«شوشو»... خمسون عاماً والضحكة تحفظ ذاكرة بيروت المسرحية

كُرِّم في «المونو» باستعادة شهادات رافقته وأغنيات تُشبه زمننا

نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
TT

«شوشو»... خمسون عاماً والضحكة تحفظ ذاكرة بيروت المسرحية

نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)

جمع مسرح «المونو» في بيروت، مديرته جوزيان بولس بالكاتب والمخرج المسرحي فارس يواكيم، والناقد المسرحي هنري الكيك، والممثل أحمد الزين، والممثلة والمخرجة ميراي بانوسيان، للحديث عن الكوميدي الكبير الراحل حسن علاء الدين المعروف بـ«شوشو»، في الذكرى الخمسين لغيابه. توسّطت صورته، بشاربه الضخم الشهير، الشاشة أمام حضور أتى ليُصغي إلى شهادات مَن عايشوه وتشاركوا معه ذاكرة وحكايات.

عاد «شوشو» في حكايات مَن أحبّوه (الشرق الأوسط)

قال فارس يواكيم إنّ «شوشو» لا يُنسى. فلا يُذكَر تاريخ المسرح في لبنان من دون تصدُّر اسمه. عاد في الذكريات إلى الوراء، فأخبر أنّ محمد شامل اكتشف حسن علاء الدين ومنحه اسم «شوشو»، وقد درّبه وعملا معاً في الإذاعة والتلفزيون. وبعد مرحلة محمد شامل، كانت مرحلة نزار ميقاتي، ثم أتى فارس يواكيم ليُشكّل المرحلة الثالثة في محطات «شوشو» المفصلية؛ مرحلة النصّ الذي يلتقط اليومي ويؤنسنه، ويعتمد التورية بدل الخطابة.

لقاء مع زمن كان المسرح فيه خبزاً وفسحة وحرّية (الشرق الأوسط)

لا تزال أغنية «شحّادين يا بلدنا» التي كتبها ميشال طعمة ولحَّنها إلياس الرحباني، تُغنَّى كأنها تُحاكي هذه الأيام. غنّاها «شوشو» في أكثر مسرحياته ثباتاً في الذاكرة، «آخ يا بلدنا» (1973)؛ تأليف فارس يواكيم وإخراج روجيه عسّاف. في كلماتها بساطة جارحة تُسمّي الأشياء دون زعيق في بلد يطلب القليل ولا يناله، «يتحايل» إنسانه للعيش، ووجعه يُضحِك لأنّ البكاء لم يعد يُجدي. لذلك شَعَر الحضور، حين أُعيد تشغيل المقطع في المسرح، أنها تُمسك الآن بالعصب ذاته.

ومرَّ يواكيم في التذكُّر على علاقة «شوشو» بأسماء مُقدَّرة، منها محمد كريّم وروجيه عسّاف وبيرج فازليان. أثرُ محمد كريّم في صقل حضوره التلفزيوني والإذاعي، وفي خلق «اللقطة الومّاضة» التي تُمسك الجمهور من دون إطالة. أما روجيه عسّاف، فحضوره في «آخ يا بلدنا» يشي بدقّة بناء المشهد وحساسية الإيقاع الجماعي، وكيف تتحوَّل الكوميديا إلى نقد اجتماعيّ، في حين أدخل بيرج فازليان صرامة التدريب إلى فرقة «شوشو»، واشتغل على الإشارة والإيماءة ومسافة الجسد من الجمهور، فجاءت عروضٌ كثيرة تجمع العفوية بالانضباط، وتجعل «الكاركتير» الشعبي يلمع ضمن منظومة مسرحية مُحكَمة.

يعود الكبار دائماً كأنهم لم يغادروا (الشرق الأوسط)

وقال أيضاً إنّ «شوشو» كان ابن مسرح، «حين يشعر بأنفاس الجمهور، يُجوهِر». ذلك التأثير لم تكن تمنحه إيّاه الكاميرا حيث الجمهور غائب. واستعاد أهمية «المسرح اليومي» الذي استمال الناس إلى الصالة طوال العام، فامتلأت المقاعد ولم تهدأ الحركة. وأخبر أنّ «شوشو» كان يُحبّ استدعاء ضيوف الشرف، وأول ضيفة شرف ظهرت في مسرحياته كانت بديعة مصابني. لمسة وفاء لمدرسة «الفرجة» العربية وخفّتها.

