«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

احتاج مُخرجه نيكولا خوري إلى 120 ساعة حوار لإنجازه

ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)
ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)
TT

«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)
ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)

عندما كانت الصبية الطَّموحة ثريا بغدادي راقصة تشقّ طريقها مع «كركلا» في سبعينات القرن الماضي، جاء المخرج الصاعد مارون بغدادي إلى مركز الفرقة، باحثاً عن ممثلة لفيلمه «حروب صغيرة»، ووقع اختياره عليها. هناك بدأت قصة حبّ مليئة بالمغامرات والأشواق والمتاعب.

لم يُكتب لزواج مارون وثريا أن يستمر أكثر من 12 سنة، فقد رحل المخرج الشاب في بيروت بحادث بقي غامضاً، وهو في عزّ تألقه، بعد سنتين فقط من فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان السينمائي» عن فيلمه «خارج الحياة». أحدث الخبر صدمة حينها في لبنان، وفي باريس حيث كانت ثريا الحامل في شهرها الأخير بطفلها شريف. ورغم الأسى، ظلَّت الزوجة أمينة على إرث مارون، ورعت أولادها الثلاثة، وهي تكمل طريقها في ممارسة الرقص الشرقي وتعليمه بعدما اختارته طريقاً.

نيكولا خوري وجانا وهبه بعد العرض في بيروت (صور المنتجة)

ارتأى المخرج اللبناني نيكولا خوري أنّ ثمة ما يستحق النبش في هذه السيرة الثنائية، والصلة الحميمية التي ربطت ثريا بمارون، ولم توثَّق بما يكفي. أجرى خوري 120 ساعة من المقابلات، طوال 4 سنوات، في تحضير طويل لوثائقي «ثريا حبي» الذي مدّته 77 دقيقة. كان الوقت حاجة لكسب ثقتها، وإنجاز فيلم يتحرى بواطن علاقة ربطت مارون بغدادي بثريا، وما بقي منها بعد 30 سنة من وفاته المفجعة.

عُرض الفيلم للمرة الأولى بلبنان قبل أيام، في ختام «مهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة»، وسط حضور حاشد وكثير من الاهتمام. فرغم مرور السنوات، لا يزال مارون بغدادي الذي رحل عن 43 عاماً، تُعاد أفلامه وتُرى على هيئة شاهد على مرارة الحرب الأهلية اللبنانية وعبثها.

تتحدَّث ثريا في الفيلم عن مارون، وعن نفسها، وعن صعوبات عيشهما المشترك، وعن حياتها من بعده وكونها فنانةً لها هواجسها ورغباتها، وعن قصة حبهما المرتبطة عضوياً بتاريخ لبنان، وبحروبه ومآسيه. كان يمكن للزوجين أن يبقيا في بلدهما، لكنّ الحرب دفعتهما للهجرة إلى باريس. «منذ وصلنا، وهو لم يتوقّف عن العمل»، تقول. تشكو أنه لم تكن لهما يوميات حقيقية. نراها تُلاعب أولادها: «لعلّ هذه التسجيلات التي احتفظنا بها هي من بين اللحظات القليلة التي عشناها معاً». كان مأخوذاً بطموحه، وهي تعنى بالعائلة. الفنانة، وقد أصبحت أمّاً، انسحبت بهدوء لتقوم بالمهمات التي انشغل عنها مارون.

الفيلم هو مراجعة؛ اعترافات لامرأة تجلس لساعات أمام حاسوبها في باريس، لتروي للمخرج الذي يحاورها على الجانب الآخر من بيروت، ولا يكفّ عن الاستفسار. «تريدني أن أكون تلك الأرملة التي تبكي زوجها. لا أريد أن أبكي». كانت بحاجة لوقت لبناء الثقة وفتح الخزائن والأسرار. تقول لخوري: «بما أنني أُدخلك إلى حميمياتي، عليك أن تتسلَّل على رؤوس أصابعك من دون أن تُحدث ضجيجاً».

