مصر تتوقع استقبال 20 مليون سائح في العام الجديد

بعد تحقيقها «قفزة غير مسبوقة» خلال 2025

المتحف الكبير يستقبل يومياً نحو 15 ألف زائر (الشرق الأوسط)
المتحف الكبير يستقبل يومياً نحو 15 ألف زائر (الشرق الأوسط)
TT

مصر تتوقع استقبال 20 مليون سائح في العام الجديد

المتحف الكبير يستقبل يومياً نحو 15 ألف زائر (الشرق الأوسط)
المتحف الكبير يستقبل يومياً نحو 15 ألف زائر (الشرق الأوسط)

توقّع وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن تستقبل بلاده نحو 20 مليون سائح خلال عام 2026، وذلك عقب تحقيق «قفزة غير مسبوقة» في أعداد السائحين خلال العام الماضي، بلغ عددهم نحو 19 مليوناً.

ووفقاً لوزارة السياحة والآثار، فإن «قطاع السياحة المصري حقق خلال عام 2025 أداءً استثنائياً وغير مسبوق، مسجلاً معدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بعام 2024، وهو إنجاز يعكس القوة المتنامية للمقصد السياحي المصري على الساحة الدولية».

ووصف فتحي، في بيان صحافي صدر مساء السبت، ما حققته السياحة المصرية خلال عام 2025 بأنه «إنجاز كبير، وتأكيد على قدرة مصر التنافسية، في ظل ما تتمتع به من أمن واستقرار، وامتلاكها رؤية واضحة واستراتيجية متكاملة تقوم على إبراز تنوّع الأنماط والمنتجات السياحية للمقصد المصري، التي لا مثيل لها عالمياً، إلى جانب تحسين جودة الخدمات السياحية المقدمة».

افتتاح المتحف المصري الكبير حقق انتعاشة لافتة في حركة السياحة (إدارة المتحف)

وأضاف أن «هذا النمو يفوق متوسط معدل النمو العالمي، الذي قدرته منظمة الأمم المتحدة للسياحة بنحو 5 في المائة فقط، وهو ما يعكس ثقة السائحين من مختلف دول العالم في مصر، بوصفها وجهة سياحية متنوعة وآمنة، وقادرة على تقديم تجارب سياحية متكاملة ومتنوعة».

وخلال عام 2025، تصدّرت مطارات القاهرة والغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم قائمة المطارات الأكثر استقبالاً للسائحين، ما يعكس التنوع الجغرافي للمقاصد السياحية المصرية، وقدرتها على جذب شرائح مختلفة من السائحين من أسواق متعددة.

وشهدت المواقع الأثرية والمتاحف على مستوى الجمهورية زيادة في أعداد الزوّار من السياح الأجانب؛ حيث استقبلت جميعها -ما عدا متحفي «الحضارة» و«الكبير»- نحو 18.6 مليون سائح، مسجلةً نمواً بنسبة 33.5 في المائة مقارنة بعام 2024.

بهو المتحف الكبير (الشرق الأوسط)

كما شهد عام 2025 نمواً ملحوظاً في رحلات الطيران السياحي (العارض) بنسبة 32 في المائة، في حين حققت مدينة العلمين الجديدة قفزة استثنائية، مسجّلة نمواً بنسبة 450 في المائة في حركة الطيران العارض، لتكون من أبرز المقاصد السياحية الجديدة على خريطة السياحة الدولية.

وأشار الوزير إلى أن «هذه النتائج غير المسبوقة التي حققتها مدينة العلمين الجديدة والساحل الشمالي تعكس نجاح رؤية القيادة السياسية واستراتيجية الوزارة في تنويع المقاصد السياحية، وفتح آفاق جديدة أمام السياحة الشاطئية والترفيهية والثقافية، إلى جانب تقديم منتجات سياحية مبتكرة تعتمد على دمج عدة عناصر في تجربة سياحية واحدة متكاملة».

