غزة تتحدّى الواقع بالسينما... احتفاءً بالمرأة والأفلام تحت الركام والخيام

«مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة» اختتم فعالياته وعروضه على شاشة منزليّة «55 بوصة»

أقام مهرجان غزة لسينما المرأة دورته الأولى وسط ركام المباني المدمرة (إدارة المهرجان)
أقام مهرجان غزة لسينما المرأة دورته الأولى وسط ركام المباني المدمرة (إدارة المهرجان)
TT

غزة تتحدّى الواقع بالسينما... احتفاءً بالمرأة والأفلام تحت الركام والخيام

أقام مهرجان غزة لسينما المرأة دورته الأولى وسط ركام المباني المدمرة (إدارة المهرجان)
أقام مهرجان غزة لسينما المرأة دورته الأولى وسط ركام المباني المدمرة (إدارة المهرجان)

«مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة». مَن يقرأ العبارة أو يسمعها قد يعتقد أن في الأمر خيالاً أو خطأً ما. فكيف لمنطقةٍ لم تطلع بعد من دمائها ودمارها أن تنظّم مهرجاناً سينمائياً؟

يؤكّد مؤسس المهرجان ألّا خيال ولا لغط في الأمر، فغزة استضافت فعلاً النسخة الأولى من هذه الاحتفالية السينمائية التي وجّهت تحيةً إلى سيدات القطاع، «النساء الماجدات في زمن الإبادة» كما يصفهنّ شعار المهرجان. يتحدث عزّ الدين شلح إلى «الشرق الأوسط» عن فكرةٍ لمعت بالتزامن مع «الإبادة الجماعية»، مشيراً إلى أن التخطيط للحدث قد بدأ قبل سنة، وسط القصف والقتل والمجاعة.

نساء غزة ومعاناتهنّ في صدارة المهرجان (إدارة المهرجان)

من تحت الركام ومن قلب الخيام، نبتت الفرحة على هيئة أفلامٍ روائية ووثائقية أضاءت ليل غزة الحالك. ما بين 26 و31 أكتوبر (تشرين الأول)، سافر الحاضرون على أجنحة السينما لساعاتٍ، نسوا خلالها تشرّدهم، وخسائرهم البشرية والمادية، والصدمات التي لاحقتهم ليل نهار منذ سنتَين حتى اليوم.

على خلفيّة مبنى هدّمته الصواريخ الإسرائيلية، نُصبت خيمة وسط الدمار وفُرشت سجّادة حمراء على الرمال. أما شاشة العرض فتلفزيون منزليّ 55 إنش، «لأنّ العدوان لم يُبقِ شاشة ولا جهاز عرض ولا حتى قاعة سينما أو مركزاً ثقافياً في غزة»، يخبر شلح. رغم ذلك، فإنّ الخيمة السينمائية المتواضعة في مخيّم دير البلح ازدانت ببهجةٍ غير مألوفة منذ سنتين، إذ وفدَ الأهالي والمهتمون لحضور حفل الافتتاح ومشاهدة الأفلام. «لا كهرباء طبعاً، فاقتضى تشغيل المولّدات التي شوّش هديرها على الصوت غير أنها لم تتمكّن من أجواء البهجة»، يضيف مؤسس المهرجان.

تابع الحضور الأفلام المشاركة على شاشة منزلية 55 إنش (إدارة المهرجان)

ربما يتساءل أهل غزة والمتابعون من البعيد، ما إذا كان هذا الوقتُ تحديداً وقتَ مهرجاناتٍ وأفلام. يأتيهم الجواب من شلح: «في ظل رائحة الموت والركام المنتشرة في كل حارة وزقاق، إما أن نستسلم أو أن نواجه. وجدنا أن السلاح الأقوى هو التشبّث بالحياة، والسينما هي الحياة. لذلك كان إصرارنا على إقامة المهرجان تحدياً للموت وسائر الصعاب».

مؤسس المهرجان عز الدين شلح متحدثاً في حفل الافتتاح في مخيم دير البلح (إدارة المهرجان)

دارت هند رجب دورةً كاملة على شاشات العالم وحصدت 24 دقيقة من التصفيق في مهرجان البندقية، ثم عادت إلى مسقط رأسها ودمها. افتُتح مهرجان غزة لسينما المرأة بعرض فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة. بين أهلها وناسها، لم تتوّج هند بالتصفيق والدموع فحسب، بل رأى الحاضرون في حكاية مأساتها انعكاساً لحكاياتهم.