الندوة مفيدة وممتعة؛ والإصغاء يترافق مع الرغبة بمزيد من السرد. ففارس يواكيم الذي عايش «شوشو» وكتب له مسرحيات، يحتفظ بذاكرة لا تكفي ساعة زمنية للغوص في طبقاتها. قال إنّ اسم «شوشو» طغى على كلّ ما عداه، حتى إنّ بيرج فازليان قال لخالدة سعيد إنّ مسرح «شوشو» كان تحت الأرض، والجمهور يبدأ الضحك وهو ينزل الدرج إلى المقاعد! وأضاف: «كان الناس يقولون: نحن ذاهبون لمُشاهدة (شوشو)». لا اسم الكاتب ولا المُخرج ولا الشركاء، اسمه فقط. وكما عُرِف «مسرح سارة برنار» و«مسرح نجيب الريحاني»، اشتُهر في لبنان «مسرح شوشو». ولم يفُت يواكيم الشاهد على تحولات الزمن، التوقُّف عند إسهام بيروت في نهضة «شوشو»، قائلاً إنها مدينة ناجحة ولَّدت ناجحين.

بيروت تتذكر ابنها الذي ضحك كي لا ينهار (الشرق الأوسط)

ولمّا فرغ من شهادته، قرأت ميراي بانوسيان من نصوص المُكرَّم. ذكرت ابنه الراحل خضر علاء الدين، وكيف أنه ووالده تشاركا شغف المهنة والعمل بجدّ لأجلها. واستعادت زمن الجامعة يوم أُسنِد إليها دور في «آخ يا بلدنا»، فتمنَّت لو أنها عاشت العصر الذهبي الذي كان فيه المسرح جزءاً من سحر المدينة.

صَدَق أحمد الزين، المعروف بـ«ابن البلد»، بأنّ «شحّادين يا بلدنا» تحتمل الإسقاط على فقراء اليوم. ذَكَر الفقر والجوع والتشرُّد، ونال تفاعل الحضور وهو يقرأ كأنه يُلقي الشِّعر ويضرب على الأوتار. غير أنّ تدفّقه إلى خطاب سياسيّ مباشر بدا خروجاً عن المزاج العام، وأخذ الحوار إلى منحى آخر. المفارقة أنّ «شوشو» نفسه كان ناقداً سياسياً، لكنه مرَّر القهر الاجتماعي والنقد السياسي بضحكة وبلا صدام خطابي واضح الاتجاه. رهافته جعلت الرسالة تصل من دون أن تتحوَّل إلى منبر.

وعبر الفيديو، أطلّ ناجي الشامل، أخو زوجة المُكرَّم، ليتحدَّث عن «شوشو» الإنسان: تراكُم الديون، قلق البيت، الإصرار على عدم التنازل عن معايير الفنّ، والعطاء حتى النهاية. قال إنه كان مُدخّناً شرهاً وشارب قهوة بإفراط، لكنه مَلَك قلباً قادراً على منح الحبّ واللطف بلا مقابل. على الخشبة كان ينفصل عن همومه ليُضحك ويسخر وينتقد الواقع نفسه.

طرح أسئلة البلد قبل 50 عاماً كما لو أنها أسئلة اليوم (الشرق الأوسط)

وتوقّف الناقد هنري الكيك عند صوت «شوشو»: «لم يستطع أحد تحديد ماهيته». طوراً صوتُ طفل، وطوراً صوتُ رجل، ثم جهوريٌّ في لحظة، ورهيفٌ في أخرى. كأنّ مجموعة أصوات تسكن حنجرة واحدة، لذوبانه في النصوص وتسليمه نفسه للكلمة التي تُطوّع صوته كما تشاء. هذه القدرة على تبديل الطبقات جعلت «شوشو» أقرب إلى «آلة موسيقية» تُخرج النغمة المناسبة بدقّة توقيت.