صراحة ثريا مدهشة، وشفافيتها لافتة. لا تفتعل المثالية، ولا تتصنّع دور الزوجة الهائمة. «نعم، تعرّفتُ على رجال آخرين، ولو بقي أحد منهم في حياتي، لتراجعت ذكرى مارون»، تستدرك بعد ذلك، متسائلة: «لكن من أين تأتي برجل يحمل كل هذا الحبّ الذي أغدقه مارون؟». الرسائل المتبادلة بين الحبيبين تكاد تكون العنصر الأكثر رومانسية في فيلم غاب بطله وحلّت محلّه كلماته. «أحبك من كلّ قلبي وشغفي»، يكتب لها. هكذا يحضر مارون من خلال الكلمات العاشقة التي سطَّرها بقلمه على أوراق لا تزال تحتفظ بها ثريا في ملفاتها. «أشتاق لحركتكِ... أحب أن أراكِ تتألقين... أحتاج بسرعة إلى حضنكِ، أحتاج إليكِ كي أبدع». هي بحاجة لأن تعود وتقرأ رسائله لتتذكر أنّ في العالم شيئاً من الرقة؛ رقة مارون. «أنا محظوظة بكلّ هذا الحب». فهذه الرسائل كانت وسيلة تواصل بين الزوجين الحبيبين حين تقع الخلافات، ويحلّ الصمت، وهي من بين أجمل ما بقي.

إضافة إلى الأفلام التي تركها، تعيش ثريا برفقة صناديق تحوي رسائل، ونصوصاً مكتوبة، وتسجيلات، ورسوماً. أرشيف مُربك، لكنه يشكل رافداً يغني الفيلم، ويُجبر ثريا على العودة إليه بهذه المناسبة، وتقليبه، ممّا يجعل الجروح طرية والذكريات فياضة.

بين الصورة والذكرى... حياة كاملة (المنتجة جانا وهبه)

أمر ليس بالسهل احتماله ولا بالمستساغ. ربما هذا ما ساعد ثريا في أن تكون عفوية، وراغبة في البوح البسيط والموجع. «لا، لم أرغب في الذهاب إلى الجنازة، حين علمت بموته وأنا في باريس. لماذا تركني وأنا على وشك الولادة، وذهب إلى مكان خطر؟ لم أسامحه على هذا».

لم تكن الحياة سلسة، ولا العلاقة رغم العشق وردية. بعد حصوله على جائزة لجنة التحكيم في «كان»، أصبح «مأخوذاً وقلقاً، ومشغولاً، وكأنني لم أعد موجودة. قرّرت أن أنسحب. حصل ذلك بالاتفاق مع أمي. لكنه شاهدني وأنا على باب الفندق، وأمسكني من يدي وأعادني. كنتُ راغبة في أن يراني ويُعيدني».

كان منهمكاً عنها، إلى حدّ يجعلها تتساءل: «لا أعرف ماذا كان يريدني أن أكون. ربما أرادني قوية، وأن أواجه صعوبات الحياة وحدي». حين تنظر إلى الوراء، رغم كلّ المنغّصات، ترى ثريا أنه كان حباً رقيقاً ورومانسياً.

فيلم مشغول بحبّ وشغف، بتأنٍّ ودعة من المخرج نيكولا خوري والمنتجة جانا وهبه، ومشاركة آية البلوشي، ومارين فيايان. حرص المخرج على متابعة تطوّرات شخصية ثريا، امرأة وفنانة ضحَّت بأخصب سنوات عمرها كي تساند شريكها، ثم من بعد ذلك صارت أمّاً لها شغفها وهواها وطموحها. ثم استحضار مارون بغدادي بعد عقود على رحيله؛ إن باستبطان الذاكرة، أو باستلهام الأفلام التي تركها، أو بإحياء سيارته الخاصة التي لا تزال في حوزة العائلة. تظهر ثريا في السيارة المكشوفة بشوارع بيروت، وقد غزا شَعرها الشيب، وكأنها تسترجع يوم كانت تجلس إلى جانبه ذات يوم. أو نراها في مشهد آخر، تلبس قميصه ومعطفه، تشتم رائحته فيهما، وتضع نظارتيه على وجهها، في محاولة لاستعادة الغائب.

لعبة مُرهقة؛ العودة إلى ماضٍ بعيد جداً، للحديث عن تفاصيل صغيرة، أو خلافات عابرة، تضاءلت مع الوقت حتى ذابت. ومتعب حقاً أن تجد ثريا بغدادي نفسها في حاجة لتفسير وتحليل ما لم يخطر لها على بال: «عندما أسأل عن عيشي مع عبقري، أشعر بالضيق. لا أريد أن أكون بهذه الصورة. صورة الأرملة. لا أحبّ هذه الطريقة التي يُضفى بها طابع غامض على مارون».

