الفوانيس المستوردة تفرض حضورها في مصر بتقاليع مبتكرة

«الزيت» من أبرز الأنواع... واستعادة التصميمات التراثية

زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)
زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)
TT

الفوانيس المستوردة تفرض حضورها في مصر بتقاليع مبتكرة

زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)
زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)

وسط زحام ميدان السيدة زينب العريق بالقاهرة، وبين آلاف القطع من فوانيس رمضان، تجوّل الشاب محمد فتحي، بين شوادر وخيام الميدان، باحثاً عن «فانوس الزيت»، الذي يعد صرعة هذا العام، كي يهديه لخطيبته مع حلول شهر رمضان.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «مع اقتراب الشهر الكريم كان فانوس الزيت هو حديث منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصدر اهتمام روادها بأشكاله المتنوعة، وبالفعل أعجبني، وقررت أن أهديه لخطيبتي في أول رمضان يمر علينا معاً، ومع ارتفاع أسعاره مقارنة بغيره، نصحني أصدقائي بالبحث عنه هنا في سوق السيدة زينب التي تعد أقل الأسواق سعراً، لكن للأسف وبعد بحث طويل لم أجده، حيث أخبرني الباعة بأنه غير موجود، وأنهم في انتظار وصول كميات جديدة منه».

ومع بدء العد التنازلي لاستقبال شهر رمضان، خطف «فانوس الزيت» أنظار رواد «السوشيال ميديا» في مصر، ما جعل الكثير منهم يرفع شعار: «الشعب يريد فانوس الزيت»، الذي دفعهم إلى النزول من الواقع الافتراضي إلى الأسواق للبحث عنه، ضمن أحدث تشكيلات فوانيس رمضان هذا العام، إلى جانب الأنواع المعروفة منه، مثل فوانيس الصاج والزجاج والخيامية والبلاستيك.

و«فانوس الزيت»، هو «فانوس زجاجي يحتوي على سائل ومحرك داخلي له، مما يخلق حركة بصرية للأشكال الفضية والبرونزية بداخله (تكون في الغالب شخصيات رمضان الكرتونية)، مع إضاءة وأسطوانة لأغانٍ رمضانية، ويميزه الطابع التقليدي في التصميم، ويكون أيضاً على شكل جوال أو تلفاز»، حسب تعريف بركات صفا، نائب رئيس شعبة الأدوات المكتبية ولعب الأطفال بغرفة القاهرة التجارية.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «السوق المصرية تشهد هذا العام طفرة في موديلات الفوانيس المستوردة، التي تظل الأكثر جذباً للمستهلك، بفضل جودة الابتكار وتقنيات الإضاءة والصوت المتقدمة»، مؤكداً أن «المنافسة لا تزال تميل لصالح المنتج الصيني، الذي يمتلك قدرة فائقة على تطوير الدوائر الإلكترونية والإضاءة بشكل يفوق الإمكانيات المحلية الحالية».

تنوع بين الفوانيس المحلية والمستوردة للأذواق كافة (الشرق الأوسط)

كلمات صفا كان لها صدى في الشارع خلال جولة «الشرق الأوسط» بميدان السيدة زينب، الذي يعد «قبلة» الراغبين في الشراء والتهادي بالفوانيس، حيث نجحت الفوانيس المستوردة هذا العام في منافسة الأشكال التقليدية، جاذبة الزوار بتنوع ألوانها وأشكالها وأحجامها.

أمام أحد شوادر بيع الفوانيس، قال البائع محمد علي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الفانوس المستورد هو المطلوب لدى نسبة كبيرة من الزبائن هذا الموسم»، وتابع: «الزبون اليوم يبحث لأطفاله عن الفانوس الذي يغني ويتحرك، ما جعله أقرب إلى كونه لعبة وعرائس وشخصيات متحركة أكثر من كونه فانوساً تقليدياً».

