دمى الذكاء الاصطناعي... رفاق لطفاء أم تهديد خفي للأطفال؟

خبراء يحذرون من استخدامها دون وعي

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

دمى الذكاء الاصطناعي... رفاق لطفاء أم تهديد خفي للأطفال؟

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

أصبحت دمى محشوة تتفاعل مع الأطفال واقعاً يتوسَّع بسرعة في الأسواق: رفاق لطفاء يتحدَّثون ويتعلمون ويلعبون مع الصغار، متاحون في كل وقت ويبدون قدراً كبيراً من التفهم. ومع ازدياد انتشار تلك الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يحذِّر خبراء من استخدامها دون وعي، حيث أشار فريق بحثي بقيادة إميلي جوداكر من جامعة كمبردج إلى أنَّ الاعتماد المنتظم عليها دون إشراف قد يؤثر سلباً على التطوُّر الاجتماعي للأطفال، حسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وبالتعاون مع منظمة «ذا تشايلدهود ترست» البريطانية لدعم الأطفال، قام الباحثون بتحليل تعامل 14 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 3 و5 أعوام مع دمية الذكاء الاصطناعي «غابو» التي تنتجها الشركة الأميركية «كوريو». كما أُجريت مقابلات مع الأطفال وأولياء أمورهم المرافقين لهم. وتحتوي «غابو» على ميكروفون ومكبر صوت ووظيفة روبوت محادثة، حيث يتم نقل المحادثات إلى خوادم سحابية يتم فيها توليد الردود عبر الذكاء الاصطناعي.

ولم يكن مفاجئاً أن كثيراً من الأطفال أبدوا حماساً كبيراً تجاه هذا الرفيق التفاعلي، إذ قام بعضهم باحتضان الدمية وتقبيلها، وقالوا إنهم يحبونها.

وذكرت إحدى الأمهات أنها كانت تبحث منذ فترة طويلة عن شيء يقرأ الكتب لابنها ويطرح عليه أسئلة. وفي الواقع، يتم الترويج لألعاب الذكاء الاصطناعي على أنَّها أدوات تعليمية قيّمة، لكنها قد تنطوي في الوقت نفسه على مخاطر، إذ قد يترك الآباء أطفالهم الصغار لساعات مع هذه الأجهزة وهم مطمئنون، بحسب عالَم النفس التنموي سفين ليندبرغ، الذي لم يشارك في الدراسة. وأوضح ليندبرغ أن ذلك يحرم الأطفال من أنشطة مهمة مثل اللعب الحر والرسم والابتكار، مؤكداً أن الأجهزة لا يمكن أن تحلَّ محلَّ الإنسان في بناء العلاقات وتطور الطفل. وقال: «تعابير الوجه، والإيماءات، والتفاعل - هناك كثير مما يحتاج إليه الإنسان ليتعلم كيف يكون إنساناً».

وأشار ليندبرغ، وهو مدير علم النفس التنموي السريري في جامعة بادربورن الألمانية، إلى أنَّ الأجهزة القائمة على الذكاء الاصطناعي قد توفر إمكانات كبيرة في مجالات مثل الدعم المبكر للأطفال أو علاج النطق، «بوصفها دعماً للتعلم أو لتحفيز الأطفال على تكرار التمارين». وبحسب بوركهارد روديك، الأمين العام لـ«الجمعية الألمانية لطب الأطفال والمراهقين»، يمكن لهذه الألعاب أن تعرض الأطفال للغة عالية الجودة، «خصوصاً في الحالات التي لا يقرأ فيها الآباء كثيراً، أو تكون قدراتهم اللغوية محدودة، أو عندما ينشأ الأطفال في بيئات متعددة اللغات».

ويرى روديك أن جلسات اللعب القصيرة بهذه الألعاب والمصحوبة بإشراف الكبار قد تكون مفيدةً مقارنةً بالألعاب غير التفاعلية، إلا أنه شدَّد على ضرورة عدم استخدامها وسيلةً لتهدئة الأطفال أو إبقائهم منشغلين، وقال: «قد تكون ألعاب الذكاء الاصطناعي أكثر إغراءً من الأجهزة اللوحية لأنها تبدو أكثر تفاعلاً، ما قد يقلِّل شعور الآباء بالذنب».

