شكَّل حوارٌ مسرحيّ من أسئلة طُرِحت وأخرى تكوَّنت من التجربة الشخصية، ورشةَ «صياغة نصّ مسرحي» التي نظَّمها «مسرح المونو» بالتعاون مع «المسرح الملكي في لندن». حوارٌ يندرج ضمن سلسلة لقاءات أسبوعية يحرص المسرح على استضافتها، في محاولة لترسيخ حضور ثقافي يتغلَّب على وطأة الحرب وثقل أخبار الخراب.
الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية، بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق. منذ اللحظة الأولى، وضعت المشاركين أمام جوهر الكتابة، فسألتهم أيّ نوع من المسرح يُثيرهم، وأيّ حكاية يريدون سردها؟ أسئلة كشفت عن بنى تفكير متشابكة؛ إذ انحاز الحضور إلى مسرح يُقلق، ومسرح يتوغَّل في الداخل، فيُحاكي ثنائية الجسد والروح، ويتناول العبث والوجود والمناطق الرمادية التي يختلط فيها الحقيقي بالمتخيَّل.

هذا التوجُّه انعكس في المداخلات التي لم تكتفِ بوصف رغبات جمالية، فلامست قضايا الظلم والسخرية السوداء والدورات النفسية المُغلقة، حيث تتكرَّر الأحداث كأنها عالقة في دوّامة بلا نهاية. من الإجابات، بدا أنّ المشاركين يميلون إلى تجاوز الحكاية التقليدية، متّجهين نحو تفكيك بنيتها وإعادة صياغتها وفق تصوّرات مغايرة.
ضمن هذا السياق، جاءت مداخلة فلينتوف أقرب إلى إدارة حوار جماعي منها إلى تقديم محاضرة بالمعنى التقليدي. استمعت إلى الحضور بانتباه وطرحت أسئلة إضافية تُعزّز النقاش، أكثر مما قدَّمت نموذجاً تعليمياً مُتكاملاً حول كيفية كتابة النصّ المسرحي. تحدّثت عن الفكرة التي تنشأ في الداخل وعن حاجة غامضة تدفع الكاتب إلى إخراج ما يختلج فيه، مشيرةً إلى ضرورة التقاط هذه البذرة الأولى من دون الإفراط في تحليل مسارها أو محاولة ضبط نهاياتها مُسبقاً.

هذا المنحى التفاعلي على أهميته ترك انطباعاً بأنّ الورشة مالت إلى العموميات أكثر مما اقتربت من أدوات الكتابة في ذاتها. فبين طرح الأسئلة وتبادل الأفكار، كان ثمة توقُّع بالحصول على مفاتيح أوضح لبناء النصّ المسرحي لجهة البنية وتطوّر الشخصيات وإيقاع المشهد. تصويبات فلينتوف جاءت دقيقة في بعض اللحظات، وكذلك نصائحها، لكنها ظلَّت موزَّعة ضمن سياق حواري مفتوح، أكثر من ضبطها بإطار منهجي متماسك.
اللافت في العرض البصري الذي رافق الورشة، أنه حاول رسم خريطة لأنماط الكتابة المسرحية، بين تقليدية وتجريبية. جرى التوقُّف عند نماذج تعتمد زمناً مغلقاً ومكاناً واحداً، حيث يتكثَّف الصراع ضمن مساحة محدودة، مقابل نماذج أخرى تنفتح على تعدُّد الأزمنة والأمكنة، وتسمح بتشظّي السرد. كما برزت مقاربات أكثر راديكالية، تعتمد تفكيك البنية بالكامل، سواء عبر نصوص مجزّأة أو أعمال تتخلَّى عن الشخصية على أنها المحور الأساسي للحكاية.

بدت هذه الإشارات، رغم اختصارها، كأنها تدعو إلى التفكير في شكل المسرح أكثر من محتواه، وفي علاقته بالزمن تحديداً. بالزمن الذي يسير إلى الأمام، أو يتكسّر، أو يُعيد نفسه في حلقات متكرّرة. وهو طرحٌ يتقاطع مع ما عبَّر عنه المشاركون، الذين بدوا ميّالين إلى مسرح يكسر الخطّ المستقيم للحكاية، ويستبدل به مسارات مُتداخلة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية.
وسط هذا النقاش، تبرز أهمية المبادرة التي يقودها «مسرح المونو» الذي يواصل، عبر ورشاته الأسبوعية، خَلْق مساحة لقاء بين كتّاب أو مخرجين ومهتمّين بالمسرح، في وقت تتكثَّف فيه الحاجة إلى منصّات تسمح بالتفكير الجماعي وتبادل الخبرات. وهذا أحد أدوار المسرح في الشدائد، فيسعى إلى حماية الحضور الثقافي للمدينة في مواجهة صوت الصاروخ وصورة الدمار.

نجحت ورشة فلينتوف، بما حملته من تفاعل وأسئلة، في تحريك النقاش حول الكتابة المسرحية، وإنْ بقيت بعض جوانبها في إطار الإضاءة العامة. التجربة توزَّعت بين ما طُرح وما ظلَّ معلقاً، فتركت أثرها في تحفيز مزيد من الاشتغال، وأكدت أنّ الكتابة المسرحية تنطلق في أساسها من سؤال بلا إجابة نهائية.
