تقرير الأفلام السنوي... بانوراما سعودية بين الأرقام والتحوّلات

أول دليل إحصائي سينمائي تصدره «هيئة الأفلام» لقراءة واقع الفن السابع في البلاد

ارتياد السينما يتحول إلى عادة أسبوعية لدى الكثير من السعوديين (هيئة الأفلام)
ارتياد السينما يتحول إلى عادة أسبوعية لدى الكثير من السعوديين (هيئة الأفلام)
TT

تقرير الأفلام السنوي... بانوراما سعودية بين الأرقام والتحوّلات

ارتياد السينما يتحول إلى عادة أسبوعية لدى الكثير من السعوديين (هيئة الأفلام)
ارتياد السينما يتحول إلى عادة أسبوعية لدى الكثير من السعوديين (هيئة الأفلام)

لم يعد مشهد الاصطفاف أمام شبابيك التذاكر في الرياض أو جدة حدثاً لافتاً كما كان قبل أعوام قليلة، بل أصبح جزءاً معتاداً من المشهد اليومي لحياة السعوديين، من صالات ممتلئة، وأفلام محلية تتقاسم الملصقات مع الأعمال العالمية، وحوارات الجمهور على منصات التواصل حول الأفلام الجديدة لم تعد مقتصرة على هوليوود أو بوليوود، بل أصبح للأعمال المحلية نصيب وافر من النقاش، وهذا التحول الاجتماعي والثقافي يترجمه التقرير السنوي الأول لهيئة الأفلام السعودية، الذي صدر أمس.

ورغم أن كثيراً من المعلومات والأرقام التي يقدمها التقرير سبق أن نُشرت في أوقات سابقة، فإن أهميته تكمن في كونه أول منشور إحصائي سنوي مخصص لتتبع نمو وتطور قطاع الأفلام في السعودية، حيث أكد التقرير تصدّر المملكة أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث حجم الإيرادات التي بلغت 845.6 مليون ريال (225.5 مليون دولار) خلال العام الماضي 2024، وهو رقم سبق أن أعلنته الهيئة، لكنها في التقرير تشير إلى أنه في ذات العام سجل شباك التذاكر العالمي انخفاضاً بواقع 13 في المائة بفعل المنافسة الشرسة من منصات البث المباشر، مما يجعل هذا التراجع أشبه بظاهرة عالمية.

18 فيلماً سعودياً

لم يعد الإنتاج المحلي هامشياً أو مناسباتياً؛ إذ شهدت الصالات السعودية عرض 18 فيلماً سعودياً في عام (2024)، وتصدّر فيلم «مندوب الليل» قائمة الإيرادات محققاً 28.6 مليون ريال جراء بيع أكثر من 620 ألف تذكرة، بينما حقق فيلم «شباب البومب» رقماً لافتاً في الحضور الجماهيري؛ إذ تجاوز عدد تذاكره المبيعة 632 ألف تذكرة بإيرادات بلغت 26.6 مليون ريال.

ورغم أن الأفلام الأميركية ما زالت تهيمن على شباك التذاكر المحلي بنسبة 61 في المائة من إجمالي الإيرادات، فإن الحصة السعودية ارتفعت إلى 7 في المائة، وهي نسبة قد تبدو متواضعة عالمياً، لكنها تعكس تطوراً لافتاً في سياق زمني قصير. ويشير التقرير إلى أن الأفلام المصرية جاءت ثانياً بنسبة 25 في المائة، ما يجعل السوق السعودية منصة مزدوجة للأفلام المحلية والعربية، فضلاً عن هيمنة هوليوود المستمرة.

 

حقق العام الماضي أرقاماً غير مسبوقة من حيث عدد الأفلام المحلية وصداها بين الجمهور (هيئة الأفلام)

جمهور أكبر وصالات تتكاثر

كما أن واحداً من أبرز مؤشرات التحول يكمن في توسع البنية التحتية للعرض السينمائي، حيث ارتفع عدد المواقع السينمائية إلى 64 موقعاً تضم 630 شاشة، مقارنة بـ613 شاشة في 2023. وربما الأهم هنا أن المعدل ارتفع من شاشة واحدة لكل 100 ألف نسمة في 2020، إلى 1.8 شاشة لكل 100 ألف نسمة في 2024، مع الزيادة السكانية خلال الفترة نفسها.

في حين شهد متوسط أسعار التذاكر انخفاضاً ملحوظاً وصل إلى 48.27 ريال (13 دولاراً تقريباً)، بتراجع نسبته 28 في المائة عن عام 2020، وهذا الانخفاض لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة سياسات دعم واضحة، مثل خفض رسوم التراخيص وتقديم عروض ترويجية وخصومات، وهو ما جعل الذهاب إلى السينما خياراً مناسباً للأسر والشباب.

استوديوهات بمقاييس عالمية

ولم تقتصر القفزة على صالات العرض، بل امتدت إلى صناعة الإنتاج نفسها، حيث توسعت المساحات المخصصة للاستوديوهات إلى أكثر من 100 ألف متر مربع، مع وجود 17 استوديو إنتاج، و37 مسرحاً صوتياً بمساحة تزيد على 1000 متر مربع لكل منها، ومن المتوقع أن يشهد عام 2025 طفرة نوعية بافتتاح «استوديوهات جاكس» في الرياض على مساحة 7 آلاف متر مربع، وهو مشروع يضع المملكة في مصاف الدول التي تمتلك بنية تحتية متكاملة لجذب الإنتاجات الدولية الكبرى.

 

استديوهات ضخمة من المتوقع تدشينها هذا العام (واس)

مشاريع وحضور دولي

منذ تأسيسها عام 2020، أطلقت «هيئة الأفلام» برامج دعم وحوافز ضخمة، من أبرزها «ضوء» و«الاسترداد المالي»، وبحسب التقرير، فقد حصل أكثر من 70 مشروعاً سينمائياً على دعم مباشر بإجمالي إنفاق تجاوز مليار ريال، شملت إنتاجات محلية وأجنبية صُوّرت داخل المملكة مثل فيلم «قندهار» (2023)، وأعمال قادمة أبرزها «محارب الصحراء». كما أنفق على الإنتاج داخل المملكة في 2024 وحده ما يقارب 93.7 مليون ريال، من خلال 57 مشروعاً مدعوماً، ما يعكس الدور المباشر لهذه الحوافز في تنشيط السوق وخلق فرص عمل جديدة.

وبعيداً عن زخم الأرقام والإنتاج، امتد الدعم إلى المواهب المحلية، حيث شارك سعوديون في مهرجانات مرموقة مثل «كان» و«البندقية»، وفازت الأفلام السعودية بما يقارب 50 جائزة دولية خلال العام، بينها 11 جائزة لأعمال مدعومة من «هيئة الأفلام». وفي المنتدى السعودي للأفلام 2024، حضر أكثر من 70 ألف متخصص من 25 دولة، وتم توقيع 24 اتفاقية بقيمة إجمالية تجاوزت 226 مليون ريال، وهو ما يضع المملكة في قلب شبكات التعاون العالمية.

أرشفة الذاكرة السينمائية

ولأن الصناعة ليست إنتاجاً فقط، بل ذاكرة أيضاً، فقد واصل «الأرشيف الوطني للأفلام» عمله على حفظ التراث السينمائي، حيث أضيف خلال العام الماضي أكثر من 6400 مادة جديدة، وفُهرس ما يزيد على 1000 مادة، ليصل الرصيد إلى 68 ألف مادة أرشيفية. هذه الخطوة ليست تقنية فحسب، بل استراتيجية، لأنها توفر مادة أولية لصناع الأفلام والباحثين، وتؤسس لذاكرة وطنية تحفظ التحولات الثقافية للمجتمع السعودي.

وبالنظر إلى هذه الأرقام مجتمعة، يتضح أن السينما السعودية انتقلت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الرسوخ، فالصالات التي كانت حلماً قبل 7 سنوات أصبحت اليوم 600 شاشة، والأفلام السعودية التي كانت تُنتج على فترات متقطعة صارت تدخل سباق شباك التذاكر بجوار أضخم إنتاجات هوليوود، كما أن هذا النمو لا يتم بمعزل عن رؤية السعودية 2030، التي وضعت الثقافة والترفيه ضمن ركائزها، باعتبار أن السينما هنا ليست مجرد تسلية، بل أداة اقتصادية تخلق وظائف، وتجذب استثمارات، وتفتح نوافذ للحوار الثقافي مع العالم.


مقالات ذات صلة

إدانة عربية إسلامية لانتهاكات إسرائيل المتكررة في القدس

الخليج أكدت 8 دول أن تصرفات إسرائيل في المسجد الأقصى تمثل استفزازاً غير مقبول للمسلمين في أنحاء العالم (أ.ف.ب)

إدانة عربية إسلامية لانتهاكات إسرائيل المتكررة في القدس

أدانت السعودية والأردن والإمارات وقطر وإندونيسيا وباكستان ومصر وتركيا انتهاكات إسرائيل المتكررة للوضع التاريخي والقانوني في المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من مراسم توقيع الاتفاقية بين السعودية وسويسرا في جدة الخميس (واس)

اتفاقية سعودية - سويسرية لتشجيع الاستثمارات المتبادلة

أبرمت السعودية وسويسرا اتفاقية التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات، بهدف تعزيز واستقرار البيئة الاستثمارية، وحماية حقوق المستثمرين، ودعم تدفق الاستثمارات.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

جدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، موقف المملكة العربية السعودية الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

خاص الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق شارك في العملية 30 من الاستشاريين والإخصائيين والكوادر التمريضية والفنية (واس)

السعودية: نجاح فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

نجح فريق «البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة» في فصل التوأمتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، بعد عملية جراحية تُعد من أكثر الحالات تعقيداً على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.