السوق المصرية تشهد طفرة في موديلات الفوانيس المستوردة هذا العام (الشرق الأوسط)

قطعت إحدى السيدات حديث البائع لسؤاله عن «فانوس الزيت»، ليخبرها بأنه غير موجود في الوقت الحالي، ثم استطرد حديثه معنا موضحاً أن «الزيت» هو «ترند» هذا العام من دون منازع، بأشكال متنوعة وتصاميم فخمة، لكنه توفر بكميات قليلة، لأن الإقبال عليه أحدث نقصاً فيه، وأدى إلى ارتفاع أسعاره، وتبدأ من 1000 جنيه وتصل إلى 4 آلاف جنيه (الدولار يساوي 46.73 جنيه مصري). ويفسر البائع الإقبال رغم ارتفاع السعر بقوله: «الأمر يعتمد على ميزانية الزبون، فمن يبحث عن السعر الاقتصادي يتجه إلى الفانوس المحلي الصنع، أما من يبحث عن شكل معين أو قطعة ديكورية وتقنيات حديثة فإنه يلجأ للمستورد».

الفانوس التقليدي المحلي ينافس الأنواع المستوردة ويجذب المصريين (الشرق الأوسط)

يعود، نائب رئيس شعبة الأدوات المكتبية وألعاب الأطفال في غرفة القاهرة التجارية، للحديث موضحاً أن فوانيس الزيت كانت تُباع في بداية الموسم مقابل 800 جنيه، ومع زيادة الطلب عليه ومحدودية الكميات المستوردة منه ارتفعت أسعاره بشكل كبير، خصوصاً أن التجار لم يستوردوا إلا كميات محدودة منه. وأوضح أن «ازدياد الطلب على الأصناف المستوردة من الفوانيس هذا العام يعود إلى تراجع أزمة توفر العملة الصعبة بشكل كبير مقارنة بالأعوام السابقة، إذ تقوم البنوك حالياً بتدبير العملة اللازمة للاستيراد دون عوائق إجرائية».

الفوانيس أحد مظاهر البهجة الرمضانية في مصر (الشرق الأوسط)

وبالقرب من قلب ميدان السيدة زينب، جلس الستيني عصام السرس، أحد أقدم تجار الفوانيس، وسط فوانيسه التقليدية من الصاج والزجاج مراقباً عملية البيع والشراء. وقال السرس لـ«الشرق الأوسط»، وهو يشير إلى فانوس ضخم يتوسط محله: «الفانوس الصاج لا يموت، هو الأصل الذي لا يمكن الاستغناء عنه مهما ظهرت بدائل بلاستيكية أو مستوردة، فهو يحمل روح رمضان الحقيقية التي توارثناها».

ويشير إلى تنوع كبير هذا العام بين المحلي والمستورد يُلبي طلب جميع الطبقات الاجتماعية، حيث تبدأ الأسعار من 25 جنيهاً للفوانيس الصغيرة، وتصل إلى 2000 جنيه للقطع الصاج الكبيرة التي تُزين واجهات الفنادق والميادين. وعن الإقبال على شراء الفوانيس، قال: «على عكس التوقعات، هناك إقبال كبير جداً هذا الموسم، فالناس تريد أن تفرح، وتبحث عن بهجة رمضان عبر الفوانيس لتعويض ضغوط الحياة، والزحام في حي السيدة زينب قبل أيام من الشهر الكريم يعكس إصرار المصريين على الحفاظ على تقاليدهم».


مقالات ذات صلة

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)
الخليج من عملية رصد هلال شهر شوال في المرصد الفلكي بحوطة سدير (جامعة المجمعة)

السعودية ودول عربية: الجمعة أول أيام عيد الفطر

أعلنت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والعراق واليمن، أن يوم الخميس هو المتمم لشهر رمضان، والجمعة أول أيام عيد الفطر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

غسان سلامة: كثافة الآثار اللبنانية ترفع مستوى التحدي خلال الحرب

افتتاح معرض بيبلوس في معهد العالم العربي بباريس (وسائل التواصل)
افتتاح معرض بيبلوس في معهد العالم العربي بباريس (وسائل التواصل)
TT