وفي النقاش الذي أدارته جوزيان بولس، برز سؤال اللغة والسلوك في زمن المعايير الجديدة. المقصود تلك الحساسية المعاصرة التي تُعيد التفكير في النكات والصور النمطية والتجريح المُتعلّق بالجسد والجندر والهوية؛ فتساءلت كيف نكتب كوميديا ذكية تحترم هذا الوعي من دون أن تفقد جرأتها ولذّة لَسْعها النقدي؟

ثم الختام؛ ردَّد الحضور مع نوار، ابنة المُكرَّم، «نانا الحلوة نانا» التي غنّاها «شوشو» لها، ومن خلالها للصغار، فسكنت الذاكرة العامة بوصفها أغنية طفولية لا تشيخ. لحظةٌ أخيرة تؤكد بأنّ الرجل الذي صنع ضحكة المدينة كان يعرف أيضاً كيف يضع يده على قلب الطفل فيها.


مقالات ذات صلة

«الملك لير» يكشف الستار عن إيرادات قياسية بالمسرح المصري

يوميات الشرق «الملك لير» في موسمه الجديد يصل إلى 200 ليلة عرض (وزارة الثقافة المصرية)

«الملك لير» يكشف الستار عن إيرادات قياسية بالمسرح المصري

كشف العرض المسرحي «الملك لير» عن إيرادات قياسية في المسرح المصري، بعد إعلان «البيت الفني للمسرح» أن إيرادات العرض تجاوزت 6 ملايين جنيه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق نال «جائزة لجنة التحكيم للشباب» ضمن «جوائز المونو للمسرح» (سامر حنا)

سامر حنا: «جائزة المونو» ستُغيّر تاريخ المسرح في لبنان

يرى سامر حنا أنه منذ عام 2019، تاريخ تخرّجه في أكاديمية الفنون، شَعَرَ أكثر من مرة بالإحباط والخذلان...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنانة مروة عبد المنعم تفوز بجائزة «أفضل دور أول نساء» عن «سما» (المهرجان القومي للمسرح)

عروض «القومي للمسرح» «تفي بالوعود» وتتطلّع لـ«التحسينات»

شهد حفل ختام الدورة الـ19 من المهرجان القومي للمسرح المصري إشادة واسعة بالعروض المشاركة، التي بلغ عددها 35 عرضاً، غلب عليها الطابع الشبابي.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق تغيّرت وظيفة المسرح لليلة واحدة... من رواية حكايات الآخرين إلى إنصاف أصحابه (المونو)

أولى «جوائز المونو»... تحية للمسرح واختبار للمستقبل

انتهت الدورة الأولى وقد أسَّست «جوائز المونو» لِما يتجاوز الليلة الناجحة، وهو أن يصبح وجودها ضرورياً...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق أحمد كمال خلال محاضرة له بالمهرجان القومي للمسرح المصري (إدارة المهرجان)

أحمد كمال لـ«الشرق الأوسط»: تمنيت أن أظل ممثلاً مسرحياً فقط

قال الفنان المصري أحمد كمال إنه كان يتمنى أن يظل ممثلاً مسرحياً فقط لولا ظروف العمل المسرحي في مصر.

انتصار دردير (القاهرة)

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».


كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه. يضم المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، تُعرض للجمهور لأول مرة، من خلال سيناريو عرض متحفي يسلط الضوء على ثراء التراث الحضاري لمدينة الإسكندرية وتنوعه، ويبرز أهمية النقوش والكتابات اليونانية والرومانية في توثيق جوانب متعددة من الحياة اليومية في المدينة عبر العصور.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، فإن «القطع المعروضة تتنوع بين عملات أثرية، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وقطع أثرية مغمورة بالمياه مستخرجة من خليج أبو قير، بالإضافة إلى برديات وأوستراكا وبطاقات مومياوات تحمل نصوصاً باللغة اليونانية».

ويأتي المعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في إطار حرص قطاع المتاحف على إتاحة مقتنيات المتاحف المصرية للجمهور، بما يسهم في إثراء تجربة الزائر وإتاحة الفرصة للتعرف على جوانب أخرى من تاريخ مصر وحضارتها، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور أحمد حميدة الذي اعتبر المعرض بداية لسلسلة من المعارض المؤقتة التي سيتم تنظيمها بالمتحف، بما يتيح تقديم مجموعاته الأثرية بصورة متجددة، وإبراز ما تزخر به من قطع متميزة.

