«احكيلي»... مساحة حوار بين العنف وحقّ بيروت بأن تتذكَّر

تنبعث ذاكرةٌ جماعية تُطالب بالمُساءلة من قلب مبنى القنص القديم

الحرب لم تُمحَ بعد لكنّ المدينة تجرؤ أخيراً على الكلام (الشرق الأوسط)
الحرب لم تُمحَ بعد لكنّ المدينة تجرؤ أخيراً على الكلام (الشرق الأوسط)
TT

«احكيلي»... مساحة حوار بين العنف وحقّ بيروت بأن تتذكَّر

الحرب لم تُمحَ بعد لكنّ المدينة تجرؤ أخيراً على الكلام (الشرق الأوسط)
الحرب لم تُمحَ بعد لكنّ المدينة تجرؤ أخيراً على الكلام (الشرق الأوسط)

«احكيلي» ليس معرضاً في «بيت بيروت». هو محاولة لإعادة النَّفَس إلى مبنى يحفظ رائحة الرصاص. «بيت بيروت»، الذي كان يوماً نقطة قنص على «الخطّ الأخضر» الفاصل بين شطرَي العاصمة خلال الحرب الأهلية، يتحوّل هنا من جدار مثقوب إلى مساحة إصغاء. الجدران نفسها هي الأرشيف. الندوب جزء من السرد. وفي قلب هذا السرد، وُلد مشروع «احكيلي» في الذكرى الخمسين لاندلاع الاقتتال الداخلي اللبناني. إنه مساحة حوار حول العنف وحقّ المدينة بأن تتذكَّر علناً.

بيروت تحاول استعادة حقّها في العيش والتذكّر معاً (الشرق الأوسط)

الخلفية ليست تفصيلاً. قبل «احكيلي»، شهد «بيت بيروت» تجربة «ألو بيروت؟» التي امتدَّت 9 أشهر بين سبتمبر (أيلول) 2022 ويوليو (تموز) 2023، وفتحت المتحف العام أمام أكثر من 45 ألف زائر. هذه التجربة أسَّست لحقيقة أنه يمكن للمكان العام أن يعود عاماً فعلاً، وللتعاون بين المجتمع المدني والقطاع العام أن ينجح. من هذا الرصيد، تشكَّلت مبادرة مدنيّة لإعادة فتح «بيت بيروت» وتحويل المبنى إلى فضاء مدينيّ مُستدام للحوار حول الذاكرة، بدلاً من تركه واجهة مُتحجّرة لذاكرة حرب لم تُشفَ.

تفاصيل صغيرة تروي ما لم تقله البنادق (الشرق الأوسط)

يمكن لَمْس روح «احكيلي» من الخطوة الأولى في الطابق الأرضي. الصور المُعلَّقة عند الفتحة المُقوَّسة للمبنى تتجاوز كونها بورتريهات قديمة لأشخاص بملابس السبعينات وتصفيفات شعر كثيفة. إنها وجوه تُعاد إلى الضوء في مبنى عاش على الحدّ الفاصل بين الحياة والموت. رجال ونساء يطلّون مجدّداً على المدينة الحديثة خارج الإطار الحجري ويتساءلون عمّا تغيّر فعلاً.

الذاكرة في لبنان مُتشظّية. محفوظة داخل البيوت، داخل ألبومات العائلة، داخل الصالونات التي لم تعُد موجودة، لكنها نادراً ما تُعرَض في فضاء عام مُشترك يسمح بالاعتراف المُتبادَل.

مساحة تأمّل في الماضي (الشرق الأوسط)

في الصور العائلية بالأبيض والأسود، عائلات بكاملها تصطفُّ بوقار أمام خلفيّات مطبوعة. أطفال بملامح متوتّرة قليلاً، ونساء بثقة نظراتهن القديمة، ورجال ببدلات متقشِّفة. نحن هنا في «فوتو ماريو» و«صالون أفرام» كما يُقدّمهما «احكيلي». مرحلة من حياة المبنى عندما كان مكاناً للقصّ والغُرّة والبدلة الأجمل والصورة التذكارية. أي حين كان البيت بيتاً عادياً، قبل أن يتحوَّل إلى موقع قنص. المعرض يُعيد إلينا يوميات المدنيين لا يوميات المقاتلين، ليؤكد أنَّ العنف التهم أيضاً عيش الناس وطبقات حياتهم الحميمة.

أرشيف الحياة اليومية كما خلّفته الحرب (الشرق الأوسط)

إلى جانب ذلك، نُشاهد ألواحاً مُضيئة تُصوّر بيروت سينمائيةً، في صالات: «روكسي» و«ريكس» و«إمباير»، بواجهاتها وأسقُفها النيونية وإعلانات الأفلام. الواجهات المُعاد تركيبها استعادةٌ لذاكرة المدينة نفسها. ليست ذاكرة الرصاص، وإنما ذاكرة القدرة على الحياة.

لكن «احكيلي» لا يكتفي بالعاطفي والحميمي. الصعود إلى الطابق الأول هو الدخول في قلب العطب. الجدران لا تزال مثقوبة. الأسمنت متآكل. فتحات القنص نائمة، لكنها موجودة. في إحدى الغرف، صفوف من حجارة البلوك السوداء تصنع متراساً داخلياً، مما يُذكّر بأنّ المبنى كان آلة قتل فعّالة على خطّ التماس. هنا، العمارة تتحوّل إلى وثيقة جريمة.

الذاكرة لا تحتاج إلى باب لتُفتح (الشرق الأوسط)

على الشاشات، مَشاهد من الفيلم الوثائقي «بيت الذاكرة» لكريستوفر ميتشل، تُسجّل اللحظات الأولى التي دخلت فيها المعمارية والناشطة منى الحلاق إلى المبنى، وبدأت تدرك أنّ هذا المكان شهادة ينبغي إنقاذها. وعلى شاشة أخرى، لقطات نادرة من «الخطّ الأخضر» لباسل حجيج وماريا شختورة، تُوثّق الدمار في الحيّ خلال الحرب.

الحفرة التي كانت عين القنّاص صارت نافذة على الضوء (الشرق الأوسط)

إحدى التركيبات الأكثر حزناً وجرأة هي «بين عالمين» لفيدا بزري وسيلفي باليو. نرى مجسَّمات أحياء مُهدّمة وشوارع محروقة وبقايا مبانٍ متروكة، مع شخصيات صغيرة تمثّل أطفالاً وناجين. وفي أحد النصوص المكتوبة داخل العمل، تقول الراوية: «بقلبي أوضة مقفولة... ليش أنا وزغيرة ما حدا شرحلي شي؟». هذا سؤال جيل كامل وُلد مع الحرب أو بعدها بقليل، لكنه كبُرَ من دون أن يحصل على رواية واضحة عمّا حدث.

وفي «قصص من الجنوب» و«مفاتيح بلا بيوت» للفنان أديب فرحات، تصبح الذاكرة تهجيراً مُكرّراً. يظهر الجنوب اللبناني الذي عاش الاحتلال الإسرائيلي بين 1978 و2000، مساحة اقتلاع مستمرّ. البيت كرامة وذاكرة وملجأ. وحتى حين يتحوّل إلى ركام، تبقى المفاتيح في اليد. هذه الذاكرة ترتبط مباشرة بما يعيشه الجنوبيون اليوم من نزوح جديد نتيجة الوحشية الإسرائيلية على قراهم المستمرّة منذ 2024. المشروع يؤكد أنّ الحرب بالنسبة إلى كثيرين نمط حياة مفروض حتى الآن، وليست صفحة أُغلقت في 1990.

تعلّمت بيروت بأن تعيش على الحافة بين الموت والحياة (الشرق الأوسط)

من الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة السياسية، يذهب الطابق الثاني أبعد. يُقدّم «الخطّ الزمني» المُنجَز بالشراكة مع «لجنة أهالي المخطوفين والمخفيين قسراً»، أكثر من 150 محطة و255 وثيقة رسمية لحراك هذه العائلات منذ الثمانينات حتى اليوم، في سعيها للإجابة عن سؤال «وينن؟». السؤال البسيط والمستحيل. العمل شهادة على نضال لم يتوقَّف، انتهى بإقرار قانون المفقودين والمخفيين قسراً عام 2018، لكنه لا يزال ينتظر التنفيذ الكامل. الذاكرة هنا تطلب العدالة.

المأساة تحمل ثقل مدينة بكاملها (الشرق الأوسط)

يُدار «احكيلي» عبر لجنة تضمّ أسماء من بينها المديرة التنفيذية للمشروع دلفين أبي راشد درمنسي، وقيّمة أرشيف «بيت بيروت» منى الحلاق، وقيّمة «مرصد بيروت العمراني» هالة يونس، ومنسِّقة المشروع نور نصر، بالإضافة إلى مُساهمين في العلاقات العامة والتواصل، ومُساهمين في التركيبات والإنتاج التقني والبصري. وهو يرفض فكرة أنّ الذاكرة حجرٌ، ويعاملها على أنها حوار مستمر وجلسة مفتوحة. هي ليست مُلكاً لسلطة سياسية، ولا إرثاً محجوراً في خطاب طائفي. وإذا كانت «الذاكرة الخاصة» أداة تحفظ الماضي، فإنّ «الذاكرة العامة» تُغيِّر المستقبل وتفرض الاعتراف والمُساءلة.


مقالات ذات صلة

أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

يوميات الشرق ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)

أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

لعقود، ظلَّ موقع في تشيلي يُدعى مونتي فيردي يمثّل الدليل الأقوى على أقدم استيطان بشري في الأميركتين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)

«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

تُنصَّب، اليوم الأربعاء، سارة مولالي، أول امرأة تتولّى منصب رئيسة أساقفة كانتربري والزعيمة الروحية لنحو 85 مليون مسيحي في الكنيسة الأنجليكانية العالمية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق «تي ريكس» أحد أشهر أنواع الديناصورات آكلات اللحوم ضخمة الحجم (شاترستوك)

عظمة عملاقة قد تفكّ لغز أصول «تي ريكس»

تُمهّد عظمة ساق ضخمة للتيرانوصور ريكس، يعود تاريخها إلى نحو 74 مليون سنة، وعُثر عليها بولاية نيو مكسيكو الأميركية، للكشف عن تاريخه العائلي وموطنه الأصلي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.