«شوشو»... خمسون عاماً والضحكة تحفظ ذاكرة بيروت المسرحية

كُرِّم في «المونو» باستعادة شهادات رافقته وأغنيات تُشبه زمننا

نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
TT

«شوشو»... خمسون عاماً والضحكة تحفظ ذاكرة بيروت المسرحية

نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)
نصف قرن مرَّ والضحكة لا تزال تُعاند العتمة (الشرق الأوسط)

جمع مسرح «المونو» في بيروت، مديرته جوزيان بولس بالكاتب والمخرج المسرحي فارس يواكيم، والناقد المسرحي هنري الكيك، والممثل أحمد الزين، والممثلة والمخرجة ميراي بانوسيان، للحديث عن الكوميدي الكبير الراحل حسن علاء الدين المعروف بـ«شوشو»، في الذكرى الخمسين لغيابه. توسّطت صورته، بشاربه الضخم الشهير، الشاشة أمام حضور أتى ليُصغي إلى شهادات مَن عايشوه وتشاركوا معه ذاكرة وحكايات.

عاد «شوشو» في حكايات مَن أحبّوه (الشرق الأوسط)

قال فارس يواكيم إنّ «شوشو» لا يُنسى. فلا يُذكَر تاريخ المسرح في لبنان من دون تصدُّر اسمه. عاد في الذكريات إلى الوراء، فأخبر أنّ محمد شامل اكتشف حسن علاء الدين ومنحه اسم «شوشو»، وقد درّبه وعملا معاً في الإذاعة والتلفزيون. وبعد مرحلة محمد شامل، كانت مرحلة نزار ميقاتي، ثم أتى فارس يواكيم ليُشكّل المرحلة الثالثة في محطات «شوشو» المفصلية؛ مرحلة النصّ الذي يلتقط اليومي ويؤنسنه، ويعتمد التورية بدل الخطابة.

لقاء مع زمن كان المسرح فيه خبزاً وفسحة وحرّية (الشرق الأوسط)

لا تزال أغنية «شحّادين يا بلدنا» التي كتبها ميشال طعمة ولحَّنها إلياس الرحباني، تُغنَّى كأنها تُحاكي هذه الأيام. غنّاها «شوشو» في أكثر مسرحياته ثباتاً في الذاكرة، «آخ يا بلدنا» (1973)؛ تأليف فارس يواكيم وإخراج روجيه عسّاف. في كلماتها بساطة جارحة تُسمّي الأشياء دون زعيق في بلد يطلب القليل ولا يناله، «يتحايل» إنسانه للعيش، ووجعه يُضحِك لأنّ البكاء لم يعد يُجدي. لذلك شَعَر الحضور، حين أُعيد تشغيل المقطع في المسرح، أنها تُمسك الآن بالعصب ذاته.

ومرَّ يواكيم في التذكُّر على علاقة «شوشو» بأسماء مُقدَّرة، منها محمد كريّم وروجيه عسّاف وبيرج فازليان. أثرُ محمد كريّم في صقل حضوره التلفزيوني والإذاعي، وفي خلق «اللقطة الومّاضة» التي تُمسك الجمهور من دون إطالة. أما روجيه عسّاف، فحضوره في «آخ يا بلدنا» يشي بدقّة بناء المشهد وحساسية الإيقاع الجماعي، وكيف تتحوَّل الكوميديا إلى نقد اجتماعيّ، في حين أدخل بيرج فازليان صرامة التدريب إلى فرقة «شوشو»، واشتغل على الإشارة والإيماءة ومسافة الجسد من الجمهور، فجاءت عروضٌ كثيرة تجمع العفوية بالانضباط، وتجعل «الكاركتير» الشعبي يلمع ضمن منظومة مسرحية مُحكَمة.

يعود الكبار دائماً كأنهم لم يغادروا (الشرق الأوسط)

وقال أيضاً إنّ «شوشو» كان ابن مسرح، «حين يشعر بأنفاس الجمهور، يُجوهِر». ذلك التأثير لم تكن تمنحه إيّاه الكاميرا حيث الجمهور غائب. واستعاد أهمية «المسرح اليومي» الذي استمال الناس إلى الصالة طوال العام، فامتلأت المقاعد ولم تهدأ الحركة. وأخبر أنّ «شوشو» كان يُحبّ استدعاء ضيوف الشرف، وأول ضيفة شرف ظهرت في مسرحياته كانت بديعة مصابني. لمسة وفاء لمدرسة «الفرجة» العربية وخفّتها.