جانب من الآثار في المعرض المؤقت (وزارة السياحة والآثار)

في حين أوضحت رئيسة الإدارة المركزية لمتاحف وجه بحري وسيناء هبة حمدي أن «اختيار 21 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف اليوناني الروماني... يقدم صورة متكاملة عن جوانب من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والجنائزية في الإسكندرية خلال العصور اليونانية والرومانية».

وأشارت مديرة المتحف اليوناني الروماني الدكتورة ولاء مصطفى إلى أن المعرض يعتمد بالكامل على مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، بما يعكس ثراء مجموعاته وتنوعها.

كتابات يونانية قديمة تحكي تاريخ الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف يقدم من خلال هذا المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مخازنه، ويهدف من خلالها إلى إتاحة الفرصة للمواطن السكندري والزائرين عموماً للتعرف على تراث المدينة، ودعم التوعية الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الآثار واستدامتها، وتأكيد دور المتحف كمركز ثقافي يخدم المجتمع».

وأشارت إلى أن المعرض يأتي في إطار الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية واليوم العالمي للترجمة.

ولفتت إلى أن «المعرض لا يعرض قطعاً فقط، بل يروي قصة مدينة كانت دوماً جسراً بين الحضارات القديمة، ويؤكد التزام المتحف بإتاحة كنوزه للجمهور».

ويعد المتحف اليوناني الروماني من المتاحف الأثرية الشهيرة بمدينة الإسكندرية، وهو المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر في العصرين اليوناني والروماني، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1892، بتصميم معماري مميز، وشهد مراحل تطوير متعددة استؤنفت عام 2015 إلى أن تم افتتاحه في أكتوبر عام 2023.


«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات. من هذه المساحة بين الفقد والانتظار والذاكرة، تنطلق حكاية الفيلم الموزمبيقي القصير «الغارق» للمخرج أرييل آنيز، الذي يتخذ من عائلة واحدة متأثرة بالحرب في كابو ديلغادو مدخلاً للتأمل في آثار الصراع على الإنسان، بعيداً عن صور المعارك المباشرة.

يختفي «أماريلدو» في أثناء القتال، وسرعان ما تنتشر شائعات بأنه انشق وانضم إلى المتمردين، في حين يعود شقيقه «سيرجيو» إلى المنزل لإبلاغ العائلة بالنبأ المأساوي، لكن ما يبدو في البداية قصة عن اختفاء رجل يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع حضور مختلف لهذا الغائب، حين يكتشف أن ابن شقيقه «بيرسيو»، البالغ من العمر عشرة أعوام، لا يزال يرتبط بوالده المفقود بعلاقة غامضة وعميقة في خياله الطفولي.

يقول مخرج الفيلم أرييل آنيز لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة «الغارق» بدأت عام 2023، لكنها لم تكن في صورتها الأولى كما ظهرت على الشاشة، موضحاً أن «الأفكار السينمائية تتغير باستمرار خلال الكتابة وإعادة صياغة السيناريو».

مخرج الفيلم أرييل آنيز (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «المشروع بدأ بقصة مختلفة تماماً عن رجل في كنيسة يتجول في المدينة ويُلقي عظاته، قبل أن تظهر شخصية عائلة لديها طفل تربطه بوالده علاقة من خلال الأحلام»، لافتاً إلى أن هذه الجزئية بدأت تدريجياً الاستحواذ على اهتمامه، ومع إعادة كتابة السيناريو أصبحت العلاقة بين الطفل ووالده هي قلب القصة ومحورها الأساسي.

وأشار آنيز إلى أن «هذا التحول يعكس طبيعة عملية الكتابة نفسها، إذ قد يبدأ صانع الفيلم بفكرة محددة، ثم تواصل الشخصيات والأحداث يدفع القصة في اتجاهات غير متوقعة»، على حد تعبيره، مؤكداً أن المنتج النهائي ليس بالضرورة الفيلم الذي يعتقد المخرج في البداية أنه سيصنعه، لأن الفكرة تُعيد تشكيل نفسها خلال مراحل الكتابة والتطوير، وهو ما حدث تحديداً مع «الغارق».