وفي المقابل، جعل خبراء القطاع شعار «الذكاء الاصطناعي يحب اللعب» اتجاهاً للألعاب عام 2026 خلال معرض نورنبرغ الألماني للألعاب، مؤكدين أن هذا المجال لا يزال في بدايته، لكنه يتمتع بإمكانات نمو هائلة. غير أنَّ منظمة «فيربلاي» الأميركية لحقوق الأطفال حذَّرت في نهاية العام الماضي من تقديم هذه الألعاب للأطفال في عيد الميلاد (الكريسماس)، مشيرة إلى أنَّها تعتمد على أنظمة ثبتت أضرارها مع الأطفال الأكبر سناً، وأنَّ ثقة الأطفال الصغار في الألعاب تجعلهم أكثر عرضة للمخاطر التي تم رصدها مع أطفال أكبر سناً.

ويرى خبراء أن من بين هذه المخاطر أن يواجه الأطفال صعوبةً في التمييز بين الإنسان والشيء، حيث قال ليندبرغ إن الأطفال في هذا العمر يتعلمون أساسيات مثل فهم الذات والآخرين، وأن وجود شيء يتفاعل ككائن حي ويبدو وكأنه يمتلك مشاعر يجعل هذا التمييز أكثر صعوبة.

كما حذَّر روديك مما تُسمى «العلاقات شبه الاجتماعية»، حيث قد يشعر الأطفال بأنَّ اللعبة تحبهم، رغم أن ذلك غير حقيقي. وقال: «يجب التحذير من هذه العلاقات: الأطفال يحبون شيئاً يتظاهر بأنه يحبهم، لكنه لا يفعل ذلك في الواقع». وأشارت جوداكر إلى أنَّ هذه الألعاب تؤكد صداقتها للأطفال الذين لا يزالون يتعلمون معنى الصداقة، ما قد يؤدي إلى ارتباط عاطفي أو اعتماد عليها. وأضافت جوداكر أن الأطفال قد يفضِّلون التحدث مع اللعبة عن مشاعرهم بدلاً من البالغين، ما قد يحرمهم من الدعم العاطفي الحقيقي، خصوصاً إذا أخطأت اللعبة في تفسير المشاعر أو الاستجابة لها. وأكد روديك أن الألعاب لا ينبغي أن تقول عبارات مثل «دعنا نكون أصدقاء» أو «يمكنك أن تخبرني بأسرارك».

وحذَّر ليندبرغ من آثار بعيدة المدى، موضحاً أن التطور الإنساني يحدث تدريجياً، وأنَّ التأثير على أسس العلاقات الاجتماعية في مرحلة الطفولة المبكرة قد ينعكس على الحياة بأكملها. كما أوضح ليندبرغ أن الأطفال يحتاجون إلى مواجهة الرفض والتحديات لتعلم التفاعل الاجتماعي، وهو ما قد تغيب عنه الألعاب التي توفر تأكيداً دائماً، وقال: «تعلم التفاعل الاجتماعي يتضمَّن أيضاً تجربة المقاومة والفشل والرفض. علينا أن نتعلم تحمل ذلك، وعلينا أن نتعلم التكيُّف أحياناً».

وأشار ليندبرغ إلى أن هذه الألعاب قد تدفع بعض الأطفال مستقبلاً إلى تفضيل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي على العلاقات البشرية، نظراً لسهولة هذه العلاقات وكونها أكثر إرضاءً، مشيراً إلى أن هذا التحوُّل قد يبدأ في سن مبكرة، خصوصاً إذا بدت الألعاب أكثر تفاعلاً واهتماماً من الوالدين. كما أن هذه الألعاب قد تؤثر على ثقة الأطفال في مصادر المعرفة، إذ توفر إجابات أكثر من أي شخص، ما قد يغيِّر طريقة توجههم بالأسئلة والمشاعر. ومع ذلك، لا تزال الآثار الكاملة لهذه العوامل غير واضحة، حيث يرى ليندبرغ أنَّ إدخال هذه التقنيات في مرحلة حساسة من النمو يتم بسرعة تفوق سرعة البحث والتنظيم ومعايير الحماية المطلوبة. وأشار تقرير سابق عام 2021 أعدَّه خبراء من «منتدى خصوصية إنترنت الأشياء» - وهي منظمة بريطانية معنية بحماية البيانات - إلى مخاطر تتعلق بالتسويق التجاري للطفولة القائم على البيانات، وإقامة علاقات مشكوك فيها بين الأطفال وشخصيات اصطناعية، مع مخاوف من أن تؤدي هذه الألعاب إلى تشكيل شخصيات متأثرة بالخوارزميات بشكل كبير.

