في غزة... موسيقي يحوِّل طائرة الاستطلاع «الزنَّانة» إلى عازف في فرقته

أحمد أبو عمشة يخترع جنَّةً من النغم والأغاني لأطفال مخيَّمات النزوح

الموسيقي أحمد أبو عمشة يدرِّس العزف والغناء لأطفال غزة النازحين (صور الفنان)
الموسيقي أحمد أبو عمشة يدرِّس العزف والغناء لأطفال غزة النازحين (صور الفنان)
TT

في غزة... موسيقي يحوِّل طائرة الاستطلاع «الزنَّانة» إلى عازف في فرقته

الموسيقي أحمد أبو عمشة يدرِّس العزف والغناء لأطفال غزة النازحين (صور الفنان)
الموسيقي أحمد أبو عمشة يدرِّس العزف والغناء لأطفال غزة النازحين (صور الفنان)

في كل مرة ينزح فيها أحمد أبو عمشة من ملجأ إلى آخر في غزة، يحمل معه عائلته ومتاعهم الصغير، ويعلِّق الغيتار على كتفه. هذا سلاحُه ضدّ اليأس.

في نزوحه الخامس عشر قبل أيام، غرسَ أوتاد خيمته في رمال شاطئ غزة. غادرها بعض الوقت متجهاً صوب تلّة محاذية، ليتحدّث إلى «الشرق الأوسط»، بعيداً عن ضوضاء الغارات الإسرائيلية التي تعصف بالمدينة.

رحلة أبو عمشة خلال سنتَين من الحرب لم تكن اعتياديّة. لعلّه واحدٌ من بين قلّة قليلة من الغزّيين الذين أصرّوا على رؤية النصف الممتلئ من الكوب المحطّم.

«الموت بعينيك، ولسّه الأمل بقلبك شغّال». هذا ما منحته إياه الموسيقى التي احترفها صغيراً، ودرّسها كبيراً، ولكنه لم يقطف أثمن ثمارها إلا تحت القصف ووسط التشرّد. وجد المؤلّف والعازف والمربّي أحمد أبو عمشة في الموسيقى، حليفاً ساندَه حتى في ترويض أزيز طائرة الاستطلاع الإسرائيلية، أو «الزنّانة» كما يسمّيها أهل غزة.

«الموت بعينيك ولسّه الأمل بقلبك شغّال»... أحمد أبو عمشة (صور الفنان)

«في أحد أيام التحليق المتواصل، وبينما كنت أعطي درساً في الموسيقى للأطفال النازحين، انزعج الطلّاب من التشويش، وطلبوا إيقاف الحصّة»، يسترجع أبو عمشة تفاصيل اليوم الذي حوّل فيه «الزنّانة» إلى عازف في فرقته. «لا. سنواصل الدرس وسنغنّي معها وعلى نوتتها»، أجاب تلاميذه.

أطلق العنان لأغنية من التراث الفلسطيني: «شيل شيل يا جمّال شيل»... كرّرها الأطفال بسهولة، فتحوّلت بسرعة إلى لازمة يتحدّون بها أزيزاً ينخر بوقاحة آذانهم الصغيرة. يوماً بعد يوم، تآلفَ أحمد وطلّابه مع «الزنّانة»، وباتوا يشغّلونها لصالح أغنياتهم.

قبل أن تندلع الحرب، كان أبو عمشة مدرّساً للموسيقى في «المدرسة الأميركية الدولية» في غزة، وفي «معهد إدوارد سعيد للموسيقى». أما الاستوديو الخاص به في بيت حانون؛ حيث كان يؤلّف الألحان ويوزّعها، فقد تدمّر كاملًا.

على طريق النزوح الذي لا آخر له، تناثرت النغمات من رأسه. صار الإيقاعُ دوي قذائف وغارات، والحلمُ إيجاد مأوى وكسرة خبز وقطرة مياه نظيفة لعائلته. «لكن في النزوح السابع، حططتُ الرحال في ملجأ للفنانين في رفح. هناك أتاني شابٌّ بغيتار، وكان قد مضى أكثر من 10 شهور على آخر مرة لمست فيها الآلة». التقطَ أحمد الغيتار وغنّى وسط المخيّم، فالتفّ الأطفال حوله صانعين له جوقة بأصواتهم.

«عندما سمعتهم وأبصرتُ ابتساماتهم المحيطة بي، نسيتُ أننا في حرب. شعرتُ بأن الدنيا لسه حلوة ولسه فيه أمل. كانت تلك المرة الأولى التي ينتابني فيها شعور كهذا، منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)»، يخبر أبو عمشة.

في إحدى خيام النازحين برفح، أبصر مشروع «طيور غزة تغنّي» ملامح ضوءٍ وسط السواد. ومنذ ذلك اليوم، صارت المواعيد يوميّة بين أحمد وأطفال الملجأ والملاجئ المحيطة، ليستعيد معهم مهمته الأساسية، تدريس الموسيقى. أما هم فبدأوا يستعيدون بفَضل تلك الدروس بعض الفرح الذي سلبته إياهم الحرب.