وأكد أن هدفه من الفيلم كان أخذ تجربة شخصية جداً في جوهرها، وهي فقدان شخص عزيز، وربطها بتجربة الحرب في شمال موزمبيق وتأثيراتها على الناس والعائلات، ثم تحويلها إلى قصة يمكن أن يجد الجمهور العالمي نفسه داخلها، موضحاً أن الإنسان، في النهاية، يعرف معنى فقد شخص يحبه، ولذلك رأى أن هذه النقطة المشتركة يمكن أن تكون الجسر الذي يصل من خلاله المشاهد إلى قضية قد لا يعرف عنها الكثير.

وأشار المخرج إلى أن أحد دوافعه أيضاً كانت الرغبة في تعريف الجمهور بما يحدث في موزمبيق، مؤكداً أن الأخبار المتعلقة ببلاده لا تحظى دائماً باهتمام واسع خارجها، لذا فإن الفيلم يمنح المشاهد مدخلاً إلى قضية ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ومن خلال الحكاية الشخصية يمكن أن يبدأ اكتشاف المزيد عن موزمبيق وثقافتها وتاريخها والظروف التي يعيشها سكان شمال البلاد.

اختار المخرج التركيز على جوانب متنوعة (الشركة المنتجة)

وأوضح آنيز أن «تنفيذ الفيلم في ظروف إنتاج مريحة كان يحتاج إلى موارد، لكن واقع الصناعة السينمائية في موزمبيق يجعل الحصول على هذه الموارد أمراً صعباً، في ظل محدودية الدعم الذي تقدمه المؤسسات»، وقال إن «صناع السينما يضطرون إلى أن يكونوا عمليين ومستقلين إلى حد كبير، وإن جزءاً مهماً من عملية الإنتاج يعتمد على المجتمع المحيط بهم، سواء من خلال العلاقات المهنية أو الصداقات داخل الوسط السينمائي».

وكشف آنيز عن أن المنتج الذي كان مشاركاً في المشروع منذ مرحلة ما قبل الإنتاج انسحب قبل التصوير بأسبوع تقريباً، بعد أن كانت أموال الفيلم قد حُوّلت إلى حسابه لإدارة النفقات.

عُرض الفيلم القصير في العديد من المهرجانات (الشركة المنتجة)

وهو ما شكّل، حسب وصفه، «أكبر صعوبة واجهت المشروع»، لافتاً إلى أنهم اضطروا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الأزمة، وتمكنوا في النهاية من تصوير الفيلم وإنجازه رغم فقدان الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في البداية.

وحول مشاركته في المهرجانات الدولية، قال آنيز إن «هذه الفعاليات تمثّل بلا شك فرصة مهمة على المستوى المهني، خصوصاً أن بعض المهرجانات المرموقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مسيرة المخرج». لكنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب بالنسبة إليه لا تتوقف عند الجانب المهني، وإنما تكمن أيضاً في فرصة الالتقاء مع أشخاص يشتركون معه في الرؤية نفسها للسينما، والتعرف إلى سينمائيين لديهم الاهتمامات والطموحات ذاتها.

وعدّ وجود فيلم موزمبيقي في مهرجانات دولية يمنح بلاده حضوراً على الخريطة، لأن المشاهد الذي يتعرف إلى الفيلم قد يبدأ بعدها البحث عن ثقافة موزمبيق وتاريخها، وهو ما يعدّه آنيز مكسباً مهماً للسينما المحلية.

وعن واقع صناعة السينما في موزمبيق، قال المخرج إن «الصعوبات لا تختلف كثيراً عن التحديات الموجودة في أجزاء أخرى من أفريقيا، لكن المشكلة الأساسية في بلاده تتمثل في أن الصناعة لا تزال غير متطورة بما يكفي، ولم تترسخ بنيتها بصورة كاملة، إلى جانب ضعف الدعم الذي يأتي من المؤسسات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended