في غزة... موسيقي يحوِّل طائرة الاستطلاع «الزنَّانة» إلى عازف في فرقته

أحمد أبو عمشة يخترع جنَّةً من النغم والأغاني لأطفال مخيَّمات النزوح

الموسيقي أحمد أبو عمشة يدرِّس العزف والغناء لأطفال غزة النازحين (صور الفنان)
الموسيقي أحمد أبو عمشة يدرِّس العزف والغناء لأطفال غزة النازحين (صور الفنان)
TT

في غزة... موسيقي يحوِّل طائرة الاستطلاع «الزنَّانة» إلى عازف في فرقته

الموسيقي أحمد أبو عمشة يدرِّس العزف والغناء لأطفال غزة النازحين (صور الفنان)
الموسيقي أحمد أبو عمشة يدرِّس العزف والغناء لأطفال غزة النازحين (صور الفنان)

في كل مرة ينزح فيها أحمد أبو عمشة من ملجأ إلى آخر في غزة، يحمل معه عائلته ومتاعهم الصغير، ويعلِّق الغيتار على كتفه. هذا سلاحُه ضدّ اليأس.

في نزوحه الخامس عشر قبل أيام، غرسَ أوتاد خيمته في رمال شاطئ غزة. غادرها بعض الوقت متجهاً صوب تلّة محاذية، ليتحدّث إلى «الشرق الأوسط»، بعيداً عن ضوضاء الغارات الإسرائيلية التي تعصف بالمدينة.

رحلة أبو عمشة خلال سنتَين من الحرب لم تكن اعتياديّة. لعلّه واحدٌ من بين قلّة قليلة من الغزّيين الذين أصرّوا على رؤية النصف الممتلئ من الكوب المحطّم.

«الموت بعينيك، ولسّه الأمل بقلبك شغّال». هذا ما منحته إياه الموسيقى التي احترفها صغيراً، ودرّسها كبيراً، ولكنه لم يقطف أثمن ثمارها إلا تحت القصف ووسط التشرّد. وجد المؤلّف والعازف والمربّي أحمد أبو عمشة في الموسيقى، حليفاً ساندَه حتى في ترويض أزيز طائرة الاستطلاع الإسرائيلية، أو «الزنّانة» كما يسمّيها أهل غزة.

«الموت بعينيك ولسّه الأمل بقلبك شغّال»... أحمد أبو عمشة (صور الفنان)

«في أحد أيام التحليق المتواصل، وبينما كنت أعطي درساً في الموسيقى للأطفال النازحين، انزعج الطلّاب من التشويش، وطلبوا إيقاف الحصّة»، يسترجع أبو عمشة تفاصيل اليوم الذي حوّل فيه «الزنّانة» إلى عازف في فرقته. «لا. سنواصل الدرس وسنغنّي معها وعلى نوتتها»، أجاب تلاميذه.

أطلق العنان لأغنية من التراث الفلسطيني: «شيل شيل يا جمّال شيل»... كرّرها الأطفال بسهولة، فتحوّلت بسرعة إلى لازمة يتحدّون بها أزيزاً ينخر بوقاحة آذانهم الصغيرة. يوماً بعد يوم، تآلفَ أحمد وطلّابه مع «الزنّانة»، وباتوا يشغّلونها لصالح أغنياتهم.

قبل أن تندلع الحرب، كان أبو عمشة مدرّساً للموسيقى في «المدرسة الأميركية الدولية» في غزة، وفي «معهد إدوارد سعيد للموسيقى». أما الاستوديو الخاص به في بيت حانون؛ حيث كان يؤلّف الألحان ويوزّعها، فقد تدمّر كاملًا.

على طريق النزوح الذي لا آخر له، تناثرت النغمات من رأسه. صار الإيقاعُ دوي قذائف وغارات، والحلمُ إيجاد مأوى وكسرة خبز وقطرة مياه نظيفة لعائلته. «لكن في النزوح السابع، حططتُ الرحال في ملجأ للفنانين في رفح. هناك أتاني شابٌّ بغيتار، وكان قد مضى أكثر من 10 شهور على آخر مرة لمست فيها الآلة». التقطَ أحمد الغيتار وغنّى وسط المخيّم، فالتفّ الأطفال حوله صانعين له جوقة بأصواتهم.

«عندما سمعتهم وأبصرتُ ابتساماتهم المحيطة بي، نسيتُ أننا في حرب. شعرتُ بأن الدنيا لسه حلوة ولسه فيه أمل. كانت تلك المرة الأولى التي ينتابني فيها شعور كهذا، منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)»، يخبر أبو عمشة.