ووفق الوزارة، جرى تسيير رحلات طيران سياحية من 193 مدينة حول العالم إلى المقاصد السياحية المصرية المختلفة خلال عام 2025، في مؤشر واضح على اتساع شبكة الطيران الدولية، وزيادة الإقبال على زيارة مصر.

وأكد وزير السياحة والآثار أن المرحلة المقبلة ستشهد البناء على هذه النتائج الإيجابية، وأضاف -خلال مداخلة تلفزيونية- أن نسبة الإشغال الفندقي تصل إلى 100 في المائة في بعض المناطق السياحية، ما يفرض ضرورة توسيع البنية التحتية.

متحف مراكب خوفو (الشرق الأوسط)

وأشار إلى وجود نمو ملحوظ في متوسط إنفاق السائح وعائدات القطاع، قائلاً: «تشهد أسعار الفنادق والرحلات السياحية زيادة تُقدَّر بنحو 30 في المائة»، موضحاً أنه «يجري حالياً تحويل أي مبنى من سكني إلى فندقي أو شقق إجازات دون رسوم، وهو نموذج ناجح على المستوى العالمي».

وتوقع فتحي أن تشهد سنة 2026 نمواً يتراوح بين 5 و7 في المائة في أعداد السياح، متطلعاً إلى كسر حاجز الـ20 مليون سائح.

وفي ظل الانتعاشة التي تعيشها مصر سياحياً، توقعت دراسة صادرة عن شركة «انطلاق» ارتفاع إسهام قطاع السياحة المصري في الناتج المحلي، من 8.5 في المائة حالياً إلى 15 في المائة (نحو 25-30 مليار دولار) بحلول عام 2030، بما يضيف 1.8-2.1 تريليون جنيه للاقتصاد الكلي.

وأشارت إلى أنه «يمكن أن يرتفع التوظيف المباشر من 2.3 مليون إلى ما بين 3.5 و3.7 مليون وظيفة، في حين يقترب التوظيف غير المباشر من 6 ملايين وظيفة. كما يُتوقع أن ترتفع الإيرادات الضريبية المرتبطة بالمشروعات السياحية الصغيرة والمتوسطة من 5 مليارات حالياً إلى نحو 20-25 مليار جنيه سنوياً».

مصر تتأهب لزيادة معدلات السياحة في 2025 (الشرق الأوسط)

ويؤكد الخبير السياحي محمد كارم قدرة مصر على استيعاب الأعداد المستهدفة خلال العام الجديد، من خلال زيادة الطاقة الفندقية والتوسع في تحويل الشقق السكنية إلى فندقية، بالإضافة إلى مشروعات البنية التحتية التي أسهمت في الربط بين المدن السياحية على غرار الأقصر ومدن البحر الأحمر، والدمج بين السياحة الشاطئية والثقافية.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المؤشرات السياحية مبشرة للغاية، وتُشير إلى إمكانية استقبال البلاد أكثر من 20 مليون سائح هذا العام، ولا سيما مع التوسع في أنماط السياحة غير الاعتيادية، على غرار السياحة الاستشفائية في واحات الصحراء الغربية؛ حيث تم تطوير وإنشاء كثير من الطرق الرابطة بينها وبين المدن الرئيسية»، لافتاً إلى «أن عدد الغرف الفندقية حالياً قد يصل إلى أكثر من 600 ألف غرفة بإضافة الشقق الفندقية الجديدة».

توقعات بنمو قطاع السياحة العام الجديد (الشرق الأوسط)

وعقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اجتماعاً الأحد لمتابعة الجهود الحكومية الرامية إلى تيسير الإجراءات وتسهيل دخول السائحين، وتحسين التجربة السياحية والصورة الذهنية لمصر، بحضور ممثلين عن عدد من الوزارات.