للمخرج نيكولا خوري 3 أفلام حائزة على جوائز، عُرضت في عدد من المهرجانات الدولية. عُرض فيلمه الروائي الأول «فياكسو» للمرة الأولى في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية، وفاز بجائزتين في مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» عام 2021، أما فيلم «ثريا حبي» ففاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي أيضاً في «القاهرة السينمائي».


مقالات ذات صلة

مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

يوميات الشرق المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)

مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

بشعار «نساء يصنعن الحياة من الموت» يراهن صناع مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة» على الاستمرار في مقاومة الصعوبات.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المنتج السابق في هوليوود هارفي واينستين (ا.ب)

السجن 15 سنة للمنتج السابق هارفي واينستين بتهمة الاعتداء الجنسي

حكم ‌قاض في نيويورك، اليوم (الأربعاء) على المنتج السابق في هوليوود هارفي واينستين، بالسجن 15 سنة بتهمة ​الاعتداء الجنسي على مساعدة إنتاج سابقة في 2006.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)

كامل الباشا : «فينيسيا» بوابة دخولي إلى عالم السينما

تتيح السينما للجمهور في أنحاء العالم التعرّف إلى التجربة الفلسطينية والتفاعل معها

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «المحطة» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

«المحطة» لافتتاح «الدوحة السينمائي» بعد حصده جوائز في «كان» و«البندقية»

يعد عرض «المحطة» الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة اليمنية الاسكوتلندية سارة إسحاق في «الدوحة السينمائي» الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)

«الجونة السينمائي» للرهان على العمل المؤسسي بعيداً عن «آل ساويرس»

يشهد المهرجان الذي يحتضن عرض أكثر من 70 فيلماً حضوراً لافتاً للسينما الفلسطينية ضمن الفعاليات المختلفة.

أحمد عدلي (القاهرة)

سعوديون يحتفلون بـ«اليوم الوطني» في شوارع مصر

العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)
العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)
TT

سعوديون يحتفلون بـ«اليوم الوطني» في شوارع مصر

العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)
العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)

شهدت شوارع العاصمة المصرية القاهرة احتفالات بمناسبة اليوم الوطني السعودي، مساء الأربعاء، إذ جابت سيارات تحمل العلم السعودي كورنيش النيل، في محيط ممشى أهل مصر وأماكن أخرى.

جاء ذلك بالتزامن مع إقامة سفارة السعودية في القاهرة حفل استقبال بمناسبة اليوم الوطني. واستقبل السفير صالح بن عيد الحصيني، وزراء من الحكومة المصرية، وسفراء ورؤساء بعثات دبلوماسية معتمدة لدى مصر، إضافةً إلى عدد من المسؤولين ورجال الأعمال والمفكرين والإعلاميين.

وتصدّر الاحتفال باليوم الوطني السعودي قوائم الموضوعات الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر، الخميس. ونشر عدد من مستخدمي المنصة تهاني للشعب السعودي بهذه المناسبة، إلى جانب مقاطع فيديو تُظهر مظاهر الاحتفال في شوارع القاهرة.

وكتب عدد من الإعلاميين المصريين عن اليوم الوطني السعودي، من بينهم عمرو أديب، الذي كتب على «إكس»: «يجب التوقف طويلاً أمام حجم التطور الذي شهدته المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة. تطورات اقتصادية وسياسية واجتماعية واضحة جداً. دولة حديثة يقودها شبابها؛ كل يوم تغيير، وانفتاح على العالم، ودخول إلى مجالات العصر الحديث، والأهم القدرة على التصدي للعدوان وحماية الوطن من الأطماع الإقليمية. هي قصة نجاح واضحة بطلها المواطن السعودي قيادةً وشعباً. يوم وطني سعيد لكل أشقائي في مملكة الخير والقوة».

احتفالات بالسيارات في شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)

وشارك عدد من الفنانين في الاحتفال بنشر تهانٍ للشعب السعودي، من بينهم الفنان حمادة هلال، الذي كتب على «إنستغرام»: «كل عام والمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعباً، بخير وأمان وازدهار بمناسبة اليوم الوطني السعودي».