في إحدى خيام النازحين برفح، أبصر مشروع «طيور غزة تغنّي» ملامح ضوءٍ وسط السواد. ومنذ ذلك اليوم، صارت المواعيد يوميّة بين أحمد وأطفال الملجأ والملاجئ المحيطة، ليستعيد معهم مهمته الأساسية، تدريس الموسيقى. أما هم فبدأوا يستعيدون بفَضل تلك الدروس بعض الفرح الذي سلبته إياهم الحرب.

ولكن بما أنّ الهناء ليس قدَر الغزّيين، وجد أبو عمشة نفسه مضطراً للانتقال مجدّداً. الفارق في رحلة النزوح الثامنة تلك، أنه كان يحمل في حقيبته الصغيرة حلماً جديداً يخفّف عبء الطريق. «في خان يونس، أبصرتُ هول المأساة فور وصولي، فلم يكن ثمة مفرّ من استئناف المشروع».

بالتعاون مع بعض زملائه من أساتذة الموسيقى، بدأ أحمد يعطي دروس العزف والغناء للأطفال والمراهقين. رغم الجوع والدمار والمآسي اليوميّة، تعاملَ بجدّية مع الأمر. «الأهالي الذين ضحكوا عليَّ في البداية، قائلين إن الحاجة هي للخبز والماء وليس للموسيقى، عادوا ليشكروني بعد شهر»، يقول أبو عمشة. فتلك اللحظات الموسيقية المسروقة من ساعات الرعب والإحباط، عادت بمنفعة كبيرة على الأطفال، ولا سيما منهم أولئك المصابون بالصدمات، والذين فقدوا القدرة على التواصل والكلام.

دروس العود والناي والغيتار والطبلة يعطيها أحمد وزملاؤه الأساتذة لأطفال المخيمات (صور الفنان)

يشرح كيف أن استخدامه تقنيات العلاج بالموسيقى ساعد هؤلاء الأطفال على التواصل والاختلاط مع الآخرين من جديد. «هذا منَحَني اندفاعة إلى الأمام، ومزيداً من الثقة بفائدة المشروع. ومع الوقت صرنا عائلة كبيرة تجتمع على النغمات والنزوح».

وكأنّ الموسيقى تحوّلت إلى حبل خلاص يتمسّك به أحمد وزملاؤه وطلّابه وعائلاتهم. صاروا ينزحون معاً، ويزرعون مشروعهم أينما حلّوا. وصل عدد التلاميذ إلى مائتين. يتعلّمون أصول الغناء، ومنهم من يتلقّى دروس العزف على العود والغيتار والناي والطبلة، من قبل أساتذة محترفين. ولإضفاء مزيدٍ من الاحترافية إلى المشروع، يُطلب من الأطفال الراغبين في الانضمام، الخضوع لامتحان بسيط للصوت والأذن الموسيقية.

إلى متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي، غالباً ما يتوجّه أحمد باللغة الإنجليزية، ليتحدّث عن يومياته وطلّابه. «غالبية مَن يتابعونني أوروبيون وأميركيون، بسبب عملي سابقاً في المدرسة الأميركية»، يوضح. وهو لا يُنكر أنّ سرد الحكاية بلغة يفهمها الغرب، ساعد في انتشار المشروع، وفي الحصول على دعم مادي وآلات موسيقية. أبعد من ذلك: «تبقى الرسالة الأهم أنه فوق الركام والدماء والخوف ورغم الإبادة، ما زلنا نغنِّي. وهذا ما يفاجئ الناس».

كسائر أبناء القطاع، حدثَ أن نام أحمد أبو عمشة من دون عشاء. خسر أحبّة في الحرب، من بينهم أحد طلّابه «يوسف، 15 سنة، الذي ذهب إلى المقهى المجاور ليتصل بأهله ولم يَعُد». ولكن عندما ينطلق الدرس اليوميّ، أو عندما يتحلّق الجميع في سهرة غنائية داخل خيمة النزوح، تعود ابتسامة الأمل رغم أنف «الزنّانة» وسائر أسلحة الترهيب.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (أ.ف.ب)

زامير: مستعدون «للعودة فوراً وبقوة» للقتال على جميع الجبهات

قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إن الجيش «لا يزال في حالة تأهب قصوى ومستعد للعودة إلى القتال على جميع الجبهات»، في ظل الهدنات الهشة بإيران ولبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج الدكتورة منال رضوان لدى إلقائها كلمة المملكة في الاجتماع (وزارة الخارجية السعودية)

السعودية: الأمن الفلسطيني لا يمكن فصله عن الإقليمي

أكدت السعودية أن الأمن الفلسطيني لا يمكن فصله عن الإقليمي، وأن تحقيق السلام المستدام يتطلب إطاراً يعالج الشواغل الأمنية المتبادلة ويحترم السيادة ويمنع التصعيد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.