ولكن بما أنّ الهناء ليس قدَر الغزّيين، وجد أبو عمشة نفسه مضطراً للانتقال مجدّداً. الفارق في رحلة النزوح الثامنة تلك، أنه كان يحمل في حقيبته الصغيرة حلماً جديداً يخفّف عبء الطريق. «في خان يونس، أبصرتُ هول المأساة فور وصولي، فلم يكن ثمة مفرّ من استئناف المشروع».

بالتعاون مع بعض زملائه من أساتذة الموسيقى، بدأ أحمد يعطي دروس العزف والغناء للأطفال والمراهقين. رغم الجوع والدمار والمآسي اليوميّة، تعاملَ بجدّية مع الأمر. «الأهالي الذين ضحكوا عليَّ في البداية، قائلين إن الحاجة هي للخبز والماء وليس للموسيقى، عادوا ليشكروني بعد شهر»، يقول أبو عمشة. فتلك اللحظات الموسيقية المسروقة من ساعات الرعب والإحباط، عادت بمنفعة كبيرة على الأطفال، ولا سيما منهم أولئك المصابون بالصدمات، والذين فقدوا القدرة على التواصل والكلام.

دروس العود والناي والغيتار والطبلة يعطيها أحمد وزملاؤه الأساتذة لأطفال المخيمات (صور الفنان)

يشرح كيف أن استخدامه تقنيات العلاج بالموسيقى ساعد هؤلاء الأطفال على التواصل والاختلاط مع الآخرين من جديد. «هذا منَحَني اندفاعة إلى الأمام، ومزيداً من الثقة بفائدة المشروع. ومع الوقت صرنا عائلة كبيرة تجتمع على النغمات والنزوح».

وكأنّ الموسيقى تحوّلت إلى حبل خلاص يتمسّك به أحمد وزملاؤه وطلّابه وعائلاتهم. صاروا ينزحون معاً، ويزرعون مشروعهم أينما حلّوا. وصل عدد التلاميذ إلى مائتين. يتعلّمون أصول الغناء، ومنهم من يتلقّى دروس العزف على العود والغيتار والناي والطبلة، من قبل أساتذة محترفين. ولإضفاء مزيدٍ من الاحترافية إلى المشروع، يُطلب من الأطفال الراغبين في الانضمام، الخضوع لامتحان بسيط للصوت والأذن الموسيقية.

إلى متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي، غالباً ما يتوجّه أحمد باللغة الإنجليزية، ليتحدّث عن يومياته وطلّابه. «غالبية مَن يتابعونني أوروبيون وأميركيون، بسبب عملي سابقاً في المدرسة الأميركية»، يوضح. وهو لا يُنكر أنّ سرد الحكاية بلغة يفهمها الغرب، ساعد في انتشار المشروع، وفي الحصول على دعم مادي وآلات موسيقية. أبعد من ذلك: «تبقى الرسالة الأهم أنه فوق الركام والدماء والخوف ورغم الإبادة، ما زلنا نغنِّي. وهذا ما يفاجئ الناس».

كسائر أبناء القطاع، حدثَ أن نام أحمد أبو عمشة من دون عشاء. خسر أحبّة في الحرب، من بينهم أحد طلّابه «يوسف، 15 سنة، الذي ذهب إلى المقهى المجاور ليتصل بأهله ولم يَعُد». ولكن عندما ينطلق الدرس اليوميّ، أو عندما يتحلّق الجميع في سهرة غنائية داخل خيمة النزوح، تعود ابتسامة الأمل رغم أنف «الزنّانة» وسائر أسلحة الترهيب.


مقالات ذات صلة

تركيا تؤكد وجود قضايا مطروحة على قمة الناتو تتطلب حضور ترمب

شؤون إقليمية جانب من اجتماع وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بروكسل الخميس (وزارة الدفاع التركية)

تركيا تؤكد وجود قضايا مطروحة على قمة الناتو تتطلب حضور ترمب

أكدت تركيا أن قضايا مطروحة على قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي ستستضيفها في يوليو (تموز) المقبل لا يمكن اتخاذ قرارات بشأنها دون حضور الرئيس الأميركي ترمب

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي جانب من الدمار جراء غارات إسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في قصف إسرائيلي على غزة

قُتل ثلاثة مواطنين فلسطينيين وأُصيب آخرون بجرح، اليوم الخميس، في قصف إسرائيلي على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة  )
رياضة عالمية مشجعو كرة القدم الفلسطينيون يشاهدون مباراة المجموعة «ج» في كأس العالم لكرة القدم 2026 (أ.ف.ب)

كيف يشاهد أهل غزة كأس العالم 2026؟

بدأت مقاهٍ صغيرة مستحدثة انتشرت في خيام نزوح في قطاع غزة خلال الأشهر الفائتة تنتعش أكثر فأكثر منذ بدء بطولة كأس العالم لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (مخيم النصيرات)
خاص الفلسطيني محمود نوفل يمشط شعر حفيدته رنين (3 سنوات) والتي يتولى رعايتها بعد مقتل والديها في غارة إسرائيلية على خان يونس (أ.ب)

خاص مؤشرات «إيجابية» حول اتفاق غزة بعد لقاء ملادينوف مع «حماس» والوسطاء

أفاد مصدر من فريق مبعوث «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وآخر من حركة «حماس» بوجود مؤشرات «إيجابية» حول المضي في استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الهش في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب) p-circle

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».