سناء الشعلان أول عربية مُرشَّحة لجائزة دولية في «أدب الخيال العلمي»

القائمة القصيرة تضمّ 27 قصة من 2400 عمل حول العالم

روايات سناء شعلان تُنقّب في أسئلة الهوية والحبّ والمستقبل (حسابها الشخصي)
روايات سناء شعلان تُنقّب في أسئلة الهوية والحبّ والمستقبل (حسابها الشخصي)
TT

سناء الشعلان أول عربية مُرشَّحة لجائزة دولية في «أدب الخيال العلمي»

روايات سناء شعلان تُنقّب في أسئلة الهوية والحبّ والمستقبل (حسابها الشخصي)
روايات سناء شعلان تُنقّب في أسئلة الهوية والحبّ والمستقبل (حسابها الشخصي)

اختتمت مسابقة «تاريخ المستقبل»، التي نظّمتها «مؤسّسة ترويج المبادرات العلمية والتعليمية (آتوم)»، مرحلتها الأولى بإعلان القائمة القصيرة من الأعمال المرشَّحة للفوز بـ«جائزة أدب الخيال العلمي».

وضمَّت القائمة 27 قصة قصيرة متميّزة اختيرت من بين أكثر من 2400 عمل أدبي لكتّاب من مختلف أنحاء العالم. وعكس التنوُّع الجغرافي الواسع، وفق المنظّمين، الطابع الدولي للجائزة والاهتمام العالمي المتنامي بـ«أدب الخيال العلمي». وشارك مؤلّفون من روسيا، وأفريقيا، وآسيا، وأميركا الجنوبية، والصين، وأوروبا، في المرحلة الأوسع من المسابقة. وتناولت القصص المُشاركة موضوعاً موحَّداً هو «البحث عن مستقبل متفائل وبنائه»، إذ تُسخَّر التكنولوجيا لخدمة الإنسان، وتُعينه على تجاوز التحدّيات العالمية، وتُبرز أفضل ما في الروح البشرية.

رواية تعكس رؤيتها الإنسانية في المزج بين الواقع والحلم (الغلاف الرسمي)

وحقَّقت الكاتبة الأردنية سناء شعلان حضوراً متميّزاً بقصتها: «أخيراً... سماء صافية وزرقاء» التي تنافس في القائمة القصيرة على الجائزة. وقال رئيس لجنة التحكيم، كاتب الخيال العلمي الروسي المعروف آندريه غيلاسيموف: «كانت مهمّتنا صعبة جداً؛ إذ كان علينا اختيار بضع عشرات فقط من القصص من بين المجموعة الهائلة من الأعمال الموهوبة والأصلية. أُعجبنا ليس فقط بعدد الأعمال، وإنما أيضاً بجودتها العالية. قدَّم كتّاب من جميع أنحاء العالم رؤاهم الفريدة، وغالباً ما كانت غير متوقَّعة، وحيّة ومُفعمة بالأمل تجاه المستقبل. تُقدّم هذه القصص منظوراً فريداً بشأن كيفية تسخير البشرية إمكاناتها الإبداعية».

ورأى المسؤول في مؤسّسة «روساتوم» راعية الجائزة، آندريه تيمونوف، أنّ «(الخيال العلمي) لم يعد مجرّد نوعٍ أدبي، وإنما أصبح جسراً بين الأفكار الجريئة والتقنيات الواقعية. تعكس السرديات التي قدَّمها المؤلّفون الاتجاهات الرئيسية في العلوم الحديثة، مثل التنمية المستدامة، والطاقة الخضراء، والذكاء الاصطناعي، واستكشاف الفضاء». وأكد أنّ دعم هذه الجائزة يُعدّ «استثماراً في المستقبل، وإلهاماً للجيل المقبل من العلماء والمهندسين والحالمين الذين سيبنون عالم الغد».

الملصق الترويجي الرسمي للمسابقة (عن موقع روساتوم)

وتضمّ لجنة التحكيم في المرحلة التالية للتصويت مجموعة من الشخصيات الأدبية والعلمية المرموقة، يُنتظر أن تتولّى اختيار الفائزين في 3 فئات رئيسية: «أفضل قصة قصيرة»، و«أفضل قصة للأطفال والشباب»، و«أفضل قصة بلغة أجنبية».