غسان سلامة: كثافة الآثار اللبنانية ترفع مستوى التحدي خلال الحرب

افتتاح معرض بيبلوس في معهد العالم العربي بباريس (وسائل التواصل)
افتتاح معرض بيبلوس في معهد العالم العربي بباريس (وسائل التواصل)

يتزايد القلق على الكنوز الأثرية اللبنانية مع تصاعد وتيرة الحرب الإسرائيلية؛ إذ لم تكن التجارب السابقة مطمئنة، ما دفع وزير الثقافة، غسان سلامة، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لدرء أي خطر محتمل. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «في قضاء صغير مثل البقاع الغربي وحده، الذي لا تزيد مساحته على 470 كلم مربع، يوجد 3 آلاف موقع أثري». وهو أحد أقضية محافظة البقاع الخمسة. ويضيف: «الكثافة في المواقع عالية جداً، وتفوق كميتها ما نجده في بلد مثل إيطاليا؛ لذلك نحتاج إلى تحرّك سريع لحمايتها».

جاء حديثنا مع الوزير غسان سلامة عقب إعلان «معهد العالم العربي» في باريس، و«الوكالة الفرنسية للتنمية»، و«التحالف الدولي لحماية التراث» (ألف)، عن إنشاء صندوق طارئ مخصّص للتدخل العاجل لحماية المعالم الأثرية والمواقع الأركيولوجية والمتاحف ومجموعاتها في لبنان.

وهي مبادرة تأتي في وقتها، لتمكين لبنان من مواجهة التهديدات الجسيمة التي تتعرض لها آثاره نتيجة الحروب المستمرة والمتلاحقة. وجاء الإعلان عن الصندوق بالتزامن مع إطلاق معرض كبير بعنوان «بيبلوس: المدينة الخالدة» في «معهد العالم العربي» بباريس. وقد حضر حفل الافتتاح الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى جانب وزراء وشخصيات بارزة.

ويروي الوزير سلامة أن الحشود الكبيرة التي تدفقت لهذه المناسبة «اضطرتنا إلى إقامة افتتاحين بدلاً من افتتاح واحد».

وقام «معهد العالم العربي» بجهد كبير، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية وبمشاركة استثنائية من «متحف اللوفر»، حيث جمع أكثر من 400 قطعة أثرية نادرة، أتاحت للزوار اكتشاف تاريخ هذه المدينة المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو».

صندوق طارئ لحماية التراث اللبناني (وسائل التواصل)

وعلى هامش المعرض، وُلدت فكرة الصندوق المخصص لحماية المعالم الأثرية، حيث التزم الشركاء الثلاثة بتقديم مساهمات أولية؛ إذ أسهم «معهد العالم العربي» بـ50 ألف يورو لصالح حماية موقع جبيل، وتبرعت «الوكالة الفرنسية للتنمية» بـ25 ألف يورو، في حين قدم «التحالف الدولي لحماية التراث» مائة ألف دولار لدعم وحماية موقع صور الأثري ومخازن المديرية العامة للآثار، على أن تتوالى المساهمات.

وستُنفّذ المشاريع بالتعاون الوثيق مع وزارة الثقافة اللبنانية - المديرية العامة للآثار، وبمشاركة منظمات غير حكومية محلية ودولية.

ويشرح الوزير سلامة أن «التراث، في أوقات الأزمات، لا يقتصر على كونه عنصراً يجب حمايته، بل يشكّل عاملَ تماسكٍ بين الشعوب»، مشيراً إلى أن «هذا الدعم يأتي في لحظة حاسمة ليعزز جهود السلطات اللبنانية والمهنيين في الحفاظ على الإرث المشترك».

ويفيد سلامة بأن عملاً كبيراً أُنجز خلال اجتماعه مع المدير العام لـ«اليونيسكو»، من أجل التطبيق الحرفي لاتفاقية لاهاي التي وُضعت عام 1945.

وهذه الاتفاقية هي أول معاهدة دولية كرّست مبدأ أن التراث الثقافي للبشرية جمعاء يستحق الحماية في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة؛ إذ يتوجب على الأطراف احترام الممتلكات الثقافية وحمايتها من التدمير والنهب، مع حظر استخدامها للأغراض العسكرية، وتخصيص شعار «الدرع الأزرق» لتمييزها.