الندوة مفيدة وممتعة؛ والإصغاء يترافق مع الرغبة بمزيد من السرد. ففارس يواكيم الذي عايش «شوشو» وكتب له مسرحيات، يحتفظ بذاكرة لا تكفي ساعة زمنية للغوص في طبقاتها. قال إنّ اسم «شوشو» طغى على كلّ ما عداه، حتى إنّ بيرج فازليان قال لخالدة سعيد إنّ مسرح «شوشو» كان تحت الأرض، والجمهور يبدأ الضحك وهو ينزل الدرج إلى المقاعد! وأضاف: «كان الناس يقولون: نحن ذاهبون لمُشاهدة (شوشو)». لا اسم الكاتب ولا المُخرج ولا الشركاء، اسمه فقط. وكما عُرِف «مسرح سارة برنار» و«مسرح نجيب الريحاني»، اشتُهر في لبنان «مسرح شوشو». ولم يفُت يواكيم الشاهد على تحولات الزمن، التوقُّف عند إسهام بيروت في نهضة «شوشو»، قائلاً إنها مدينة ناجحة ولَّدت ناجحين.

بيروت تتذكر ابنها الذي ضحك كي لا ينهار (الشرق الأوسط)

ولمّا فرغ من شهادته، قرأت ميراي بانوسيان من نصوص المُكرَّم. ذكرت ابنه الراحل خضر علاء الدين، وكيف أنه ووالده تشاركا شغف المهنة والعمل بجدّ لأجلها. واستعادت زمن الجامعة يوم أُسنِد إليها دور في «آخ يا بلدنا»، فتمنَّت لو أنها عاشت العصر الذهبي الذي كان فيه المسرح جزءاً من سحر المدينة.

صَدَق أحمد الزين، المعروف بـ«ابن البلد»، بأنّ «شحّادين يا بلدنا» تحتمل الإسقاط على فقراء اليوم. ذَكَر الفقر والجوع والتشرُّد، ونال تفاعل الحضور وهو يقرأ كأنه يُلقي الشِّعر ويضرب على الأوتار. غير أنّ تدفّقه إلى خطاب سياسيّ مباشر بدا خروجاً عن المزاج العام، وأخذ الحوار إلى منحى آخر. المفارقة أنّ «شوشو» نفسه كان ناقداً سياسياً، لكنه مرَّر القهر الاجتماعي والنقد السياسي بضحكة وبلا صدام خطابي واضح الاتجاه. رهافته جعلت الرسالة تصل من دون أن تتحوَّل إلى منبر.

وعبر الفيديو، أطلّ ناجي الشامل، أخو زوجة المُكرَّم، ليتحدَّث عن «شوشو» الإنسان: تراكُم الديون، قلق البيت، الإصرار على عدم التنازل عن معايير الفنّ، والعطاء حتى النهاية. قال إنه كان مُدخّناً شرهاً وشارب قهوة بإفراط، لكنه مَلَك قلباً قادراً على منح الحبّ واللطف بلا مقابل. على الخشبة كان ينفصل عن همومه ليُضحك ويسخر وينتقد الواقع نفسه.

طرح أسئلة البلد قبل 50 عاماً كما لو أنها أسئلة اليوم (الشرق الأوسط)

وتوقّف الناقد هنري الكيك عند صوت «شوشو»: «لم يستطع أحد تحديد ماهيته». طوراً صوتُ طفل، وطوراً صوتُ رجل، ثم جهوريٌّ في لحظة، ورهيفٌ في أخرى. كأنّ مجموعة أصوات تسكن حنجرة واحدة، لذوبانه في النصوص وتسليمه نفسه للكلمة التي تُطوّع صوته كما تشاء. هذه القدرة على تبديل الطبقات جعلت «شوشو» أقرب إلى «آلة موسيقية» تُخرج النغمة المناسبة بدقّة توقيت.

وفي النقاش الذي أدارته جوزيان بولس، برز سؤال اللغة والسلوك في زمن المعايير الجديدة. المقصود تلك الحساسية المعاصرة التي تُعيد التفكير في النكات والصور النمطية والتجريح المُتعلّق بالجسد والجندر والهوية؛ فتساءلت كيف نكتب كوميديا ذكية تحترم هذا الوعي من دون أن تفقد جرأتها ولذّة لَسْعها النقدي؟

ثم الختام؛ ردَّد الحضور مع نوار، ابنة المُكرَّم، «نانا الحلوة نانا» التي غنّاها «شوشو» لها، ومن خلالها للصغار، فسكنت الذاكرة العامة بوصفها أغنية طفولية لا تشيخ. لحظةٌ أخيرة تؤكد بأنّ الرجل الذي صنع ضحكة المدينة كان يعرف أيضاً كيف يضع يده على قلب الطفل فيها.


مقالات ذات صلة

مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

يوميات الشرق يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

الإقبال الجماهيري على المسرح يؤكد حيوية الفن المصري، ويعكس قدرة العروض الجيدة على جذب الجمهور.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع...

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

على مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً، صاغه الكاتب ألكسندر نجار وأدّته مجموعة من الممثلين منهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

تبدأ عروض مسرحية «كذبة بيضا» في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

ودّع الوسط الفني بمصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».