ومن المقرَّر أن يُتوَّج الفائز بالمسابقة الأوسع من نوعها في مسابقات «أدب الخيال العلمي» الشهر المقبل في «متحف الذرّة» بموسكو.

وقالت الشعلان لـ«الشرق الأوسط» إنّ مشاركتها في هذه الدورة من «جائزة تاريخ المستقبل» بمخطوطتها «أخيراً... سماء صافية وزرقاء» عكست رغبتها في «خوض تجربة راقية، وموضوعها تحفيزيّ وإيجابيّ، فضلاً عن أنه يواكب روح العصر، ويأخذ أمر العلم والمستقبل على محمل الجدّ. وراقني جداً أنني وجدتُ هذه المسابقة ذات بُعد إنساني كوني؛ إذ هي مفتوحة لأيّ مبدع راغب في المشاركة فيها».

ووفق الكاتبة الحاصلة على عشرات الجوائز الأدبية المرموقة محلّياً وعربياً ودولياً، فإنّ القصة المُشاركة في المنافسة «ذات صبغة تفاؤلية قائمة على الاستشراف المستقبليّ للإنسان والعلم والحضارة من منطلق قائم على معطيات العلم ومُقدّراته وتوقّعاته، بعيداً عن الشطحات الفانتازية غير المُرتكزة على العلم وتوقّعاته في ضوء الحاضر والمستقبل وتشوّفاته».

ورأت صاحبة رواية «أعشقني»، التي تدخل أيضاً في إطار «أدب الخيال العلمي»، أنّ هذا المجال الإبداعي «لا يزال متعثّراً في المنطقة العربية بالمقارنة مع التجارب العالمية التي رسمت خطوط هذا الجنس الأدبي وتفوّقت فيه، وأرست قواعده، وأنتجت في موضوعه كثيراً من كلاسيكيات الأدب والسينما وأفلام الكرتون، التي صنعت تاريخاً وبصمةً واتجاهاً، وألهمت الإنسانية وخيالاتها وأحلامها».

رواية «أعشقني» تُعدّ من أبرز أعمال سناء شعلان (الغلاف الرسمي)

وأضافت أنّ كثيراً من الروايات العالمية وأفلام الخيال العلمي كانت جزءاً من رسم خريطة المستقبل انطلاقاً من معطيات العلم؛ إذ «لا يمكن لفنان أو مبدعٍ أن يشارك في معمار الخيال العلمي إن لم يكن على اطّلاع وثيق على منجزات العلم واكتشافاته، مهما كان يملك من مخيالٍ جبّار رحب».

وفي هذا السياق، قالت الشعلان، التي تضمّ مكتبة إنتاجها الأدبي نحو 90 عملاً متنوّعاً، بين مجموعات قصصية وروايات طويلة وأعمال مسرحية وقراءات نقدية، إن «ثمة كثيراً من الأعمال السردية والبصرية والسينمائية التي سبقت التقدُّم العلميّ والاختراعات والاكتشافات بخطوة أو بخطوات، وفي كثيرٍ من الأحيان كانت حافزاً للعلم والعلماء في كثير من الاكتشافات والاختراعات، كما كانت مُلهمة لهم في هذا الشأن».

ولفتت إلى أنّ «مبدعي (أدب الخيال العلمي) ليسوا مجرّد حالمين متخيّلين، بل كتّاب مطّلعون على منجزات العلم وإرهاصاته المستقبلية، ومن المهم التمييز بين الفانتازيا والخيال العلمي، فهما مساران مختلفان تماماً».


