنية في مصر، أخذ من الشارع والحقول حتى مجتمع الصيادين والموظفين وغيرهم من فئات الشعب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «إحياء ذكراه وتخصيص يوم للموسيقى بالتزامن مع هذه الذكرى أمر مهم جداً، ومن المهم الحفاظ على هذا الطقس وإحياء ذكراه بهذا الشكل كل عام، ويتم تعريف الأجيال الجديدة به، ويكفي أنه الفنان الوحيد الذي تغنت فيروز بإحدى أغانيه، وأتمنى أن يكون الاحتفال أكبر كل عام، ويساهم دائماً في استعادة تراث سيد درويش».

ولد سيد درويش في 17 مارس (آذار) عام 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية، وسافر إلى القاهرة عام 1917 وشارك في ثورة 1919 وقدّم أغنية «قوم يا مصري» التي تعدّ رمزاً للنهضة المصرية، كما لحّن ما يقرب من 20 مسرحية، من بينها «فشر» و«قولوا له»، و«العشرة الطيبة» و«الهلال» و«كليوباترا»، كما لحّن العديد من الأدوار و التواشيح، ومن أهم أعماله وأبرزها نشيد «بلادي بلادي» الذي أخذ عنه السلام الوطني لمصر.