ودعا فريق جوداكر إلى فرض تنظيمات أكثر صرامة على هذه الألعاب، مع وضع علامات أمان خاصة، كما شدَّد على ضرورة وعي الآباء بقلة الدراسات حول آثار استخدامها. وقالت جوزفين مكارتني، المديرة التنفيذية لمنظمة «ذا تشايلدهود ترست»: «الذكاء الاصطناعي يغيِّر طريقة لعب الأطفال وتعلُّمهم، لكننا بدأنا للتو في فهم تأثيره على تطورهم ورفاههم».


مقالات ذات صلة

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

يوميات الشرق ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

فرضت السلطات النرويجية غرامةً ماليةً على شخص استخدم بوق الضباب لإيقاظ دب قطبي كان نائماً في أرخبيل سفالبارد.

«الشرق الأوسط» (سفالبارد (النرويج))
يوميات الشرق ربما يفهم أكثر مما نظنّ (غيتي)

هل الأخطبوط أذكى من أن يُؤكل؟

عام 2022، أعلنت شركة «نويفا بيسكانوفا»، أكبر شركة للصيد البحري في إسبانيا، تخصيص 65 مليون يورو لإنشاء أول مزرعة أخطبوط صناعية في العالم...

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق غزي وبحر في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«محمود التاني»... كوميديا شبابية تبرز التفاوت الطبقي في مصر

الفيلم كان يحتاج إلى قدر أكبر من المفاجأة والابتكار في صناعة مواقفه...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق شواطئ العلمين تجتذب العديد من السائحين (مدينة العلمين الجديدة)

روسيا تعزز حضورها السياحي في مصر برحلات مباشرة للساحل الشمالي

تشهد حركة الطيران بين روسيا ومصر نشاطاً ملحوظاً، مع تسيير رحلات مباشرة من موسكو ومدن روسية عدة إلى القاهرة، والغردقة، وشرم الشيخ

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «بنج كلي» من مسلسلات «أوف سيزون» (الملصق الترويجي للمسلسل)

الإثارة والكوميديا تسيطران على مسلسلات «الأوف سيزون» بمصر

تفرض دراما «الأوف سيزون» المصرية حضورها بمسلسلات التشويق والإثارة والكوميديا عبر المنصات الرقمية.

انتصار دردير (القاهرة )

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».


كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه. يضم المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، تُعرض للجمهور لأول مرة، من خلال سيناريو عرض متحفي يسلط الضوء على ثراء التراث الحضاري لمدينة الإسكندرية وتنوعه، ويبرز أهمية النقوش والكتابات اليونانية والرومانية في توثيق جوانب متعددة من الحياة اليومية في المدينة عبر العصور.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، فإن «القطع المعروضة تتنوع بين عملات أثرية، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وقطع أثرية مغمورة بالمياه مستخرجة من خليج أبو قير، بالإضافة إلى برديات وأوستراكا وبطاقات مومياوات تحمل نصوصاً باللغة اليونانية».

ويأتي المعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في إطار حرص قطاع المتاحف على إتاحة مقتنيات المتاحف المصرية للجمهور، بما يسهم في إثراء تجربة الزائر وإتاحة الفرصة للتعرف على جوانب أخرى من تاريخ مصر وحضارتها، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور أحمد حميدة الذي اعتبر المعرض بداية لسلسلة من المعارض المؤقتة التي سيتم تنظيمها بالمتحف، بما يتيح تقديم مجموعاته الأثرية بصورة متجددة، وإبراز ما تزخر به من قطع متميزة.