مقالات ذات صلة

جائزة «الإنجاز مدى الحياة» للدكتور محمد صايغ

يوميات الشرق د. محمد صايغ ينال جائزة الانجاز مدى الحياة لعام 2026 (الوطنية)

جائزة «الإنجاز مدى الحياة» للدكتور محمد صايغ

اختارت «الجمعية الأميركية لزراعة الأعضاء (AST)» الدكتور محمد صايغ للفوز بجائزة الإنجاز مدى الحياة لعام 2026.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حضور يعكس قوة المعرفة وتأثيرها (الشرق الأوسط)

الأميرة مشاعل بنت محمد آل سعود تحصد جائزة «التميز الإبداعي» في فرنسا

شهدت مدينة ليون الفرنسية حدثاً علمياً بارزاً، تمثّل في منح الأميرة البروفسورة مشاعل بنت محمد آل سعود جائزة «التميز الإبداعي في مجال البحث العلمي»، ضمن فعاليات…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق خالد كمال قدَّم أكثر من عمل سينمائي (صفحته في فيسبوك)

خالد كمال: الشغف يقود اختياراتي الفنية... لا الحسابات

أكد الممثل المصري خالد كمال أنّ «التجربة لم تكن سهلة؛ إذ احتاجت إلى وقت طويل من التحضير والتنفيذ، وهو ما انعكس في النهاية على جودة العمل»...

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع مراسم الوداع الرسمية لملك وملكة بريطانيا في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle

توقعات بوجود ترمب ضمن مرشحي جائزة نوبل للسلام 2026

قال أمين لجنة نوبل النرويجية، الخميس، إن هناك نحو 287 ترشيحاً لجائزة نوبل للسلام لعام 2026 سيتم تقييمهم، مع احتمال وجود الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضمنهم.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
العالم الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز) p-circle

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026. فيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق «وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

معرض فني يحاكي ثورات مصر في ذكرى «30 يونيو»

أحد الأعمال الفنية المشاركة في المعرض (وزارة الثقافة)
أحد الأعمال الفنية المشاركة في المعرض (وزارة الثقافة)
TT

معرض فني يحاكي ثورات مصر في ذكرى «30 يونيو»

أحد الأعمال الفنية المشاركة في المعرض (وزارة الثقافة)
أحد الأعمال الفنية المشاركة في المعرض (وزارة الثقافة)

عبر رصد ملامح الشخصية المصرية في بيئات مختلفة، جاء معرض «30 يونيو... رؤى تشكيلية»، ليجسد معاني متنوعة تشير إلى تلاحم وتكاتف المصريين في وقت الأزمات والثورات، وتعبير الفن عن الهوية والروح الوطنية.

المعرض الذي تنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة بقاعة «آدم حنين» بمركز الهناجر للفنون، ضمن برنامج احتفالات وزارة الثقافة بالذكرى الثالثة عشرة لـ«ثورة 30 يونيو»، تضمن 34 عملاً لـ26 فناناً من أجيال ومدارس فنية مختلفة.

وقالت وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي إن «(ثورة 30 يونيو) تمثل محطة وطنية فارقة في التاريخ المصري الحديث؛ استعادت بها الدولة قيم الهوية والانتماء وترسيخ الإرادة الشعبية».

وأضافت، في بيان للوزارة، الأربعاء، أن «الفنون التشكيلية تمتلك قدرة فريدة على توثيق الوجدان الوطني، وتحويل اللحظات التاريخية الكبرى إلى أعمال إبداعية حية تبقى شاهدة تلهم الأجيال المقبلة».

ويعكس المعرض تنوع الرؤى والمدارس الفنية للمبدعين المشاركين، ويبرز كيف استطاع الفن أن يواكب مسيرة الدولة المصرية مستلهماً تاريخها وحضارتها، بحسب تصريحات وزيرة الثقافة.

وقال الفنان هشام عطوة، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، إن المعرض يأتي في إطار استراتيجية الهيئة لتوظيف الفنون البصرية في تعزيز الوعي الوطني وإبراز قيم الانتماء، من خلال إتاحة منصات تفاعلية للفنانين لتقديم قراءاتهم الإبداعية للأحداث الوطنية الكبرى.

أعمال المعرض تناولت بيئات مصرية مختلفة (وزارة الثقافة)

وأضاف أن «الأعمال المشاركة تعد نتاجاً متميزاً لعدد من الملتقيات الفنية التي نظمتها الهيئة بمختلف المحافظات، مما يعكس ثراء الحركة التشكيلية المصرية وتنوع أساليبها».