وشارك الممثل المصري محمد ثروت، عبر «روتانا خليجية»، مقطع فيديو وجّه فيه تحية إلى الشعب السعودي، قائلاً: «كل سنة والمملكة بخير، ويديم عليها نعمة الأمن والخير والرخاء والسعادة».

ونشر الفنان إيهاب فهمي أيضاً مقطع فيديو قال فيه: «كل عام والمملكة العربية السعودية بخير، وفي أمان وسلام».

ورصدت صحف محلية مظاهر الاحتفال في شوارع القاهرة. وجاب مواطنون سعوديون، مقيمون في مصر أو زائرون لها، كورنيش النيل رافعين العلم السعودي، فيما بثّت سياراتهم أغنيات سعودية، وشاركهم مواطنون مصريون الاحتفال.

وأبرزت صحف ووسائل إعلام مصرية الاحتفالات الرسمية والشعبية باليوم الوطني السعودي، ونقلت تصريحات سفير المملكة في القاهرة، صالح بن عيد الحصيني، التي قال فيها إن «مصر ستبقى في الوجدان أكثر من حليف وشريك»، لافتاً إلى أن العلاقات بين البلدين ترسّخت على مدى عقود، وأصبحت شراكة استراتيجية وركيزة للتضامن العربي والإسلامي، وللأمن والاستقرار في المنطقة.

وأكد أن العلاقات المصرية - السعودية تشهد تطابقاً في الرؤى والأهداف، بما يعكس عمق الروابط التاريخية والشراكة الراسخة بين البلدين.

وتحتفل المملكة في 23 من سبتمبر (أيلول) من كل عام باليوم الوطني، الذي يخلّد ذكرى توحيد البلاد وإعلان اسمها الرسمي «المملكة العربية السعودية» عام 1932 على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. وجاء احتفال هذا العام تحت شعار «عزنا بطبعنا»، وتضمَّن فعاليات ثقافية وفنية، رسمية وشعبية، داخل المملكة وخارجها، تُبرز جوانب من تراثها وحضارتها.


مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)
المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)
TT

مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)
المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)

بشعار «نساء يصنعن الحياة من الموت» يراهن صناع مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة» على الاستمرار في مقاومة الصعوبات حتى لو كانت من بين الركام عبر الإعلان عن النسخة الثانية من المهرجان التي تنطلق خلال الفترة من 26 إلى 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ومن بين خيام النازحين في مخيم «النصيرات» بوسط القطاع ستكون هناك 3 شاشات تحتضن عروض أفلام النسخة الثانية التي تتضمن عرض 73 فيلماً من 24 دولة حول العالم تتنوع بين الروائي الطويل والقصير والوثائقي، بالإضافة إلى مسابقة للأفلام الوطنية الفلسطينية.

وتجمع الأفلام الروائية الطويلة المشاركة في الدورة الثانية بين تجارب تنتمي إلى سينمات عربية وآسيوية وأوروبية، مع حضور واضح لأفلام تتناول المرأة والهجرة والهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية من زوايا مختلفة، ويبرز بينها الفيلم السعودي «هجرة» للمخرجة شهد أمين، الذي عرض عالمياً في مهرجان «فينيسيا السينمائي» بإيطاليا وحصل على جائزة «نتباك» لأفضل فيلم آسيوي.

الملصق الترويجي للمهرجان (إدارة المهرجان)

وسيعرض المهرجان الفيلم التونسي «سماء موعودة» للمخرجة أريج السهيري في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان» بفرنسا قبل اختياره للمشاركة في مهرجان «لندن السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم السوداني «ملكة القطن» للمخرجة سوزانا ميرغني، والذي عرض بعدة مهرجانات سينمائية.

وتوجد السينما المصرية في المهرجان عبر عدة أعمال منها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين أيمن الأمير وندى رياض، الذي سبق وأن شارك في مهرجان «كان السينمائي» وحصل على جائزة «العين الذهبية»، ويتابع في قصته مجموعة من الفتيات في إحدى قرى صعيد مصر يحاولن التعبير عن أحلامهن من خلال المسرح والفن، بينما تشارك آية الله يوسف بفيلمها الوثائقي «سمر قبل آخر صورة»، بجانب عدة أفلام في مسابقة «الأفلام القصيرة».