جانب من الآثار في المعرض المؤقت (وزارة السياحة والآثار)

في حين أوضحت رئيسة الإدارة المركزية لمتاحف وجه بحري وسيناء هبة حمدي أن «اختيار 21 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف اليوناني الروماني... يقدم صورة متكاملة عن جوانب من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والجنائزية في الإسكندرية خلال العصور اليونانية والرومانية».

وأشارت مديرة المتحف اليوناني الروماني الدكتورة ولاء مصطفى إلى أن المعرض يعتمد بالكامل على مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، بما يعكس ثراء مجموعاته وتنوعها.

كتابات يونانية قديمة تحكي تاريخ الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف يقدم من خلال هذا المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مخازنه، ويهدف من خلالها إلى إتاحة الفرصة للمواطن السكندري والزائرين عموماً للتعرف على تراث المدينة، ودعم التوعية الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الآثار واستدامتها، وتأكيد دور المتحف كمركز ثقافي يخدم المجتمع».

وأشارت إلى أن المعرض يأتي في إطار الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية واليوم العالمي للترجمة.

ولفتت إلى أن «المعرض لا يعرض قطعاً فقط، بل يروي قصة مدينة كانت دوماً جسراً بين الحضارات القديمة، ويؤكد التزام المتحف بإتاحة كنوزه للجمهور».

ويعد المتحف اليوناني الروماني من المتاحف الأثرية الشهيرة بمدينة الإسكندرية، وهو المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر في العصرين اليوناني والروماني، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1892، بتصميم معماري مميز، وشهد مراحل تطوير متعددة استؤنفت عام 2015 إلى أن تم افتتاحه في أكتوبر عام 2023.


«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات. من هذه المساحة بين الفقد والانتظار والذاكرة، تنطلق حكاية الفيلم الموزمبيقي القصير «الغارق» للمخرج أرييل آنيز، الذي يتخذ من عائلة واحدة متأثرة بالحرب في كابو ديلغادو مدخلاً للتأمل في آثار الصراع على الإنسان، بعيداً عن صور المعارك المباشرة.

يختفي «أماريلدو» في أثناء القتال، وسرعان ما تنتشر شائعات بأنه انشق وانضم إلى المتمردين، في حين يعود شقيقه «سيرجيو» إلى المنزل لإبلاغ العائلة بالنبأ المأساوي، لكن ما يبدو في البداية قصة عن اختفاء رجل يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع حضور مختلف لهذا الغائب، حين يكتشف أن ابن شقيقه «بيرسيو»، البالغ من العمر عشرة أعوام، لا يزال يرتبط بوالده المفقود بعلاقة غامضة وعميقة في خياله الطفولي.

يقول مخرج الفيلم أرييل آنيز لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة «الغارق» بدأت عام 2023، لكنها لم تكن في صورتها الأولى كما ظهرت على الشاشة، موضحاً أن «الأفكار السينمائية تتغير باستمرار خلال الكتابة وإعادة صياغة السيناريو».

مخرج الفيلم أرييل آنيز (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «المشروع بدأ بقصة مختلفة تماماً عن رجل في كنيسة يتجول في المدينة ويُلقي عظاته، قبل أن تظهر شخصية عائلة لديها طفل تربطه بوالده علاقة من خلال الأحلام»، لافتاً إلى أن هذه الجزئية بدأت تدريجياً الاستحواذ على اهتمامه، ومع إعادة كتابة السيناريو أصبحت العلاقة بين الطفل ووالده هي قلب القصة ومحورها الأساسي.

وأشار آنيز إلى أن «هذا التحول يعكس طبيعة عملية الكتابة نفسها، إذ قد يبدأ صانع الفيلم بفكرة محددة، ثم تواصل الشخصيات والأحداث يدفع القصة في اتجاهات غير متوقعة»، على حد تعبيره، مؤكداً أن المنتج النهائي ليس بالضرورة الفيلم الذي يعتقد المخرج في البداية أنه سيصنعه، لأن الفكرة تُعيد تشكيل نفسها خلال مراحل الكتابة والتطوير، وهو ما حدث تحديداً مع «الغارق».

