مؤتمر «الاستثمار الثقافي» يشهد اتفاقيات بخمسة مليارات ريال لتمكين القطاع

وزير الثقافة أعلن عن قرب إطلاق جامعة «الرياض للفنون»

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يلقي كلمته في افتتاح المؤتمر (وزارة الثقافة)
الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يلقي كلمته في افتتاح المؤتمر (وزارة الثقافة)
TT

مؤتمر «الاستثمار الثقافي» يشهد اتفاقيات بخمسة مليارات ريال لتمكين القطاع

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يلقي كلمته في افتتاح المؤتمر (وزارة الثقافة)
الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان يلقي كلمته في افتتاح المؤتمر (وزارة الثقافة)

شهدت النسخة الأولى لمؤتمر «الاستثمار الثقافي»، الذي احتضنته العاصمة السعودية، الإعلان عن إنشاء جامعة «الرياض للفنون»، وتوقيع عدد من الاتفاقيات بقيمة تُقارب 5 مليارات ريال لتطوير القطاع الثقافي السعودي.

وانطلقت، الاثنين، أعمال مؤتمر «الاستثمار الثقافي» 2025 في مركز الملك فهد الثقافي بمدينة الرياض، الذي نظمته وزارة الثقافة، بمشاركة أكثر من 150 متحدثاً و1500 مشاركٍ من كبار صنّاع القرار وقادة الثقافة والاستثمار على مستوى السعودية والعالم.

وأعلن وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إنشاء جامعة «الرياض للفنون»، لتسهم في رفد القطاع الثقافي بالمواهب والمبدعين. وقال الأمير بدر، إن الوزارة تسعى إلى أن تكون الجامعة ضمن أفضل 50 جامعة دولية متخصصة في الفنون، مؤكداً أن الثقافة أصبحت عنصراً مؤثراً بعوامل قابلة للقياس، ونماذج قابلة للتوسع وقيمة طويلة الأجل.

توقيع عدد من الاتفاقيات بقيمة تُقارب 5 مليارات ريال لتطوير القطاع الثقافي السعودي (تصوير: بشير صالح)

وخلال كلمته في افتتاح أعمال الدورة الأولى من مؤتمر «الاستثمار الثقافي»، قال الأمير بدر إن المؤتمر سيسهم في تعزيز دور القطاع الخاص بصفته شريكاً استراتيجياً وأساسياً في رحلة تطوير القطاع الثقافي السعودي، أمام النمو المتسارع للصناعات الإبداعية والتنموية بالسعودية، مشيراً إلى أن المؤتمر سيسهم في تعزيز هذه الشراكة الاستراتيجية، من خلال ما سيشهده من توقيع 89 اتفاقية بقيمة 5 مليارات ريال.

وتابع وزير الثقافة السعودي أن القطاع الثقافي السعودي شهد، منذ انطلاق «رؤية 2030»، نقلة تاريخية حوّلته إلى رافعة اقتصادية أساسية قفزت بنسبة مساهمته في الناتج الإجمالي المحلي إلى 1.6 في المائة، ووصل عدد العاملين إلى 235 ألفاً، وبلغت قيمة الدعم المالي المتدفق إليه ما يقارب 2 مليار دولار في عام 2024، في حين بلغت استثمارات بنيته التحتية مستويات تاريخية، تجاوزت 81 مليار ريال.

13 كلية تغطي مجموعة التخصصات الثقافية

وقال عبد الرحمن المطوع المتحدث الرسمي لوزارة الثقافة السعودية، إن جامعة «الرياض للفنون» التي أعلن عن إطلاقها، ستسعى إلى أن تكون منصة تعليمية رائدة في التعليم الإبداعي، من خلال الشراكات مع مؤسسات أكاديمية دولية رائدة في التخصصات الثقافية، وتقديم برامجها التعليمية بنهج يدمج ما بين التعليم النظري والتطبيقي، كما ستقدم منحها الدراسية للمواهب الثقافية، موضحاً أنها ستفتح أبوابها في حي عرقة بمدينة الرياض، وسيتاح نشر تفاصيلها كافة في الربع الأول من 2026.

إحدى جلسات المؤتمر بمشاركة خالد الفالح وزير الاستثمار وفيصل الإبراهيم وزير الاقتصاد (تصوير: بشير صالح)

وكشف المطوع في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن الجامعة ستضم 13 كلية ثقافية تغطي مجموعة واسعة من التخصصات؛ مثل الأفلام، والموسيقى، والإدارة الثقافية، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي، وفنون الطهي، وغيرها، بشراكات مع مؤسسات دولية رائدة في قطاع التعليم الثقافي، موضحاً أن الدفعة الأولى من برامجها ستبدأ بثلاث كليات، وهي: كلية المسرح والفنون الأدائية، وكلية الموسيقى، وكلية الأفلام، وستقدم الجامعة برامجها التعليمية بالدرجات التعليمية، الدبلوم، والبكالوريوس، والدبلوم العالي، والماجستير، والدكتوراه، بالإضافة إلى البرامج القصيرة.

1700 مستثمر أجنبي في القطاع الثقافي السعودي

وخلال الجلسة الأولى التي عقدت تحت عنوان: «من السياسات إلى الازدهار - خريطة طريق وطنية للنمو المرتكز على الثقافة»، قال خالد الفالح وزير الاستثمار السعودي، إن 1700 رجل أعمال من بين 52 ألف ترخيص وسجل تجاري للمستثمرين الأجانب في السعودية، يستثمرون في مجالات الثقافة والفنون والترفيه، مؤكداً أن وزارة الاستثمار ستدعم القطاع الثقافي من خلال تحديد متطلبات كل قطاع ثقافي، واستقطاب المستثمرين، وتقديم الدعم التمويلي، وتنظيم ورش العمل لتشجيع دخول القطاع.

وأشار الفالح إلى أن الخطوات التي اتخذت وتشمل تسريع إجراءات الترخيص، وبناء سلاسل قيمة متكاملة، إضافة إلى إشراك المانحين والمؤسسات الخيرية، أثمرت أكثر من 40 فرصة استثمارية، منها مشاريع بدأت تحقق أرباحاً وأخرى واعدة.

1500 مشاركٍ من كبار صنّاع القرار وقادة الثقافة والاستثمار على مستوى السعودية والعالم (تصوير: بشير صالح)

وبيّن أن الحوافز النقدية وغير النقدية التي شهدها القطاع الثقافي السعودي أحدثت زخماً كبيراً، بدءاً من صناعة السينما وجذب المنتجين العالميين، مروراً ببرنامج المحتوى الرقمي (Ignite) الذي وفّر حزم دعم للرسوم المتحركة والأفلام القصيرة، ووصولاً إلى حزم جديدة تستهدف فنون الطهي والفنون البصرية والموسيقى والأزياء وغيرها، منوهاً بأن هذه الجهود ستسهم في مضاعفة الوظائف 3 مرات خلال السنوات الست المقبلة، مع توسع دور القطاع الخاص.

من جهته، قال فيصل الإبراهيم وزير الاقتصاد والتخطيط في السعودية، إن القطاع الإبداعي يُقدَّر عالمياً بـ3.4 تريليون دولار، ما يجعله استثماراً محورياً في الموجة الأولى لتنويع الاقتصاد، موضحاً أن السعودية انتقلت من قيم اقتصادية سلبية إلى إيجابية بفضل الثقافة، التي باتت أداة رئيسية لجذب المبدعين وتحفيز النمو.

وأشار الإبراهيم إلى أن كل دولار يُستثمر في القطاع الثقافي يولّد أثراً اقتصادياً مضاعفاً يصل إلى 2.5 دولار، فضلاً عن كونه قطاعاً واعداً لخلق فرص العمل المباشرة، لافتاً إلى العمل على تدريب نحو 5 آلاف شخص، ورعاية آلاف الطلاب للحصول على درجات علمية مرتبطة بـ«رؤية 2030».

متحدث وزارة الثقافة قال إن جامعة «الرياض للفنون» ستضم 13 كلية متخصصة (تصوير: تركي العقيلي)

مؤكداً، أن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي وصلت بالفعل إلى نصف المستهدف، بفضل التوسع في المشاريع وتسريع إجراءات الترخيص، وأن الهدف هو مضاعفة حجم القطاع 3 مرات بحلول 2030، في إطار الهدف الأوسع المتمثل في بناء اقتصاد متنوع يرتكز على تكامل الثقافة مع السياحة والرياضة، مع بقاء الثقافة في قلب القطاع الإبداعي ودورها الجامع بين مختلف المجالات.

وتستمر أعمال مؤتمر «الاستثمار الثقافي» الثلاثاء، بدفعة أخرى من الجلسات والاتفاقيات التي تدعم تعزيز التعاون بين العاملين في القطاع ومحيطه التنظيمي والتشريعي، إلى جانب حواضن المبدعين ومسرّعات الأعمال، وكل المهتمين بمسيرة تمكين القطاع الثقافي في السعودية.

ويأتي المؤتمر في ظل النمو المتصاعد للقطاع الثقافي السعودي، وما يشهده من مقومات واعدة تعزز بناء صناعة ثقافية مستدامة، وتفتح آفاقاً أوسع للاستثمار والإبداع.


مقالات ذات صلة

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

ثقافة وفنون موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

بيعت لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن مبادرة دعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه الدكتور فضلي زون في جاكرتا الاثنين (وزارة الثقافة السعودية)

السعودية وإندونيسيا لرفع مستوى التعاون الثقافي

أعرب الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، عن اعتزازه بالروابط المتينة التي تجمع بلاده وإندونيسيا، والتعاون القائم بينهما في المجالات الثقافية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح وسعرها 1300 جنيه إسترليني تُباع في متجر حلويات في غرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.