وشهد افتتاح المعرض عرضاً فنياً متميزاً لفرقة «النيل للموسيقى والغناء الشعبي»، شمل فقرات من فن التنورة التراثي، في أجواء احتفالية عكست ثراء الموروث الثقافي المصري.

وقال نقيب الفنانين التشكيليين المصريين الفنان طارق الكومي إن المعرض يضم مجموعة من الفنانين من أجيال مختلفة، بعضهم فنانون محترفون وبعضهم من حديثي التخرج، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا المعرض هو نتاج للورش والملتقيات في أماكن مختلفة بمصر مثل الواحات أو سيوة أو غيرهما، وعادة ما تنقل أعمال الفنانين الرؤية البصرية والجمالية الخاصة بهذه الأماكن».

لوحات المعرض تعبر عن الهوية المصرية (وزارة الثقافة)

ويضم المعرض عدداً من اللوحات التي تعبر عن بيئات مصرية مختلفة بالفعل مثل الصحراء والريف والمدينة ومشاهد من «ثورة 30 يونيو»، كما يضم أعمالاً من البيئات الشعبية ومن الحضارة المصرية القديمة. ويرى الكومي أن «التنوع التراثي والاجتماعي للأعمال يعطي رمزية لمصر التي تكون في أوقات الأزمات كتلة واحدة في تكاتف والتحام، ومواجهة كل ما يحيط بها من مشاكل أو محن».

وأكد أن المعرض يعبر عن هذا الأمر، ويقدم رؤى بصرية في هذا الاتجاه، متابعاً: «كما أن (ثورة 30 يونيو) كانت دليلاً على الوعي وحماية الهوية المصرية والالتحام بين كل فئات المجتمع، وهذا ما جعل الشخصية المصرية متماسكة على مدى الحقب التاريخية المختلفة».

لوحة تعبر عن «ثورة 30 يونيو» (وزارة الثقافة)

وإلى جانب الأعمال التي تناولت الحياة المصرية تاريخياً وشعبياً وبيئاتها المختلفة، هناك فنانون ركزوا على «ثورة 30 يونيو» وحاولوا التأريخ لها عبر الفن، وهو ما تؤكده الفنانة أماني زهران، المشاركة في المعرض بلوحة لأحد الجنود وهو يحمل طفلاً يرفع علم مصر ويلتقط صورة معه، وتقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «العمل الذي شاركت به نفذته خصيصاً لهذه الذكرى، فقد كنت أريد رسم لوحة تؤرخ للحدث، وانطلقت من الهتاف الشهير وقتها (الجيش والشعب إيد واحدة)، حيث كان الناس في ميدان التحرير يلتقطون هم وأطفالهم الصور مع الجنود والدبابات».

يشار إلى أن مصر احتفلت، الثلاثاء، بالذكرى الـ13 لـ«ثورة 30 يونيو» التي جرت عام 2013، وشملت الاحتفالات حفلات موسيقية وندوات ومعارض فنية وفعاليات متنوعة في مختلف أنحاء البلاد.


«هوس»... الوجه الآخر للأمنيات

أقسى ما تفعله الأمنية أنها تُقنع الإنسان بأنها صوته (مواقع التواصل)
أقسى ما تفعله الأمنية أنها تُقنع الإنسان بأنها صوته (مواقع التواصل)
TT

«هوس»... الوجه الآخر للأمنيات

أقسى ما تفعله الأمنية أنها تُقنع الإنسان بأنها صوته (مواقع التواصل)
أقسى ما تفعله الأمنية أنها تُقنع الإنسان بأنها صوته (مواقع التواصل)

يبدو «هوس (Obsession)» فيلماً عن أمنية تتحقَّق على نحو كارثي، لكنَّ هذا المدخل لا يلبث أن يفقد أهميته. فالأحداث تعبُر سريعاً فوق الأمنية لتستقرَّ عند الإنسان الذي تمنّاها. ما يهمّ مخرجه الأميركي كاري باركر يتجاوز «تَوقَ الإنسان» نحو الذي يبقى منه عندما يحصل عليه. ففي اللحظة التي يظنّ فيها أنه بلغ غايته، يسقط الوهم الذي كان يحمله عن نفسه.

في البداية، تبدو الأمنية بريئة. يكاد المُشاهد يتماهى معها؛ لأنها تُشبه أحلاماً راودت معظم البشر في لحظة ضعف... أن يُبادلنا الشخص الذي نحبّه الشعور نفسه، وأن تختفي المسافة التي تفصل بين الرغبة وتحقيقها. لكنّ الفيلم يتوقّف خصوصاً عند تلك المسافة؛ لأنها ليست فراغاً زمنياً كما نتخيَّل. إنها المساحة التي يولد فيها الحبّ. فالانتظار، والاحتمال، وإمكان الرفض، والخوف من الخسارة، ليست عوائق في وجه العاطفة. هي العناصر التي تمنحها معناها. وما إن تُنتَزع هذه العناصر حتى يتغيَّر الشعور، وإن ظلَّ يحمل الاسم نفسه.

«هوس» فيلم عن الحرّية رغم انطلاق حكايته من الحبّ. فالحبّ يَفقد معناه عندما يفقد الإنسان قدرته على الاعتراف باستقلال مَن يحبّ. تتولّى الرغبة إعادة كتابة الآخر على قياس حاجاتها، فيختفي حضوره الحقيقي تدريجياً ويستقرّ مكانه شخص آخر صنعته المُخيّلة. هذا جرح الفيلم.

بطله «بير» لا يُخطئ حين يتمنّى أن يكون محبوباً. تبدأ المأساة مع اللحظة التي تتجاوز فيها رغبته حدودها، فتدخل؛ من حيث لم يتوقَّع، في نسيج حياة إنسان آخر. عندها يتبدَّل معنى الذنب كلّياً، ويغدو معرفة موجعة بأنّ أمنيةً خرجت منه أعادت رسم مصيرٍ لم يكن يخصّه. ثم يصبح الزمن شريكاً في العقوبة. فكلّ لحظة تمضي تزيد المسافة اتّساعاً بين ما حدث واللحظة الأولى التي كان في وسعه أن يختار فيها طريقاً أخرى. منذ ذلك الحين، يكفُّ الماضي عن أن يكون ذكرى ويتحوّل إلى المكان الوحيد الذي يتمنّى العودة إليه، بعدما صار كلّ ما يأتي بعده عاجزاً عن محو الأثر الذي تركته رغبة واحدة في روح إنسان آخر.

بعض الأبواب تُفتح مرّة واحدة... من الجهة الخطأ (أ.ب)

لهذا تتّجه معركة «بير» تدريجياً إلى الداخل. «نيكي» تصبح انعكاساً لما يدور فيه أكثر منها خصماً يقف في مواجهته. ومع كلّ ما ينكشف أمامه، يتأكّد أنّ الأمنية لا تنتهي عند لحظة تحقّقها. هي تبدأ هناك حيث يصبح الإنسان مسؤولاً عمّا أحدثه في حياة الآخرين. ثقلُ الفيلم في هذه المعادلة. فالمعرفة تأتي متأخّرة، والزمن يمضي أسرع من القدرة على التراجُع، فيما يبقى الوعي عالقاً عند لحظة واحدة، يُعيد تأمّلها دون نهاية، مُدركاً أنّ الفَهْم مهما بلغ عمقه يعجز عن انتزاع الأثر من مكانه.

يقرأ الممثل الأميركي مايكل جونستون شخصية «بير» من الداخل. لا يبحث عن الانفعال؛ لأنّ الشخصية تجاوزت تلك المرحلة وصارت أسيرة وعيها. كلّ حركة تبدو مُثقَلة بما تعرفه، وكلّ نظرة تحمل عبء ما تعجز عن تغييره. يترك التردُّد ينعكس في إيقاع الجسد ويمنح النظرات ثقلاً يوازي الحوار. ومع كلّ خطوة، يفقد «بير» شيئاً من ثقته في دوافعه الأولى، حتى تنتهي المواجهة إلى بقعة مُعتِمة في نفسه. أداؤه أصاب وجع الإنسان الذي خرج يبحث عن الحبّ، فوجد نفسه وجهاً لوجه أمام حقيقة لم يعد قادراً على التعايُش معها.

الروح لا تضيع في العواصف... تضيع في اليقين (مواقع التواصل)

وأداء الممثلة الأميركية إندي نافاريت يتجاوز تقديم شخصية يبتلعها الحبّ، نحو تجسيد شخصية تفقد ثراءها الإنساني بالتدرُّج. ففي اللحظة التي يصبح فيها شعورٌ واحد المرجعَ الوحيد لفهم العالم، تتساقط بقية المعاني تباعاً... الذاكرة تنكمش، والخيال يضيق، والقدرة على الالتفات إلى الخارج تتضاءل... إلى أن تتحوّل الحياة صدىً متواصلاً لعاطفة يتيمة. معها؛ تتجاوز الشخصية حدودها الدرامية وتصبح تأمّلاً في الطريقة التي يستطيع بها الإنسان أن يختزل نفسه، من دون أن يشعر، إلى إحساس واحد.

لا يرعبنا «هوس» لأنّ الرغبة ذهبت بعيداً. يرعبنا لأننا نعرف كم يمكن لأمنياتنا أن تبدو بريئة وهي تشقّ طريقها نحو الأذى. يرعبنا لأنه يكشف عن أنّ التملُّك لا يبدأ دائماً بصورة فجّة، فقد يبدأ برجاء وخوف وحلم في أن يُحبّنا أحد كما نريد. ثم يكبر الحلم ويخلع اسمه الأول، فيصبح شيئاً آخر يُشبه الحبّ من بعيد ويترك وراءه خراباً لا يعرف كيف يعتذر.


الوجه الآخر لتربية الحيوانات الأليفة... ضغوط نفسية لا يتحدث عنها كثيرون

كلب يتلقى رعاية طبية بعيادة بيطرية في بوليفيا (إ.ب.أ)
كلب يتلقى رعاية طبية بعيادة بيطرية في بوليفيا (إ.ب.أ)
TT

الوجه الآخر لتربية الحيوانات الأليفة... ضغوط نفسية لا يتحدث عنها كثيرون

كلب يتلقى رعاية طبية بعيادة بيطرية في بوليفيا (إ.ب.أ)
كلب يتلقى رعاية طبية بعيادة بيطرية في بوليفيا (إ.ب.أ)

غالباً ما يُنظر إلى تربية الحيوانات الأليفة على أنها تجربة تمنح أصحابها السعادة والرفقة والدعم النفسي، وقد أثبتت دراسات كثيرة فوائدها في التخفيف من التوتر وتعزيز الصحة النفسية. إلا أن هذه الصورة المشرقة لا تروي القصة كاملة، إذ إن امتلاك حيوان أليف قد يرافقه أيضاً قدر كبير من الضغوط النفسية والعاطفية والمالية، وهي جوانب لا تحظى بالاهتمام نفسه، رغم تأثيرها المباشر في حياة كثير من المربين. ووفقاً لصحيفة «إندبندنت»، فإن الاعتراف بهذه التحديات لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالفوائد التي توفرها الحيوانات الأليفة.

وقد تكون تربية حيوان أليف تجربة مليئة بالتقلبات. فهناك لحظات تبعث على السعادة، مثل استقبال كلبك لك بحماس بالغ عند عودتك إلى المنزل، أو خرخرة قطتك وهي تستمتع بالجلوس بين ذراعيك.

وفي المقابل، هناك لحظات صعبة لا تقل حضوراً، مثل الزيارات الطارئة والمُرهقة إلى العيادة البيطرية، أو الاستيقاظ على صوت تقيؤ الحيوان الأليف، أو مواجهة القرار المؤلم بالتخلي عنه بسبب مشكلات صحية أو سلوكيات يصعب التعامل معها.

وبالنسبة لأصحاب الحيوانات الأليفة الذين يواجهون مثل هذه التحديات، فمن المهم لصحتهم النفسية أن يدركوا أن الحيوانات الأليفة قد تكون أيضاً مصدراً للتوتر، وأن بعض الحيوانات تتطلب مستويات أعلى من الرعاية والاهتمام مقارنة بغيرها.

وقد أظهرت الأبحاث أن القطط والكلاب تقدمان فوائد متقاربة للصحة النفسية، إذ يمكن أن تسهما في تخفيف التوتر والقلق والشعور بالإرهاق، حتى لدى الأطفال. كما ثبت أن اقتناء حيوان أليف يعزز الصحة النفسية من خلال غرس الشعور بالهدف وتحمل المسؤولية.

وتقول إميلي هيميندينجر، بصفتها أخصائية اجتماعية سريرية مرخصة ومحبة للحيوانات ومربية كلاب، إنها لمست، على المستويين المهني والشخصي، الأثر الكبير الذي يمكن أن تحدثه الحيوانات الأليفة في الصحة النفسية.

ورغم ذلك، فإن وسائل الإعلام غالباً ما تركز على الجوانب الإيجابية لتربية الحيوانات الأليفة، بينما لا تناقش بالقدر نفسه التحديات والسلبيات التي قد ترافقها. وتشير بعض الدراسات إلى أنه، على الرغم من الفوائد الكثيرة، قد تؤدي الحيوانات الأليفة في بعض الحالات إلى تفاقم بعض المشكلات النفسية أو اضطرابات النوم.

وسواء حصل الشخص على حيوان أليف من خلال التبني أو الشراء، فإن وجوده يضيف إلى الحياة طيفاً واسعاً من المشاعر والتجارب. كما أظهرت الدراسات أن فوائد الحيوانات الأليفة قد تمتد حتى إلى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب منها، حتى وإن لم يكونوا من مُلّاكها.

الحيوانات الأليفة قد تؤدي في بعض الحالات إلى تفاقم بعض المشكلات النفسية (رويترز)

الضغوط الكامنة

على الرغم من الفوائد النفسية والعاطفية الكثيرة لتربية الحيوانات الأليفة، فإن هذه التجربة قد تنطوي أيضاً على أعباء وضغوط مختلفة.

فقد وجدت إحدى الدراسات الاستقصائية أن 47 في المائة من الأميركيين يشعرون بقلق الانفصال عند ترك كلابهم في المنزل.

كما أظهرت الدراسة أن 41 في المائة من مُلّاك الحيوانات الأليفة يعتذرون عن حضور مناسبات اجتماعية لأنهم لا يرغبون في ترك كلابهم بمفردها، في حين قال 70 في المائة إنهم يفضلون العمل عن بُعد حتى يتمكنوا من البقاء في المنزل مع حيواناتهم الأليفة.

وأشار أصحاب الحيوانات الأليفة أيضاً إلى أنهم يشعرون بالقلق من إصابة حيواناتهم بالأمراض، أو هروبها، أو تعرضها للأذى عن غير قصد.

ويُعد التوتر المرتبط بتربية الحيوانات الأليفة أمراً شائعاً، إذ يبدأ منذ مرحلة التدريب على قضاء الحاجة في المكان المخصص، ويمتد إلى الحرص على توفير القدر الكافي من النشاط الجسدي والتحفيز الذهني لها. كما يشمل الالتزام بمواعيد الطبيب البيطري، والتعامل مع الأمراض والإصابات، وتحمل الأعباء المالية، إضافة إلى البحث عن شخص موثوق لرعاية الحيوان عند السفر أو الغياب.

ومن الجوانب التي كثيراً ما يتم تجاهلها أيضاً، الضغط النفسي، وأحياناً الشعور بالخجل، الذي قد يعيشه أصحاب الكلاب العدوانية عند اصطحابها في نزهة، أو عند استقبال الضيوف، أو عندما تكون بالقرب من الأطفال.

ويبقى التحدي الأصعب هو إدراك أن الحيوانات الأليفة تعيش في العادة أعماراً أقصر من أصحابها. وهذا يعني الاستعداد لمراحل الشيخوخة وما يصاحبها من تكاليف علاجية قد تكون مرتفعة، والتخطيط لما بعد وفاة الحيوان الأليف، فضلاً عن مواجهة مشاعر الحزن العميقة التي قد ترافق فقدانه. وبالنسبة لبعض الأشخاص، قد يكون فقدان حيوان أليف أكثر إيلاماً من فقدان إنسان.