يُرجّح العلماء أنّ كائنات فضائية متطوّرة قد تكون «تتبادل الإشارات» على مرأى من الجميع في الفضاء، مُستخدمةً ومضات ضوئية شبيهة بتلك التي تعتمدها الخنافس المضيئة (اليراعات) في تواصلها، وذلك وفق دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت»، قد تفتح آفاقاً غير تقليدية في البحث عن حضارات خارج كوكب الأرض.
وحتى الآن، ركّز علماء الفلك، في المقام الأول، في محاولاتهم لرصد كائنات فضائية متطوّرة، على البحث عن إشارات راديوية غير مألوفة صادرة عن كواكب بعيدة، أو عن بصمات حرارية مميّزة قد تدل على وجود تقنيات متقدّمة.
وإنما باحثون من جامعة ولاية أريزونا في الولايات المتحدة يرون أنّ هذا النهج قد ينطوي على «تحيُّز نحو الإنسان»، أي محاولة فهم الكائنات الفضائية من منظور بشري بحت، من دون الأخذ في الحسبان حضارات محتملة قد تختلف تماماً عن الحضارة الإنسانية.
وفي تجربة فكرية جديدة، يقترح الباحثون طريقة مختلفة كلياً للتواصل المُحتمل بين كائنات فضائية متطوّرة وحضارات أخرى خارج كوكب الأرض.
ويستند هذا التصور إلى الطريقة التي تتواصل بها اليراعات، إذ تعتمد على أنماط من الومضات الضوئية التي تبرز بوضوح في بيئتها الطبيعية وبين اليراعات الأخرى. وقد تطوَّرت أنماط الوميض لدى كلّ نوع من اليراعات لتختلف عن غيرها، مما يمكّن أفراد النوع الواحد من تعرُّف بعضهم إلى بعض.
ورغم أنّ اليراعات لا تفهم، بالمعنى الإدراكي، ما تحمله هذه الومضات من مضمون، فإنّ تلك الأنماط الضوئية تكفي للإشارة إلى وجود كل يراعة وهويتها وسط خلفية طبيعية مليئة بالضوضاء البصرية.
وبالمثل، يرى العلماء أنّ الكائنات الفضائية المتطوّرة قد تبعث إشارات وميضية بنمط ثنائي (تشغيل/إيقاف)، لا تحمل بالضرورة معنى محدداً، لكنها تبرز بوضوح عن الخلفية الكونية الطبيعية الزاخرة بالنجوم والمجرات الساطعة.
وكتب الباحثون في دراستهم، التي لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، ونُشرت على منصة «arXiv»، أنّ «الإشارات خارج الأرض قد لا تكون قابلة للتعرُّف إليها من خلال تعقيدها أو محتواها القابل للفك، وإنما من خلال الخصائص البنيوية للإشارة نفسها».
وطوَّر العلماء نموذجاً مستوحى من اليراعات لاستكشاف الكيفية التي يمكن أن تولّد بها الكائنات الفضائية الذكية إشارات مميَّزة عن محيطها، من دون أن تحمل معنى قابلاً للتفسير.
ويُعد «النجم النابض» أحد ألمع الأجرام السماوية في الكون، وهو نجم نيوتروني دوّار يُصدر نبضات منتظمة وقوية من الإشعاعات من أقطابه المغناطيسية، ويُشبه في ظهوره منارة تومض بانتظام مع دورانها.
وأجرى الباحثون محاكاةً لإشارات صادرة عن نحو 150 نجماً نابضاً معروفاً، ثم أنتجوا إشارة اصطناعية يمكنها أن تبرز بوضوح عن خلفية هذه النجوم النابضة. كما أخذوا في الحسبان مقدار الطاقة اللازمة لإنتاج مثل هذه الإشارة، ممّا أتاح لهم تقدير نوع الإشارة الاصطناعية الأكثر تميُّزاً عن خلفية النجوم النابضة في الفضاء، والتي يمكن أن تنتجها كائنات فضائية متطوّرة بطاقة منخفضة نسبياً.
وخلص العلماء إلى أنّ حضارة فضائية متطوّرة يمكنها توليد إشارات اصطناعية تختلف اختلافاً كبيراً عن الإشارات الطبيعية الصادرة عن النجوم النابضة. وهذا يعني، وفق الباحثين، أنّ أي تواصل فضائي قابل للرصد لا يُشترط أن يكون ذا معنى مفهوم بالنسبة إلى البشر، وإنما يكفي أن يكون من غير المرجّح أن يحدث مصادفة في الطبيعة.
ويؤكد الباحثون في ختام دراستهم أنّ «نموذجنا يُظهر أن الإشارات الفضائية ليست بالضرورة معقَّدة بطبيعتها، ولا تحتاج إلى فك رموزها لكي نتمكن من التعرُّف إليها».