وتلتقي هذه الأفلام، رغم اختلاف بلدانها وتجاربها وأساليبها، في اهتمامها بشخصيات نسائية تواجه ظروفاً اجتماعية أو اقتصادية أو إنسانية ضاغطة، وتبحث عن مساحة لصوتها واختياراتها ومصيرها. وهذا الخط يمتد إلى عدد من الأفلام القصيرة والوثائقية في البرنامج، بما يجعل ثيمة المرأة حاضرة ليس فقط باعتبارها موضوعاً للأفلام، وإنما أيضاً من خلال تجارب مخرجات من بلدان عربية مختلفة، إلى جانب أفلام تتقاطع فيها قضايا المرأة مع الحرب والهجرة والهوية والذاكرة.

وقال مؤسس مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة» عز الدين شلح لـ«الشرق الأوسط» إن الدورة الثانية ستقام فعالياتها داخل مخيم «النصيرات» عبر 3 شاشات ستكون مخصصة لعروض الأفلام، مؤكداً أن الدورة الجديدة تشهد الانتقال من فكرة مشاهدة الأفلام للجمهور لتدريب وتأهيل صناع سينما داخل غزة.

الفيلم السعودي «هجرة» يعرض ضمن فعاليات المهرجان (الشركة المنتجة)

وأضاف شلح أن المهرجان سيشهد تدريب 25 فتاة من داخل القطاع على صناعة الأفلام السينمائية بهدف خلق جيل جديد من صناع الأفلام وغالبيتهن قدمن تجارب للمشاركة في المهرجان، مؤكداً أن التدريبات ستركز على تطوير مهاراتهن لتقديم تجارب سينمائية أكثر احترافية تنقل ما يحدث داخل القطاع من قصص تستحق أن تُروى.

وأشار إلى أن «التعاون مع المخرجة والمنتجة مي المصري سَهّل الحصول على حقوق عرض الأفلام بالمهرجان، بالإضافة إلى التنسيق والتعاون مع وزارة الثقافة الفلسطينية»، لافتاً إلى أن «ردود الفعل الإيجابية التي لمسها صناع المهرجان خلال الدورة الأولى شجعتهم على التوسع السريع وزيادة عدد الأفلام المعروضة في النسخة الثانية».


مصر تحسّن الصورة البصرية لمحيط قلعة صلاح الدين بجداريات ملوّنة

محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)
محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)
TT

مصر تحسّن الصورة البصرية لمحيط قلعة صلاح الدين بجداريات ملوّنة

محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)
محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)

ضمن الخطة الطموح التي تنفذها السلطات المصرية راهناً لتطوير القاهرة التاريخية، لا سيما المنطقة الجنوبية منها التي كانت تعج بالعشوائيات، تعمل محافظة القاهرة على تحسين الصورة البصرية بمحيط قلعة صلاح الدين التاريخية بتدشين عدد من الجداريات واللوحات الفسيفسائية لأشهر معالم القاهرة التاريخية على عدد من الجسور الجديدة بالمنطقة، ومن بين المعالم التي تم إبرازها جوامع السيدة زينب، والسلطان حسن، والأزهر، ومحمد علي، والسيدة نفيسة، وأحمد بن طولون، والسلطان المؤيد شيخ، والأشرف قايتباي، ومحمد بك أبو الدهب، وعمرو بن العاص، فضلاً عن باب النصر.

وتسعى مصر إلى تحويل ميدان السيدة عائشة المقابل لقلعة صلاح الدين إلى ممشى سياحي، بما يُسهم في استعادة الطابع الحضاري والتاريخي للمنطقة وتعزيز مكانتها السياحية والثقافية، وتحسين الصورة البصرية.

جدارية لجامع السلطان حسن (الشرق الأوسط)

ويرى الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة أن «اختيار مثل هذه الأعمال يأتي بالتأكيد من خلال لجنة، وهي التي حددت ما يناسب المنطقة من صور ولوحات، بحيث يعبر عنها وعن شخصيتها وما تمتلكه من معالم تاريخية وآثار وتراث»، لكنه يشير إلى أنه «كان يتمنى تكليف فنانين شباب لتنفيذها، لتكون هناك خامات مختلفة تستخدم بروح جديدة، بعيداً عن الشكل التقليدي الذي قد تتعرض بسببه اللوحات لمخاطر سقوط قطع منها، بسبب الحرارة والأمطار فضلاً عن الأتربة».