يصف شلح عرض الافتتاح باللحظة المؤثرة: «لدينا آلاف هند رجب في غزة، لكن ما نسمعه في الأخبار عن مقتلها غير ما تقدّمه السينما من تفاصيل لا نعرفها نحن القابعون في مخيمات النزوح». تماهى المشاهدون مع الطفلة التي أردتها النيران الإسرائيلية بدمٍ بارد، بعد ساعات من الحصار داخل سيارة إلى جانب جثث أقربائها في منطقة تل الهوى.

حرصت المخرجة بن هنية على أن يكون العرض العربي الأول للفيلم في غزة، ويشير شلح هنا إلى أن «الأهم من تعاطف السينمائيين كلاماً مع غزة، هو أن يترجموا تعاطفَهم إلى عمل يسلّط الضوء على مآسي أهاليها كما فعلت كوثر».

سجّادة حمراء على الرمال في حفل الافتتاح (إدارة المهرجان)

اختارت لجنة المهرجان 48 فيلماً للمسابقة الرسمية، من أصل 210 أفلام تقدّمت من 28 دولة عربية وأجنبية، وتناولت جميعها قضايا المرأة وحقوقها ومعاناتها وانتصاراتها. وتنوّعت الأفلام ما بين روائية طويلة وقصيرة، ووثائقية. وبما أن السفر إلى غزة ما زال مستحيلاً، فقد عملَ معظم أعضاء لجنتَي التحكيم عن بُعد، مع العلم بأنّ لجنة تحكيم الأفلام الروائية ترأستها المخرجة الفرنسية سيلين شياما، أما لجنة الأفلام الوثائقية فكانت برئاسة المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر التي تمثّل فلسطين في أوسكار 2026.

عن اختيار المرأة كعنوانٍ رئيس للمهرجان، يقول شلح إن «المرأة في غزة هي أكثر من عانى بسبب الحرب، خصوصاً تلك التي خسرت معيلها، من زوجٍ أو والدٍ أو ابنٍ أو شقيق. فكان لا بدّ من تحيةٍ لها من خلال الإضاءة على قضايا نسائية تعنيها». وسيذهب المهرجان في أهدافه أبعد من ذلك، إذ سيعمل على تمكين المرأة الغزّية سينمائياً بتدريبها على إنتاج أفلام تُحاكي واقعها.

سيدات غزة في الصفوف الأمامية (إدارة المهرجان)

إلى جانب العروض التي تنقّلت ما بين الخيمة المستحدثة في دير البلح ونقابة الصحافيين، كرّم مهرجان غزة لسينما المرأة 3 سيّدات رائدات في صناعة الأفلام. خديجة حباشنة، وهي أول مخرجة فلسطينية صنعت فيلماً، كما كانت لها مساهمات كبرى في السينما الفلسطينية. ثاني المكرّمات كانت المخرجة اللبنانية الراحلة جوسلين صعب، لما صنعت من أفلام تمحورت حول القضية الفلسطينية. كما كرّم المهرجان المخرجة التونسية كوثر بن هنية عن فيلمها «صوت هند رجب».

اعتمدت إدارة المهرجان البرتقالة رمزاً للجوائز، لشهرة غزة بحمضيّاتها وبرتقالها. وقد توزّعت جوائز البرتقالة الذهبية والفضية والبرونزية في حفل الختام على أفلام عربية وأجنبية. أما جائزة أفضل فيلم روائي طويل فكانت من نصيب «سامية» للمخرجة ياسمين سامديريلي، والذي يتابع الرحلة الملهمة لعدّاءة صومالية تحارب المحرّمات في مجتمعها من أجل المشاركة في الأولمبياد. ومن بين الأفلام الوثائقية، حصل على الصدارة «من عبدول إلى ليلى» وهو فيلم عراقي للمخرجة ليلى البياتي يركّز على العلاقة بين أبٍ وابنته.

شعار المهرجان وجوائزه يدمج ما بين المرأة وبرتقال غزة (موقع المهرجان)

لا مبالغ مادية يكافئ بها مهرجان غزة المخرجات المبدعات، لكنّ الانتصار الأكبر هو الإنجاز المعنوي لأهل غزة الذين تحدّوا الواقع، تماماً كما تفعل السينما.


مقالات ذات صلة

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)

وزير الخارجية السعودي يصل إلى تركيا

وصل الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، مساء الجمعة، إلى مدينة أنطاليا التركية.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج حملت قافلة المساعدات السعودية الجديدة على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية (واس)

قافلة مساعدات سعودية جديدة تصل إلى غزة

وصلت إلى قطاع غزة الفلسطيني قافلة مساعدات إنسانية سعودية جديدة، تحمل على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.