وبناءً عليه، تعزّز الاتفاقية مبدأ المساءلة الجنائية عن انتهاكات التراث الثقافي، بحيث يصبح الاعتداء على المتاحف والمعالم الأثرية ليس مجرد ضرر مادي عادي، بل جريمة بحق الذاكرة الجماعية للإنسانية.

تاريخياً، تعاملت إسرائيل بحذر مع هذه الاتفاقية، وانسحبت منها مراراً بعد أن وقّعتها.

وكان لبنان قد تقدّم إلى «اليونيسكو»، خلال الحرب الإسرائيلية عليه عام 2024، بلائحة تضم 34 موقعاً أثرياً. أما هذه المرة، فسيرتفع عدد المواقع إلى الضعف، ليتجاوز الـ70 موقعاً، ستُبلغ بها إسرائيل كي تتخذ الإجراءات اللازمة.

ويحتاج لبنان إلى موافقة 8 دول من أصل 12 تشارك في اجتماع استثنائي يُعقد في الأول من شهر أبريل (نيسان). ومن حسن الحظ أن الدول المشاركة جميعها أبدت موافقتها من دون تردد.

وتشمل المواقع الجديدة أماكن أثرية وتراثية، مثل الأسواق القديمة في القرى، ومبانٍ ذات قيمة تاريخية، إضافة إلى المكتبة الوطنية وقاموع الهرمل.

معبد جوبيتر في قلعة بعلبك (ويكيبيديا)

وثمة سوابق أليمة مع إسرائيل. في حرب عام 2024، قصفت بشكل جنوني مدينة صور التاريخية، التي هي من أقدم مدن العالم، وتعرّضت مواقعها الأثرية من فينيقية إلى رومانية وإسلامية وصليبية، لخطر بالغ، لما تسببت به الانفجارات والقصف العنيف حولها من ارتجاجات وأضرار. كما دمرت إسرائيل سوق مدينة النبطية التاريخية. وطال قصف القرى الجنوبية بيوتاً ومعالم تاريخية، كما أصيبت مواقع مهمة في مدينة بعلبك بأضرار، وقصف محيط القلعة الرومانية المهابة.

وتتحدث التقارير عن آلاف القطع التي سرقتها إسرائيل أثناء اجتياحاتها المتكررة للبنان، وخلال احتلالها للجنوب، كما نقبت عن الآثار، وأخفت جرائمها عن أعين الأهالي.

وقبل أيام، قصفت إسرائيل بلدة شمع الجنوبية، التي تضم كثيراً من الآثار، وهذه ليست المرة الأولى؛ ففي الحرب السابقة، وبعد دخولها البلدة، فجّرت إسرائيل مواقع أثرية، وهدمت موقعاً دينياً في شمع كان معبداً وثنياً، ثم تحوّل إلى معبد مسيحي عبر الزمن، قبل أن يصبح موقعاً إسلامياً.

واصطحب الجيش إلى القرية المؤرخ الإسرائيلي زئيف إيرلتش (71 عاماً)، طمعاً في دراسة آثار القلعة الصليبية ومقام شمعون الصفا، وإجراء مسوح أثرية. لكن صواريخ أبناء القرية انهالت عليه وقتلته.

وجدير بالذكر أن المتاحف اللبنانية قد اتخذت الإجراءات اللازمة لحماية محتوياتها، حتى خارج مناطق القصف العنيف، لأن مجرد حدوث ارتجاجات من الممكن أن تؤذي المعروضات. لهذا تم تفريغ الواجهات من المعروضات الزجاجية والهشة، ووضعت الأثريات في أماكن آمنة حماية لها.


القلق من الحروب... كيف نحمي صحتنا النفسية في زمن الصراعات؟

سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)
سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)
TT

القلق من الحروب... كيف نحمي صحتنا النفسية في زمن الصراعات؟

سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)
سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)

تثير أخبار الحرب في الشرق الأوسط وعدم الاستقرار الاقتصادي الناجم عنها، قلقاً اجتماعياً متزايداً يؤثر على الصحة النفسية للكثيرين.

وينصح الخبراء بالاهتمام بالعلاقات الاجتماعية، والحفاظ على الروتين اليومي، وتجنّب التعرّض المفرط لهذه القضايا.

كما تُلقي تبعات الحرب في إيران بظلالها على الصحة النفسية، حيث يُثير عدم الاستقرار الاقتصادي القلق، وفقاً للطبيب النفسي كازوهيرو تاجيما لشبكة «يورونيوز».

ويحذّر الطبيب النفسي: «من المنطقي أن نشعر، في ظل هذه الظروف الاقتصادية غير المستقرة، بفقدان السيطرة، مما قد يؤدي إلى مشكلات القلق».

وللتغلب على هذا الوضع، ينصح بالحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الأزمة، وتعزيز العلاقات الاجتماعية التي تُعدّ أساسية لحماية الصحة النفسية في أوقات عدم الاستقرار.

الحفاظ على الروتين اليومي

كما يُنصح بالحفاظ على العادات والتقاليد. وأضاف: «لا ينبغي لنا التخلي عن روتيننا اليومي فيما يتعلق بالترفيه أو الرياضة أو غيرها من الأنشطة. للأسف -في رأيه- في حالات الطوارئ أو عدم الاستقرار الاقتصادي، يكون هذا أول ما يفعله الكثيرون، مما يُسهم في زيادة القلق».

ويعتقد تاجيما أن الاهتمام ببيئتنا الاجتماعية أمر أساسي. وقال: «إنّ التفاعل الاجتماعي سيساعدنا على التخفيف من جميع الآثار التي قد تُؤثّر سلباً على صحتنا النفسية. يجب علينا تعزيز علاقاتنا الاجتماعية لتجنّب العزلة في ظلّ هذه الظروف الاقتصادية غير المستقرة».

وأوضح: «عندما نفتقر إلى الروتين أو لا نتفاعل اجتماعياً، نميل إلى التفكير باستمرار في المشكلات. وإذا ما رافق ذلك قلق اقتصادي، ينتهي بنا المطاف بالتفكير في عدم القدرة على تلبية احتياجاتنا الأساسية».

الأنشطة الترفيهية والرياضية مهمة

في أوقات الأزمات، يتخلى الكثيرون عن الترفيه والرياضة لتوفير النفقات. لكن تاجيما ينصح بالعكس.

يقول: «التخلي عن الأنشطة الترفيهية أو الرياضية خطأ، لأنها تساعدنا على التخلص من همومنا. من الضروري الاستمرار فيها، بل التشجيع عليها، لإعادة شحن طاقتنا الذهنية».

كما ينصحنا الطبيب النفسي بالشعور بأن لحياتنا معنى. «لا شيء أسوأ من الشعور بانعدام الجدوى»، ولذلك يوصي «باللجوء إلى جميع أنواع الأنشطة الترفيهية أو العملية التي تُشعرنا بالرضا».

وفي ظل هذه الظروف غير المستقرة، أشار تاجيما إلى أن ازدهار الاقتصاد التشاركي يعود بقوة.

وأكد قائلاً: «نشهد نهضة في المقايضة، الرقمية في هذه الحالة، التي يمكن أن تساعدنا كمجتمع على الشعور بأننا جميعاً ذوو قيمة».

في ظلّ سيناريو يتسم بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف المعيشة، بات من الضروري أكثر من أي وقت مضى حماية الصحة النفسية ومواجهة التحديات الاقتصادية لتعزيز القدرة الجماعية على الصمود في أوقات الأزمات.


دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)

أظهرت دراسة حديثة شملت 38 دولة حول العالم، أن معدل الخصوبة الفعلي والمخطط له يرتفع بمقدار 0.32 طفل لكل امرأة عندما يعمل كلا الزوجين من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، مقارنةً بمن يعملون في مواقع عملهم أو لدى العملاء.

ووجدت الدراسة أن العمل من المنزل يرتبط بارتفاع معدل الخصوبة. بعبارة أخرى، بين العاملين، يعني قضاء وقت أطول في المنزل زيادة في عدد المواليد.

في العينة، يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال لكل امرأة 2.26 طفل عندما لا يعمل أي من الزوجين من المنزل. ويشمل ذلك الأشخاص الذين عملوا بأجر خلال الأسبوع الماضي، أي إنهم ليسوا عاطلين عن العمل، بل يعملون في مواقع عملهم أو لدى عملائهم، حسبما أورد موقع «يورونيوز».

وأفادت الدراسة بأنه إذا عملت المرأة من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، يرتفع متوسط ​​عدد الأطفال طوال حياتها إلى 2.48 طفل. وإذا عمل كلا الزوجين من المنزل، يرتفع هذا المتوسط ​​إلى 2.58 طفل.

أما إذا عمل الرجل من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، فإن الزيادة تكون أقل، حيث يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال 2.36 طفل.

ما الذي يفسر هذا الارتفاع؟

يُلاحظ ارتفاع ملحوظ في معدلات الخصوبة عندما يعمل الوالدان يوماً واحداً على الأقل من المنزل. فكيف يحدث ذلك؟ ما الآليات التي تُفسر العلاقة بين العمل من المنزل وارتفاع معدلات الخصوبة في الأسر؟

تشير الأبحاث إلى ثلاثة احتمالات أساسية:

1) من خلال تسهيل الجمع بين رعاية الأطفال والعمل بأجر، تُشجع وظائف العمل من المنزل النساء وشركائهن على اختيار إنجاب مزيد من الأطفال.

2) تختار الأسر التي لديها أطفال، وظائف تُتيح خيارات العمل من المنزل، لكنّ معدلات الخصوبة لا تتأثر بشكل مباشر بوضع العمل من المنزل.

3) يُسهم توفر وظائف العمل من المنزل في رفع معدلات الخصوبة من خلال توسيع الفرص الحالية والمستقبلية لاختيار وظائف تُراعي ظروف الوالدين.

ويُشير التقرير إلى أن «الاحتمالات الثلاثة تتفق جميعها مع فكرة أن وظائف العمل من المنزل تُسهل على الوالدين الجمع بين تربية الأطفال والعمل».

وجد الباحثون «أدلة واضحة» على ارتفاع معدلات الخصوبة مع توفر فرص العمل من المنزل. وقد استمر هذا النمط بعد الجائحة (2023-2025) وقبلها (2017-2019).

وتعتمد النتائج على مستوى الدول على معدل العمل من المنزل. وتختلف آثار ذلك على معدلات الخصوبة الوطنية بين الدول، ويعود ذلك أساساً إلى التفاوت الكبير في معدلات العمل من المنزل.

بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و45 عاماً، تتراوح نسبة من يعملون من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً بين 21 في المائة في اليابان و60 في المائة في فيتنام. وهذا يعني أن كل دولة تضم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يعملون من المنزل أحياناً، وعدداً كبيراً لا يعملون منه أبداً.

يُعد العمل من المنزل أمراً غير شائع نسبياً في عديد من الدول الأوروبية، بينما تحتل المملكة المتحدة المرتبة الثالثة عالمياً، وتتصدر أوروبا بنسبة 54 في المائة.

ويشير التقرير إلى أن «رفع معدلات العمل من المنزل إلى المستويات السائدة حالياً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا من شأنه أن يعزز الخصوبة بشكل ملحوظ في عديد من الدول الأخرى».

يُقدِّر التقرير أنه إذا تم تفسيره على أساس السببية، فإن العمل من المنزل يُسهم بنسبة 8.1 في المائة من معدل الخصوبة في الولايات المتحدة. وهذا يُعادل حوالي 291 ألف ولادة سنوياً بحلول عام 2024. ويُشير البحث إلى أنه على الرغم من أن هذه المساهمة قد تبدو متواضعة، إلا أنها أكبر من تأثير الإنفاق الحكومي على رعاية الطفولة المبكرة والتعليم في الولايات المتحدة.