وأضاف عبلة أن «وجود لوحات تصور المعالم التاريخية المهمة التي توجد بالفعل أمام الناس، تعتبر شيئاً جيداً وهي عنوان للمكان، والاختيارات مهمة وتشير إلى شخصية المنطقة، وطبيعتها».

وعدّ عبلة إنجاز لوحات من الفسيفساء مرهقاً جداً، فهي، وفق قوله، تحتاج لمجهود كبير، ولكثير من الدقة والصبر، والمسألة ليست في الخامة التي تنفذ بها اللوحات، لكن في دراسة طبيعة المكان الذي سوف تكون فيه في النهاية، وهذه تحتاج إلى بحث لاختيار ما يناسبها سواء كان خشباً أو حجراً، أو فسيفساء، أو غيرها من المواد.

جامع السيدة نفيسة (الشرق الأوسط)

خبير الفن التشكيلي الدكتور حسام رشوان، قال إن هذه الأعمال تحتاج إلى فنان متقن ومبدع لكي ينجز جدارية يمكن تأملها والوقوف أمامها.

ويأتي تطوير البنية التحتية بما يحول المساحات أسفل الكباري إلى عناصر جذب بصري تعكس الهوية التاريخية والثقافية للعاصمة ضمن خطة حكومية، ووفق محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، فإن هذه الجداريات تعد ضمن جهود الدولة للارتقاء بالمشهد الحضاري وتحسين الهوية البصرية للمحاور والطرق الرئيسية، من خلال الدمج بين تطوير البنية التحتية وإضفاء الطابع الجمالي والحضاري على مختلف المشروعات العمرانية، بما يُحوّل المساحات أسفل الكباري إلى عناصر جذب بصري تعكس الهوية التاريخية والثقافية للعاصمة.

وسبق للسلطات المصرية تنفيذ جداريات ضخمة على الطريق المؤدي إلى المتحف المصري الكبير بميدان الرماية بالجيزة (غرب القاهرة)، وحملت صور كثير من رموز المجتمع المصري من الفنانين والمفكرين والشخصيات التاريخية قديماً وحديثاً، إضافة لجداريات أخرى قرب جدار المتحف المصري القديم بميدان التحرير.

الجامع الأزهر- (الشرق الأوسط)

وتحمل الجداريات وفق قول صابر «طابعاً تاريخياً مستوحى من طبيعة المنطقة ومحيطها التراثي القريب من القاهرة التاريخية، وتعكس الملامح الحضارية والتراثية للمكان، في تصميمات تهدف إلى تقديم سرد بصري متكامل يُجسد تاريخ المنطقة وهويتها العمرانية».

وذكر المحافظ أن طول الجداريات يُشكل بانوراما فنية ممتدة على طول الموقع، خصوصاً في ظل الأهمية البصرية للمكان الذي يشهد حركة مرورية كثيفة يومياً، باعتباره نقطة عبور رئيسية للقادمين من الأوتوستراد والمقطم ومنشأة ناصر والمتجهين إلى وسط القاهرة ومدينة نصر عبر محور صلاح سالم.

وأوضح محافظ القاهرة أن «أعمال الجداريات تتزامن مع تنفيذ خطة تطوير متكاملة بمحيط كوبري الأباجية، تشمل رفع كفاءة الطرق والإنارة العامة وتحسين أعمال التنسيق الحضاري وزيادة المساحات الخضراء والعناصر الجمالية، للارتقاء بالمشهد الحضاري وتحسين الهوية البصرية للمحاور والطرق الرئيسية».

جامع الأشرف قايتباي (الشرق الأوسط)

وتتمتع القاهرة التاريخية بتنوع وثراء مبانيها الأثرية والتاريخية، سواء كانت مباني دينية مثل الجوامع والمدارس والكنائس والمعابد، أو مباني خدمية مثل الحمامات والأسبلة، أو مباني تجارية مثل الخانات والوكالات والأسواق، أو منشآت حربية مثل قلعة الجبل وأسوار القاهرة، أو مباني جنائزية مثل الأضرحة. وهي مسجلة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1979.