وأكد مدبولي أنه يجري استكمال الجهود الحكومية الخاصة بتيسير الإجراءات وتسهيل دخول السائحين، وتحسين التجربة السياحية والصورة الذهنية، بما يُسهم في زيادة أعداد السائحين، بهدف الوصول إلى المستهدف البالغ 30 مليون سائح سنوياً.

المتحف الكبير يستقبل يومياً نحو 15 ألف زائر (الشرق الأوسط)

وأشار رئيس الوزراء إلى «حرص الحكومة على دعم قطاع السياحة نظراً لأهميته بوصفه أحد القطاعات الواعدة في الاقتصاد المصري»، مضيفاً أن «أعداد السائحين تشهد زيادة فعلية»، موضحاً: «وصلنا العام الماضي إلى رقم غير مسبوق بلغ 19 مليون سائح، ولدينا فرصة لتحقيق الأرقام المستهدفة».

وأكد رئيس الوزراء متابعته لجميع عمليات تطوير المطارات، وجهود تسريع وتبسيط الإجراءات فيها، مُشدداً على أن العامل الأهم هو تحسين تجربة السائحين وتعزيز الصورة الذهنية لمصر لدى زوّارها.


مقالات ذات صلة

مصر تطمح إلى إدراج المتحف الكبير ضمن «عجائب الدنيا المعاصرة»

يوميات الشرق المتحف المصري الكبير يشكل مشهداً بانورامياً مع الأهرامات (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر تطمح إلى إدراج المتحف الكبير ضمن «عجائب الدنيا المعاصرة»

أطلق المجلس الدولي للسياحة والسفر، الثلاثاء، حملة عالمية للتصويت على اختيار عجائب الدنيا السبع المعاصرة.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الخدمة الجديدة تهدف إلى تقليل خطوات السياح للتخطيط للرحلة وحجزها (واس)

السعودية تطلق خدمة «تأشيرة الباقات السياحية» لتسهيل رحلة الزوار

أطلقت السعودية المرحلة التجريبية من خدمة «تأشيرة الباقات السياحية» التي تتيح للسائح الحصول على تأشيرة سياحية ضمن باقة سفر متكاملة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد المنتجعات السياحية في مدينة الخبر السعودية (واس)

السياحة السعودية بالربع الأول: قفزة في التراخيص بـ22.7 %... والمشتغلون يتجاوزون المليون

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، حراكاً تشغيلياً وتوسُّعاً مؤسسياً ملحوظاً في قطاع السياحة وضيافتها خلال الرُّبع الأول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)

اقتصاد مصر يتخطى الصعاب... و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %

تخطَّى اقتصاد مصر، تداعيات حرب إيران، في سابقة شكَّلت مفاجأةً للمؤسسات الدولية، بعد أن أظهر أداءً متماسكاً، وسجَّل نمواً بنسبة 5 في المائة في الرُّبع الثالث.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مصر تستهدف تحويل محيط مسجد السلطان حسن إلى متحف مفتوح (الشرق الأوسط)

مصر لتحسين الهوية البصرية لمحيط مسجد السلطان حسن

لتحسين الهوية البصرية بحي الخليفة، خصوصاً محيط مسجد السلطان حسن، وهو أحد أكبر الجوامع الأثرية في مصر والعالم، تواصل السلطات المصرية تطوير القاهرة التاريخية

حمدي عابدين (القاهرة)

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

كشفت دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة مانشستر الإنجليزية، عن أنَّ التَّعرُّض لضوء النهار الساطع قد يكون مفتاحاً للنوم المُبكِّر، وتحسين جودة النوم، والحصول على راحة أعمق، وللاستيقاظ المبكر كذلك.

وتُلقي نتائج الدراسة المنشورة في دورية «Biological Timing and Sleep»، الضوء مجدداً على أهمية النوم، لوصفه أحد احتياجات الجسم الأساسية، والذي قد يتسبَّب عدم انتظامه إلى حدوث اضطرابات في المزاج والذاكرة والتمثيل الغذائي والصحة على المدى الطويل.

وتُشير أدلة قوية إلى أنَّ الضوء يُمكن أن يُؤثر على توقيت النوم ويُغيِّر في توازن مراحله المختلفة، كما أنَّ النوم يُعيد ضبط الساعة البيولوجية للجسم كل صباح، ويُساعد على التحكم في شعورنا باليقظة والتعب.

ولاختبار ذلك، جمع الفريق بيانات واقعية باستخدام جهاز بسيط يُرتدى على الجسم، حيث ارتدى 89 بالغاً جهاز استشعار ضوئياً قادراً على التقاط الضوء الميلانوبيكي - وهو نوع الضوء الذي يُؤثر بقوة على الساعة البيولوجية - إلى جانب جهاز تتبع نوم مُتاح للمستهلكين. كما قاموا بتدوين ملاحظاتهم اليومية حول النوم.

أنتجت الأجهزة بيانات لأكثر من 500 يوم، وقد أظهرت أنَّ الأشخاص الذين قضوا وقتاً أطول في ضوء النهار الساطع يميلون إلى النوم والاستيقاظ مبكراً. كما أظهر أولئك الذين يتمتعون بأنماط إضاءة أكثر استقراراً وأقل اضطراباً على مدار الأسبوع توقيتاً أفضل للنوم.

ووفق النتائج تمتع المشاركون الذين تعرَّضوا لضوء أكثر انتظاماً، مع تقلبات أقل حدة بين الضوء الخافت والساطع، بنوم أكثر عمقاً - وهو أمر حيوي للذاكرة والتعافي والصحة العامة - خلال الجزء الأول من الليل.

وتعكس هذه النتائج قلقاً متزايداً بشأن الحياة العصرية داخل المباني، حيث يقضي معظم الناس نهارهم في إضاءة أقل سطوعاً بكثير من ضوء النهار الطبيعي، وأمسياتهم في إضاءة أكثر سطوعاً بكثير مما يتوقعه جسمهم. وقد رُبط هذا التباين بمشكلات صحية مزمنة وارتفاع خطر الوفاة.

ويرتبط نظام النوم والاستيقاظ في الجسم، بدورة ضوء الشمس، إذ يُعزِّز التَّعرُّض للضوء الطبيعي خلال النهار الشعور باليقظة، بينما يساعد غيابه على الشعور بالنعاس. لذلك، فإنَّ قضاء وقت في الخارج يمكن أن يزيد من الشعور بالنعاس الطبيعي ليلاً، ويقلل الوقت اللازم للدخول في النوم، كما أنَّه يحسِّن جودة النوم بشكل عام.

وتُظهر الدراسة الجديدة أنَّ الأيام المشمسة ترتبط بنوم أفضل. كما وجد الباحثون أنَّ تقارير الأشخاص عن نومهم تتطابق عموماً مع بيانات الأجهزة القابلة للارتداء. لكن عندما ازداد اضطراب النوم - مع قلة النوم العميق أو نوم حركة العين السريعة - اتسعت الفجوة بين ما يعتقده الناس عن نومهم وما سجَّلته أجهزتهم. كما وجد الفريق أنَّ أنماط الإضاءة الأكثر استقراراً ترتبط بنوم أعمق يتركز في بداية الليل.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، ألتوغ ديديكوغلو، من جامعة مانشستر الإنجليزية ومعهد إزمير للتكنولوجيا في تركيا: «تُظهر نتائجنا أنَّ الأيام المشرقة وروتين الإضاءة المنتظم ليسا مجرد أمرَين مرغوبَين، بل قد يكونان أساسيَّين لنوم صحي. فبمجرد التُّعرَّض المستمر لضوء النهار، يمكن للناس تحسين جودة نومهم ليلاً بشكل ملحوظ».

وأضاف في بيان الجمعة: «تُبرز هذه الدراسة إمكانية قياس البيئات اليومية باستخدام أجهزة استهلاكية بأسعار معقولة».

واستطرد أن الدراسة تُشير أيضاً إلى رسالة صحية عامة بسيطة، وهي أنَّ «الأيام المشرقة قد تؤدي إلى ليلٍ أفضل، وأنَّ الحفاظ على استقرار التَّعرُّض للضوء - وتجنب أنماط الإضاءة الخافتة والساطعة المتقلبة - قد يُساعد على تقوية إيقاعات الجسم الداخلية».


لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
TT

لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)

نجح فريق دولي من الباحثين في رسم أطلس للخلايا والجينات التي تنظم تكوين العظام وعمليات فقدانها، واكتشفوا الدور المحوري الذي تلعبه خلايا الأوعية الدموية في صحة العظام، فيما وُصف بأنه «إنجاز علمي وعالمي غير مسبوق».

ووفق دراستهم المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر جينيتكس»، دمج الباحثون قراءات التسلسل الجيني مع بيانات نصف مليون شخص، ما مكنهم من تحديد مئات الجينات غير المعروفة سابقاً التي تتحكم في صحة العظام، والكشف عن الخلايا المحيطة بالأوعية الدموية كأحد أهم محركات ترميم العظام.

ويتوقع الباحثون أن يُسهم هذا الاكتشاف في تطوير علاجات جديدة لإعادة بناء العظام المفقودة، مما يُعطي الأمل لما يقرب من نصف الأشخاص فوق سن الخمسين الذين يعانون من أمراض مثل هشاشة العظام، والتهاب المفاصل، وتكوّن العظم الناقص، بالإضافة إلى المصابين باضطرابات عظمية نادرة وسرطانات تنتشر إلى العظام.

وكما صرح الفريق البحثي بقيادة البروفسور بيتر كروشر والدكتور رايان تشاي من معهد غارفان للأبحاث الطبية بأستراليا، في بيان الجمعة: «تُعزز نتائج الفريق فهمنا لأمراض الهيكل العظمي بشكل جذري».

الدكتور ريان تشاي والبروفسور بيتر كروشر من معهد غارفان للأبحاث الطبية (معهد غارفان)

وقال كروشر: «لا يُدرك معظم الناس أن العظام تتغير باستمرار، إذ يُجدد الجسم هيكله العظمي كل عشر سنوات تقريباً».

وأضاف: «هذه عملية بالغة الأهمية، ولكن حتى الآن، كان فهمنا للخلايا والآليات التي تتحكم في عملية تجديد العظام محدوداً للغاية».

واستطرد: «معظم الأدوية المتوفرة حالياً تركز فقط على إيقاف أمراض العظام، بدلاً من إعادة بناء العظام المفقودة، وهو أمر بالغ الأهمية لعكس الضرر».

ومن المنتظر أن يكون لهذه البيانات آثارٌ على المعرفة الخاصة بنمو الهيكل العظمي، واضطرابات العظام النادرة، والشيخوخة، والأورام الخبيثة والالتهابات. وستساعد هذه المعرفة الأساسية في تحديد أهداف علاجية لأمراض الجهاز العضلي الهيكلي.

استخدم الفريق أحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي لقياس الجينات النشطة داخل الخلايا الموجودة في العظام، مع التركيز على منطقة التماس بين العظم الصلب ونخاع العظم، وهي الموقع الرئيسي لتكوين العظام وتحللها.

قال تشاي إن التحليل الشامل الذي أجراه الفريق كشف عن 34 مجموعة مختلفة من الخلايا، وحدد الجينات النشطة في كل نوع منها.

واستخدم الفريق أطلسه الجديد لتحديد الخلايا المتورطة في أمراض الهيكل العظمي النادرة والشائعة، بما في ذلك تكون العظم الناقص وهشاشة العظام.

وقال جون كيمب المشارك في الدراسة إنه من خلال تحليل البيانات الجينية وبيانات كثافة العظام لنصف مليون شخص مشارك في بنك المملكة المتحدة الحيوي، تمكن الفريق من تحديد الخلايا المسؤولة عن أمراض الهيكل العظمي بدقة.

وأضاف: «تشمل هذه الخلايا خلايا معروفة بتنظيم تكوين العظام وفقدانها، بالإضافة إلى خلايا الأوعية الدموية التي لم يُقدّر دورها في صحة العظام حق قدره حتى الآن».

وقال كروشر إن البحث كشف عن فرص علاجية جديدة ليس فقط ضد أمراض العظام، بل أيضاً ضد أمراض السرطان، موضحاً أن «العظام هي المخبأ الرئيسي للخلايا السرطانية الكامنة وموقع شائع لانتكاس المرض، لذا فإن تحديد الخلايا والجينات التي تحفز تجدد العظام يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للوقاية من السرطان».

ويواصل الفريق حالياً دراسة أدوار الخلايا والجينات المكتشفة حديثاً والمسؤولة عن تنظيم العظام. وقد أُتيحت بياناتهم الرائدة للباحثين الطبيين حول العالم عبر منصة مفتوحة.


«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
TT

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

يفتح هادي سي في معرضه «أرواح صاعدة» فضاءً يلتقي فيه الإنسان مع التكنولوجيا من دون مواجهة مباشرة أو انحياز مُسبَق. في «غاليري صالح بركات» ببيروت، يعرض الفنان السنغالي الفرنسي مجموعة من المنحوتات المصنوعة من الحديد الصدئ والفولاذ اللامع، مستنداً إلى فكرة تقوم على التعايُش بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة بقاء الإنسان في صُلب أي تقدُّم تقني.

الذكاء يصنع الاحتمالات... والإنسان يمنحها معناها (هادي سي)

تنطلق الأعمال من لغة بصرية تستبدل بالصورة المباشرة للآلة خطوطاً وتفرّعات وتكوينات عضوية. تصبح قطع الحديد بين يديه أشبه بالجذور والأغصان والبذور والخلايا، وتظهر الأرقام داخل التكوينات مثل عناصر بناء تندمج في النسيج العام للعمل. هذا الانتقال من النظام الرقمي إلى الأشكال العضوية يُشكّل الخيط الناظم للمعرض ويمنحه تماسكه العام.

ينظر هادي سي إلى الذكاء الاصطناعي من خلال أثره المتوقَّع في الإنسان، قبل التوقُّف عند إنجازاته التقنية. تتمحور رؤيته حول الروح البشرية وتربط التقدُّم التقني بالذاكرة والعاطفة والخيال والتعاطف. ومن هذا التصوّر تنبثق المنحوتات، مُحاولةً الحفاظ على هذه القيم داخل عالم تتسارع تحوّلاته.

حين تتسارع الآلة تصبح الذاكرة أكثر قيمة (الشرق الأوسط)

ينعكس هذا المعنى في اختيار المواد. يحمل الحديد الصدئ أثر الزمن وتقلّباته، بينما يعكس الفولاذ المصقول الضوء والوجوه والمكان. ومن تباين السطحين تتشكَّل علاقة تستحضر الماضي والحاضر، وما يشيخ وما يبدو حديثاً. يترك الفنان هذه العلاقة مفتوحة على أكثر من قراءة. فتستدعي بعض الأعمال أشكالاً عضوية، فيما توحي أخرى ببُنى عمرانية أو شبكات مترابطة أو هياكل صناعية.

كل تقدّم... امتحان جديد لِما يجعلنا بشراً (الشرق الأوسط)

يُعامل هادي سي الحديد بطريقة تُخفِّف من ثقله. يُحوله في عدد من القطع إلى خطّ مرسوم في الفراغ أو إلى شريط يلتفُّ ويصعد ويعود إلى نفسه. تتدخَّل المساحات الخالية داخل المنحوتة في تشكيلها، ويصبح الفراغ عنصراً أساسياً في بنيتها. تساعد هذه المعالجة على إضفاء حركة بصرية انسيابية، خصوصاً في الأعمال التي تتفرَّع فيها العناصر وتتداخل من دون أن تفقد اتجاهها.