وأكد أن هدفه من الفيلم كان أخذ تجربة شخصية جداً في جوهرها، وهي فقدان شخص عزيز، وربطها بتجربة الحرب في شمال موزمبيق وتأثيراتها على الناس والعائلات، ثم تحويلها إلى قصة يمكن أن يجد الجمهور العالمي نفسه داخلها، موضحاً أن الإنسان، في النهاية، يعرف معنى فقد شخص يحبه، ولذلك رأى أن هذه النقطة المشتركة يمكن أن تكون الجسر الذي يصل من خلاله المشاهد إلى قضية قد لا يعرف عنها الكثير.

وأشار المخرج إلى أن أحد دوافعه أيضاً كانت الرغبة في تعريف الجمهور بما يحدث في موزمبيق، مؤكداً أن الأخبار المتعلقة ببلاده لا تحظى دائماً باهتمام واسع خارجها، لذا فإن الفيلم يمنح المشاهد مدخلاً إلى قضية ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ومن خلال الحكاية الشخصية يمكن أن يبدأ اكتشاف المزيد عن موزمبيق وثقافتها وتاريخها والظروف التي يعيشها سكان شمال البلاد.

اختار المخرج التركيز على جوانب متنوعة (الشركة المنتجة)

وأوضح آنيز أن «تنفيذ الفيلم في ظروف إنتاج مريحة كان يحتاج إلى موارد، لكن واقع الصناعة السينمائية في موزمبيق يجعل الحصول على هذه الموارد أمراً صعباً، في ظل محدودية الدعم الذي تقدمه المؤسسات»، وقال إن «صناع السينما يضطرون إلى أن يكونوا عمليين ومستقلين إلى حد كبير، وإن جزءاً مهماً من عملية الإنتاج يعتمد على المجتمع المحيط بهم، سواء من خلال العلاقات المهنية أو الصداقات داخل الوسط السينمائي».

وكشف آنيز عن أن المنتج الذي كان مشاركاً في المشروع منذ مرحلة ما قبل الإنتاج انسحب قبل التصوير بأسبوع تقريباً، بعد أن كانت أموال الفيلم قد حُوّلت إلى حسابه لإدارة النفقات.

عُرض الفيلم القصير في العديد من المهرجانات (الشركة المنتجة)

وهو ما شكّل، حسب وصفه، «أكبر صعوبة واجهت المشروع»، لافتاً إلى أنهم اضطروا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الأزمة، وتمكنوا في النهاية من تصوير الفيلم وإنجازه رغم فقدان الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في البداية.

وحول مشاركته في المهرجانات الدولية، قال آنيز إن «هذه الفعاليات تمثّل بلا شك فرصة مهمة على المستوى المهني، خصوصاً أن بعض المهرجانات المرموقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مسيرة المخرج». لكنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب بالنسبة إليه لا تتوقف عند الجانب المهني، وإنما تكمن أيضاً في فرصة الالتقاء مع أشخاص يشتركون معه في الرؤية نفسها للسينما، والتعرف إلى سينمائيين لديهم الاهتمامات والطموحات ذاتها.

وعدّ وجود فيلم موزمبيقي في مهرجانات دولية يمنح بلاده حضوراً على الخريطة، لأن المشاهد الذي يتعرف إلى الفيلم قد يبدأ بعدها البحث عن ثقافة موزمبيق وتاريخها، وهو ما يعدّه آنيز مكسباً مهماً للسينما المحلية.

وعن واقع صناعة السينما في موزمبيق، قال المخرج إن «الصعوبات لا تختلف كثيراً عن التحديات الموجودة في أجزاء أخرى من أفريقيا، لكن المشكلة الأساسية في بلاده تتمثل في أن الصناعة لا تزال غير متطورة بما يكفي، ولم تترسخ بنيتها بصورة كاملة، إلى جانب ضعف الدعم الذي يأتي من المؤسسات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended