أمير فخر الدين: «يونان» يسجل هواجس العزلة والاغتراب

حصد جائزة «أفضل مخرج» في «البحر الأحمر السينمائي»

أمير مع صناع الفيلم خلال عرضه في برلين (الشركة المنتجة)
أمير مع صناع الفيلم خلال عرضه في برلين (الشركة المنتجة)
TT

أمير فخر الدين: «يونان» يسجل هواجس العزلة والاغتراب

أمير مع صناع الفيلم خلال عرضه في برلين (الشركة المنتجة)
أمير مع صناع الفيلم خلال عرضه في برلين (الشركة المنتجة)

يستعيد المخرج السوري المقيم في ألمانيا أمير فخر الدين ملامح مشروعه السينمائي الجديد «يونان» بنبرة هادئة، وواثقة، كأنما يروي رحلة شخصية أكثر ما يروي عملاً فنياً، فقد جاء فيلمه الذي حصد جائزتي «أفضل ممثل» و«أفضل مخرج» في النسخة الخامسة من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» ليشكّل المحطة الثانية في ثلاثية بدأها بفيلم «الغريب»، ويحاول من خلالها تفكيك العلاقة بين الإنسان والحنين، واستكشاف كيف يمكن للذاكرة، والخيال، والانتماء أن تصنع هوية الفرد، وحدوده الداخلية.

الفيلم الحاصل على دعم من صندوق وسوق «البحر الأحمر» يغوص في أعماق النفس البشرية، وتتواصل أحداثه على مدى 124 دقيقة، وهو من تأليف وإخراج ومونتاج أمير فخر الدين، وبطولة الممثل اللبناني جورج خباز، والممثلة الألمانية الكبيرة هانا شيغولا، والممثل الفلسطيني علي سليمان، والممثلة الألمانية من أصول تركية سيبل كيكيلي، والممثلة اللبنانية نضال الأشقر، والممثل الألماني توم بلاشيا، وعرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «برلين السينمائي» مطلع العام الجاري.

أمير فخر الدين (الشرق الأوسط)

يقول أمير لـ«الشرق الأوسط» إن «الفكرة لم تولد دفعة واحدة، بل جاءت نتيجة رحلة طويلة من التفكير في معنى الانتماء، وفي تلك المنطقة الرمادية التي تقف فيها النفس بين الماضي والمستقبل، بين المكان الذي نبقى فيه والمكان الذي نغادره»، وعن الاختلاف بين الفيلمين «الغريب» و«يونان» يوضح أن «الغريب» كان محاولة للاقتراب من شخصية يملك صاحبها حنيناً غير معتاد، حنيناً نحو مستقبل لا يعرفه، ورغبة في التّشبث بالبقاء رغم كل ما يدفع للهجرة، تلك كانت حكاية رجل رافض للمغادرة، يعيش في أرض محتلة، يشعر بثقل المكان، لكنه لا يستطيع فراقه.

أما «يونان»، فيسرد الوجه الآخر للحنين، شخص يعيش في الغرب، لكنه لا يستطيع العودة إلى بيته، فقد أرضه، وبقي أسيراً لذكرى تستيقظ ولا تكتمل، وواقع يُدركه من بعيد دون أن يلمسه. وبين هاتين الشخصيتين، يرى فخر الدين أنّ «الإنسان المقهور بالنوستالجيا غالباً ما يُقدَّم ضحية الظروف، والصدف، والتاريخ، لكنني في الفيلم الثالث سأحاول مقاربة شخصية تحررت من القيود، وبدأت تبحث عن قيد جديد، كأن الألم ذاته يصبح حاجة من حاجات الشعور بالانتماء».

اختيار جورج خبّاز لبطولة «يونان» لم يكن قراراً غريباً، فالمخرج الشاب تابع أعمال الممثل اللبناني بتمعّن، فلم يكن يبحث عن نجم بقدر ما كان يبحث عن «عيون عميقة»، وفق وصفه، تستطيع أن تحمل هدوء الشخصية، وقلقها في الوقت نفسه، وشاهد له مقابلات مطوّلة، لمح في بعضها لحظة عفوية أزال فيها خبّاز نظارته، فبدا كأن حزناً دفيناً يمر خلف العينين. ذلك الحزن، كما يقول فخر الدين، «لم يكن تعبيراً عن حالة واقعية بقدر ما كان دليلاً على قدرة الممثل على حمل ثقل الشخصية».

جورج خباز خلال تسلم جائزة أمير من المخرجة نادين لبكي في مهرجان البحر الأحمر (إدارة المهرجان)

«الفهم العميق للتراجيديا لا يتأتّى إلا لمن اختبر الإنسانية من الداخل»، هكذا يصف أمير بطل فيلمه، مضيفاً أنّ «تجربة خبّاز المسرحية وثقافته الواسعة منحتاه قدرة نادرة على التعبير بالصمت لا بالكلام، وعلى تقديم شخصية مهاجر مع أنه في حياته لم يغادر لبنان»، لكن فخر الدين كان واضحاً في القرار «السيرة الذاتية للممثل لا تهمني، ما يهمني هو قدرته على فهم طبقات الشخصية».

كذلك يشير المخرج إلى أنّ التعاون مع سعاد بوشناق في الموسيقى كان مساراً طويلاً، امتد لسنوات من الأخذ والردّ، لم يكن يريد «طلباً جاهزاً» يمنح اللحن شكله النهائي منذ البداية، بل أراد أن يرى كيف تقرأ الموسيقية الفيلم بذائقتها، ثم يبني معها طبقة بعد طبقة، وصولاً إلى المزج الذي يبحث عنه بين موسيقى الباروك الجنائزية وجماليات المشرق، فالموسيقى بالنسبة إليه «ليست مرافقة للصورة فقط، بل هي كشفٌ لطبقاتها الداخلية، وإضافة لعوالم لا تستطيع الكاميرا وحدها الوصول إليها، ومن هنا، صار الصوت امتداداً طبيعياً للّغة البصرية، وأصبح للّحن دور في بناء الذاكرة داخل الفيلم، وإبراز طقوس الحنين، والعزلة، والانهيار»، وفق تعبيره.

وعن مساحات الصمت في الفيلم، التي أثارت نقاشاً بين بعض المشاهدين، يرى فخر الدين أنّ «الصمت ليس فراغاً، بل معنى، وليس حيلة فنية، بل ضرورة درامية»، ويوضح أنه يقدّم شخصية مهاجر وحيد، يعيش لغة ليست لغته، ويواجه العالم بغربة لا تترجم بالكلمات، فالصمت ليس اقتصاراً، بل امتلاء، فهو مساحة يتشاركها المشاهد مع الشخصية.

وأضاف أن «الصمت يمنح الفيلم روحه، يجعل المشاهد طرفاً في القراءة، ويتيح لكل فرد أن يرى فيلماً مختلفاً، ولهذا يمكن لعشرة أشخاص أن يشاهدوا الفيلم نفسه، وتنتج عنها عشرة أفلام مختلفة، فالكلمات، في رأيه، قد تبعد الشخصيات عن بعضها أحياناً، بينما يمنحها الصمت قرباً غير مرئي.

أما عن مدة الفيلم التي علّق عليها بعض الجمهور، فيقول المخرج إن «قياس الأعمال الفنية بالدقائق معيار لا يعكس التجربة الحسية للعمل، فهناك أفلام تتجاوز الأربع ساعات ويتمنى ألا تنتهي، وأخرى قصيرة تجعل الزمن يبدو طويلاً، المهم بالنسبة لي هو الإيقاع الداخلي للشخصية، ومدى قدرة المشاهد على الاندماج مع العالم المعروض أمامه».

وفيما يتعلّق بتجربة التصوير، يصفها فخر الدين بأنها «واحدة من أكثر محطات العمل صعوبة، ليس فقط بسبب طبيعة الجزيرة التي صُوِّر فيها الفيلم، ولا الاعتماد على حالة الطقس في مشاهد تحتاج الريح، أو حركة الغيم، بل لأن فريق العمل جاء من خلفيات متعددة، وثقافات مختلفة، ومع ذلك نجح في بناء انسجام استثنائي في مكان ناءٍ».

وهنا يتذكر أمير مشهد وصول الممثلة هانا شغولا ذات الواحد وثمانين عاماً، والتي قطعت رحلة شاقة من باريس إلى الجزيرة رغم المرض والحمى، مصمّمة على خوض التجربة. كان ذلك بالنسبة إليه درساً في الانضباط، وفي معنى الالتزام بالفن، مؤكداً أن «حضورها، رغم التعب، علّمه أكثر مما علّمته الظروف القاسية. كذلك كان الأمر مع جورج خبّاز، وبقية الممثلين، والعاملين الذين جمعهم مشروع مشترك رغم اختلاف الجنسيات، والخبرات، فصاروا منسجمين داخل عزلة الجزيرة».

يبدو «يونان» بالنسبة لأمير فخر الدين ليس مجرد فيلم، بل إنه جزء من بحث طويل في معنى أن يكون الإنسان مقيماً ومغادراً في الوقت نفسه، قادراً على مواجهة حنينه أو أسيراً له، وأن يجد نفسه بين الصمت والكلام، بين الذاكرة والحركة، وبين المكان الذي يسكنه والمكان الذي يتركه. وبينما يتابع العمل على فيلمه الثالث، يشعر بأن رحلته لم تنتهِ بعد، وأن كل خطوة تقرّبه أكثر من فهم السؤال الذي طرحه في بداية مشروعه «ماذا يعني أن تنتمي؟».


مقالات ذات صلة

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

احتفت النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» بقطر، التي أُقيمت هذا العام بشكل افتراضي «استثنائياً»؛ بسبب الحرب التي تشهدها المنطقة، بإحياء الفلكلور.

داليا ماهر (القاهرة )
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية.

أحمد عدلي (القاهرة)

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».