تتفاوت المنحوتات مع ذلك في قدرتها على حَمْل الفكرة. تملك الأعمال الأكثر تركيباً حضوراً أقوى، لأنها تجمع بين شكل متماسك وبنية تتيح للعين أن تكتشف تفاصيل جديدة كلَّما تغيَّرت زاوية النظر. ينجح الفنان فيها في جَعْل الحديد أقرب إلى كائن ينمو، ويصبح التكرار وسيلة لصنع الإيقاع والمعنى. قطع أخرى تُعيد تقديم عناصر سبق أن ظهرت في غير أعمال.

كلّ خطوة نحو الذكاء... تستحقّ خطوة نحو الذات (الشرق الأوسط)

يظهر هذا التفاوت أيضاً في العلاقة بين الفكرة والنتيجة البصرية. تنجح بعض الأعمال في تحويل الحديث عن الإنسان والآلة إلى تجربة ملموسة، لأنّ المادة نفسها تبدو واقفة بين النظام والعفوية. في أعمال أخرى، يحتاج المتلقّي إلى الاستناد أكثر إلى نصّ المعرض لفَهْم الصلة بالذكاء الاصطناعي. لا تفقد هذه القطع قيمتها داخل المجموعة، لكنها لا تترك الأثر نفسه ولا تفتح المساحة ذاتها للتأمُّل.

يحافظ المعرض رغم ذلك على انسجام أعماله. تتكرَّر الدوائر والخطوط والأشكال المُستَخرجة من الصفر والواحد، وتظهر كأنها أبجدية خاصة بالفنان. هذا التكرار يمنح المشروع هوية، لكنه يكشف أيضاً عن حدودها حين تعود بعض الصيغ من دون تحوُّل كبير. تبدو قوة التجربة أكبر عندما يُوسِّع هادي سي مفرداته ويضعها داخل تكوينات تحمل مفاجأة بصرية، وأقلّ عندما يكتفي بالاشتغال على العناصر نفسها.

ليس كلّ ما يتطوّر يقترب من الحياة (الشرق الأوسط)

هذا المسار امتداد لخلفية هادي سي، المولود في بيروت عام 1964 لأم لبنانية وأب سنغالي، والذي تنقَّل بين التصوير والتصميم والفنون البصرية قبل أن يستقرَّ في النحت. انشغلت تجربته عبر السنوات بالإنسان داخل الأنظمة التي تُحيط به، من المال والحدود إلى الذاكرة والأرقام. في معرضه الجديد، ينقل هذا الاهتمام إلى زمن الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالإنسان نقطة انطلاق ومَرْجعاً أخلاقياً.

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها. عندها لا يعود الحديد رمزاً للصناعة وحدها، ويظهر على هيئة جذر أو جسد أو أثر حياة. وفي الأعمال الأقل كثافة، يبدو التنفيذ حاضراً بقدر الفكرة، لكن المسافة بينهما لا تُردَم تماماً.

الذاكرة... آخر ما لا يمكن برمجته (الشرق الأوسط)

يخرج المعرض في مجمله وفيّاً لرؤيته، متفاوتاً في درجات التعبير عنها. في أفضل أعماله، لا يطلب هادي سي من الحديد أن يُمثّل الإنسان، وإنما أن يكتسب شيئاً من صفاته. أن ينمو ويتشعَّب ويحتفظ بذاكرة داخله. هناك يفقد المعدن برودته، وتصبح المنحوتة كائناً يقف في الحدّ الفاصل بين ما صنعته اليد وما يمكن أن تمنحه الحياة.